نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 19 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 19 صبحی صالح

19- و من كتاب له ( عليه‏ السلام  ) إلى بعض عماله‏

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَ قَسْوَةً وَ احْتِقَاراً وَ جَفْوَةً وَ نَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلًا لِأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ وَ لَا أَنْ يُقْصَوْا وَ يُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ

فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ وَ دَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَ الرَّأْفَةِ وَ امْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَ الْإِدْنَاءِ وَ الْإِبْعَادِ وَ الْإِقْصَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج 18  

و من كتاب له عليه السلام الى بعض عماله‏ و هو المختار التاسع عشر من باب كتبه و رسائله‏

أما بعد فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك قسوة و غلظة و احتقارا و جفوة؛ فنظرت فلم أرهم أهلا لأن يدنوا لشركهم، و لا أن يقصوا و يجفوا لعهدهم؛ فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة، و داول لهم بين القسوة و الرأفة، و امزج لهم بين التقريب و الادناء، و الابعاد و الاقصاء إن شاء الله.

المصدر

قال اليعقوبي في تاريخه (ص 179 ج 2 طبع النجف): كتب علي عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة الأرحبي: أما بعد فإن دهاقين عملك شكوا غلظة و نظرت في أمرهم فما رأيت خيرا فلتكن منزلتك بين منزلتين جلباب لين بطرف من الشدة في غير ظلم و لا نقص، فإن هم أجبونا صاغرين فخذ مالك عندهم و هم صاغرون، و لا تتخذ من دون الله وليا فقد قال الله عز و جل: لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء، و قال تبارك و تعالى: و من يتولهم منكم فإنه منهم‏ و فرعهم بخراجهم و قاتل من ورائهم، و إياك و دماءهم و السلام. انتهى.

الظاهر أنهما كتاب واحد نقل الرضي طائفة منه في النهج على ما هو أبه من التقاط الفصيح من كلامه عليه السلام و رفض ما عداه، و نقل اليعقوبي طائفة اخرى منه في تاريخه، إلا أن صدره روي بروايتين مختلفتين في الجملة، و يؤيده ما في‏ شرح الفاضل البحراني من أن المنقول أن هؤلاء الدهاقين كانوا مجوسا فإن الأمير عليه السلام أمره على فارس و على البحرين كما في الاستيعاب و اسد الغابة فهذا الكتاب إنما كتبه إليه لما كان عامله على فارس لأنهم كانوا مجوسا يعبدون النار، و هذا القول لا ينافي قول الأمير عليه السلام: و قال جل و عز في أهل الكتاب- إلخ؛ لأنهم كانوا أهل كتاب لما مر في ذلك خبر مروي عنه عليه السلام من كتاب التوحيد للصدوق قدس سره حيث قال الأشعث بن قيس للأمير عليه السلام: يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ من المجوس الجزية و لم ينزل عليهم كتاب و لم يبعث إليهم نبي؟ قال: بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتابا و بعث إليهم رسولا- إلخ؛ فراجع إلى شرحنا على المختار الثامن من باب الكتب و الرسائل (ص 312 ج 17).

ثم إن العامل المذكور قد عرف في الكتب الرجالية بأبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي ربيب رسول الله صلى الله عليه و اله امه ام سلمة هند المخزومية زوج النبي صلى الله عليه و اله و شهد مع علي عليه السلام الجمل و استعمله على البحرين و على فارس و توفى بالمدينة أيام عبد الملك ابن مروان سنة ثلاث و ثمانين كما في الاستيعاب و الإصابة و اسد الغابة، و قد يأتي كتاب آخر من أمير المؤمنين علي عليه السلام إليه المعنون بقول الرضي و من كتاب له عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي و كان عامله على البحرين- إلخ، و هو الكتاب الثاني و الأربعون، و لا تنافي ظاهرا بين قولهم بكونه مخزوميا و بين قول اليعقوبي بكونه أرحبيا لأنه يمكن أن يكون من المخزومي ثم أحد أرحب بن دعام من همدان، و لم يذكر في الكتب الرجالية عمر بن أبي سلمة غيره إلا عمر بن أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة و لكن لم يقل أحد بأن الأمير عليه السلام أمره على بلد أو قرية أو طائفة؛ على أنه قتل بالشام سنة اثنتين و ثلاثين مع بني امية كما في التقريب لابن حجر و قد كانت أمارة أمير المؤمنين علي عليه السلام من سنة خمس و ثلاثين.

و قد ذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى (ص 171 ج 6 طبع بيروت) عمرو بن سلمة بن عميرة الهمداني الأرحبي و قال: انه روى عن علي عليه السلام و عبد الله و كان شريفا، و لكن الأمير عليه السلام لم يستعمله، ثم اين هو و عمر بن أبي سلمة فالظن القوي المتاخم بالعلم بالفحص و الطلب حاصل لنا بأن عمر بن أبي سلمة الأرحبي هو عمر بن أبي سلمة المخزومي و الكتابان واحد. و الله هو العالم.

ثم قد عثرنا في هذه الأيام و الأوان على كتابين أحدهما مترجم بمستدرك نهج البلاغة و مداركه لمؤلفه العالم المتضلع: الهادي كاشف الغطاء، و الثاني بجمهرة رسائل العرب لجامعها الفاضل المتتبع: أحمد زكي صفوت، أما الأول فقد خصص للنهج خاصة و قد أتى بمدارك كثير من خطب النهج و رسائله و حكمه، و أما الثاني فموضوعه عام إلا أنه ذكر فيه كتبا و رسائل كثيرة لأمير المؤمنين علي عليه السلام مع الإشارة إلى ماخذه و مصادره غالبا من غير النهج أيضا؛ و لعمري إنهما قد بذلا الجهد في تأليفهما و أجادوا و أفادا، إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا و لكن مصدر هذا الكتاب لأمير المؤمنين عليه السلام إلى بعض عماله، و الذي قبله إلى عبد الله بن عباس ليس بمذكور فيهما.

و ليعلم أنا- لله الحمد- قد وفقنا بالعثور على كثير من مصادر ما في النهج، و خطب و رسائل و حكم للأمير عليه السلام بطرق عديدة و أسانيد كثيرة من الجوامع الروائية التي ألفها قبل الرضي علماؤنا الأقدمون، و هي تزيد على ما في الكتابين المذكورين بأضعاف مضاعفة.

اللغة

(دهاقين) بفتح الدال جمع دهقان بكسرها، فارسى معرب أصله دهگان مخفف ديهيگان ففي برهان قاطع: دهگان با كاف پارسى بر وزن و معنى دهقان است كه زراعت كننده و مزارع باشد و دهقان معرب آنست، و مردم تاريخى و تاريخ دان را نيز گفته‏اند. انتهى. و كثيرا ما يستعمل في الفارسية على صورتها

المعربة قال الشاعر:

دهقان سالخورده چه خوش گفت با پسر كاى نور چشم من بجز از كشته ندروى‏

و في البيان و التبيين للجاحظ (ص 345 ج 3) قال فتى طيب من ولد يقطين:

رب عقار باذرنجية اصطدتها من بيت دهقان‏

قال ابن الأثير في النهاية: في حديث حذيفة انه استسقى ماء فأتاه دهقان بماء في إناء من فضة، الدهقان بكسر الدال و ضمها: رئيس القرية، و مقدم النساء، و أصحاب الزراعة؛ و هو معرب و نونه أصلية كقولهم تدهقن الرجل و له دهقنة موضع كذا؛ و قيل: النون زائدة و هو من الدهق الامتلاء و منه حديث علي عليه السلام أهداها إلي دهقان. انتهى.

أقول: قوله الدهقان بكسر الدال و ضمها مبني على أصلهم في التعريب: عجمي فالعب به ما شئت، و إلا فأصله بكسر الدال، و تفسيره برئيس القرية مبني على أصل الكلمة فانها مركبة من ده و گان و أحد معاني گان في الفارسية: الأمير و الرئيس و الملك و قد تطلق على الملك الظالم.

و قال الفيومي في المصباح: الدهقان معرب: يطلق على رئيس القرية و على التاجر و على من له مال و عقار، و داله مكسورة؛ و في لغة تضم و الجمع دهاقين و دهقن الرجل و تدهقن كثر ماله. انتهى.

(قسوة) قسا قلبه يقسو من باب نصر قسوة: صلب و غلظ فهو قاس و قسي فالقسوة: غلظ القلب، قال الراغب في المفردات: أصله من حجر قاس، و المقاساة معالجة ذلك، قال تعالى: ثم قست قلوبكم‏- … فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله‏ و قال تعالى: و القاسية قلوبهم‏- … و جعلنا قلوبهم قاسية و قرئ قسية أي ليست قلوبهم بخالصة من قولهم درهم قسي و هو جنس من الفضة المغشوشة فيه قساوة أي صلابة، قال الشاعر: صاح القسيات في أيدي الصياريف.

استعاره (الغلظة) بتثليث الغين: الخشونة و ضد الرقة، قال الراغب: أصله أن يستعمل في الأجسام لكن قد يستعار للمعاني كالكبير و الكثير، قال تعالى: و ليجدوا فيكم غلظة و قال: ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ و قال: فاستغلظ فاستوى على سوقه‏.

(جفوة) تقول: جفوته أجفوه جفوة و جفاء أى فعلت به ما ساءه و يقال على المجاز: أصابته جفوة الزمان و جفاوته كما في الأساس و الجفاء خلاف البر كما في الصحاح، و الجفوة: ضد المواصلة و المؤانسة كما في الأقرب.

(يدنوا) من الإدناء، يقال: أدنى الشي‏ء إذا قربه إليه كثيرا، و منه قولهم: دخلت على الأمير فرحب بي و أدنى مجلسي.

(يقصوا) من الإقصاء خلاف الإدناء أي الإبعاد، يقال: أقصاه عنه إقصاء أي أبعده عنه كثيرا.

(يجفوا) من قولك جفوت الرجل أجفوه جفاء أي أعرضت عنه أو طردته فهو مجفو.

(جلبابا) قال في فتن البحار (ص 633 ج 8): الجلباب: الإزار، و الرداء أو الملحفة، أو المقنعة. انتهى، و قال الفيومي في المصباح: الجلباب ثوب أوسع من الخمار و دون الرداء، و قال ابن الأعرابي: الجلباب إزار، و قال ابن فارس:

الجلباب ما يغطى به من ثوب و غيره، و الجمع جلابيب، و تجلببت المرأة لبست الجلباب، انتهى ما في المصباح، قال الجوهري في الصحاح: الجلباب: الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا:

تمشي النسور إليه و هي لاهية مشى العذارى عليهن الجلابيب‏

و المصدر الجلببة و لم تدغم لأنها ملحقة، و في منتهى الأرب في لغة العرب:

جلباب كسرداب و سنمار: پيراهن و چادر زنان، و معجر يا چادرى كه زنان لباس خود را بدان از بالا بپوشند جلابيب جمع.(تشوبه) أي تخلطه، يقال: شاب الشي‏ء يشوبه شوبا و شيابا من باب نصر أي خلطه، و في المثل هو يشوب و يروب يضرب لمن يخلط في القول و العمل.(طرف) بالتحريك طائفة من الشي‏ء و قطعة منه، قال تعالى: ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين‏ (آل عمران- 124) قال في الكشاف:ليهلك طائفة منهم بالقتل و الأسر و هو ما كان من يوم بدر من قتل سبعين و أسر سبعين من رؤساء قريش و صناديدهم.(داول) امر من المداولة، في القرآن الكريم: و تلك الأيام نداولها بين الناس‏ (آل عمران- 124) قال البيضاوي أي نصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة و لهؤلاء اخرى كقوله:

فيوما علينا و يوما لنا و يوما نساء و يوما نسر

و المداولة كالمعاورة يقال: داولت الشي‏ء بينهم فتداولوه، انتهى، دالت الأيام أي دارت، و الله يداولها بين الناس أي يديلها، و الإدالة الإدارة، الماشي يداول بين قدميه أي يراوح بينهما، و في البحار: المداولة: المناوبة.

(الرأفة): الرحمة، قال تعالى: لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله‏ (النور- 3) (امزج) امر من مزج الشي‏ء بالشي‏ء مزجا و مزاجا إذا خلطه به، و الادناء أشد قربا من التقريب، و الإقصاء أكثر بعدا من الإبعاد.

الاعراب‏

(فلم أرهم) أر، فعل للمتكلم وحده مجزوم بلم أصله أرأى من رأى يرأى لكن الهمزة هذه لا تستعمل في غير الماضي و يقال: يرى فالمتكلم وحده أرى و إذا اسقطت لامه بالجازمة صار أر، قال تعالى: أ لم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل‏ و الأمر منه: ر، ريا، روا، رى، ريا، رين؛ و قد يستعمل غير الماضي على الأصل، و الماضي على غير الأصل للضرورة كقوله: و من يتملى العيش يرأى و يسمع، و قول آخر: صاح هل ريت أو سمعت براع.

(أهلا) مفعول ثان لقوله لم أر، (لأن) الجار متعلق بالأهل، (لشركهم) اللام للتعليل، و كذا لعهدهم، و الأفعال الثلاثة منصوبة بحذف النون بأن، (فالبس)الفاء فصيحة أي إذا كان أمرهم على هذا المنوال من الشرك و العهد فالبس- إلخ جملة (تشوبه …) صفة لقوله جلبابا، (داول) معطوف على البس و كذلك امزج.(إن شاء الله) متعلق بكل واحد من أفعال الأمر الثلاثة.

المعنى‏

تقدم في المصدر أن عمر بن أبي سلمة كان أميرا على فارس من قبل أمير المؤمنين عليه السلام و كان أهل فارس يومئذ مشركين؛ و شكا أكابرهم و أرباب أملاكهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام غلظته و خشونته عليهم و احتقاره و استصغاره إياهم فكتب عليه السلام إليه أن يسلك معهم مسلكا متوسطا بأن تكون منزلته معهم بين منزلتين‏ جلباب لين بطرف من الشدة فلا يدنيهم كل الدنو لأنهم ليسوا لذلك أهلا لكونهم مشركين و لا يبعدهم كل الإبعاد و لا يجفوهم لكونهم معاهدين، فإن معاملتهم بذلك النهج يمنعهم عن التمرد و الطغيان عن المعاهدة و الذمة، و يحفظ عظمة الدين و صولته و قوته في أعينهم، و يوجب تأليف قلوبهم و مراعاة شرائط المعاهدة في حقهم و عدم خلل في انتظام امورهم.

و جعل عليه السلام الاتصاف بهذا النهج الوسط جلبابا على التجسيم و التشبيه تصويرا له كقوله تعالى: فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف‏ (النحل- 114).

و كلامه هذا وزان ما قاله لمعقل بن قيس في الكتاب الثاني عشر: فقف من أصحابك وسطا و لا تدن من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب و لا تباعد منهم من يهاب البأس، و وزان قوله: الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله و لم يؤيسهم من روح الله و لم يؤمنهم من مكر الله.

ثم قيد أوامره بالمشية إما تحريضا له إلى العمل المطابق لأوامره، كأنه قال أرجو منك أن تفعل بما أشرنا عليك؛ و إما تنبيها له على أن ما أشرنا عليك من المماشاة معهم و معاملتهم بذلك النحو انما يجب أن يكون على وجه يرضاه الله و يشاءه، كأنه عليه السلام يقوله: إني و إن كنت أمرتك بها و لكنك تعاشرهم و تعيش‏ فيهم و ترى أحوالهم و أفعالهم فعليك بعمل معهم يحبه الله و يرضاه و إما طلبا من الله تعالى المدد و التوفيق له بعمل ما أمره بها.

الترجمة

اين نامه ‏ايست كه أمير المؤمنين علي عليه السلام به عمر بن أبي سلمة كه از جانب آن حضرت حاكم فارس بود نوشته است- و آن كتاب نوزدهم از باب كتب و رسائل نهج البلاغة است:

أما بعد دهقانان شهر تو از درشتى و سنگ‏دلى و خوار داشتن و بدى تو شكايت كرده ‏اند پس در باره‏ شان نگريستم و انديشه كردم نه آنانرا شايسته نزديك گردانيدن ديدم زيرا كه مشركند. و نه سزاوار دور گردانيدن و طرد كردن از آن روى كه با ايشان عهد بستيم و در ذمه ما هستند و چون أمرشان بدين منوال است پس بپوش برايشان جامه نرمى كه پود آن پاره ‏اى از درشتى باشد و روزگار را برايشان ميان سخت دلى و مهرباني بگردان، و بياميز با ايشان ميان نزديك گردانيدن و بنهايت نزديكى رساندن، و ميان دور ساختن و بغايت دور ساختن اگر خدا بخواهد (يعنى با اين همه چون تو نزديكى و با آنها حشر دارى و كارشان را از نزديك مى‏نگرى آن چنان با آنها رفتار كن كه خدا بخواهد و مرضي او باشد).

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 18 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 18 صبحی صالح

18- و من كتاب له ( عليه‏ السلام  ) إلى عبد الله بن عباس و هو عامله على البصرة

وَ اعْلَمْ أَنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ وَ مَغْرِسُ الْفِتَنِ فَحَادِثْ أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَ احْلُلْ عُقْدَةَ الْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَ قَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيمٍ وَ غِلْظَتُك عَلَيْهِمْ وَ إِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلَّا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ وَ إِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَ لَا إِسْلَامٍ

وَ إِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةً وَ قَرَابَةً خَاصَّةً نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا وَ مَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا

فَارْبَعْ أَبَا الْعَبَّاسِ رَحِمَكَ اللَّهُ فِيمَا جَرَى عَلَى لِسَانِكَ وَ يَدِكَ مِنْ خَيْرٍ وَ شَرٍّ فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذَلِكَ وَ كُنْ عِنْدَ صَالِحِ ظَنِّي بِكَ وَ لَا يَفِيلَنَّ رَأْيِي فِيكَ وَ السَّلَامُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج 18  

و من كتاب له عليه السلام الى عبد الله بن عباس و هو عامله على البصرة و هو المختار الثامن عشر من باب كتبه و رسائله عليه السلام‏

اعلم أن البصرة مهبط إبليس، و مغرس الفتن؛ فحادث أهلها بالإحسان إليهم، و احلل عقدة الخوف عن قلوبهم؛ و قد بلغني تنمرك لبني تميم، و غلظتك عليهم، و إن بني تميم لم يغب لهم نجم إلا طلع لهم آخر، و إنهم لم يسبقوا بوغم في جاهلية و لا إسلام، و إن لهم بنا رحما ماسة و قرابة خاصة، نحن مأجورون على صلتها، و مأزورون على قطيعتها، فاربع أبا العباس- رحمك الله- فيما جرى على يدك و لسانك من خير و شر، فإنا شريكان في ذلك، و كن عند صالح ظني بك، و لا يفيلن رأيي فيك، و السلام.

المصدر

روى أن ابن عباس كان قد أضر ببني تميم حين ولي البصرة من قبل‏ علي عليه السلام لما عرفهم به من العداوة يوم الجمل لأنهم كانوا من شيعة طلحة و الزبير و عائشة فتنكر عليهم و سماهم شيعة الجمل و أنصار عسكر[1] و حزب الشيطان فاشتد ذلك على نفر من شيعة علي عليه السلام من بني تميم منهم جارية بن قدامة[2] فكتب بذلك إلى علي عليه السلام يشكو ابن عباس فكتب عليه السلام إلى ابن عباس: «أما بعد فإن خير الناس عند الله أعملهم بطاعته فيما له و عليه، و أقولهم بالحق و إن كان مرا ألا و إنه بالحق قامت السماوات و الأرض فيما بين العباد فلتكن سريرتك فعلا، و ليكن حملك واحدا، و طريقتك مستقيمة و اعلم أن البصرة مهبط إبليس- إلخ.

أقول: هكذا قال العالم الشارح البحراني قدس سره في شرحه على النهج، و نقل عنه المحدث الجليل المجلسي رضوان الله عليه في ثامن البحار (ص 634 من الطبع الكمباني) و أتى به الفاضل الهادي كاشف الغطا رحمة الله عليه في مستدرك نهج البلاغة، و مداركه، و لكن روى أبو الفضل نصر بن مزاحم المنقري الكوفي المتوفى (212 ه ق) في كتابه صفين (ص 57 من الطبع الناصري) أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب إلى عبد الله بن عامر:

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عامر أما بعد فإن خير الناس عند الله عز و جل أقومهم لله بالطاعة فيما له و عليه، و أقولهم بالحق و لو كان مرا، فإن الحق به قامت السماوات و الأرض و لتكن سريرتك‏ كعلانيتك، و ليكن حكمك واحدا، و طريقتك مستقيمة، فإن البصرة مهبط الشيطان فلا تفتحن على يد أحد منهم بابا لا نطيق سده نحن و لا أنت و السلام.

اللغة

(مهبط) بكسر الباء كمجلس: موضع الهبوط: يقال: هبط هبوطا من باب ضرب أي انحدر و نزل؛ قال عز من قائل: و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو (البقرة- 36)، (و مغرس) كمجلس أيضا موضع الغرس، يقال: غرس الشجر غرسا من ذلك الباب أيضا أي أثبته في الأرض، و يبنى اسما الزمان و المكان من الثلاثي الصحيح المجرد على وزن مفعل بكسر العين إذا كانت عين مضارعه مكسورة، و على مفعل بفتح العين إذا كانت عين المضارع مضمومة أو مفتوحة إلا إحدى عشرة لفظة أتت بكسر العين مع أن مضارعها مضموم؛ فالضابطة قائلة بأن المهبط و المغرس على وزن مفعل بالكسر، ففتح العين فيهما كما اختاره الشيخ محمد عبده ليس بصحيح، و نسختنا التي قوبلت على نسخة الرضي مشكولة بالكسر فيهما.

(حادث أهلها بالاحسان إليهم) أي تعاهدهم تعدهم به، قال ابن الأثير في النهاية في حديث الحسن: حادثوا هذه القلوب بذكر الله [فإنها سريعة الدثور] أي اجلوها به و اغسلوا الدرن عنها و تعاهدوها بذلك كما يحادث السيف بالصقال، ففي المقام أمره الأمير عليه السلام أن يجلو قلوب أهلها و يغسل درن الأحقان و الضغائن ورين الوساوس الموذية المودية عنها بصقال الاحسان و ماء البر. (تنمرك) النمر سبع معروف أصغر من الأسد و أخبث و أجرأ منه و هو منقط الجلد نقطا سودا و بيضا سمي به للنمر التي فيه و منه النمرة بفتح النون و كسر الميم و هي كساء فيه خطوط بيض و سود تلبسه الأعراب؛ و في البيان و التبيين (ص 68 ج 2) أن عمر بن الخطاب سأل عمرو بن معديكرب عن سعد، قال: كيف أميركم؟ قال: خير أمير، نبطي في حبوته، عربي في نمرته، أسد في تامورته، يعدل في القضية، و يقسم بالسوية، و ينفر في السرية، و ينقل إلينا حقنا كما تنقل الذرة؛ فقال عمر: لشد ما تقارضتما الثناء.

و التنمر: التشبه بالنمر إما في لبس ثوب من النمرة و نحوها يشبه جلده، و إما في التخلق بأخلاقه، و يفيد كلا الوجهين قول عمرو بن معديكرب:

قوم إذا لبسوا الحديد تنمروا حلقا و قدا

[3] و هذا البيت من أبيات له مذكورة في الحماسة (الحماسة 34) يريد بالحديد حلقا الدروع التي نسجت حلقتين حلقتين، و بالحديد قدا اليلب و هو شبه درع كان يتخذ من القد أي إنهم إذا لبسوا الحديد الدروع و اليلب تشبهوا بالنمر في أفعالهم في الحرب فيكون حلقا و قدا كل واحد منهما بدلا عن الحديد و يجوز أن يريد بتنمروا أنهم تلونوا بألوان النمر لطول ثباتهم و ملازمتهم الحديد، و على هذا الوجه يصح أن يكون انتصاب حلقا و قدا على التميز، و يروى خلقا و قدا أي انهم تشبهوا بالنمر في أخلاقهم و خلقهم فيكون انتصابهما على التميز أيضا، هذا ما ذكره المرزوقي في شرح الحماسة؛ و قال الجوهري في الصحاح في معنى البيت:أي تشبهوا بالنمر لاختلاف ألوان القد و الحديد و لم يذكر الرواية الثانية.

و نقل الجوهري عن الاصمعي قال: تنمر له أي تنكر له و تغير و أوعده لأن النمر لا تلقاه أبدا إلا غضبان.

و في كنز اللغة: تنمر- مانند پلنگ خشمناك شدن، و لبس فلان لفلان جلد النمر إذا تنكر له و أظهر الحقد و الغضب و قيل: كانت ملوك العرب إذا جلست لقتل انسان لبست جلود النمور ثم أمرت بقتل من تريد قتله، و نقل الجاحظ في البيان و التبيين عن أبي الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني صاحب التفسير قال: سمعت يزيد بن المهلب يخطب بواسط فقال: «يا أهل العراق، يا أهل السبق و السباق، و مكارم الأخلاق، إن أهل الشام في أفواههم لقمة دسمة، زببت لها الأشداق، و قاموا لها على ساق، و هم غير تاركيها لكم بالمراء و الجدال؛ فالبسوا لهم جلود النمور».

(و غم) الوغم بالفتح فالسكون: الحرب و القتال و الترة و الذحل الثقيل و الحقد الثابت في الصدر، قال ابن الأثير المتوفى «606 ه ق» في و غم من النهاية: و في حديث علي عليه السلام: «إن بني تميم لم يسبقوا بوغم في جاهلية و لا اسلام» الوغم: الترة، و جمعها أوغام، و وغم عليه بالكسر أي حقد و تو غم إذا اغتاظ. انتهى.

استعاره (رحما) قال الراغب في المفردات: الرحم رحم المرأة و منه استعير الرحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة يقال: رحم و رحم، قال تعالى:و أقرب رحما، انتهى، و في الأساس للزمخشري: وقعت النطفة في الرحم «هو الذي يصوركم في الأرحام» و هي منبت الولد و وعاؤه في البطن و بينهما رحم و رحم قال الهذلي:

و لم يك فظا قاطعا لقرابة و لكن وصولا للقرابة ذا رحم‏

«و أقرب رحما» و هي علاقة القرابة و سببها.

(مأزورون) من الوزر فأصله موزورون بالواو إلا أنه عليه السلام قال:مأزورون طلبا للمطابقة بين مأجورين و مأزورين، و نحوه قوله عليه السلام لأشعث بن قيس إن صبرت جرى عليك القدر و أنت مأجور و إن جزعت جرى عليك القدر و أنت مأزور و سيأتي في الحكمة 291.

(اربع) بالباء الموحدة قال الجوهري: ربع الرجل يربع- من باب منع-إذا وقف و تحبس و منه قولهم اربع على نفسك و اربع على ظلعك أي ارفق بنفسك و كف، و في نسخة مخطوطة من النهج جاءت الكلمة بالتاء المثناة (ارتع) و كأنها مصحفة.

(لا يفيلن) فال رأيه يفيل فيالة و فيولة من باب ضرب أخطأ و ضعف، و فيل رأيه تفييلا: قبحه و ضعفه و خطاه، و رجل فائل الرأى و فيل الرأى أي ضعيفة، قال أبو الفرج محمد بن الحسين الكاتب:

و أعلم أني فائل الرأي مخطئ‏ و لكن قضاء لا اطيق غلابه‏[4]

الاعراب‏

«فحادث» الفاء فصيحة.«و إن بني تميم» الواو هنا و او الحال و لذا يجب أن تكسر ان في المقام لأن وقوع ان بعد واو الحال من المواضع التسعة التي يجب كسرها كما تقرر في النحو فراجع إلى شرح صدر الدين السيد علي خان الكبير على الصمدية في النحو للشيخ البهائي العاملي قدس سرهما، و هذا نحو قوله تعالى: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق و إن فريقا من المؤمنين لكارهون‏ (الأنفال- 6) و قال أبو البقاء يعيش ابن علي في تفسيره التبيان في إعراب القرآن: الواو هنا- يعني في قوله تعالى و إن فريقا: للحال، و في تفسير الجلالين، و النيسابوري، و البيضاوي قوله تعالى:و إن فريقا من المؤمنين لكارهون‏ في موضع الحال أي كما أخرجك في حال كراهتهم.

«و إنهم. و إن لهم» معطوفان على قوله و إن بني تميم، «لم يسبقوا» على صيغة المجهول «ماسة» صفة لقوله رحما لأنها مؤنثة، «فاربع» الفاء فصيحة و التقدير إذا كان حال البصرة و شأن بني تميم كذا فاربع، «أبا العباس» منصوب بالنداء و هو كنية لابن عباس، «رحمك الله» جملة معترضة، «فيما جرى» متعلق بقوله اربع «من خير و شر» بيان لما، «فانا شريكان» تعليل لقوله اربع «و كن» عطف على‏ اربع، «و السلام» خبره محذوف أي و السلام عليك، أو و السلام على من اتبع الهدى، و نحوهما.

المعنى‏

كان‏ ابن عباس عامل البصرة و خليفة أمير المؤمنين علي عليه السلام فيها بعد وقعة الجمل فإنه عليه السلام لما أراد الخروج من‏ البصرة بعد أن وضعت الحرب أوزارها استعمله و استخلفه عليها، و قد مضى تفصيل ذلك في شرحنا على المختار الثاني من كتبه عليه السلام (ص 95 ج 17)، و كان‏ عامله‏ عليها قبله عثمان بن حنيف.

و البصرة أحدثها المسلمون و مصروها أيام عمر بن الخطاب، تفصيل ذلك مذكور في كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي المعروف بالبشاري (ص 117 طبع ليدن)، و أتى بأكثر منه تفصيلا و شرحا البلاذري في كتابه فتوح البلدان (ص 341- 370 طبع مصر 1350 ه ق).

و هذا الكتاب بعض ما كتبه‏ عليه السلام إلى ابن عباس‏ و سيأتي نقله على صورته الكاملة.

قوله عليه السلام: (اعلم أن البصرة مهبط إبليس، و مغرس الفتن) قد ذم عليه السلام‏ البصرة و أهلها من قبل هذا الكتاب أيضا حين أراد الخروج من‏ البصرة بعد الجمل و قد أشرنا إلى الروايات الواردة فيه في شرحنا على المختار الثاني من كتبه (ص 86- 89 ج 17)، و قوله عليه السلام أنها مهبط إبليس‏ يحتمل وجوها:

منها أن تكون فيه اشارة إلى قوله تعالى لإبليس: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين‏ (الأعراف- 14) و قوله تعالى:قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين‏ (الأعراف- 25)، بأن إبليس لما اخرج من الجنة و هبط إلى الأرض كانت أرض البصرة مهبطه و لكن الإنصاف أن الكلام يأبى عن هذا الوجه، و كلمة مهبط لا تدل عليه لأنها أعم من ذلك و قد قال تعالى لقوم موسى عليه السلام: اهبطوا مصرا (البقرة- 60) و في الأساس للزمخشري: هبط من بلد إلى بلد، فالمهبط يأتي بمعنى موضع الورود و النزول و لا يعتبر فيه الانحدار من عال إلى سافل مطلقا، نعم إن الهبوط إذا استعمل‏ في الانسان و إبليس ففيه نوع استخفاف بخلاف الإنزال فإن الله تعالى ذكر الانزال في الأشياء التي نبه على شرفها كانزال الملائكة و القرآن و المطر و غير ذلك، و الهبط ذكر حيث نبه على الغض نحو: و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، اهبطوا مصرا؛ أفاده الراغب في المفردات.

و منها أن تكون فيه اشارة إلى أن البصرة قرية بعيدة عن العلماء و القراء و لم تكن مدينة فاضلة و إلا لم تكن مهبطه و ذلك لأن العلماء حصون كحصون سور المدينة لها.

و منها أن تكون فيه اشارة إلى أن البصرة موطن و محل له بأن تكون لها خواص أوجبت له أن يتخذها موطنا له، و قد مضى في شرح المختار الثاني من باب الكتب قول الأمير عليه السلام فيها: «الحمد لله الذي أخرجني من أخبث البلاد و أخشنها ترابا، و أسرعها خرابا، و أقربها من الماء، و أبعدها من السماء، بها مغيض الماء و بها تسعة أعشار الشر، و هي مسكن الجن- إلخ» (ص 88 ج 17) و كان إبليس من الجن كما مضى البحث عن ذلك في شرح المختار الثامن من باب الكتب (ص 286- 295 ج 17) و لما كان إبليس و قبيله و جنوده اتخذوها موطنا لهم فهي مهبطهم‏ و مغرس الفتن‏.

و منها أن تكون فيه اشارة إلى أنها مهبط قوم تعلق‏ إبليس‏ بهم فغرسوا اصول‏ الفتن‏ في أراضي قلوبهم، و بذروا حبوب آراء ردية فيها حتى أثمرت ما أثمرت ففيه إشارة إلى هبوط جند المرأة و أتباع البهيمة فيها، و إذا تأملت فيما جرى على أمير المؤمنين علي عليه السلام منذ خلافته الظاهرية إلى شهادته كلها مولدة من هبوط القوم في البصرة فإنه أثار فتنة الجمل، و هي ولدت وقعة صفين، و هي ولدت وقعة نهروان، و هي ولدت أمر شهادته عليه السلام فهم غرسوا بهبوطهم فيها شجرة خبيثة أثمرت هذه الثمار السوء فكانت البصرة لذلك مهبط إبليس و مغرس الفتن.

قوله عليه السلام‏ (فحادث أهلها- إلى قوله: عن قلوبهم) الفاء فصيحة كما مر أي إذا كانت البصرة حالها كذا فحادث أهلها- إلخ و من الفاء هذه، و من قوله‏ و احلل عقدة الخوف عن قلوبهم‏ يستفاد أن أهل البصرة لم يكونوا بعد آمنين، بل كانوا خائفين، و كانوا يتربصون بهم ريب المنون، بل يستفاد من قوله انها مهبط إبليس و مغرس الفتن‏، و من تفريع‏ حادث أهلها عليه ذلك أيضا فاسلوب الكلام يدل على اضطراب أوضاعها و احتمال اثاره فتنة فيها، و اقبال وقائع هائلة على أهلها و لذلك أمر الأمير عليه السلام ابن عباس بالإحسان إليهم و إزالة الخوف عنهم لئلا تحدث فتنة.

ثم إن قوله هذا في البصرة ذم على أهلها أيضا فانه يدل على اتباعهم إبليس بخروجهم عن حكومة سلطان العقل، و على أنهم أهل شقاق و نفاق، و على أن فيهم أهل التفتين و حزب الشيطان.

استعاره مرشحة قوله عليه السلام‏ (و إن بني تميم لم يغب لهم نجم إلا طلع لهم آخر) النجم كثيرا ما يراد به فى لغة العرب سيد القوم و مقتداهم و المشهور من الناس من حيث إنهم يقتدون و يهتدون به و قال حسان بن ثابت في قصيدة يذكر فيها عدة أصحاب اللواء يوم احد:

تسعة تحمل اللواء و طارت‏ في رعاع من القنا مخزوم‏

إلى أن قال:

لم تطق حمله العواتق منهم‏ إنما يحمل اللواء النجوم‏

أي إنما يحمله الأشراف المشاهير من الناس، و القصيدة مذكورة في السيرة النبوية لابن هشام (ص 149 ج 2 طبع مصر 1375 ه)، و أتى الجاحظ في البيان و التبين أبياتا منها (ص 325 ج 2 طبع مصر 1380 ه)، و في ديوان الحسان، و لما استعار كلمة النجم‏ لهذا المعنى رشح بمناسبة ظاهر اللفظ بقوله‏ لم يغب‏ و طلع‏، و المعنى كيف يجوز لنا التنمر لهم و الغلظة عليهم و الحال أن لهم هذه الخصال الثلاث:

أحدها أنه لم يمت منهم سيد إلا قام لهم آخر منهم مقامه، و كأنما يريد عليه السلام أن لهم سيدا مطاعا و أميرا خيرا مدبرا يجمع شمل امورهم و يلم شعث آرائهم و أهوائهم، و ينقذهم من المهالك، و يمنعهم عن الهوى فيما يوجب شينهم، و هذا التدبير و الاتحاد و الاقتداء بقدوة كذا كان لهم في كل دورة فلا ينبغي التنمر على قوم هذا شأنهم.

و الثاني‏ أنهم لم يسبقوا بوغم في جاهلية و لا إسلام‏ يعني بهذه الجملة أنهم كانوا أهل بأس و قوة و شجاعة و حمية في الجاهلية و الإسلام‏ و يناسبه معنى التميم لغة فإنه بمعنى الشديد كما في نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي، فلا ينبغي التنمر و الغلظة على طائفة بلغوا في البأس و القوة هذه المرتبة أما معناها المطابقي فالأولى أن يحمل الوغم على الحقد و الغيظ لأنه يناسب المقام و اسلوب الكلام و ذلك لأن ابن عباس- كما دريت- إنما تنكر عليهم باتباعهم الناكثين و يسميهم حزب الشيطان و شيعة الجمل و أنصار عسكر لذلك و أوجب عملهم هذا حقدا في صدر ابن عباس و كأنه كان يسميهم بها تشفيا من غيظه، و يتنكر عليهم انتقاما منهم بفعلهم المنكر فنهاه الأمير عليه السلام عن ذلك و عرف له‏ بني تميم بأنهم لم يسبقوا بوغم في جاهلية و لا اسلام‏، أي لم يسبقهم أحد كان له حقد و غيظ عليهم فيتنكر و يغلظ عليهم تشفيا منهم و نكاية فيهم لقوتهم و قهرهم، هذا هو الوجه الذي ينبغي أن يختار في معنا هذه الجملة في المقام.

و أمكن أن يفسر بوجوه اخرى: منها أن يقال: لم يسبقهم أحد بحقد لهم عليه لأنهم لعلو همتهم و شرافة نفوسهم لا يهتمون بأذى غيرهم و إسائته عليهم و لذلك لم يكن في قلوبهم ضغن و عداوة على أحد.

و منها أن يفسر الوغم بالترة فقال الجوهري في الصحاح: الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه و تره يتره وترا و ترة، و كذلك وتره حقه أي نقصه و قوله تعالى: و لن يتركم أعمالكم‏ أي لن يتنقصكم في أعمالكم كما تقول دخلت البيت و أنت تريد دخلت في البيت، انتهى؛ فالمعنى‏ أن بني تميم‏ لم يهدر لهم دم، و لم ينقص أحد حقهم.

و منها أن يفسر الوغم‏ بالحرب و القتال كقول شقيق بن سليك الأسدي يقول معتذرا إلى أبي أنس الضحاك بن قيس بن خالد الشيبانى الفهري (الحماسة 261):

أتاني عن أبي أنس وعيد فسل لغيظة الضحاك جسمي‏
و لم أعص الأمير و لم اربه‏ و لم أسبق أبا أنس بوغم‏

و قول شقيق يشابه قول أبي دلامة زند بن الجون شهد مع روح بن حاتم المهلبي الحرب فقال له روح: تقدم و قاتل فقال أبو دلامة:

إني أعوذ بروح أن يقدمني‏ إلى البراز[5] فتخزى بي بنو أسد
إن البراز إلى الأقران أعلمه‏ مما يفرق بين الروح و الجسد

إلى آخر الأبيات المذكورة في الأغاني (ص 119 ج 9 طبع ساسي في أخبار أبي دلامة) و في عيون الأخبار (ص 164 ج 1) و في شرح المرزوقي على الحماسة (ص 778 ج 2).

الثالث‏ أن لهم بنا- أي ببني هاشم- رحما ماسة و قرابة خاصة لأن نسب كل واحد من بني هاشم و بني تميم ينتهي إلى إلياس بن مضر: لأن هاشما هو ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، كما في السيرة النبوية لابن هشام؛ و تميما هو ابن مر بن اد بن طابخة بن إلياس بن مضر، كما في نهاية الأرب في معرفة العرب للقلقشندي.

و يمكن أن تكون فيه إشارة إلى مصاهرة كانت بين الأمير عليه السلام و بين بني تميم فإن إحدى زوجاته كانت ليلى بنت مسعود الحنظلية من بني تميم و ولدت له عبيد الله و أبا بكر كما في تاريخ اليعقوبي (ص 189 ج 2).

ثم إنه عليه السلام أكد مراعاة حق الرحم بقوله: نحن مأجورون على صلتها و مأزورون على قطيعتها، و قد قال عز من قائل: و اتقوا الله الذي تسائلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (النساء- 2)، و قال تعالى: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكم‏ (محمد- 25).

كنايه قوله عليه السلام: (فاربع‏- إلخ) قد تقدم في الإعراب أن الفاء فصيحة متفرعة على جميع ما تقدم من هذا الكتاب أي إذا كانت‏ البصرة مهبط إبليس و مغرس الفتن‏ و كانت منزلة بني تميم كذا فقف و تثبت و ارفق‏ فيما يجرى على لسانك و يدك من خير و شر و نافع و ضار، و لا تعجل به، أمره أن يدارى مع الرعية في أقواله و أفعاله فان‏ ما يجري على اللسان و اليد كناية عنهما، و سمى‏ ابن عباس‏ بكنيته‏ أبي العباس‏ تكريما له و العرب يقصد بها التعظيم و بعض النفوس تأنف أن تخاطب باسمها.

قوله عليه السلام: (فإنا شريكان في ذلك) علل التثبت بقوله هذا، أي‏ اربع‏ و تثبت‏ فيما يجري على يدك و لسانك لأنا شريكان في ذلك‏ أي أنا و أنت‏ شريكان في ما جرى على يدك و لسانك‏، و إنما كان الأمير عليه السلام شريكه فيه لأنه كان سببا بعيدا فيما جرى على يد ابن عباس و لسانه و هو كان نائبا عنه و سببا قريبا في أفعاله و أقواله و كل ما صنع بالرعية فإنما هو باتكائه عليه عليه السلام و إلا لما كان له مكنة و قدرة على ذلك.

ثم إن قوله هذا يهدينا إلى حقيقة اخرى و هي أن الفرد الانساني لما كان بمنزلة عضو من هيكل اجتماعه و لم يكن تعيشه مرتبطا لشخصه خاصة بل يؤثر أثرا من سنخ فعله و قوله في الاجتماع فكل ما صدر عن يده و لسانه و له بقاء في الاجتماع و يعمل به غيره و لو بعد مماته فهو شريك العامل في ذلك الأثر الصادر منه قال عز من قائل: و أن ليس للإنسان إلا ما سعى و أن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى‏ (النجم 41- 43).

و قال تعالى: سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين‏ (الصافات 78- 79).

و في البحار (ص 181 من الجزء الثاني من ج 15) نقلا عن ثواب الأعمال للصدوق رحمه الله بإسناده عن ميمون القداح عن أبي جعفر عليه السلام قال: أيما عبد من عباد الله سن سنة هدى كان له أجر مثل أجر من عمل بذلك من غير أن ينقص من اجورهم شي‏ء، و أيما عبد من عباد الله سن سنة ضلالة كان عليه مثل وزر من فعل ذلك من غير أن ينقص من أوزارهم شي‏ء.

و قد عقد المجلسي بابا في ذلك روى فيه عدة روايات عن أهل بيت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين قريبة بهذا المضمون كلها تشير إلى هذه الحقيقة.

و قد روى في المجلد السابع عشر (ص 188) عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال:لا يتكلم أحد بكلمة هدى فيؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها، و لا يتكلم بكلمة ضلالة فيؤخذ بها إلا كان عليه مثل وزر من أخذ بها.

قوله عليه السلام‏ (و كن عند صالح ظني بك) أي كن مراقبا لنفسك‏ في ما يجري على يدك و لسانك‏ بحيث إنك ترى نفسك حاضرة عند صالح ظني بك‏ فانظر فيما تفعل و تقول هل هو مرضي عندي أم لا فإذا رأيت رضاي فيه فافعل.

قوله عليه السلام: (و لا يفيلن رأيي فيك) لما استعمله الأمير عليه السلام على البصرة، و استصلحه لذلك و كان‏ ابن عباس‏ ممن يثق الأمير عليه السلام به و إلا لما كان يستخلفه على البصرة نبهه على أن لا يعمل ما يوجب سلب وثوقه به و ضعف رأيه فيه.

الترجمة

اين نامه‏ ايست كه ولي الله الأعظم أمير المؤمنين علي عليه السلام به عبد الله بن عباس كه عامل و حاكم آن حضرت بر أهل بصره بود فرستاد.

در روايت آمده كه ابن عباس در بصره بر بني تميم درشتي و بدخوئى مي كرد و آنان را پيروان جمل و ياران عسكر- كه نام شتر عائشه بود- و حزب شيطان مى‏ ناميد از آن روى كه بني تميم در جنگ جمل از طرفداران و أتباع طلحة و زبير و عائشه بودند.

اين رفتار ابن عباس بر گروهى از بني تميم كه از شيعيان أمير عليه السلام بودند و از جمله آنان جارية بن قدامه بود گران آمد نامه‏ اى بأمير نوشته و از دست ابن عباس شكايت كردند، أمير عليه السلام اين نامه را به ابن عباس نوشت:

أما بعد بهترين مردم در نزد خدا آن كسى است كه بطاعت او- خواه در آنچه آنكه به سود او است و خواه در آنچه كه بزيان او است- عمل كننده‏تر باشد، و به گفتار حق اگر چه براى او ناگوار و تلخ باشد گوياتر؛ آگاه باش كه آسمانها و زمين بحق و عدل براى بندگان برپا است، پس مطابق انديشه ات كردار داشته باش، و با همه يكسان باش، و راه راست پيش گير، و بدانكه بصره فرودگاه شيطان و جاى نشانيدن درخت فتنه است پس أهل آن را وعده باحسان و نيكى ده- يعنى با آنان احسان و نيكى كن و به بخشش و دستگيرى آنانرا دلشاد دار- و گره بيم از دلشان بگشا.

بمن خبر رسيد كه با بني تميم پلنگ‏خوئى و درشتى روا مى ‏دارى با اين كه بني تميم كسانى هستند كه ستاره‏اى از ايشان غروب نكرد مگر اين كه ديگرى از ايشان طلوع كرد- يعنى آنان هميشه داراى بزرگى پيشوا و از أهل شرف و كرامت بودند- و كسى بر ايشان چه در زمان جاهليت و چه در زمان اسلام سبقت نگرفته كه به كينه ‏توزى و خشم گرفتن و دشمنى بر آنان سخت گيرد و درشتى كند (يعنى آنان مردم شجاعت و حميت و قوت و نبرد بودند)، و ايشان را با ما رحامتى پيوسته و خويشى خاصى است (جد أعلاى بني هاشم و بني تميم الياس بن مضر است- و ديگر اين كه أمير عليه السلام با بني تميم رحامت بمصاهرت داشت) كه به صله رحم پاداش خوب يابيم و به قطع آن كيفر بد؛ پس اى أبو العباس- خدا رحمتت كند- در نيك و بدى كه از دست و زبانت جارى مى ‏شود آهستگى كن و تأني و رفق پيشه گير و هموار باش و با رعيت مدارا كن كه من و تو در نيك و بد تو شريكيم (زيرا ابن عباس عامل آن حضرت بود و آنچه ميكرد باتكاء و اعتماد و پشت گرمى باو بود، و أمير عليه السلام سبب بعيد در كارهاى او است چنانكه ابن عباس سبب قريب و هر دو در آنها شريك) و باش در نزد گمان شايسته من بتو، و بايد رأى من در باره تو سست نگردد، و السلام.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

____________________________________________________________

[1] ( 1) كان عسكر اسم جمل عائشة.

[2] ( 2) قد حرف في شروح نهج البلاغة و تراجمه العربية و الفارسية جارية بن قدامة بحارثة بن قدامة، فراجع الى التقريب و الاصابة لابن حجر، و الطبقات الكبرى لابن سعد( ص 56 ج 7 من طبع بيروت)، و روى الكشى في رجاله أن أمير المؤمنين عليه السلام وجهه الى أهل نجران عند ارتدادهم عن الاسلام، و قال أبو على في منتهى المقال: و وجد على كتاب الشيخ رحمه الله هكذا: قال محمد بن ادريس هذا( يعنى حارثة بن قدامة بالحاء و الثاء) اغفال واقع في التصنيف و انما هو جارية بالجيم و هو جارية بن قدامة السعدى التميمى أحد خواص على عليه السلام صاحب السرايا و الالوية و الميل يوم صفين و كان ينبغي أن يكون فى باب الجيم بغير شك- منه.

[3] ( 1) صدر القصيدة على ما في الحماسة:\s\iُ ليس الجمال بمئزر\z فاعلم و ان رديت بردا\z ان الجمال معادن‏\z و مناقب أورثن مجدا\z اعددت للحدثان‏\z سابغة و عداء علندى‏\z\E\E و قال الثعالبى في يتيمة الدهر( ص 233 ج 3): لما حصل الصاحب بن عباد فى رقعة جرجان على الفيل الذى كان في عسكر خراسان أمر من بحضرته من الشعراء أن يصفوه في تشبيب قصيدة على وزن قافية قول عمرو بن معديكرب: اعددت للحدثان، البيت فأتى بثلاث قصائد حسان معروفة بالفيليات لابى القاسم عبد الصمد بن بابك، و أبى الحسن الجوهرى، و أبى محمد الخازن، و بعض أبيات الجوهرى مذكور في باب البلار و البراهمة من كتاب كليلة و دمنة المترجم بالفارسى لنصر الله المنشى، كما قد اشرنا اليه من تعليقتنا عليه( ص 473 طبع طهران 1382 ه ق).

[4] ( 1) صححنا البيت في باب الاسد و الثور من كتاب كليلة و دمنة( ص 154 طبع طهران 1382 ه).

[5] ( 1)( القتال- خ ل)

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 17 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 17 صبحی صالح

17- و من كتاب له ( عليه‏ السلام  ) إلى معاوية جوابا عن كتاب منه إليه‏

وَ أَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأُعْطِيَكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ

وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلَّا حُشَاشَاتِ أَنْفُسٍ بَقِيَتْ أَلَا وَ مَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى الْجَنَّةِ وَ مَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى النَّارِ

وَ أَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ وَ الرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ وَ لَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْآخِرَةِ

وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَكَذَلِكَ نَحْنُ وَ لَكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةُ كَهَاشِمٍ وَ لَا حَرْبٌ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ لَا أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ وَ لَا الْمُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ وَ لَا الصَّرِيحُ كَاللَّصِيقِ وَ لَا الْمُحِقُّ كَالْمُبْطِلِ وَ لَا الْمُؤْمِنُ كَالْمُدْغِلِ

وَ لَبِئْسَ الْخَلْفُ خَلْفٌ يَتْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ

وَ فِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أَذْلَلْنَا بِهَا الْعَزِيزَ وَ نَعَشْنَا بِهَا الذَّلِيلَ

وَ لَمَّا أَدْخَلَ اللَّهُ الْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً وَ أَسْلَمَتْ لَهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ طَوْعاً وَ كَرْهاً كُنْتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ إِمَّا رَغْبَةً وَ إِمَّا رَهْبَةً عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ وَ ذَهَبَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ

فَلَا تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً وَ لَا عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا وَ السَّلَامُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج18  

و من كتاب له عليه السلام الى معاوية جوابا عن كتاب منه اليه‏ و هو المختار السابع عشر من باب الكتب و الرسائل‏

و أما طلبك إلى الشام فإني لم أكن لاعطيك اليوم ما منعتك أمس. و أما قولك إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس بقيت ألا فمن أكله الحق فإلى النار. و أما استوائنا في الحرب و الرجال فلست بأمضى على الشك مني‏ على اليقين. و ليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الاخرة. و أما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن و لكن ليس أمية كهاشم، و لا حرب كعبد المطلب، و لا أبو سفيان كأبي طالب، و لا المهاجر كالطليق، و لا الصريح كاللصيق، و لا المحق كالمبطل و لا المؤمن كالمدغل، و لبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم. و في أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز، و نعشنا بها الذليل. و لما أدخل الله العرب في دينه أفواجا، و أسلمت له هذه الأمة طوعا و كرها كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة و إما رهبة على حين فاز أهل السبق بسبقهم، و ذهب المهاجرون الأولون بفضلهم. فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا، و لا على نفسك سبيلا.

الماخذ

روى الكتابين سليم بن قيس الكوفي المتوفى حدود سنة 90 ه كما في الكتاب المنسوب إليه (174 من طبع النجف).و نصر بن مزاحم المنقري الكوفي المتوفى 212 ه في كتاب صفين (ص 252 من الطبع الناصري)و ابن قتيبة الدينوري المتوفى 276 ه في كتاب الإمامة و السياسة المعروف بتاريخ الخلفاء (ص 117 و 118 ج 1 من طبع مصر 1377 ه).

و علي بن الحسين بن علي المعروف بالمسعودي المتوفى 346 ه في مروج الذهب (ص 60 و 61 ج 2 من طبع مصر 1346 ه).و الشيخ الجليل أبو الفتح محمد بن علي المعروف بالكراجكي المتوفى 449 ه و قد كان عاصر الرضي، في كتابه كنز الفوائد (ص 201 من الطبع الحجري في إيران 1322 ه).

و أتى المجلسي رحمه الله برواية سليم بن قيس في ثامن البحار (ص 520 من الطبع الكمباني)، و برواية نصر في ص 545 من ذلك المجلد.و لا بد لنا من الإتبان ببعضها و الإشارة إلى اختلاف نسخها لأن معنى الكتاب الصحيح يتوقف عليهما، و بذلك يعرف أيضا صحة نسخ، و تحريف اخرى، فدونك ما رواه نصر في صفين عن عمر في إسناده قال: و كان من أهل الشام بصفين رجل يقال له الأصبغ بن ضرار الأزدي، و كان يكون طليعة و مسلحة لمعاوية، فندب علي له الأشتر فأخذه أسيرا من غير أن يقاتل، و كان علي ينهى عن قتل الأسير الكاف؛ فجاء به ليلا و شد وثاقه و ألقاه مع أضيافه ينتظر به الصباح، و كان الأصبغ شاعرا مفوها، و نام أصحابه، فرفع صوته فأسمع الأشتر فقال:

ألا ليت هذا الليل اطبق سرمدا على الناس لا يأتيهم بنهار
يكون كذا حتى القيامة إنني‏ احاذر في الإصباح ضرمة نار
فيا ليل طبق إن في الليل راحة و في الصبح قتلي أو فكاك اسارى‏
و لو كنت تحت الأرض ستين واديا لما رد عني ما أخاف حذاري‏
فيا نفس مهلا إن للموت غاية فصبرا على ما ناب يا ابن ضرار
أ أخشى ولي في القوم رحم قريبة أبى الله أن أخشى و الأشتر جاري‏
و لو أنه كان الأسير ببلدة أطاع بها شمرت ذيل إزاري‏
و لو كنت جار الأشعث الخير فكني‏ و قل من الأمر المخوف فراري‏

 

و جار سعيد أو عدي بن حاتم‏ و جار شريح الخير قر قراري‏
و جار المرادي العظيم و هاني‏ء و زحر بن قيس ما كرهت نهاري‏
و لو أنني كنت الأسير لبعضهم‏ دعوت رئيس القوم عند عثاري‏
اولئك قومي لا عدمت حياتهم‏ و عفوهم عني و ستر عواري‏

فغدا به الأشتر على علي فقال: يا أمير المؤمنين هذا رجل من المسلحة لقيته بالأمس فو الله لو علمت أن قتله الحق قتلته؛ و قد بات عندنا الليلة و حركنا فإن كان فيه القتل فاقتله و إن غضبنا فيه و إن كنت فيه بالخيار فهبه لنا، قال: هو لك يا مالك، فإذا أصبت أسيرا فلا تقتله فإن أسير أهل القبلة لا يفاد، أولا يقتل، فرجع به الأشتر إلى منزله و قال: لك ما أخذنا معك ليس لك عندنا غيره.

قال: و ذكروا أن عليا أظهر أنه مصبح غدا معاوية و مناجزه فبلغ ذلك معاوية و فزع أهل الشام لذلك و انكسروا لقوله، و كان معاوية بن الضحاك بن سفيان صاحب راية بني سليم مع معاوية و كان مبغضا لمعاوية و كان يكتب بالأخبار إلى عبد الله بن الطفيل العامري و يبعث بها إلى علي عليه السلام فبعث إلى عبد الله بن الطفيل أني قائل شعرا أذعر به أهل الشام و اذعر (أرغم- خ) به معاوية، و كان معاوية لا يتهمه و كان له فضل و نجدة و لسان فقال ليلا ليسمع أصحابه:

ألا ليت هذا الليل أطبق سرمدا علينا، و أنا لا نرى بعده غدا
و يا ليته إن جاءنا بصباحه‏ وجدنا إلى مجرى الكواكب مصعدا
حذار علي إنه غير مخلف‏ مدى الدهر مالبى الملبون موعدا
فأما فراري في البلاد فليس لي‏ مقام و لو جاوزت جابلق مصعدا
كأني به في الناس كاشف رأسه‏ على ظهر خوار الرحالة أجردا
يخوض غمار الموت في مرحجنة ينادون في نقع العجاج محمدا
فوارس بدر و النضير و خيبر و احد يردون الصفيح المهندا
و يوم حنين جالدوا عن نبيهم‏ فريقا من الأحزاب حتى تبددا
هنالك لا تلوي عجوز على ابنها و إن أكثرت في القول نفسي لك الفدا

 

فقل لابن حرب ما الذي أنت صانع‏ أتثبت أم ندعوك في الحرب قعددا؟
و ظني بأن لا يصبر القوم موقفا نقفه و إن لم نجز في الدهر للمدا
فلا رأى إلا تركنا الشام جهرة و إن أبرق الفجفاج فيها و أرعدا

فلما سمع أهل الشام شعره أتوا به معاوية فهم بقتله، ثم راقب فيه قومه و طرده عن الشام فلحق بمصر و ندم معاوية على تسييره إياه، و قال معاوية: و الله لقول السلمي (لشعر السلمي- خ) أشد على أهل الشام من لقاء علي ماله قاتله الله لو أصاب خلف جابلق مصعدا نفذه- و جابلق مدينة بالمشرق و جابلص مدينة بالمغرب ليس بعد هما شي‏ء.

و قال الأشتر حين قال علي عليه السلام: إنني مناجز القوم إذا أصبحت:

قد دنا الفضل في الصباح‏ و للسلم رجال و للحرب رجال‏
فرجال الحروب كل خدب‏ مقحم لا تهده الأهوال‏
يضرب الفارس المدحج بالسيف‏ إذا فل في الوغا الأكفال‏
يا ابن هند شد الحيازيم للموت‏ و لا يذهبن بك الامال‏
إن في الصبح إن بقيت لأمرا تتفادى من حوله الأبطال‏
فيه عز العراق أو ظفر الشام‏ بأهل العراق و الزلزال‏
فاصبروا للطعان بالأسل السمر و ضرب يجري به الأمثال‏
إن تكونوا قتلتم النفر البيض‏ و غالت اولئك الاجال‏
فلنا مثلهم و إن عظم الخطب‏ قليل أمثالهم أبدال‏
يخضبون الوشيح طعنا إذا جرت للموت بينهم أذيال‏
طلب الفوز في معاد و في ذا تستهان النفوس و الأموال‏

فلما انتهى إلى معاوية شعر الأشتر قال: شعر منكر من شاعر منكر رأس أهل العراق و عظيمهم و مسعر حربهم و أول الفتنة و آخرها، و قد رأيت أن أكتب إلى علي كتابا أسأله الشام و هو الشي‏ء الأول الذي ردنى عنه و القي في نفسه الشك و الرقة.

فضحك عمرو بن العاص ثم قال: أين أنت يا معاوية من خدعة علي؟

فقال: ألسنا بني عبد مناف؟

قال: بلى، و لكن لهم النبوة دونك و إن شئت أن تكتب فاكتب فكتب معاوية إلى علي مع رجل من السكاسك يقال له عبد الله بن عقبة و كان من ناقلة أهل العراق فكتب:

أما بعد فإني أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت و علمنا لم يجنها بعضنا على بعض، و إن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نندم به ما مضى و نصلح ما بقى، و قد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة و لا بيعة فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت؛ و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو، و لا أخاف من الموت إلا ما تخاف، و قد و الله رقت الأجناد و ذهبت الرجال، و نحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز، و لا يسترق به حر و السلام.

فلما انتهى كتاب معاوية إلى علي عليه السلام قرأه ثم قال: العجب لمعاوية و كتابه ثم دعا علي عليه السلام عبيد الله بن أبي رافع كاتبه فقال: اكتب إلى معاوية:أما بعد فقد جائني كتابك تذكر أنك لو علمت و علمنا أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، فإنا و إياك منها في غاية لم تبلغها (لم نبلغها- ظ)، و إني لو قتلت في ذات الله و حييت ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدة في ذات الله و الجهاد لأعداء الله.

و أما قولك: إنه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى فإني ما نقضت عقلي، و لا ندمت على فعلي؛ فأما طلبك الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس.

و أما استواؤنا في الخوف و الرجاء فإنك لست بأمضى على الشك مني على اليقين، و ليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الاخرة.

و أما قولك: إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل فلعمري إنا بنو أب واحد و لكن ليس امية كهاشم، و لا حرب كعبد المطلب، و لا أبو سفيان كأبي طالب، و لا المهاجر كالطليق، و لا المحق كالمبطل، و في أيدينا فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز، و أعززنا بها الذليل. و السلام.

نصر، عن عمر بن سعد، عن نمير بن و علة قال: فلما أتى معاوية كتاب علي عليه السلام كتمه عن عمرو بن العاص أياما ثم دعاه بعد ذلك فأقرأه الكتاب فشمت به عمرو و لم يكن أحد من قريش أشد تعظيما لعلي عليه السلام من عمرو منذلقيه و صفح عنه فقال عمرو بن العاص فيما كان أشار به على معاوية شعرا.

ألا لله درك يا ابن هند و در الأمرين لك الشهود
أ تطمع لا أبا لك في علي‏ و قد قرع الحديد على الحديد
و ترجو أن تخبره بشك‏ و ترجو أن يهابك بالوعيد
و قد كشف القناع و جر حربا يشيب لهو لها رأس الوليد
له جأواء مظلمة طحون‏ فوارسها تلهب كالاسود
يقول لها إذا دلفت إليه‏ و قد ملت طعان القوم عودي‏
فإن وردت فأولها ورودا و إن صدرت فليس بذي صدود
و ماهي من أبي حسن بنكر و ما هي من مسائك بالبعيد
و قلت له مقالة مستكين‏ ضعيف الركن منقطع الوريد
دعن الشام حسبك يا ابن هند من السوءات و الرأي الزهيد
و لو أعطاكها ما ازددت عزا و لا لك لو أجابك من مزيد
و لم تكسر بذاك الرأي عودا لركته و لا ما دون عود

فلما بلغ معاوية قول عمرو دعاه فقال: يا عمرو إنني قد أعلم ما أردت بهذا قال: ما أردت؟ قال: أردت تفييل رأيي و إعظام علي و قد فضحك، فقال: أما تفييلي رأيك فقد كان، و أما إعظامي عليا فإنك باعظامه أشد معرفة مني و لكنك تطويه و أنا أنشره، و أما فضيحتي فلم يفتضح امرؤ لقى أبا حسن، و قد كان معاوية شمت بعمرو حيث لقي من علي عليه السلام ما لقي فقال عمرو في شماتة معاوية:

معاوي لا تشمت بفارس بهمة لقي فارسا لا تعتريه الفوارس‏
معاوي إن أبصرت في الخيل مقبلا أبا حسن يهوي دهتك الوساوس‏
و أيقنت أن الموت حق و أنه‏ لنفسك إن لم تمض في الركض حابس‏
فإنك لو لاقيته كنت بومة اتيح لها صقر من الجو آنس‏
و ما ذا بقاء القوم بعد اختباطه‏ و إن امرأ يلقى عليا لايس‏
دعاك فصمت دونه الاذن هاربا فنفسك قد ضاقت عليها الأمالس‏
و أيقنت أن الموت أقرب موعد و أن التي ناداك فيها الدهارس‏
و تشمت بي أن نالني حد رمحه‏ و عضعضني ناب من الحرب ناهس‏
أبى الله إلا أنه ليث غابة أبو أشبل تهدى إليه الفرايس‏
و إني امرؤ باق فلم يلف شلوه‏ بمعترك تسفي عليه الروامس‏
فإن كنت في شك فأدهج عجاجه‏ و إلا فتلك الترهات البسابس‏

و كتاب معاوية في نسخة الإمامة و السياسة يخالف ما في كتاب صفين في الجملة ففيه: لو علمت أن الحرب تبلغ و لم يأت بلفظة «و علمنا» كما أتى بها في صفين.

و فيه: فلنا منها ما نذم به- و كان في صفين «مانندم به».

و فيه: و قد كنت سألتك ألا يلزمني- و كان في صفين «و قد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني».

و فيه: و إني أدعوك إلى- و كان في صفين «و أنا أدعوك اليوم إلى» و فيه: فانك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو، و لا تخاف من الفناء إلا ما أخاف- و كان في صفين بعكس ذلك، و التأمل الصحيح يقضي بأن نسخة نصر كانت أمتن و أبلغ.

صورة كتاب أمير المؤمنين على عليه السلام على ما في الامامة و السياسة

قال الدينوري: فلما انتهى كتابه- يعني كتاب معاوية المقدم نقله- إلى‏ علي عليه السلام، دعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع، فقال: اكتب: أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت و علمنا أن الحرب تبلغ ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، و إنا و إياك في غاية لم نبلغها بعد، و أما طلبك إلي الشام فاني لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس، و أما استواؤنا في الخوف و الرجاء فإنك لست أمضى على الشك مني على اليقين، و ليس أهل الشام بأحرص من أهل العراق على الاخرة، و أما قولك: إنا بنو عبد مناف فكذلك و لكن ليس امية كهاشم، و لا حرب كعبد المطلب و لا أبو سفيان كأبي طالب، و لا المهاجر كالطليق، و لا المحق كالمبطل، و في أيدينا فضل النبوة التي قتلنا بها العزيز، و بعنابها الحر. و السلام.

نسخة الكتابين على ما في كتاب سليم بن قيس‏

قال سليم: ثم إن عليا عليه السلام قام خطيبا فقال: أيها الناس إنه قد بلغكم ما قد رأيتم و بعدوكم كمثل فلم يبق إلا آخر نفس و إن الامور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها و قد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغوا فيكم ما قد بلغوا و أنا غاد عليهم بالغداة إن شاء الله و محاكمهم إلى الله فبلغ ذلك معاوية ففزع فزعا شديدا و انكسر هو و جميع أصحابه و أهل الشام لذلك فدعا عمرو بن العاص فقال: يا عمرو إنما هي الليلة حتى يغدوا علينا فما ترى؟

قال: أرى الرجال قد قلوا، و ما بقى فلا يقومون لرجاله و لست مثله و إنما يقاتلك على أمر و أنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء و هو يريد الفناء و ليس يخاف أهل الشام عليا إن ظفر بهم ما يخاف أهل العراق إن ظفرت بهم، و لكن ألق إليهم أمرا فإن ردوه اختلفوا و إن قبلوه اختلفوا، ادعهم إلى كتاب الله و ارفع المصاحف على رءوس الرماح فإن بالغ حاجتك فإني لم أزل أدخرها لك.

فعرفها معاوية و قال: صدقت و لكن قد رأيت رأيا أخدع به عليا طلبي إليه الشام على الموادعة و هو الشي‏ء الأول الذي ردنى عنه.

فضحك عمرو و قال: أين أنت يا معاوية من خديعة علي؟ و إن شئت أن تكتب فاكتب.

قال: فكتب معاوية إلى علي عليه السلام كتابا مع رجل من أهل السكاسك يقال له عبد الله بن عقبة: أما بعد فانك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت و علمناه نحن لم يجنها بعضنا على بعض و إن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقى منها ما نرم به ما مضى و نصلح ما بقى، و قد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة و لا بيعة فأبيت ذلك فأعطانى الله ما منعت و أنا أدعوك إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجوه و لا تخاف من الفناء إلا ما أخاف، و قد و الله رقت الأكباد و ذهب الرجال، و نحن بنو عبد مناف و ليس لبعضنا على بعض فضل يستذل به عزيز و لا يسترق به ذليل. و السلام.

قال سليم: فلما قرأ علي عليه السلام كتابه ضحك و قال: العجب من معاوية و خديعته لي فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له: اكتب: أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا و بك إلى ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، و إنا و إياك يا معاوية على غاية منها لم نبلغها بعد، و أما طلبك الشام فاني لم أعطك اليوم ما منعتك أمس، و أما استواؤنا في الخوف و الرجاء فانك لست بأمضى على الشك مني على اليقين و ليس أهل الشام أحرص على الدنيا من أهل العراق على الاخرة، و أما قولك: إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض فكذلك نحن و لكن ليس امية كهاشم، و لا حرب كعبد المطلب، و لا أبو سفيان كأبي طالب، و لا الطليق كالمهاجر، و لا المنافق كالمؤمن، و لا المبطل كالمحق، في أيدينا فضل النبوة التي ملكنا بها العرب، و استعبدنا بها العجم و السلام.

و كتاب معاوية على نسخة المسعودي: «و إنا و إن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقى لنا ما نرد به ما مضى» «على أن لا تلزمني لك طاعة و أنا أدعوك اليوم» «و ذهبت الرجال» «و يسترق به حر، و السلام» و سائر العبارات يطابق نسخة سليم.

و كتاب أمير المؤمنين علي عليه السلام على نسخته «و أنا و إياك نلتمس منها غاية لم نبلغها بعد»، «و ليس أهل الشام على الدنيا بأحرص» «و ليس امية» «و في أيدينا فضل النبوة التي قتلنا بها العزيز و بعنا بها الحر و السلام» و سائر عباراته يوافق نسخة سليم.

و نسخة كتاب الأمير عليه السلام من الكراجكي في الكنز تطابق نسخة المسعودي في المروج، و أما نسخة كتاب معاوية ففي الكنز: «فقد بقي لنا ما نرم به ما مضى» كما في نسخة سليم «يستذل به عز و لا يسترق به حد (حر- ظ) و السلام» و البواقي توافق نسخة المسعودي.

أقول: و بعد اللتيا و التي فلم نجد مع الجد في الطلب و كثرة الفحص و التتبع رواية تحوز جميع ما في نسخة الرضي في النهج أو توافق لها متنا، أو تطابق أجوبتها ما أتى به معاوية في كتابه و إن كان الاختلاف قليلا و لا نشك في أن الرضي نقل كلامه عليه السلام من ماخذ قيمة كانت تحضره، غاية الأمر أن يكون مختار واحد ملفقا من ملتقطات عباراته الشتى.

نعم على ما نقله الفاضل البحراني في شرحه على النهج تطابق أجوبة كتابه عليه السلام كتاب معاوية، قال: كتب إليه معاوية: أما بعد فإني أظنك لو علمت أن الحرب يبلغ بنا و بك ما بلغت و علمنا لم يجنها بعض على بعض، و إنا و إن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نندم بها على ما مضى و نصلح به ما بقى، و قد كنت سألتك الشام على أن لا يلزمني لك طاعة و لا بيعة و أبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فانك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو و لا أخاف من القتل إلا ما تخاف و قد و الله رقت الأجناد و ذهبت الرجال و أكلت الحرب العرب إلا حشاشات نفس بقيت، و إنا في الحرب و الرجال سواء و نحن بنو عبد مناف و ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز و لا يسترق به حر. و السلام. فلما قرأ علي عليه السلام كتابه تعجب منه و من كتابه ثم دعا عبيد الله بن أبي رافع كاتبه و قال له اكتب إليه أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر- الفصل.

اللغة

«طلبك إلي» قال في أقرب الموارد: طلب إلي: رغب، و قال الفاضل الشارح المعتزلي: يقال: طلبت إلى فلان كذا و التقدير طلبت كذا راغبا إلى فلان كما قال تعالى «في تسع آيات إلى فرعون» أي مرسلا، و في تعليقة نسخة خطية عندنا فسرت العبارة هكذا: أي طلبك الشام قاصدا إلي بذلك، و سيأتي وجه آخر في بيان الإعراب.

«حشاشات» جمع حشاشة بالضم، الحشاش و الحشاشة بقية الروح في المريض قال في الأساس: و ما بقي منه إلا حشاشة، قال ذو الرمة:

فلما رأين الليل و الشمس حية حياة التي تقضي حشاشة نازع‏

و في الحماسة (502):

فهل أنت إلا مستعير حشاشة لمهجة نفس آذنت بفراق‏

و قال المرزوقي في الشرح: الحشاشة هي روح القلب، و رمق من حياة النفس و قد آذنت بالمفارقة، و المهجة: خالصة النفس.

و في منتهى الأرب: حشاش بالضم كغراب: بقيه جان در بيمار و جريح، حشاشه بالهاء كذلك.

«الطليق» قال ابن الأثير في النهاية: و في حديث حنين: و خرج إليها و معه الطلقاء، هم الذين خلى عنهم يوم فتح مكة و أطلقهم و لم يسترقهم واحدهم طليق فعيل بمعنى مفعول و هو الأسير إذا طلق سبيله، و منه حديث الطلقاء من قريش و العتقاء من ثقيف كأنه ميز قريشا بهذا الاسم حيث هو أحسن من العتقاء.

«الصريح»: الخالص من كل شي‏ء، قال الفيومي في المصباح: صرح الشي‏ء بالضم صراحة و صروحة: خلص من تعلقات غيره فهو صريح، و عربي صريح خالص النسب و الجمع صرحاء، و كل خالص صريح، و منه قول صريح و هو الذي لا يفتقر إلى إضمار أو تأويل.

و في أقرب الموارد يقال: رجل صريح النسب أي خالصه.

مجاز «اللصيق» أصل اللصيق: الدعي في قوم الملصق بهم و ليس منهم من قولك لصق الشي‏ء بغيره من باب تعب لصقا و لصوقا: لزق، و قال في الأساس: و من المجاز:فلان ملصق و لصيق، دعي.

«المدغل» اسم فاعل من الإدغال، قال الجوهري في الصحاح: الدغل بالتحريك: الفساد مثل الدخل، يقال: قد أدغل في الأمر إذا أدخل فيه ما يخالفه و يفسده.

و في النهاية الأثيرية: فيه- يعني في الحديث- اتخذوا دين الله دغلا أي يخدعون الناس، و أصل الدغل الشجر الملتف الذي يكمن أهل الفساد فيه، و قيل: هو من قولهم: أدغلت في هذا الأمر إذا أدخلت فيه ما يخالفه و يفسده و منه حديث علي عليه السلام ليس المؤمن بالمدغل هو اسم فاعل من أدغل.

«نعشنا» نعشه الله ينعشه من باب منع أي رفعه، قال الجوهري: لا يقال أنعشه الله، و سمى سرير الميت نعشا لارتفاعه و إذا لم يكن عليه ميت محمول فهو سرير، قاله ابن الأثير في النهاية، و قال المرزوقي في شرحه على الحماسة (368):النعش شبيه بالمحفة كان يحمل عليه الملك إذا مرض؛ ثم كثر حتى سمي النعش الذي فيه الميت نعشا.

«رغبة» بالفتح فالسكون مصدر من قولك رغب فيه من باب علم إذا أراده بالحرص عليه و أحبه.و «رهبة» كالرغبة أي الخوف مصدر رهب الرجل منه من باب علم إذا خاف منه.

الاعراب‏

«و أما طلبك إلي الشام» الواو عاطفة على ما سبق في الكتاب من قوله:و أما قولك إنه قد بقي من عقولنا- إلخ- كما دريت في بيان الماخذ، و في بعض‏  النسخ: فأما طلبك، بالفاء كما في نسخة نصر المقدم نقلها، و نسخة الرضي أصح، و ياء إلي مشددة مدعمة من ياء إلى الجارة و ياء ضمير المتكلم المجرور و الشام منصوب مفعول للطلب.

و العبارة في بعض النسخ مشكولة بجر الشام و تخفيف إلى أي رغبتك إلى الشام و نحوه، و كأنها و هم و نسخة الرضي و أكثر المتون ما اخترناها و هو أوفق باسلوب الكلام، و أوثق في تأدية المعنى. و أوجز و أبلغ في الفحوى و المغزى.

و أمكن أن تكون كلمة إلى بمعنى من أى طلبك مني الشام نحو قول عمرو ابن أحمر الباهلي في قصيدة قالها بعد ما هرب من يزيد بن معاوية لما بلغ عنه شي‏ء إليه.

تقول و قد عاليت بالكور فوقها أيسقى فلا يروى إلي بن أحمر؟

أي تقول الناقة و قد رفعت الرحل و وضعته على ظهرها: أ يركبني عمرو بن أحمر فلا يمل من ركوبي، و البيت في جامع الشواهد.

«اكلت» الضمير يرجع إلى الحرب و هي تؤنث و تذكر.«حشاشات» منصوب بالكسر لأن المستثنى متصل. «ألا» حرف تنبيه.«فالى النار» خبر لقوله من الموصولة في من أكله. و الفاء في فإلى لتضمن من معنى الشرط، و قال ابن الحاجب في البحث عن المبتدأ و الخبر من الكافية:و قد يتضمن المبتدأ معنى الشرط فيصح دخول الفاء في خبره و ذلك إما الاسم الموصول بفعل أو ظرف أو النكرة الموصوفة بهما مثل الذي يأتيني أو الذي في الدار فله درهم و مثل كل رجل يأتيني أو في الدار فله درهم.

«ما منعتك» ما موصول اسمي مفعول ثان لأعطيك «مني على اليقين» الظرفان متعلقان بأمضى، و من أهل العراق على الاخرة متعلقان بأحرص «امية» غير منصرف للعلمية و التأنيث، و كذلك سفيان لمكان الألف و النون الزائدتين كعثمان.«لبئس» بئس من أفعال الذم، الخلف فاعله و خلف مخصوص بالذم و جملة يتبع سلفا، في محل الرفع صفة له لأنه نكرة، و جملة هوى في نار جهنم في محل الرفع صفة لسلف لذلك.في أيد خبر فضل النبوة قدم توسعا للظرف و الواو للحال فالجملة حالية بعد مبني على الضم حذف المضاف إليه بقرينة المقام كما سيعلم في المعنى، نعشنا عطف على قوله اذللنا.

«كنتم» جواب لما، و أفرد دخل لظاهر من، على حين كقوله تعالى: دخل المدينة على حين غفلة من أهلها (القصص- 16) و قال الفاضل أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش في تفسير التبيان في إعراب القرآن: على حين غفلة حال من المدينة و يجوز أن يكون حالا من الفاعل أي مختلسا. انتهى، ففي المقام جاز أن يكون على حين حالا من ضمير كنتم أو من الدين و إن كان الأول أنسب بسياق الكلام.

«طوعا» و «كرها» مصدران في موضع الحال و كذا رغبة و رهبة و ذو الحال في الصورة الاولى الامة و في الثانية من «و ذهب» عطف على فاز، أي على حين ذهب، و الباء في بفضلهم للتعدية أعني صار فعل ذهب بها متعديا، و في باء التعدية معنى المصاحبة أيضا، و لذلك إذا تعدى الفعل اللازم بباب الافعال يفيد معنى، و إذا تعدى بباء الجر يفيد معنى آخر يغاير الأول؛ مثلا إذا قلت اذهبت زيدا جعلت زيدا ذاهبا و ما ذهبت معه، و إذا قلت ذهبت بزيد جعلته ذاهبا و أنت أيضا ذاهب معه لمكان الباء؛ فتبصر من لطافة قوله عليه السلام و ذهب المهاجرون الأولون بفضلهم.و الأولون صفة للمهاجرين، و الباء في بسبقهم سببية.«نصيبا» مفعول لا تجعل، و للشيطان متعلق به و كذلك فيك قدما عليه توسعا للظروف.«و لا على نفسك سبيلا» معطوف على الشيطان فسبيلا مفعول الفعل و على نفسك متعلق به قدم عليه للظرفية.

المعنى‏

هذا الكتاب كتب قبل ليلة الهرير كما هو الظاهر، قيل بيومين أو ثلاثة جوابا عن كتاب كتبه معاوية إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام، و إنما كتبه معاوية إليه بعد ما بلغه قول علي عليه السلام: لاناجزنهم مصبحا، و تناقل الناس كلمته و فزع أهل الشام لذلك و انكسروا لقوله كما تقدم الكلام فيه من نصر و غيره آنفا.

و معاوية قد أظهر في كتابه الندامة و النفرة على إنارته نار الحرب و إثارته إياها و إقدامه على إقبالها، و اعترف بأنه أطاع نفسه في ذلك و أدبر عن فتيا العقل، و فيه اشعار بجزعه من الحرب و اضطرابه من القتال و عدم نجدته في الحراب.و أساء بأمير المؤمنين على عليه السلام الظن و خرج عن صوب الصواب و طريق الأدب حيث خاطبه عليه السلام بقوله: فإني أظنك- إلى قوله: لم يجنها بعض على بعض و أشركه في اتباعه الهوى و خروجه عن الطريقة المثلى، بقوله: و إنا و إن كنا قد غلبنا على عقولنا.و طلب منه عليه السلام ثانيا أن يترك له الشام، و لا يطلب منه طاعة و لا بيعة كما كان طلبه منه كذلك من قبل.و شمخ بأنفه و أرعد و أبرق فجعل نفسه عكم خليفة الله بقوله: فانك لا ترجو من البقاء- إلخ.

و استعطفه و دعاه إلى الشفقة على الناس و الكف من البأس بقوله: و قد و الله رقت- إلخ.

و خوفه باستواء الفريقين في الحرب و الرجال بقوله: و إنا في الحرب- إلخ.

ثم تبصبص و أبدى القرابة منه بأن امية و هاشم صنوان من أصل واحد.

ثم تغطرس بأن بني عبد مناف ليس لبعضهم على بعض فضل، و استثنى من ذلك فقال: إلا فضل لا يستذل به عزيز و لا يسترق به حر، فأجاب عنها أمير المؤمنين علي عليه السلام بما ترى:أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر: «أنك لو علمت و علمنا أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض» نقل كلام معاوية أولا فأجابه بقوله:فإنا و إياك منها في غاية لم نبلغها، و إني لو قتلت في ذات الله و حييت ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدة في ذات الله و الجهاد لأعداء الله.

و ضمير منها يرجع إلى الحرب، و كلمة لم تبلغها جاءت في نسخة نصر بتاء الخطاب و في نسخة كنز الكراجكي بياء الغيبة و في سائر النسخ بنون المتكلم مع الغير، و الأخير أنسب بسياق الكلام، و المراد: أنا نلتمس و ننتظر من الحرب غاية لم نبلغها بعد، أي إني أعلم أن الحرب ستشب إلى حد يكون ما مضى منها دونه.

و كلامه هذا إذعار معاوية و إرغامه في قبال قوله ذلك، و تهديد و تخويف و ايعاد إياه بأن أمره سيئول إلى أشد من ذلك و أن عاقبته و خيمة و أن عاقبة الذين أساءوا السوأى، و إنبائه بنفسه أي إني لعلى بصيرة و بينة من ربي و إني لعلى الطريق الواضح، ثم أكده بقوله: و إني لو قتلت في ذات الله و حييت ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدة في ذات الله و الجهاد لأعداء الله، و أعلمه بذلك ثبات قدمه في الدين، و كونه على النهج القويم و الصراط المستقيم، و عدم بأسه من القتال و القتل في سبيل الله و لو قتل و حيي سبعين مرة، و عرف في أثناء قوله معاوية و من سلكوا مسلكه و اتبعوا مأخذه بأنهم كافرون لأنهم أعداء الله.

و اعلم أن أولياء الله لكونهم على بينة من ربهم لا يبالون وقعوا على الموت أو وقع الموت عليهم، و لا يخافون من القتل في سبيل الله و لا من القتال في سبيله، و يعلمون أنهم لا يتربصون بالأعداء إلا إحدى السوئين، و أن الأعداء لا يتربصون بهم إلا إحدى الحسنيين إما الفتح و إما الشهادة كما قال الله تعالى خطابا لرسوله صلى الله عليه و اله: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين و نحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون‏ (التوبة 53).

و اقتفى أثره عليه السلام في قوله هذا: و إني لو قتلت في ذات الله- إلخ، الذين استضاءوا من مشكاة وجوده، و اقتبسوا من نور علمه و ربوا في بيته و حجره، و احتذوا حذوه، و اتبعوا سبيله سلام الله عليهم أجمعين: فهذا هو عمار بن ياسر فاستمع ما ذا يقول رضوان الله عليه: روى نصر في صفين عن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن جندب بن عبد الله قال: قام عمار بن ياسر بصفين فقال: امضوا عباد الله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الامرون بالإحسان فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا لأحداثه، فقالوا: إنه ما أحدث شيئا و ذلك لأنه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونها و يرعونها و لا يبالون لو انهدت عليهم الجبال، و الله ما أظنهم يطلبون دمه إنهم ليعلمون أنه لظالم و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها و استمرءوها، و علموا لو أن الحق لزمهم لحال بينهم و بين ما يرعون فيهم منها، و لم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة و الولاية فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا، و تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون و لو لا هي ما بايعهم من الناس رجلان، اللهم إن تنصرنا فطال ما نصرت، و إن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم، ثم مضى و مضى معه أصحابه فلما دنى من عمرو بن العاص فقال: يا عمرو بعت دينك بمصر تبا لك و طال ما بغيت الإسلام عوجا ثم حمل عمار و هو يقول:

صدق الله و هو للصدق أهل‏ و تعالى ربي و كان جليلا
رب عجل شهادة لي بقتل‏ في الذي قد احب قتلا جميلا
مقبلا غير مدبر إن للقتل‏ على كل ميتة تفضيلا
إنهم عند ربهم في جنان‏ يشربون الرحيق و السلسبيلا
من شراب الأبرار خالطه المسك‏ و كأسا مزاجها زنجبيلا

و الأبيات الثلاثة الأخيرة تشير إلى قوله تعالى: و لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء و لكن لا تشعرون‏ (البقرة- 152).

و قوله تعالى: و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله و يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم و لا هم يحزنون‏ إلى قوله تعالى: و اتبعوا رضوان الله و الله ذو فضل عظيم‏ (آل عمران 165- 170).

و قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون‏ (المطففين 24- 27).

و قوله تعالى: و يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا (هل أتى- 18 و 19).

قال نصر: ثم نادى عمار عبيد الله بن عمر و ذلك قبل مقتله فقال: يا ابن عمر صرعك الله بعت دينك بالدنيا من عدو الله و عدو الإسلام، قال: كلا و لكن أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم، قال: كلا أشهد على علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب بشي‏ء من فعلك وجه الله و أنك إن لم تقتل اليوم فستموت غدا فانظر إذا أعطى الله العباد على نياتهم ما نيتك؟

ثم قال عمار: اللهم إنك لتعلم أني لو أعلم أن رضاك أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت، اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم انحنى عليها حتى يخرج من ظهري لفعلت، اللهم و إني أعلم مما أعلمتني أني لا أعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، و لو أعلم اليوم عملا أرضى لك منه لفعلته. (ص 165 من الطبع الناصري).

و قد نقل قوله هذا أبو جعفر الطبري في تاريخه كما تقدم في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 284 ج 15).و تقدمت طائفة من كلمات قيمة من أصحاب علي عليه السلام في شرح الكتاب‏ العاشر فراجع.

و لما جمع ريحانة رسول الله سيد الشهداء الحسين بن علي عليهم السلام أصحابه عند قرب المساء من يوم التاسوعاء و قال لهم: إني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا فبعد ما قال أعوانه من إخوته و أبنائه و بني أخيه و بني عقيل و ابني عبد الله بن جعفر ما قالوا، قام إليه مسلم بن عوسجة رضوان الله عليه فقال: أنحن نخلي عنك و بما نعتذر إلى الله في أداء حقك أما و الله حتى أطعن في صدورهم برمحي و أضربهم بسيفي ما ثبت قائمة في يدي و لو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة و الله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك، أما و الله لو قد علمت أني اقتل ثم احيى ثم احرق ثم احيي ثم اذري يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك و كيف لا أفعل ذلك و إنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.

و قام زهير بن القين رحمة الله عليه فقال: و الله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى اقتل هكذا ألف مرة و أن الله عز و جل يدفع بذلك القتل عن نفسك و عن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.

تو مكن تهديدم از كشتن كه من‏ تشنه زارم بخون خويشتن‏
عاشقان را هر زماني مردنى است‏ مردن عشاق خود يك نوع نيست‏
او دو صد جان دارد از نور هدى‏ و آن دو صد را ميكند هر دم فدا
هر يكى جان را ستاند ده بها از نبي خوان عشرة أمثالها
آزمودم مرگ من در زندگيست‏ چون رهم زين زندگى پايندگيست‏
إن في موتي حياتي يا فتى‏ كم افارق موطني حتى متى‏
فرقتي لو لم تكن في ذا السكون‏ لم يقل إنا إليه راجعون‏

قال عليه السلام و أما قولك: «انه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى» نقل كلام معاوية ثم أجابه بقوله: «فإني ما نقضت عقلي و لا ندمت على فعلي»و ذلك لأنه عليه السلام كان مأمورا بقتاله من الله تعالى كما احتج عليه السلام بذلك على معاوية في الكتاب السابع (ص 223 ج 16) حيث قال معاوية: و إني احذرك الله أن تحبط عملك و سابقتك بشق عصا هذه الامة و تفريق جماعتها، فأجابه الأمير عليه السلام: فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذرني ذلك، و لكني وجدت الله تعالى يقول: «فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمر الله» فنظرنا إلى الفئتين ما الفئة الباغية؟ فوجدناها الفئة التي أنت فيها- إلخ.

على أن الحجج الإلهية كما أنهم معصومون من الذنوب كذلك معصومون من أن يفعلوا فعلا أو يتركوا ما يوجب ندامتهم به لأنهم ينظرون بنور الله و يحكمون بالعقل الناصع فإذا سكتوا فسكوتهم هو الصواب، و إذا نطقوا فنطقهم هو الصواب و إذا فعلوا ففعلهم هو الصواب و إذا تركوا و كفوا فتركهم هو الصواب ثم من لم يكن عالما بعواقب الامور يندم من فعله لأنه يفعل فعلا كان الصواب تركه أو يترك فعلا كان الصواب فعله فاذا ظهر له خلافه يندم به فأين هذا ممن كان بنهاية قربه من الله و كمال الإتصال بجنابه و تمام الحضور إلى حضرته مصونا و معصوما عن جميع ما تنفر عنها الطباع و قد تقدم البحث عن صفاتهم و عصمتهم في شرح المختار 237 من باب الخطب و لذا قال عليه السلام: فإني ما نقضت عقلي و لا ندمت على فعلي، و في بعض النسخ: فإني ما تنقصت عقلي، أي ما أنسبه إلى النقصان.

قال عليه السلام: «و أما طلبك إلي الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس» طلب معاوية من الأمير عليه السلام‏ الشام‏ غير مرة كما اعترف به في كتابه المتقدم إليه، و كان أتباعه أيضا يطلبون بأمره من الأمير عليه السلام أن يخلي بينهم و بين الشام، و يخلوا بينه و بين العراق وهما منهم أن خلفاء الله تعالى إنما يقاتلون أعداء الله لاقتراف الديار و العقار و حطام الدنيا و قد روى نصر في صفين (ص 255) أن رجلا من أهل الشام ينادي بين الصفين: يا أبا حسن يا علي ابرز إلي فخرج إليه علي عليه السلام حتى إذا اختلف أعناق دابتيهما بين الصفين؛ فقال: يا علي إن لك قدما في الإسلام و هجرة فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء و تأخير هذه الحروب حتى ترى من رأيك؟

فقال له علي عليه السلام: و ما ذاك؟

قال: ترجع إلى عراقك فنخلي بينك و بين العراق و نرجع إلى شامنا فتخلي بيننا و بين شامنا.

فقال له علي عليه السلام: لقد عرفت أنما عرضت هذا نصيحة و شفقة، و لقد أهمني هذا الأمر و أسهرني و ضربت أنفه و عينه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما انزل على محمد صلى الله عليه و اله إن الله تبارك و تعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض و هم سكوت مذعنون لا يأمرون بالمعروف و لا ينهون عن المنكر فوجدت القتال أهون علي من معالجة الأغلال في جهنم، فرجع الشامي و هو يسترجع.

أقول: و قد مضى كلامنا في ذلك في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 322 ج 15)، و هذا من أبناء الدنيا يقصر الهمة في الماء و الكلاء و يتمرغ في الأهواء و الأميال الشهوانية، و ذلك رجل إلهي و سفير رباني يرشد الناس من عبارة و جيزة إلى حقيقة أشرقت من صبح الأزل فيها بيان علة قيام أولياء الله و نهضتهم في قبال أعدائه قائلا: إن الله تبارك و تعالى لم يرض من أوليائه- إلخ.

و الحري بباغي الرشد أن ينظر حق النظر في قوله عليه السلام فوجدت‏ القتال أهون علي من معالجة الأغلال في جهنم.

و لقد سبق معاوية في الطلب المذكور مسيلمة المتنبي إلا أن هذا المفتري الكذاب طلب من النبي و ذاك طلب من الوصي سنة بسنة؛ ففي السيرة النبوية لابن هشام (ص 600 ج 2 طبع مصر 1375 ه): و قد كان مسيلمة بن حبيب قد كتب إلى رسول الله صلى الله عليه و اله: من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله سلام عليك، أما بعد فاني قد أشركت في الأمر معك و إن لنا نصف الأرض و لقريش نصف الأرض و لكن قريشا قوم يعتدون.

فقدم عليه رسولان له بهذا الكتاب.

قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: فحدثني شيخ من أشجع عن سلمة بن نعيم‏ ابن مسعود الأشجعي، عن أبيه نعيم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و اله يقول لهما حين قرأ كتابه: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، فقال: أما و الله لو لا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما، ثم كتب صلى الله عليه و اله إلى مسيلمة:

بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب: السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين.

و هذه المشابهة بين مسيلمة و بين معاوية في النبي و الوصي شبيهة بما وقع بين النبي صلى الله عليه و اله و سهيل بن عمرو يوم الحديبية، و بين الوصي عليه السلام و معاوية يوم صفين و ذلك أن صحيفة الصلح لما كتبت يوم الحديبية «هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله و سهيل بن عمرو» قال سهيل: لا اجيبك إلى كتاب تسمى رسول الله و لو علمت أنك رسول الله لم اقاتلك إني إذا ظلمتك إن منعتك أن تطوف ببيت الله و أنت رسول الله و لكن اكتب محمد بن عبد الله اجيبك.

و لما كتبت صحيفة الصلح يوم صفين «هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين و معاوية بن أبي سفيان» قال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته فمحوا كلمة أمير المؤمنين، و قد مر تفصيله في شرح المختار 236 ص 242 من ج 15 فراجع.

و العجب لمعاوية تارة يحرض الناس و يألبهم على قتال الحق مدعيا الطلب بدم عثمان، و يتخذ عمرو بن العاص العاصي الظالم المضل عضده و جعل مصرا طعمة له؛ و مرة يطلب من أمير المؤمنين عليه السلام الشام فأين هذا من ذاك؟ و لا يدرى أنه كان بأي رأي يعيش؟ بلى من كان ميت القلب و أعماه حب الدنيا فهو يهيم في كل واد من أودية الأباطيل و الأضاليل و الأهواء المردية و الاراء الردية، قال عز من قائل: «و لا تكونوا كالذين نسوا الله فانسيهم أنفسهم اولئك هم الفاسقون»

اى عجب چون مى‏نبينند اين سپاه‏ عالمى پر آفتاب چاشتگاه‏
چشم باز و گوش باز و اين ذكا حيرتم از چشم بندى خدا

 

دو سر انگشت بر دو چشم نه‏ هيچ بيني از جهان انصاف ده‏
ور نه بينى اين جهان معدوم نيست‏ عيب جز ز انگشت نفس شوم نيست‏
تو ز چشم انگشت را بردار هين‏ و آنگهانى هر چه مى‏خواهى ببين‏
نوح را گفتند امت كو ثواب؟ گفت او ز ان سوى و استغشوا ثياب‏
رو و سر در جامه‏ها پيچيده‏اند لا جرم با ديده و بى‏ديده‏اند

و قوله: أمس‏ إشارة إلى طلبه من أمير المؤمنين علي عليه السلام حين بويع بالخلافة إقراره على إمرة الشام، و نقل عن ابن عباس أنه قال له عليه السلام: و له شهرا و اعزله دهرا فإنه بعد أن يبايعك لا يقدر على أن يعدل في إمرته و لا بد أن يجور فتعزله بذلك، فقال عليه السلام: كلا و ما كنت متخذ المضلين عضدا.

و قال المسعودي في مروج الذهب (ص 5 ج 2) أتى المغيرة بن شعبة عليا فقال له: إن حق الطاعة النصيحة، و إن الرأى اليوم تحوز به ما في غد، و إن التصارع اليوم تضيع به ما في غد، اقرر معاوية على عمله، و اقرر ابن عامر على عمله، و اقرر العمال على أعمالهم حتى إذا أتتك طاعتهم و طاعة الجنود استبدلت أو تركت.

قال عليه السلام: حتى أنظر، فخرج من عنده و عاد إليه من الغد فقال: إني أشرت عليك بالأمس برأى و تعقبته و إنما الرأى أن تعالجهم بالنزع فتعرف السامع من غيره و يستقل أمرك، ثم خرج فتلقاه ابن عباس خارجا و هو داخل فلما انتهى إلى علي عليه السلام قال: رأيت المغيرة خارجا من عندك ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بكيت و كيت، و جاءني اليوم بذيت و ذيت، فقال: أما أمس فقد نصحك و أما اليوم فقد غشك.

قال: فما الرأى؟ قال: كان الرأى أن تخرج حين قتل عثمان أو قبل ذلك فتأتي مكة فتدخل دارك فتغلق عليك بابك فإن العرب كانت لجائلة مضطرة في إثرك لا تجد غيرك فأما اليوم فإن بني امية سيحسنون الطلب بأن يلزموك شعبة من هذا الأمر و يشبهون فيك على الناس، و قال المغيرة: نصحته فلم يقبل فغششته‏ و ذكر انه قال و أما أنا فنصحته قبلها و لا أنصحه بعدها.

قال المسعودي: وجدت في وجه آخر من الروايات أن ابن عباس قال: قدمت من مكة بعد مقتل عثمان بخمس ليال فجئت عليا أدخل عليه فقيل لي عنده المغيرة بن شعبة فجلست بالباب ساعة فخرج المغيرة فسلم علي، و قال: متى قدمت؟

قلت: الساعة، و دخلت على علي و سلمت عليه، فقال: أين لقيت الزبير و طلحة؟

قلت: بالنواصف، قال: و من معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحرث بن هشام بن قتيبة من قريش فقال علي: أما إنهم لم يكن لهم بد أن يخرجوا يقولون نطلب بدم عثمان، و الله يعلم أنهم قتلة عثمان.

فقلت: أخبرني عن شأن المغيرة و لم خلابك؟ قال: جاءني بعد مقتل عثمان بيومين فقال: اخلني، ففعلت؛ فقال: إن النصح رخيص و أنت بقية الناس و أنا لك ناصح و أنا اشير عليك أن لا ترد عمال عثمان عامك هذا، فاكتب إليهم باثباتهم على أعمالهم فإذا بايعوا لك و اطمأن أمرك عزلت من أحببت و أقررت من أحببت، فقلت له: و الله لا اداهن في ديني و لا اعطى الرياء في أمري.

قال: فإن كنت قد أبيت فانزع من شئت و اترك معاوية فإن له جرأة، و هو في أهل الشام مسموع، و لك حجة في إثباته؛ فقد كان عمر ولاه الشام كلها.

فقلت: لا و الله لا أستعمل معاوية يومين أبدا. فخرج من عندي على ما أشار به ثم عاد فقال: إني أشرت عليك بما أشرت به و أبيت علي فنظرت في الأمر و إذا أنت مصيب لا ينبغي أن تأخذ أمرك بخدعة و لا يكون فيه دنسة.

قال ابن عباس: فقلت له: أما أول ما أشار عليك فقد نصحك و أما الاخر فقد غشك، و أنا اشير عليك أن تثبت معاوية فإن بايع لك فعلي أن أقلعه من منزله.

قال: لا و الله لا أعطيه إلا السيف ثم تمثل:

فما منة إن منها غير عاجز بعار إذا ما غالت النفس غالها

فقال: يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع أما سمعت رسول الله صلى الله عليه و اله يقول: الحرب‏

خدعة؟ فقال علي عليه السلام: بلى، قلت: أما و الله لإن أطعتني لأصدرن بهم بعد ورود، و لأتركنهم ينظرون في آثارهم الأمر و لا يدرون ما كان وجهها من غير نقص لك و لا إثم عليك.

فقال: يا ابن عباس لست من هنياتك و هنيات معاوية في شي‏ء يسير مالك عندي الطاعة و الله ولي التوفيق.

بيان: هنيات جمع هنية على التصغير أصلها من ه ن ه، أو من ه ن و، قال ابن الأثير في النهاية: و في حديث ابن الأكوع قال له: ألا تسمعنا من هناتك؟

أي من كلماتك أو من أراجزك؛ و في رواية من هنياتك على التصغير؛ و في اخرى من هنيهاتك على قلب الياء هاء.

ثم أردف معاوية قوله: «و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس» بقوله: «فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو، و لا أخاف من الموت إلا ما تخاف» إشارة إلى أنه مثل علي عليه السلام في الخوف من القتل و الرجاء من البقاء يعني أنه لا يبالي من الموت، و لا يطمع في الحياة بل يقاتل لإحياء حق أو إماتة باطل.

و غرضه من هذا القول دفع ما يوهم في طلبه الشام و موادعته الحرب من حصول الجبن و الفزع له، أي لا تظن من طلبي الشام إدخال الجبن في فإني لا أخاف من الموت و القتل و لا أطمع في الحياة بل أطلب الموادعة لحقن دماء الناس.

أقول: و قد ظهر صدق قوله حينما قام علي عليه السلام بين الصفين في صفين ثم نادى يا معاوية يكررها؛ فقال معاوية: اسألوه ما شأنه؟ قال: احب أن يظهر لي فاكلمه كلمة واحدة فبرز معاوية و معه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو و قال لمعاوية: ويحك على م يقتل الناس بيني و بينك و يضرب بعضهم بعضا؟ابرز إلي فأينا قتل صاحبه فالأمر له.

فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبد الله فيما ههنا ابارزه؟ فقال عمرو: لقد أنصفك الرجل، و اعلم أنه إن نكلت عنه لم تزل سبة عليك و على عقبك ما بقي عربي.

فقال معاوية: يا عمرو بن العاص ليس مثلي يخدع عن نفسه و الله ما بارز ابن أبي طالب رجلا قط إلا سقى الأرض من دمه، ثم انصرف معاوية راجعا حتى انتهى إلى آخر الصفوف و عمرو معه.

هذا هو رواية نصر في صفين نقلناها بألفاظه (ص 140 من الطبع الناصري) و قد أتى بقريب منها المسعودي في مروج الذهب (ص 25 ج 2) و قد تقدم نقله في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 316 ج 15).

و نقل ابن قتيبة الدينوري في باب أخبار الجبناء من كتاب الحرب من عيون الأخبار (ص 169 ج 1 طبع مصر) عن المدائني قال: رأى عمرو بن العاص معاوية يوما يضحك، فقال له: مم تضحك يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب أما و الله لقد وافقته منانا كريما و لو شاء أن يقتلك لقتلك.

قال عمرو: يا أمير المؤمنين أما و الله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولت عيناك، و ربا سحرك، و بدا منك ما أكره ذكره لك؛ فمن نفسك فاضحك أودع. و نقله المسعودي في مروج الذهب مفصلا (ص 65 ج 2).

و حينما قام رجل من أصحاب علي عليه السلام و قال: و الله لأحملن معاوية حتى أقتله فأخذ فرسا فركبه ثم ضربه حتى إذا قام على سنابكه دفعه فلم ينهنهه شي‏ء عن الوقوف على رأس معاوية و دخل معاوية خباء فنزل الرجل عن فرسه و دخل عليه فخرج معاوية من الخباء و طلع الرجل في أثره فخرج معاوية حتى أحاط قومه بالرجل فقتلوه، على التفصيل الذي ذكره نصر في صفين (ص 138).

و حينما حمل أمير المؤمنين علي عليه السلام و أصحابه على القاسطين حملة واحدة فلم يبق لأهل الشام صف إلا أهمد حتى أفضى الأمر إلى معاوية و علي عليه السلام يضرب بسيفه و لا يستقبل أحدا إلا ولى عنه فدعا معاوية فرسه لينجو عليه فلما وضع رجله في الركاب ليفر من الحرب أشار عليه عمرو بن العاص برفع المصاحف على الرماح ففعلوا ما فعلوا، نقله الدينوري في الإمامة و السياسة (ص 127 ج 1).

فإنه لو لم يكن صادقا في قوله: «فإني لا أخاف من الموت إلا ما تخاف و لا أرجو من البقاء إلا. ما ترجو» لما أعرض عن المبارزة حين دعاه علي عليه السلام إلى البراز، و لم ينصرف راجعا حتى ينتهى إلى آخر الصفوف أولا، و لما أدبر عن الرجل و لم يدخل خباء مرة و لم يخرج منه اخرى ثانيا، و لما فر من الحرب و لم يدعو فرسه لينجو عليه ثالثا.

على أن صاحبه عمرو بن العاص كان عارفا بحاله و قد أمضى قوله ذلك حيث قال له في صفين: إن رجالك لا يقومون لرجاله (يعني رجال علي عليه السلام) و لست مثله هو يقاتلك على أمر و أنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء و هو يريد الفناء، رواه نصر في صفين (ص 256) و سليم بن قيس كما تقدم نقله في ماخذ هذا الكتاب.

و انما قال عليه السلام: لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس‏، لأن معاوية في‏ الأمس‏ لم يكن لائقا بأخذ زمام الامور و إعطاء ذلك المقام لكونه على الباطل و هذه العلة كانت باقية في اليوم فلم يصلح لتولية امور المسلمين بعد.

ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: أما قولك: «إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس بقيت» «ألا فمن أكله الحق فإلى النار» نقل كلام معاوية أولا ثم أجابه بقوله: ألا فمن‏- إلخ، و النسخ في عبارة الجواب مختلفة: ففي نسخة خطية عتيقة من النهج عندنا: ألا فمن أكله الحق فالنار أولى به، و هي قريبة من نسخة الرضي التي اخترناها في المتن.و في أكثر النسخ المطبوعة: ألا و من أكله الحق فإلى الجنة و من أكله الباطل فإلى النار.

أقول: الصواب ما اخترناها في المتن من النسخة التي عندنا قوبلت على نسخة الرضي رضوان الله عليه، و ما في تلك النسخة الخطية يؤيدها فانهما بمعنى فارد تقريبا.و أما النسخ المطبوعة فيشبه أن تكون مصحفة عن أصلها، و لا يخلو حملها على معنى صحيح من تكلف مثل أن يقال: من قتل في سبيل الحق و الذب عنه فمصيره إلى الجنة، و من هلك في سبيل الباطل و الدفاع عنه فإلى النار.

أو يضمر في الجملتين مضافان، و التقدير: ألا و من أكله‏ أعداء الحق فإلى‏ الجنة، و من أكله‏ أعداء الباطل‏ فإلى النار، و نحوهما.و المعنى على نسخة الرضي مستقيم لا اعوجاج فيه لأن الأكل في فصيح الكلام العربي كثيرا ما يؤتى به لإفادته معنى الافناء و الإزالة و الظهور على أمر أي من أفناه الحق و غلب عليه فمصيره إلى النار، و إنما قال ذلك لأن أتباع الحق قد قتلوا في صفين خلقا كثيرا من أحزاب معاوية فأشار عليه السلام إلى أن مصيرهم‏ إلى النار و إن بلغ عددهم ما بلغ و لم يبق منهم إلا حشاشات أنفس، يقال: أكلت النار الحطب أي أفنته، و قال أوس بن حجر كما في مادة ا ك ل من الأساس:

و قد أكلت أظفاره الصخر كلما تعنى عليه طول مرقى توصلا

أي أكلت الصخر أي أفننت الحجارة أظفاره.استعاره [إن الحرب قد أكلت العرب‏] و قال الطريحي في المجمع: أكلنا بني فلان أي ظهرنا عليهم، و أصل الأكل للشي‏ء الإفناء له ثم استعير لافتتاح البلاد و سلب الأموال.و قال المرزوقي في شرح الحماسة عند قول خلف بن خليفة (الحماسة 794):

لعمري لنعم الحي يدعو صريخهم‏ إذا الجار و المأكول أرهقه الأكل‏

و معنى أرهقه الأكل ضيق عليه و غشيه، و قد قيل: أكلت فلانا إذا غلبته و غلبته.و قد جاءت بهذا المضمون من معنى الأكل أعني الإفناء روايات عن أئمتنا الطاهرين عليهم السلام ففي باب الحسد من اصول الجامع الكافي لثقة الإسلام الكليني قدس سره بإسناده عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن الرجل ليأتي بأي بادرة فيكفر فإن (و إن- خ ل) الحسد ليأكل الإيمان كما يأكل النار الحطب.

و روى بإسناده عن جراح المدائني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسد يأكل‏ الإيمان- إلخ، و أتى بهما الفيض قدس سره في الوافي (ص 148 ج 3). و قد مضى في المختار 84 من باب الخطب عن الأمير عليه السلام: و لا تحاسدوا فإن الحسد يأكل‏- إلخ.

و في الجامع الصغير للسيوطي عن النبي صلى الله عليه و اله: الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.و سيأتي من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام لابنه الإمام المجتبي قوله له و إياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها و تكالبهم عليها- إلى ان قال: فإنما أهلها كلاب عاوية و سباع ضارية يهر بعضها بعضا، و يأكل عزيزها ذليلها، و يقهر كبيرها صغيرها- إلخ.

قال عليه السلام: و أما استواؤنا في الحرب و الرجال‏- إلى قوله: على الاخرة، قد علمت من نسخ ماخذ الكتاب أنها كانت متفقة في قوله: «و أما استواؤنا في الخوف و الرجاء» مكان قوله: «و أما استواؤنا في الحرب و الرجال» إلا ما نقلناه أخيرا من نسخة نقلها الشارح البحراني فإنها كانت موافقة للمتن، و نسخة الرضي هي التي اخترناها في المتن و توافقها نسختنا الخطية المذكورة.

و أظن أن الذين نقلوا عبارة «و أما استواؤنا في الخوف و الرجاء» نظروا بقول معاوية: «فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو، و لا أخاف من الموت إلا ما تخاف» و ظنوا أن قول الأمير عليه السلام‏ فلست بأمضى‏- إلخ، جواب عنه فحرفوا الحرب و الرجال‏ بالخوف و الرجاء، و قد غفلوا أن هذا الجواب لا يوافقه، كما يشهد به التأمل الصحيح، و أن قول معاوية: «فإني لا أرجو- إلخ» انما هو تتمة قوله: «و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك» لما قد عرفت آنفا، و قد أجابه الأمير عليه السلام بقوله: و أما طلبك إلي الشام‏- إلخ.

و معناه أن معاوية خوف الأمير عليه السلام و هدده باستواء الفريقين في الحرب و الرجال و أوهم بذلك ثباته في الحرب و بقاءه عليها و عدم تزلزله و اضطرابه منها و من وقوع كثرة القتلى في عسكره فأجابه الأمير عليه السلام بأنك إنما على علم في عدم كونك على حق، و يقين في أنك لست بمحق، و إنما تقاتل و تحارب لاقتراف حطام الدنيا و لست على يقين في وصولك إلى ما ترجو و تتمنى بل، على شك و ترديد فيه، لأنه أمكن أن تظهر علينا فتصل إلى أمانيك الدنية الدنيوية، و أمكن أن نظهر عليكم فتعاق عنها و تحرم، و كذلك الكلام في أحزابك من أهل الشام.

و أما أنا فعلى بينة من ربي، و يقين في أني على الصراط المستقيم و ليس بعده إلا الضلال و التباب، و اقاتل و احارب على يقين في ديني و ليس لى إلا إحدى الحسنيين إما الظفر عليكم فهو جهاد في سبيل الله، و إما القتل في سبيل الله فمصيره إلى الجنة و رضوان الله و هكذا الكلام في أصحابي من أهل العراق.

ثم من المعلوم أن من يعمل فعلا على شك و ترديد فيه ليس بأمضى فيه ممن يعمله على يقين، و من يفعل عملا لاقتراف الدنيا و حصول الأماني الفانية الزائلة ليس بأحرص فيه ممن يفعله للتقرب إلى الله تعالى، و الوصول إلى النعم الاخروية الدائمة و الحياة الباقية و الدرجات العالية الأبدية الروحانية، و أين هذا من ذاك و نعم ما قاله الأشتر رضوان الله عليه في أبياته السالفة آنفا:

طلب الفوز في المعاد و في ذا تستهان النفوس و الأموال‏

فظهر أن أهل الشك و الترديد ليسوا في رتبة أهل اليقين و إن كانوا كثيرين عددا و قد قال عز و جل: قل لا يستوي الخبيث و الطيب و لو أعجبك كثرة الخبيث‏ (المائدة 101) و قال تعالى: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله‏ (البقرة 250) فما ادعاه معاوية من استواء الفريقين في الحرب و الرجال اختلاق محض فإن مثلهما كالأعمى و الأصم و البصير و السميع هل يستويان؟.

و أن تهديده عليا أمير المؤمنين عليه السلام بما نسجه من استوائهما في الحرب و الرجال أوهن من بيت العنكبوت، بل الخوف به أولى و الفزع به أحرى.قال عليه السلام: و أما قولك: «إنا بنو عبد مناف» فكذلك نحن و لكن ليس امية كهاشم، و لا حرب كعبد المطلب و لا أبو سفيان كأبي طالب‏، و سيأتي نحو كلامه هذا في الكتاب الثامن و العشرين الذي كتبه الأمير عليه السلام إلى معاوية جوابا:منا النبي و منكم المكذب، و منا أسد الله و منكم أسد الأحلاف، و منا سيدا شباب أهل الجنة و منكم صبية النار، و منا خير نساء العالمين و منكم حمالة الحطب- إلخ.

افتخر معاوية بأنه من بني عبد مناف، أو أراد بذلك الاستعطاف من أمير المؤمنين عليه السلام، أو قصد الاستواء بقوله هذا تبخترا، حيث قال بعده: و ليس لبعضنا على بعض فضل، أو عنى بذلك أنهما من بيت واحد فليس لبعضهم فضل على بعض أي أنها في الفضيلة و الشرافة سواء فإن استحق هذا منصبا كان ذلك للاخر أيضا، و إن ادعى هذا مقاما كان ذلك للاخر أيضا، و مال الوجهين الأخيرين واحد و استفادة الوجه الثاني من الأولين من العبارة لا تخلو من تكلف.

و نقول أولا: إن معاوية و إن كان منتسبا إلى عبد مناف بحسب الظاهر لكن دنيات اموره و رذيلات صفاته قد أخرجته من بيت الشرف حقيقة و كم من فعال خبيثة و أعمال غير صالحة أوجبت القطع عن بيت و رحم و في القرآن الكريم قال:يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح‏ (هود- 50)، و لا يخفى عليك أن الورد و الشوك من أصل واحد و لكن أين هذا من ذاك.

و ثانيا إنه لما افتخر بانتسابه إلى عبد مناف و ادعى الاستواء بينه و بين الأمير عليه السلام و أنكر فضل بعض على بعض من بيت عبد مناف أجابه الأمير عليه السلام بقوله: إنا بنو أب واحد كما في نسخة نصر فعلى هذه النسخة لم يمض الأمير عليه السلام أن معاوية من بني عبد مناف كما لا يخفى و فيه نكتة لطيفة نشير إليها عن قريب، و على نسخة الرضي أجابه بقوله: فكذلك نحن أي نسبنا ينتهى إليه أيضا و لكن بين آبائي و آبائك تفاوتا فاحشا، كما أن بين صفاتي و صفاتك فرقا ظاهرا و مسافة كثيرة، و تفصيله أن امية ليس كهاشم- إلخ، بدأ عليه السلام بذكر الأوصاف الخارجة و الفضائل الطارية عليه من جهة آبائه، و الرذائل العارضة على خصمه معاوية من‏ جهة أسلافه، ثم أتى بالأوصاف الداخلة على أربعة أقسام الاتي شرحها إن شاء الله تعالى، فلا بد في المقام من ذكر سلسلتي نسبهما إلى عبد مناف فنقول: علي عليه السلام كان ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، و معاوية كان ابن صخر أبي سفيان بن حرب بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف.

و آباء أمير المؤمنين علي عليه السلام كانوا أهل بيت شرف في قومهم، و كان كل واحد منهم أشرف و أفضل و أعلى من آباء معاوية بمراحل، أما أبو طالب عليه السلام فإنه كان زعيما حازما نبيها سياسا، و له في دفع كياد الأعداء عن النبي و الذب عنه صلى الله عليه و اله على الإسلام و المسلمين حق عظيم، و جلالة شأنه و حسن إسلامه أشرف من الشارق و أبلج من الصبح و قد ذكرنا طائفة من أشعاره السامية الدالة على إسلامه، و حمايته عن الرسول صلى الله عليه و اله و المسلمين، و نبذة من روايات جاءت في فخامة أمره و علو قدره في شرح المختار التاسع من باب الكتب و الرسائل (ص 351- 364) ج 17 و قال اليعقوبي في التاريخ: و كفل رسول الله صلى الله عليه و اله بعد وفاة عبد المطلب أبو طالب عمه فكان خير كافل، و كان أبو طالب سيدا شريفا مطاعا مهيبا مع إملاقه، قال علي بن أبي طالب عليه السلام: أبي ساد فقيرا، و ما ساد فقير قبله.

و أما عبد المطلب: ففي السيرة النبوية لابن هشام (ص 142 ج 1) أنه ولى السقاية و الرفادة بعد عمه المطلب فأقامها للناس و أقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، و شرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه و أحبه قومه و عظم خطره فيهم، ثم ذكر الرؤيا التي أريها عبد المطلب في حفر زمزم، و نذره ذبح ولده و ما جرى فيهما، إلى أن قال:ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلى الله عليه و اله أن هلك و ام رسول الله صلى الله عليه و اله حامل به، فلما وضعته امه آمنة بنت وهب أرسلت إلى جده عبد المطلب: أنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه و حدثته بما رأت حين حملت به و ما قيل لها فيه و ما أمرت أن تسميه.

فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة فقام يدعو الله و يشكر له‏ ما أعطاه ثم خرج به إلى امه فدفعه إليها و التمس لرسول الله صلى الله عليه و اله الرضعاء فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة ابنة أبي ذؤيب.

و كان رسول الله صلى الله عليه و اله مع امه آمنة و جده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله و حفظه، ينبته الله نباتا حسنا، لما يريد به من كرامته فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و اله ست سنين توفيت امه آمنة بالأبواء بين مكة و المدينة فكان رسول الله صلى الله عليه و اله مع جده عبد المطلب بن هاشم.

و كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، فكان رسول الله صلى الله عليه و اله يأتي و هو غلام جفر حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فو الله إن له لشأنا ثم يجلسه معه على الفراش و يمسح ظهره بيده و يسره ما يراه يصنع فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و اله ثماني سنين هلك عبد المطلب ابن هاشم فكان رسول الله صلى الله عليه و اله بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب و كان عبد المطلب- فيما يزعمون- يوصي به عمه أبا طالب و ذلك لأن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه و اله و أبا طالب أخوان لأب و ام، امهما: فاطمة بنت عمرو بن عائذ، و كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه و اله بعد جده فكان إليه و معه.

بيان: السقاية اسقاء الحجيج الماء العذب، و الرفادة خرج كانت قريش تخرجه في كل موسم من أموالها فتدفعه إليه فيصنع به طعاما للحاج يأكله من لم يكن له سعة و لا زاد.

و قال اليعقوبي في التاريخ (ص 7 ج 2): و توفيت امه صلى الله عليه و اله بنت وهب بالأبواء و كان عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه و اله يكفله و عبد المطلب يومئذ سيد قريش غير مدافع قد أعطاه الله من الشرف ما لم يعط أحدا، و سقاه زمزم و ذا الهرم‏[1]

و حكمته قريش في أموالها، و أطعم في المحل حتى أطعم الطير و الوحوش في الجبال قال أبو طالب:

و نطعم حتى تأكل الطير فضلنا إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد

و رفض عبادة الأصنام، و وحد الله عز و جل، و وفى بالنذر، و سن سننا نزل القرآن بأكثرها و جاءت السنة من رسول الله بها، و هي: الوفاء بالنذور، و مائة إبل في الدية، و ألا تنكح ذات محرم، و لا تؤتى البيوت من ظهورها، و قطع يد السارق، و النهي عن قتل الموؤدة، و المباهلة، و تحريم الخمر، و تحريم الزنا و الحد عليه، و القرعة، و ألا يطوف أحد بالبيت عريان، و إضافة الضيف، و ألا ينفقوا إذا حجوا إلا من طيب أموالهم، و تعظيم الأشهر الحرم، و نفي ذوات الرايات، فكانت قريش تقول: عبد المطلب إبراهيم الثاني.

و ذكر قريبا مما نقلنا عن اليعقوبي الحلبي في السيرة ناقلا عن ابن الجوزي و زيني دحلان بهامشه (ص 21) أيضا، و قال دحلان: كان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم و البغي و يحثهم على مكارم الأخلاق و ينهاهم عن دنيات الامور و كان يقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه و تصيبه عقوبة، إلى أن هلك رجل ظلوم من أرض الشام و لم تصبه عقوبة فقيل لعبد المطلب في ذلك ففكر و قال:و الله إن وراء هذه الدار دارا يجزى فيها المحسن بإحسانه و يعاقب المسي‏ء باساءته.

و أوصى عبد المطلب إلى ابنه الزبير بالحكومة و أمر الكعبة، و إلى أبي طالب برسول الله صلى الله عليه و اله و سقاية زمزم، و قال له: قد خلفت في أيديكم الشرف العظيم الذي تطاون به رقاب الناس، و قال لأبي طالب- و كان اسمه عبد مناف أي أنه كان سمي جدة الأعلى عبد مناف-:

اوصيك يا عبد مناف بعدي‏ بمفرد بيد أبيه فرد

 

فارقه و هو ضجيع المهد فكنت كالام له في الوجد
تدنيه من أحشائها و الكبد فأنت من أرجى بني عندي‏
لدفع ضيم أو لشد عقد

[2] و توفي عبد المطلب و لرسول الله صلى الله عليه و اله ثماني سنين و لعبد المطلب مائة و عشرون سنة و قيل: مائة و أربعون سنة، و أعظمت قريش موته، و غسل بالماء و السدر و كانت قريش أول من غسل الموتى بالسدر، و لف في حلتين من حلل اليمن قيمتهما ألف مثقال ذهب و طرح عليه المسك حتى ستره، و حمل على أيدي الرجال عدة أيام إعظاما و إكراما و إكبارا لتغييبه في التراب و روي عن رسول الله صلى الله عليه و اله أنه قال: إن الله يبعث جدي عبد المطلب امة واحدة في هيئة الأنبياء و زي الملوك.

أقول: قوله رضوان الله عليه: «فارقه و هو ضجيع المهد» ينافي ما نقلنا آنفا من ابن هشام من أن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه و اله مات و قد كانت أم رسول الله حاملا به، فقد تنوزع في ذلك فمنهم من قال: انه مات قبل مولد النبي صلى الله عليه و اله، و منهم من قال: إنه مات بعد مولده بشهر و قيل: بشهرين، و منهم من قال: انه مات بعد مولده بسنة، و قيل: إنه مات في السنة الثانية من مولده، و قيل: بل مات عبد الله و رسول الله ابن ثمان و عشرين شهرا.

و قال الطبرسي في تفسير سورة و الضحى من المجمع: كان النبي صلى الله عليه و اله مات أبوه و هو ابن سنتين، و قال الكليني في باب تاريخ مولد النبي و وفاته صلى الله عليه و اله:و توفي أبوه عبد الله بن عبد المطلب بالمدينة عند أخواله و هو ابن شهرين، و ظاهر الحديث الذي رواه الصدوق في المجلس الخامس و الأربعين من أماليه (ص 158) عن ابن عباس أنه مات قبل مولده حيث قال: فلما مات عبد الله و ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه و اله أتيته- إلخ.

أكثر العلماء من الفريقين على أن عبد الله مات بعد مولد رسول الله صلى الله عليه و اله، و قال اليعقوبي في التاريخ: توفي عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلى الله عليه و اله- على ما روى جعفر بن محمد- بعد شهرين من مولده، قال: و قال بعضهم: إنه توفي قبل أن يولد و هذا غير صحيح لأن الإجماع على أنه توفي بعد مولده، انتهى، فقول الكليني و من سلك مسلكه متخذ من الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام.

ثم إن ما نقل اليعقوبي عن النبي صلى الله عليه و اله في جده عبد المطلب توافقه عدة روايات في الكافي و أتى بها الفيض رحمه الله في باب ما جاء في عبد المطلب و أبي طالب رضي الله عنهما من الوافي (ص 158 ج 2) ففي الكافي بإسناده إلى زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يحشر عبد المطلب يوم القيامة امة وحدة عليه سيماء الأنبياء و هيبة الملوك.

و فيه بإسناده عن مقرن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عبد المطلب أول من قال بالبدا يبعث يوم القيامة أمة وحدة عليه بهاء الملوك و سيماء الأنبياء، و غيرهما من روايات اخرى.و ما نقل ابن هشام في السيرة من أنه يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة- إلخ، توافقه رواية في الكافي بهذا المضمون نقلها الفيض في ذلك الباب من الوافي أيضا: روى الكليني بإسناده إلى رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لأحد غيره و كان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنى منه فجاء رسول الله صلى الله عليه و اله و هو طفل يدرج حتى جلس على فخذيه فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه، فقال له عبد المطلب: دع ابني فإن الملك قد أتاه، (الوافي ص 159 ج 2).

و أما هاشم: ففي السيرة لابن هشام نقلا عن ابن إسحاق (ص 135 ج 1) ولى الرفادة و السقاية- يعني بعد أن توفي أبوه عبد مناف- و ذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا، قلما يقيم بمكة و كان مقلا ذا ولد (كان لعبد مناف بنون خمسة و هم: عبد شمس، و هاشم، و المطلب، و نوفل، و أبو عمرو عبيد) و كان هاشم موسرا، فكان- فيما يزعمون- إذا حضر الحاج قام في قريش فقال: «يا معشر قريش إنكم جيران الله و أهل بيته؛ و إنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله و حجاج بيته و هم ضيف الله، و أحق الضيف بالكرامة ضيفه؛ فاجمعوا لهم ما تصنعون لهم به طعاما أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة بها فإنه و الله لو كان مالى يسع لذلك ما كلفتكموه» فيخرجون لذلك خرجا من أموالهم، كل امرى‏ء بقدر ما عنده فيصنع به للحجاج طعاما حتى يصدروا منها.

قال: و كان هاشم فيما يزعمون أول من سن الرحلتين لقريش رحلتي الشتاء و الصيف، و أول من أطعم الثريد بمكة، و إنما كان اسمه عمرا، فما سمي هاشما إلا بهشمه الخبز بمكة لقومه، فقال شاعر من قريش أو من بعض العرب (قيل هو عبد الله بن الزبعري، و قيل هو مطرود بن كعب):

عمرو الذي هشم الثريد لقومه‏ قوم بمكة مسنتين عجاف‏
سنت إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء و رحلة الأصياف‏

المسنتون: الذين أصابتهم السنة، و هي الجوع و القحط و الجدب، و العجاف جمع عجف من العجف بمعنى الضعف و الهزال.ثم توفي هاشم بغزة من أرض الشام تاجرا فولي السقاية و الرفادة من بعده المطلب بن عبد مناف و كان أصغر من عبد شمس و هاشم و كان ذا شرف في قومه و فضل و كانت قريش إنما تسميه الفيض لسماحته و فضله.

و ذكر أكثر مما نقلناه عن ابن هشام اليعقوبي في التاريخ (ص 202 ج 1) فراجع، قال: و يقال: إن هاشما و عبد شمس كانا توأمين فخرج هاشم و تلاه عبد شمس و عقبه ملتصق بعقبه فقطع بينهما بموسى فقيل: ليخرجن بين ولد هاذين من التقاطع‏ ما لم يكن بين أحد.

و أما بنو امية فالتاريخ أصدق شاهد على أنهم لم يكونوا إلا في صدد إثارة فتنة، و إنارة حرب، و أن شيمتهم كانت الخيلاء، و البخل، و النفاق، و أن دأبهم كان الإستيلاء على الناس و السلطان عليهم ظلما و جورا، و أن بينهم و بين بني هاشم في السجايا الإنسانية بونا بعيدا.

و إني كلما طلبتهم في كتب التواريخ و المغازي و السير فما وجدتهم إلا أفظاظأ غلاظ القلوب و قساتها، و ما رأيت أمانيهم إلا أن تكونوا جبابرة ملوكا.

و هذا هو أبو سفيان كان صخرا، و قد حارب رسول الله صلى الله عليه و اله و كان سببا لإثارة وقعة بدر كما تقدم عن اليعقوبي في شرح المختار التاسع من باب الكتب (ص 369 ج 17) ففي السيرة النبوية لابن هشام (ص 671 ج 1): قال ابن إسحاق: ثم قال الله عز و جل: «إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله- إلى قوله: إلى جهنم يحشرون» يعني النفر الذين مشوا إلى أبي سفيان و إلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة فسألوهم أن يقووهم بها على حرب رسول الله صلى الله عليه و آله ففعلوا.

و قال ابن الأثير في اسد الغابة ناقلا عن أبي أحمد العسكري: هو الذي قاد قريشا كلها يوم احد و لم يقدمها قبل ذلك رجل واحد إلا يوم ذات نكيف قادها المطلب.

و قال اليعقوبي في التاريخ: كانت وقعة احد في شوال بعد بدر بسنة، اجتمعت قريش و استعدت لطلب ثارها يوم بدر و استعانت بالمال الذي قدم به أبو سفيان و قالوا: لا تنفقوا منه شيئا إلا في حرب محمد إلى أن قال-:

و خرج المشركون و عدتهم ثلاثة آلاف و رئيسهم أبو سفيان بن حرب، و خرج رسول الله صلى الله عليه و اله و خرج المسلمون و عدتهم ألف رجل حتى صاروا إلى احد، و وافى المشركون فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله رماه وحشي و مثلت به هند بنت عتبه (و هند كانت زوج أبي سفيان) و شقت عن كبده فأخذت منها قطعة فلاكتها و جدعت أنفه فجزع عليه رسول الله صلى الله عليه و اله جزعا شديدا و قال: لن أصاب بمثلك- إلخ.

و كان أبو سفيان يحرض قريشا على القتال، و قال ابن إسحاق: و قد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال: يا بني عبد الدار إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم و إنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالو، فإما أن تكفونا لواءنا و إما أن تخلوا بيننا و بينه فنكفيكموه فهموا به و تواعدوه و قالوا: نحن نسلم إليك لواءنا، ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع! و ذلك أراد أبو سفيان.

و كانت زوجه هند و النسوة اللاتي معها يحرضن الكفار على القتال فإنه لما التقى الناس و دنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها و أخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال و يحرضنهم فقالت هند فيما تقول:

ويها بني عبد الدار ويها حماة الأدبار
ضربا بكل بتار

و تمثلت بأبيات قالتها هند بنت طارق بن بياضة الإيادية في حرب الفرس لإياد:

إن تقبلوا نعانق‏ و نفرش النمارق‏
أو تدبروا نفارق‏ فراق غير وامق‏

و كان أبو سفيان يشمت بالمسلمين بعد احد، كما قال ابن عباس و عكرمة لما اصيب المسلمين ما أصابهم يوم احد و صعد النبي صلى الله عليه و اله الجبل جاء أبو سفيان فقال: يا محمد لنا يوم و لكم يوم، فقال صلى الله عليه و اله: أجيبوه فقال المسلمون: لا سواء قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: لنا عزى و لا عزى لكم؛ فقال النبي صلى الله عليه و اله: قولوا: الله مولانا و لا مولى لكم، فقال أبو سفيان: اعل هبل؛ فقال النبي صلى الله عليه و اله: قولوا: الله أعلى و أجل، و ذكر قريبا منه ابن هشام في السيرة (ص 93 ج 2).

و كان دأب معاوية و شيمته أيضا كذلك إلى أن أسلم بحسب الظاهر إما رغبة و إما رهبة في يوم فتح مكة و بعد ما أسلم ظاهرا قد سفك دماء المسلمين و أفرط فيه فقد قال المسعودي في مروج الذهب (ص 66 ج 2): و قد كان بسر بن أرطاة العامري (كان بسر منصوبا من قبل معاوية، على سفك الدماء) قتل بالمدينة و بين المسجدين خلقا كثيرا من خزاعة و غيرهم، و كذلك بالجرف قتل بها خلقا كثيرا من رجال همذان، و قتل بصنعاء خلقا كثيرا من الأبناء؛ و لم يبلغه عن أحد أنه يمالى‏ء عليا أو يهواه إلا قتله.

و نقل ما اصيب منه المسلمون يطول به الكتاب و ينجر إلى الإسهاب، و نكتفي بنقل كتاب كتبه محمد بن أبي بكر إلى معاوية ذكر فيه عليا و أباه، و معاوية و أباه بما تراه، قال المسعودي في مروج الذهب (ص 59 ج 2): لما صرف علي عليه السلام قيس بن سعد بن عبادة عن مصر وجه مكانه محمد بن أبي بكر فلما وصل إليها كتب إلى معاوية كتابا فيه:من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر: أما بعد فإن الله بعظمته و سلطانه خلق خلقه بلا عبث منه و لا ضعف في قوته و لا حاجة به إلى خلقهم لكنه خلقهم عبيدا و جعل منهم غويا و رشيدا و شقيا و سعيدا ثم اختار على علم و اصطفى و انتخب منهم محمدا صلى الله عليه و اله فانتخبه لعلمه و اصطفاه لرسالته و ائتمنه على وحيه و بعثه رسولا و مبشرا و نذيرا فكان أول من أجاب و أناب و آمن و صدق و أسلم و سلم أخوه و ابن عمه علي بن أبي طالب صدقه بالغيب المكتوم و آثره على كل حميم و وقاه بنفسه كل هول و حارب حربه و سالم سلمه فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الليل و النهار و الخوف و الجوع و الخضوع حتى برز سابقا لا نظير له فيمن اتبعه و لا مقارب له في فعله و قد رأيتك تساميه و أنت أنت و هو هو أصدق الناس نية، و أفضل الناس ذرية، و خير الناس زوجة و أفضل الناس ابن عم أخوه الشاري بنفسه يوم موتة، و عمه سيد الشهداء يوم احد، و أبوه الذاب عن رسول الله صلى الله عليه و اله و عن حوزته؛ و أنت اللعين ابن اللعين لم تزل أنت و أبوك تبغيان لرسول الله صلى الله عليه و اله الغوائل، و تجهدان في إطفاء نور الله، تجمعان على ذلك الجموع، و تبذلان فيه المال، و تؤلبان عليه القبائل؛ على ذلك مات أبوك و عليه خلفته؛ و الشهيد عليك من تدنى و يلجأ إليك من بقية الأحزاب و رؤساء النفاق؛ و الشاهد لعلي مع فضله المبين القديم أنصاره الذين معه الذين ذكرهم الله بفضلهم، و أثنى عليهم من المهاجرين و الأنصار و هم معه كتائب و عصائب يرون الحق في اتباعه و الشقاء في خلافه؛ فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلي و هو وارث رسول الله صلى الله عليه و اله و وصيه و أبو ولده، أول الناس له اتباعا و أقربهم به عهدا، يخبره بسره و يطلعه على أمره، و أنت عدوه و ابن عدوه فتمتع في دنياك ما استطعت بباطلك، و ليمددك ابن العاص في غوايتك، فكأن أجلك قد انقضى و كيدك قد و هى، ثم يتبين لك لمن تكون العاقبة العليا، و اعلم أنك أنما تكايد ربك الذي آمنك كيده و يئست من روحه فهو لك بالمرصاد و أنت منه في غرور و السلام على من اتبع الهدى.

فأجابه معاوية في كتاب أرسله إليه بما خلاصته: فقد كنا و أبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب و حقه لازما لنا مبرورا علينا فلما قبض الله نبيه كان أبوك و فاروقه أول من ابتزه حقه، و خالفه على أمره على ذلك اتفقا و اتسقا، و لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب و لسلمنا إليه و لكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثله فعب أباك بما بدا لك أودع و السلام على من أناب.

و أتى بتفصيله المسعودي في مروج الذهب فراجع، فأين أبو سفيان الضاري بدماء النبي صلى الله عليه و اله و المسلمين، و أبو طالب الذي كان كافل الرسول و حاميه و ذابا عنه و عن المسلمين.

و أين زوجه هند آكلة الأكباد، و امرأة أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم ربت رسول الله صلى الله عليه و اله، و قال اليعقوبي في التاريخ (ص 10 ج 2) و يروى عن رسول الله صلى الله عليه و اله لما توفيت (يعني فاطمة بنت أسد) و كانت مسلمة فاضلة- أنه قال: اليوم ماتت امي، و كفنها بقميصه، و نزل على قبرها، و اضطجع في لحدها؛ فقيل له يا رسول الله لقد اشتد جزعك على فاطمة؛ قال: إنها كانت امي إذا كانت لتجيع صبيانها و تشبعني، و تشعثهم و تدهنني و كانت امي.

و بنو هاشم هم الذين كان النبي من بيتهم و هو صلى الله عليه و اله ربي في حجرهم و ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه ففي المقدمة السادسة من مقدمة ابن خلدون (ص 91 طبع مصر): إن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصا فضلهم بخطابه و فطرهم على معرفته و جعلهم وسائل بينهم و بين عباده يعرفونهم بمصالحهم و يحرضونهم على هدايتهم- ثم أخذ في بيان علامات هذا الصنف من البشر فقال: و من علاماتهم أيضا أن يكونوا ذوي حسب في قومهم، و في الصحيح ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه و في رواية اخرى في تروة من قومه استدركه الحاكم على الصحيحين، و في مسئلة هر قل لأبي سفيان كما هو في الصحيح قال: كيف هو فيكم؟ فقال أبو سفيان: هو فينا ذو حسب؛ فقال هرقل: و الرسل تبعث في أحساب قومها، و معناه أن تكون له عصبة و شوكة تمنعه عن أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه و يتم مراد الله من إكمال دينه و ملته.

و كلام ابن خلدون هذا قد عنون في الكتب الكلامية أيضا، ثم إن المهدي الموعود ظهوره و قيامه من أهل بيت النبي صلى الله عليه و اله فهو من بني هاشم كما أن آباءه الكرام البررة عليهم السلام من ذلك البيت.

و قد قاتل أبو سفيان بن حرب الأموي رسول الله صلى الله عليه و اله و فعل ما فعل.و ابنه معاوية قاتل خليفة الرسول عليا المرتضى، و قتل بالسم ريحانة الرسول الحسن المجتبى.و زوجه هند كانت تحرض المشركين على قتال المسلمين و قتلهم و قد مثلت أسد الله و أسد رسوله حمزة و أكلت أكباد أوداء الله.

و ابن معاوية يزيد قتل سيد شباب أهل الجنة ريحانة رسول الله الحسين بن فاطمة و أصحابه أنصار الله بكربلاء، و قال السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص 307 طبع مصر): و في قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها فإنا لله و إنا إليه راجعون. انتهى.

و بعد قتله فعل بمدينة الرسول ما فعل فقد قال السيوطي في التاريخ المذكور و في سنة ثلاث و ستين بلغه (يعني يزيد بن معاوية) أن أهل المدينة خرجوا عليه و خلعوه فأرسل إليهم جيشا كثيفا و أمرهم بقتالهم ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير فجاءوا و كانت وقعة الحرة على باب طيبة، و ما أدراك ما وقعة الحرة؟ ذكرها الحسن مرة فقال: و الله ما كاد ينجو منهم أحد قتل فيها خلق من الصحابة رضي الله عنهم و من غيرهم، و نهبت المدينة و افتض فيها ألف عذراء فإنا لله و إنا إليه راجعون؛ قال:قال صلى الله عليه و اله: «من أخاف أهل المدينة أخافه الله، و عليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين» و كان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي.

و قال عبد الله حنظلة الغسيل: و الله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء إنه رجل ينكح امهات الأولاد و البنات، و الأخوات، و يشرب الخمر، و يدع الصلاة.

قال: قال الذهبي: و لما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شرب الخمر و اتيانه المنكر اشتد عليه الناس و خرج عليه غير واحد و لم يبارك الله في عمره و سار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير و أتوا مكة فحاصروه و قاتلوه و رموه بالمنجنيق و احترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة و سقفها- إلى آخر ما نقل فراجع إلى الكتاب.

و الدجال الذي يقاتل المهدي المنتظر عليه السلام الهاشمي سفياني أيضا ففي معاني الأخبار للصدوق رحمه الله عن الصادق عليه السلام: قال: إنا و آل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله: قلنا صدق الله و قالوا كذب الله، قاتل أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه و اله و قاتل معاوية علي بن أبي طالب عليه السلام و قاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي عليه السلام و السفياني يقاتل القائم، رواه المجلسي في البحار (ج 8 ص 560 من الطبع الكمباني).

و هذه أنموذجة من شيم بني امية، و تلك نبذة من خلال بني هاشم و خلقهم العظيم.ثم إن الفاضل الشارح المعتزلي قال: كان الترتيب يقتضي أن يجعل هاشما بإزاء عبد شمس لأنه أخوه في قعدد و كلاهما ولد عبد مناف لصلبه، و أن يكون امية بإزاء عبد المطلب، و أن يكون حرب بإزاء أبي طالب، و أن يكون أبو سفيان بإزاء أمير المؤمنين عليه السلام لأن كل واحد من هؤلاء في قعدد صاحبه إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام لما كان في صفين بازاء معاوية اضطر إلى أن جعل هاشم بإزاء امية بن عبد شمس. انتهى.

أقول: أولا إن سلسلتي نسب أمير المؤمنين علي عليه السلام و معاوية إلى عبد مناف ليستا متكافئتين حتى يجعل كل واحد من هذه السلسلة في قعدد صاحبه من السلسلة الاخرى فإنها في معاوية تجاوز حلقة فعلي عليه السلام ينتهى إلى عبد مناف بثلاثة آباء و معاوية ينتسب إليه ظاهرا باباء أربعة.

و ثانيا إن الأمير عليه السلام جعل نفسه بازاء معاوية، و أباه أبا طالب بإزاء أبيه أبي سفيان، و جده عبد المطلب بإزاء جده حرب، و أبا جده هاشم بإزاء أبي جده امية فلا يخفى حسن صنيعته عليه السلام.

و ثالثا إن في صنيعته هذه اشارة لطيفة دقيقة إلى عدم انتهاء نسب الخصم إلى عبد مناف، أى عدم كونه من صميم قريش فتبصر.

و رابعا إن الأمير عليه السلام كان في بيان فضل أولاد عبد مناف الذين كانوا آباءه عليهم السلام شرافة و كرامة و مجدا على أولاده الذين كان معاوية ينتسب بهم إليه و ليس للتنظير مزيد اهتمام في المقام.

و خامسا إن في ما فعل الأمير عليه السلام من جعل امية بازاء هاشم، و حرب بازاء عبد المطلب، و أبي سفيان بازاء أبي طالب نكتة تاريخية أوجبت تنظير كل واحد من الثلاثة قبال صاحبه و قد غفل الشارح المذكور عنها و هي أن هاشما بعد أبيه عبد مناف لما ولى ما كان إليه من السقاية و الرفادة و ساد قومه حسده أمية ابن أخيه عبد شمس بن عبد مناف فتكلف أن يصنع كما يصنع هاشم فعجز فعيرته قريش و قالوا له: أتتشبه بهاشم؟ ثم دعا هاشما للمنافرة فأبى هاشم ذلك لسنه و علو قدره فلم تدعه قريش؛ فقال هاشم لامية: انا فرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، و الجلاء عن مكة عشر سنين، فرضي امية بذلك و جعلا بينهما الكاهن الخزاعي و كان بعسفان فخرج كل منهما في نفر فنزلوا على الكاهن فقال قبل أن يخبروه خبرهم: و القمر الباهر، و الكوكب الزاهر، و الغمام الماطر، و ما بالجو من طائر، و ما اهتدى بعلم مسافر، من منجد و غائر، لقد سبق هاشم امية إلى المفاخر فنصر هاشم على امية فعاد هاشم إلى مكة و نحر الإبل و أطعم الناس و خرج امية إلى الشام فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم و امية و توارث ذلك بنوهما.

فقد أشار علي عليه السلام بقوله: «و لكن ليس امية كهاشم» إلى هذا التنظير، و قد نقلنا هذه النكتة التاريخية من انسان العيون في سيرة الأمين و المأمون المعروف بالسيرة الحلبية (ص 5 ج 1 طبع مصر) و قد نقل قريبا منه أبو جعفر الطبري في التاريخ، و ابن الأثير في الكامل.

و أما ما أوجبت التنظير بين عبد المطلب و حرب فهي أن حربا كان نديم عبد المطلب في الجاهلية و كان في جوار عبد المطلب يهودي فأغلظ ذلك اليهودي القول على حرب في سوق من أسواق تهامة فأغرى عليه حرب من قتله؛ فلما علم عبد المطلب بذلك ترك منادمة حرب و لم يفارقه حتى أخذ منه مائة ناقة دفعها لابن عم اليهودي ثم نادم عبد الله بن جدعان التميمي.

هذا ما نقلنا عن السيرة النبوية لأحمد زيني دحلان (هامش السيرة الحلبية ص 22 ج 1) و تفصيل ذلك ما أتى به أبو جعفر الطبري في التاريخ و ابن الأثير في الكامل من أن عبد المطلب كان له جار يهودي يقال له: اذينة يتجر و له مال كثير فغاظ ذلك حرب بن امية، و كان نديم عبد المطلب فأغرى به فتيانا من قريش ليقتلوه و يأخذوا ماله فقتله عامر بن عبد مناف بن عبد الدار، و صخر بن عمرو بن كعب التيمي جد أبي بكر؛ و لم يعرف عبد المطلب قاتله فلم يزل يبحث حتى عرفهما و إذا هما قد استجارا بحرب بن امية، فأتى حربا و لامه، و طلبهما منه فأخفاهما فتغالظا في القول حتى تنافرا إلى النجاشي ملك الحبشة فأبى أن ينفر بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح، فقال لحرب:يا أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قائمة، و أعظم منك هامة، و أوسم منك و سامة، و أقل منك ملامة، و أكثر منك ولدا، و أجزل صفدا، و أطول منك مذودا؟ و إني لأقول هذا و إنك لبعيد الغضب، رفيع الصوت في العرب، جلد المريرة، جليل العشيرة، و لكنك نافرت منفرا.

فغضب حرب و قال: إن من انتكاس الزمان أن جعلت حكما؛ فترك عبد المطلب منادمة حرب، و نادم عبد الله بن جدعان و أخذ من حرب مائة ناقة فدفعها إلى ابن عم اليهودي، و ارتجع ماله إلا شيئا هلك فغرمه من ماله.

ثم قال زيني دحلان: و يروى أن حربا كان لا يلتقي من أحد من رؤساء قريش أو غيرهم في؟؟ عقبة؟؟ أو مضيق إلا تأخروا و تقدم هو، و لا يستطيع أحد أن يتقدم عليه فالتقى حرب مع رجل من بني تميم في عقبة فتقدمه التميمي، فقال حرب: أنا حرب بن امية فلم يلتفت إليه التميمي و مر قبله فقال حرب: موعدك مكة فبقى التميمي دهرا ثم أراد دخول مكة فقال: من يجيرني من حرب بن امية؟ فقيل له: عبد المطلب بن هاشم فأتى التميمي ليلا دار الزبير بن عبد المطلب فدق الباب فقال الزبير لأخيه الغيداق: قد جاءنا رجل إما مستجير أو طالب حاجة أو طالب قرى و قد أعطيناه ما أراد فخرج الزبير فأنشد الرجل:

لاقيت حربا في الثنية مقبلا و الصبح أبلج ضوءه للباري‏
فدعا بصوت و اكتنى ليروعني‏ و دعا بدعوته يريد فخاري‏
فتركته كالكلب ينبح وحده‏ و أتيت أهل معالم و فخار
ليثا هزبرا يستجار بقربه‏ رحب المنازل مكرما للجار
و لقد حلفت بمكة و بزمزم‏ و البيت ذي الأحجار و الأستار
إن الزبير لما نعي من خوفه‏ ما كبر الحجاج في الأمصار

فقال الزبير للتميمي: تقدم فإنا لا نتقدم على من نجيره فتقدم التميمي و دخل المسجد فرآه حرب فقام إليه فلطمه فعدا عليه الزبير بالسيف فعدا حرب حتى دخل دار عبد المطلب فقال: أجرني من الزبير فأكفأ عليه جفنة كان أبوه هاشم يطعم الناس فيها فبقى تحتها ساعة ثم قال له عبد المطلب: اخرج، فقال: كيف اخرج و سبعة من ولدك قد اجتمعوا بسيوفهم على الباب؟ فألقى عليه عبد المطلب رداءه فخرج عليهم فعلموا أنه أجاره فتفرقوا.و إلى هذه القصة أشار ابن عباس رضي الله عنهما حين دخل على معاوية في أيام خلافته و عنده وفود العرب فذكره كلاما فيه افتخار و ذكر في كلامه حرب بن امية فقال له ابن عباس: فمن أكفأ عليه إناء و أجاره بردائه؟ فسكت معاوية.

و أما التنظير بين أبي طالب و أبي سفيان فظاهر مما قدمنا سالفا من حماية أبي طالب رضوان الله عليه رسول الله صلى الله عليه و اله و المسلمين و ذبه عن الرسول صلى الله عليه و اله و حسن تدبيره في دفع كياد القوم عنه، و آنفا من ايذاء أبي سفيان رسول الله صلى الله عليه و اله و المسلمين و بغيه لهم و تأليبه عليهم القبائل و جهده في إطفاء نور الله و ولعه في سفك الدماء.ثم بما بينا من وجه التنظير علم أيضا أن بني هاشم كانوا يؤمنون الخائفين و يؤدون الحقوق، و كان دارهم مأمن الناس و أن بني امية كانوا على خلافهم.

قال عليه السلام: «و لا المهاجر كالطليق، و لا الصريح كاللصيق، و لا المحق كالمبطل، و لا المؤمن كالمدغل» بعد ما بين ما كانت طارية عليهما من جهة آبائهما أخذ بذكر الصفات النفسانية، فقال: و لا المهاجر كالطليق‏ يعني‏ بالمهاجر نفسه و بالطليق‏ معاوية و قد علمت في شرح المختار الرابع و الثلاثين و المأتين من باب الخطب و هو قوله عليه السلام: فجعلت أتبع مأخذ رسول الله صلى الله عليه و اله‏- إلخ (ص 126 ج 15) أن‏ رسول الله صلى الله عليه و اله‏ لما فجأه من الكفار ما أحوجه إلى الخروج من مكة استخلف عليا في رد الودائع إلى أربابها و قضاء ما كان عليه من دين لمستحقيه و جمع بناته و نساء أهله و أزواجه و الهجرة بهم إليه فقام علي عليه السلام به أحسن القيام و بات على فراش رسول الله صلى الله عليه و اله و وقاه بنفسه ثم رد كل وديعة إلى أهلها و أعطى كل ذي‏ حق حقه و حفظ بنات رسول الله و حرمه و هاجر بهم ماشيا على قدميه يحوطهم من الأعداء و يكلأهم من الخصماء و يرفق بهم في المسير حتى أوردهم عليه صلى الله عليه و اله المدينة على أتم صيانة و حراسة و رفق و رأفة و حسن تدبير.

و كان معاوية و أبوه في زمان مهاجرة الرسول و الوصي عليهما السلام مشركين و قد أسلما يوم فتح مكة إما رغبة و إما رهبة و لما ظهر رسول الله صلى الله عليه و اله على أهل مكة قال لهم:فاذهبوا و أنتم الطلقاء فمعاوية طليق بن طليق، و سيأتي ذكر فتحها عن قريب.

قوله عليه السلام: «و لا الصريح كاللصيق» يعني‏ بالصريح‏ نفسه و باللصيق‏ معاوية و قد علم في بيان لغة الكتاب أن‏ الصريح‏ بمعنى خالص النسب، و اللصيق‏ بمعنى الدعي في قوم، الملصق بهم و ليس منهم.

قال الفاضل الشارح المعتزلي: إن قلت: ما معنى قوله: و لا الصريح كاللصيق‏ و هل كان في نسب معاوية شبهة ليقول له هذا؟ قلت: كلا إنه لم يقصد ذلك و إنما أراد الصريح‏ بالإسلام و اللصيق‏ في الإسلام‏ فالصريح‏ فيه هو من أسلم اعتقادا و إخلاصا، و اللصيق‏ فيه من أسلم تحت السيف أو رغبة في الدنيا و قد صرح بذلك فقال: كنتم ممن دخل في هذا الذين إما رغبة و إما رهبة. انتهى.

أقول: لو كان شرح عبارة مبنيا على الرأى من دون دلالة سبكها و اسلوبها عليه، أو لم يكن له شاهد من خارج لجاز أن تفسر على آراء كثيرة قائلة خارجة عن حيطة المراد قطعا.

ثم يقال له: ما اقتضى عدولك عن ظاهر اللفظ و ارتكابك على هذا التكلف؟

و لم لا يجوز أن يكون معاوية ملصقا بقريش و مع ذلك كان ممن دخل في الدين إما رغبة أو رهبة، حتى لا تحمل العبارتان على معنى واحد؟

فإن قلت: إذا كان اللصيق بهذا المعنى أي إنه لم يكن من قريش فلم قال الأمير عليه السلام: «و أما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن» و لم يرده في ادعائه هذا بأنه ليس من‏ بني عبد مناف‏، بل أمضاه و أثبته بقوله‏ فكذلك نحن‏؟

قلت: أولا إنه عليه السلام على نسخة نصر لم يمضه و لم يعترف بأن معاوية من‏

بني عبد مناف بل قال: و أما قولك: «إنا بنو عبد مناف‏ ليس لبعضنا على بعض فضل» «فلعمري إنا بنو أب واحد» و لا يخفى عليك أن الكافر و المسلم من أب واحد آدم عليه السلام.

و ثانيا هب أنه قال: فكذلك نحن‏، و لكن لا ضير في أن يكون كلامه هذا مبنيا على المماشاة و فرض التسليم أي سلمنا أن نسبك ينتهى إلى عبد مناف و لكن بين آبائي و آبائك إلى عبد مناف في الشرافة و الجلالة فرقا فاحشا ثم نفى نسبه إليه بقوله: و ليس الصريح كاللصيق‏، و هذا الدأب في المحاورات ليس بعزيز.

و قال سينا عماد الدين الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الطبري في الفصل الأول من الباب الخامس و العشرين من كتابه كامل السقيفة المشتهر بالكامل البهائي (ص 161 ج 2 طبع دار العلم قم) و كذا قال صاحب إلزام النواصب: إن بني امية ليسوا بصحيحى النسب إلى عبد مناف، و نقل قولهما المجلسي في المجلد الثامن من البحار (ص 383 من الطبع الكمباني) قال:قال صاحب الكامل البهائي: إن امية كان غلاما روميا لعبد الشمس فلما ألفاه كيسا فطنا أعتقه و تبناه فقيل امية بن عبد الشمس كما كانوا يقولون قبل نزول الاية: زيد بن محمد، و لذا روي عن الصادقين عليهما السلام في قوله تعالى: الم غلبت الروم‏ انهم بنو امية، و من هنا يظهر نسب عثمان و معاوية و حسبهما و أنهما لا يصلحان للخلافة لقوله صلى الله عليه و اله: الأئمة من قريش.

و قال مؤلف كتاب إلزام النواصب: امية لم يكن من صلب عبد الشمس و إنما هو من الروم فاستلحقه عبد الشمس فنسب إليه فبنو امية ليسوا من صميم قريش و إنما هم يلحقون بهم و يصدق ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام إن بني امية لصاق و ليسوا صحيحي النسب إلى عبد مناف و لم يستطع معاوية انكار ذلك. انتهى.

أقول: قوله قبل نزول الاية اشارة إلى قوله تعالى في سورة الأحزاب:«فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها- إلى قوله عز و جل: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين‏»و رواية الصادقين قد رواها الشيخ الجليل أبو الفتح الكراجكي معاصر الشريف الرضي في كنز الفوائد، و قد روى عن غيرهما من أئمتنا عليهم السلام أيضا أتى بها المجلسي في ثامن البحار (ص 379) روى الكراجكي قدس سره عن محمد بن العباس، عن ابن عقدة، عن الحسن بن القاسم، عن علي بن إبراهيم بن المعلى، عن فضيل بن إسحاق، عن يعقوب بن شعيب، عن عمران بن ميثم، عن عباية، عن علي عليه السلام قال:قوله عز و جل: الم غلبت الروم‏ هي فينا و في بني امية.

و روى عن محمد بن العباس، عن الحسن بن محمد بن جمهور العمي، عن أبيه، عن جعفر بن بشير، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن تفسير «الم غلبت الروم‏» قال: هم بنو امية و إنما أنزلها الله الم غلبت الروم بنو امية في أدنى الأرض و هم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل و من بعد و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله عند قيام القائم.

و اعلم أن الروايتين تشيران إلى بطن من بطون الاية و ليس المراد من قوله انما أنزلها الم غلبت الروم بنو امية و قوله يفرح المؤمنون بنصر الله عند قيام القائم أن الاية نزلت هكذا أولا ثم حرفت و صحفت؛ و ذلك لما علمت من شرحنا على المختار الأول من باب الكتب و الرسائل أن القرآن الذي في أيدي الناس اليوم هو جميع ما أنزله الله تعالى على رسوله و ما تطرق إليه زيادة و نقصان فراجع إلى ص 249- 295 من المجلد السادس عشر.

قال عليه السلام: «و لا المحق كالمبطل» أي ليس ذاك كهذا، و يعني‏ بالمحق‏ نفسه و بالمبطل‏ معاوية، و كذا قوله عليه السلام: «و لا المؤمن كالمدغل» انما يعنى‏ بالمؤمن‏ نفسه و بالمدغل‏ معاوية.

فالأمير عليه السلام بدأ بذكر فضائله و رذائل خصمه من آبائهما أولا و أدرج الخصم في سلك قريش على سبيل المماشاة، ثم أتى بأوصاف أربعة كمالية كانت له عليه السلام، و ذكر مع كل واحدة منها ضدها الذي كان لخصمه معاوية.

و أفاد الشارح البحراني بأنه عليه السلام ذكر الفرق بينهما من وجوه خمسة بدأ فيها بالامور الخارجة أولا من كمالاته و فضائله و رذائل خصمه متدرجا منها إلى الأقرب فالأقرب فالأول شرفه من جهة الاباء المتفرعين على عبد مناف بعد أن سلم الاشتراك بينهما في كونهما من بني عبد مناف.

الثاني شرفه من جهة هجرته مع الرسول صلى الله عليه و اله و خسة خصمه من جهة كونه طليقا و ابن طليق و هذه فضيلة و إن كانت خارجية إلا أنها تستلزم فضيلة نفسانية و هي حسن الإسلام و النية الصادقة الحقة و كذلك ما ذكر من رذيلة خصمه بدنية عرضت له إلا أن هذه الفضيلة و الرذيلة أقرب من الاعتبارين الأولين لكونهما حقيقيتين بالاباء و هميتين بالأبناء دون هاتين.

الثالث شرفه من جهة صراحة النسب و خسة خصمه من جهة كونه دعيا و هذان الاعتباران أقرب مما قبلهما لكونهما اعتبارين لازمين لهما دون الأولين.

الرابع شرفه من جهة كونه محقا فيما يقوله و يعتقده و رذيلة خصمه من جهة كونه مبطلا و هذان الاعتباران أقرب لكونهما من الكمالات و الرذائل الذاتية دون ما قبلها.

الخامس شرفه من جهة كونه مؤمنا، و المؤمن الحق هو المستكمل للكمالات الدينية النفسانية و خسة خصمه من جهة كونه مدغلا أى خبيث الباطن مشتملا على النفاق و الرذائل الموبقة و ظاهر أن هذين الاعتبارين أقرب الكمالات و الرذائل إلى العبد، و إنما بدأ بذكر الكمالات و الرذائل الخارجية لكونهما مشتملة عند الخصم و أظهر له و للخلق من الامور الداخلية.

قال عليه السلام: «و لبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم» اسلوب الكلام ينادي بأعلى صوته أن جملة يتبع‏ صفة للخلف‏، و هو في نار جهنم‏ للسلف و الإتيان بالفعل المضارع في الاولى، و الماضي في الثانية أصدق شاهد لما قلنا فأخبر عليه السلام بأن سلف معاوية و منهم أبو سفيان هوى بكفره و شركه‏ في نار جهنم‏.

على أن السلف إذا كان على سوي الصراط فنعم الخلف خلف يتبعه فلا يعاب على خلف بهذا الاتباع و لا يذم به بل يمدح ففي هذا الكلام ذم للخلف و السلف معا.

فبما حققنا دريت و هن ما جنح إليه الفاضل أحمد زكى صفوت في جمهرة رسائل العرب (ص 480 ج 1) من أنه عليه السلام لا يعيب على معاوية بأن سلفه كانوا كفارا بل بكونه متبعا لهم فقد نهج في معاداة علي نهج أجداده في معاداة أجداد علي.

قال عليه السلام: «و في أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز و نعشنا بها الذليل» هذا رد على قول معاوية: «ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز و لا يسترق به حر» معناه: و الحال أن لنا فضلا آخر عليكم بعد الفضائل المتقدمة و هو فضل النبوة، و لما استثنى معاوية بقوله إلا فضل لا يستذل به- إلخ أجابه الأمير عليه السلام تبكيتا له و إفحاما و ردا لادعائه الباطل بقوله: التي أذللنا بها العزيز كأبي سفيان و أبي لهب و أضرابهما، و رفعنا بها الذليل‏ كأكثر الصحابة و التابعين كانوا خاملى الذكر و لما آمنوا رفع الله لهم ذكرهم.

بل كان لابائه أعني بني هاشم فضل و شرف و مجد كانوا أعوانا للمظلوم و إن كان خاملا ذليلا، و خصماء للظالم و إن كان عزيزا نبيها، و كانوا يؤدون كل ذي حق حقه و يذلون العزيز الظالم و ينعشون المظلوم الذليل.

و في قوله عليه السلام: و في أيدينا بعد فضل النبوة اشارة إلى انه ربي في بيت‏ النبوة و اقتبس من مشكاة الرسالة، و أن نور النبوة كان في بني هاشم ينتقل عن واحد منهم بعد واحد حتى انتقل إلى عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله صلى الله عليه و اله و أن بني هاشم كانوا ببركة هذا النور يذلون‏ العزيز و يرفعون‏ الذليل‏، و كان لهم به شرف و فضل لم يكن لغيرهم، و أن من كان من بيت النبي صلى الله عليه و اله و أهله إنما كان شأنه اعانة المظلوم و إغاثته، و قمع الظلم و دفع الظالم، و الله أعلم حيث يجعل رسالته، و لا يخفى عليك أن هذا الفضل لا يعادله شي‏ء.

قوله عليه السلام‏ «و لما أدخل الله العرب‏- إلخ» بعد ما عرف عليه السلام نفسه و آباءه بأنهم من بيت‏ النبوة و لهم فضل‏ النبوة و كانوا حماة الناس و رعاتهم عقبه بذكر رذيلة للخصم بأنه و أباه و أتباعهما- كما أتى بلفظة الجمع حيث قال كنتم- ممن دخلوا في دين الله لا عن اخلاص بل كانوا متمردين عاصين كارهين إلا أنهم لما رأوا أن دين الله استولى على الناس و أظهره الله تعالى على الدين كله لم يجدوا مخلصا و محيصا إلا أن يستسلموا إما رغبة إلى زخارف الدنيا، و إما رهبة من سيوف المسلمين و قد مضى في ذلك كلام عمار و ابن الحنفية في المختار السابق عند قوله عليه السلام:«و الذي فلق الحبة و برى‏ء النسمة ما أسلموا و لكن استسلموا و أسروا الكفر فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه» فراجع.

على أنهم إنما أسلموا ظاهرا بعد ما فاز أهل السبق بسبقهم و ذهب المهاجرون الأولون بفضلهم‏، و إنما الفضل للمتقدم لأنه إمام في فعله وداع إلى الخير و للسابق إلى الاسلام و دعوة الناس إلى الله فضيلة على غيره لا تنكر.

و قوله عليه السلام: «و لما أدخل الله العرب في دينه أفواجا» اشارة إلى سورة النصر.

و قوله عليه السلام: «على حين فاز أهل السبق بسبقهم و ذهب المهاجرون الأولون بفضلهم» اشارة إلى قوله تعالى: و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم‏ (التوبة 100).

قوله عليه السلام: فلا تجعل للشيطان‏- إلخ معناه كما أفاده الفاضل الشارح المعتزلي: لا تستلزم من أفعالك ما يدوم به كون الشيطان ضاربا فيك بنصيب‏ لأنه ما كتب إليه هذه الرسالة إلا بعد أن صار للشيطان‏ فيه أوفر نصيب‏ و إنما المراد نهيه عن دوام ذلك و استمراره.

في صفين لنصر بن مزاحم (ص 110 من الطبع الناصري) أن عمارا جعل يقول (يعني يوم صفين): يا أهل الإسلام أ تريدون أن تنظروا إلى من عادى الله و رسوله و جاهدهما و بغي على المسلمين و ظاهر المشركين فلما أراد الله أن يظهر دينه و ينصر رسوله أتى النبي صلى الله عليه و اله فأسلم و هو و الله فيما يرى راهب غير راغب و قبض الله رسوله صلى الله عليه و اله و إنا لنعرفه بعداوة المسلم و مودة المجرم، ألا و إنه معاوية فالعنوه لعنه الله، و قاتلوه فانه ممن يطفأ نور الله و يظاهر أعداء الله.

حديث فتح مكة و أن أهل مكة الطلقاء

لما صالح رسول الله صلى الله عليه و اله قريشا عام الحديبية كان في أشراطهم أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه و اله دخل فيه فدخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه و اله و كنانة في عقد قريش فأعانت قريش كنانة فأرسلوا مواليهم فوثبوا على خزاعة فقتلوا فيهم فجاءت خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه و اله فشكوا إليه ذلك و كان ذلك مما هاج فتح مكة فأحل الله لنبيه قطع المدة التي بينه و بينهم و قد كان رسول الله صلى الله عليه و اله قال للناس كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشد العقد و يزيد في المدة و سيلقي بديل بن ورقاه فلقوا أبا سفيان بعسفان و قد بعثته قريش إلى النبي صلى الله عليه و اله ليشد العقد و يزيد في المدة فلما لقى أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ و ظن أنه أتى رسول الله صلى الله عليه و اله قال: سرت في هذا الساحل و في بطن هذا الوادي قال: ما أتيت محمدا؟ قال: لا؛ فلما راح بديل إلى مكة فقال أبو سفيان: لئن كان جاء من المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى مبرك ناقته و أخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال: احلف بالله تعالى لقد جاء بديل محمدا.

ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه و اله فدخل على ابنته ام حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه و اله طوته عنه؛ فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟

قالت ام حبيبة: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه و اله و أنت رجل مشرك نجس و لم احب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه و اله.

قال: و الله لقد أصابك يا بنية بعدي شر.

ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و اله فكلمه فقال: يا محمد احقن دم قومك و أجر بين قريش و زدنا في المدة.

فقال صلى الله عليه و اله: أغدرتم يا أبا سفيان؟ قال: لا، قال: فنحن على ما كنا عليه.

فخرج أبو سفيان فلقي أبا بكر فقال: أجر بين قريش.

قال: ويحك و أحد يجير على رسول الله صلى الله عليه و اله؟ ما أنا بفاعل.

ثم لقى عمر بن الخطاب فقال له مثل ذلك.

فقال عمر: أ أنا أشفع لكم إلى رسول الله فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به.

ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب عليه السلام و عنده فاطمه بنت رسول الله سلام الله عليها و عندها حسن بن علي غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، و إني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه و اله.

فقال: ويحك يا أبا سفيان! و الله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه و اله على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه.

فالتفت إلى فاطمة عليها السلام فقال: يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟

قالت: و الله ما بلغ بني ذاك أن يجير بين الناس، و ما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه و اله.

و في مجمع الطبرسي: دخل أبو سفيان بعد ما خرج من عند ابنته ام حبيبة على فاطمة عليها السلام فقال: يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش و تزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس؟

فقالت: جواري جوار رسول الله صلى الله عليه و اله.

أ تأمرين (فقال: أ تأمرين- ظ) ابنيك أن يجيرا بين الناس؟ قالت: و الله ما بلغ ابناى أن يجيرا بين الناس و ما يجير على رسول الله صلى الله عليه و اله أحد.

فقال: يا أبا الحسن إني أرى الامور قد اشتدت علي فانصحني.

قال: و الله ما أعلم شيئا يغني عنك شيئا و لكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك.

قال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟

قال: لا و الله ما أظنه و لكني لا أجد لك غير ذلك.

فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟

قال: جئت محمدا فكلمته فو الله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم و قد أشار علي بشي‏ء صنعته فو الله ما أدري هل يغني ذلك شيئا أم لا؟

قالوا: و بم أمرك؟

قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت؛ قالوا: فهل أجار ذلك محمد؟

قال: لا؛ قالوا: ويلك! أما و الله إن زاد علي بن أبي طالب على أن لعب بك فما يغني عنك ما قلت، قال: لا و الله ما وجدت غير ذلك.

ثم عزم رسول الله صلى الله عليه و اله على غزو مكة و قال: اللهم أعم الأخبار عنهم- يعني قريشا- فكتب حاطب بن أبي بلتعة مع سارة مولاة أبي لهب إلى قريش بخبر رسول الله صلى الله عليه و اله و ما اعتزم عليه فنزل جبرئيل فأخبره بما فعل حاطب فوجه بعلي بن أبي طالب و الزبير و قال خذ الكتاب منها فلحقاها و قد كانت تنكبت الطريق فوجد الكتاب في مشعرها، و قيل في فرجها فأتيا به إلى رسول الله صلى الله عليه و اله فأسر إلى كل رئيس منهم بما أراد و أمره أن يلقاه بموضع سماه و أن يكتم ما قال له فأسر إلى خزاعي بن عبد نهم أن يلقاه بمزينة بالروحاء، و إلى عبد الله بن مالك أن يلقاه بغفار بالسقيا، و إلى قدامة بن ثمامة أن بلقاه ببني سليم بقديد، و إلى الصعب بن جثامة أن يلقاه ببني- ليث بالكديد.

و خرج رسول الله صلى الله عليه و اله يوم الجمعة حين صلى صلاة العصر لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة ثمان، و قيل لعشر مضين من رمضان، و استخلف على المدينة أبا لبابة ابن عبد المنذر و لقيته القبائل في المواضع التي سماها لهم و أمر الناس فأفطروا، و سمى الذين لم يفطروا العصاة و دعا بماء فشربه و تلقاه العباس بن عبد المطلب في بعض‏ الطريق فلما صار بمر الظهران خرج أبو سفيان بن حرب يتجسس الأخبار و معه حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء و هو يقول لحكيم ما هذه النيران؟ فقال خزاعة أحمشتها الحرب، فقال خزاعة: أقل و أذل و سمع صوته العباس فناداه يا أبا حنظلة (يعني به أبا سفيان) فأجابه فقال له: يا أبا الفضل ما هذا الجمع؟ قال: هذا رسول الله صلى الله عليه و اله فأردفه على بغلته و لحقه عمر بن الخطاب و قال: الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد و لا عقد فسبقه العباس إلى رسول الله صلى الله عليه و اله فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد جاء ليسلم طائعا فقال له رسول الله صلى الله عليه و اله: قل أشهد أن لا إله إلا الله و أني محمد رسول الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، و جعل يمتنع من أن يقول و أنك رسول الله فصاح به العباس فقال.

و في نقل آخر أن رسول الله صلى الله عليه و اله قال له: يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي أنت و امي ما أوصلك و أكرمك و أرحمك و أحلمك و الله لقد ظننت أن لو كان معه إله لأغنى يوم بدر و يوم احد فقال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ فقال: بأبي أنت و امي أما هذه فإن في النفس منها شيئا، قال العباس: فقلت له ويحك اشهد بشهادة الحق قبل أن يضرب عنقك فتشهد كما في السيرة لابن هشام (ص 403 ج 2).

ثم سأل العباس رسول الله صلى الله عليه و اله أن يجعل له شرفا و قال: إنه يحب الشرف فقال رسول الله صلى الله عليه و اله: من دخل دارك يا أبا سفيان فهو آمن.

فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه و اله: يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها، قال عباس: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه و اله أن أحبسه و مرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سليم، فيقول: مالي و لسليم، ثم تمر القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي و لمزينة، حتى نفدت القبائل ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها فإذا أخبرته بهم قال: مالي و لبني فلان حتى مر رسول الله صلى الله عليه و اله في كتيبته الخضراء من المهاجرين و الأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقال: سبحان الله من هؤلاء يا أبا الفضل- يعني به العباس-؟

قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه و اله في المهاجرين و الأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل و لا طاقة، و الله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال: قلت:ويحك يا أبا سفيان إنه ليس بملك إنما هي النبوة، قال: فنعم إذن.

و مضى أبو سفيان مسرعا حتى دخل مكة فأخبرهم الخبر و قال هو اصطلام إن لم تسلموا و قد جعل أن من دخل داري فهو آمن، فوثبوا عليه و قالوا: ما يسع دارك؟ فقال: و من أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن.

و فتح الله على نبيه و كفاه القتال و دخل مكة و دخل أصحابه من أربعة مواضع و أحلها الله له ساعة من نهار.

ثم قام رسول الله صلى الله عليه و اله فخطب فحرمها، و أجارت أم هاني بنت أبي طالب حموين لها: الحارث بن هشام، و عبد الله بن أبي ربيعة فأراد علي عليه السلام قتلهما؛ فقال رسول الله صلى الله عليه و اله: يا علي قد أجرنا من أجارت ام هاني، و آمنهم جميعا إلا خمسة نفر أمر بقتالهم و لو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، و أربع نسوة.

و هم: عبد الله بن عبد العزى بن خطل من بني تيم الأكرم بن غالب، و كان رسول الله صلى الله عليه و اله وجهه مع رجل من الأنصار فشد على الأنصاري فقتله و قال: لا طاعة لك و لا لمحمد.

و عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري و كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه و اله فصار إلى مكة فقال: أنا أقول كما يقول محمد و الله ما محمد نبي و لقد كان يقول لي اكتب «عزيز حكيم» فأكتب «لطيف خبير» و لو كان نبيا لعلم فاواه عثمان و كان أخاه من الرضاع و أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه و اله فجعل يكلمه فيه و رسول الله صلى الله عليه و اله ساكت ثم قال: هلا قتلتموه؟ فقالوا: انتظرنا أن تومئ؛ فقال: إن الأنبياء لا تقتل بالإيماء.

و مقيس بن صبابة أحد بني ليث بن كنانة و كان أخوه قتل فأخذ الدية من قاتله ثم شد عليه فقتله.

و الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد قصى كان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه و اله بمكة و يتناوله بالقول القبيح.

و النسوة: سارة مولاة بني عبد المطلب و كانت تذكر رسول الله صلى الله عليه و اله بالقبيح.

و هند بنت عتبة، و قريبة و فرتا (كذا) جاريتا ابن خطل كانتا تغنيان في هجاء رسول الله صلى الله عليه و اله.

و أسلمت قريش طوعا و كرها، و أخذ رسول الله صلى الله عليه و اله مفتاح البيت من عثمان ابن أبي طلحة و فتح الباب بيده و ستره ثم دخل البيت فصلى فيه ركعتين ثم خرج فأخذ بعضادتي الباب فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له أنجز وعده و نصر عبده و غلب الأحزاب وحده فلله الحمد و الملك لا شريك له.

ثم قال: ما تظنون و ما أنتم قائلون؟ قال سهيل: نظن خيرا و نقول خيرا أخ كريم و ابن عم كريم و قد ظفرت، قال: فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف «لا تثريب عليكم اليوم».

ثم قال: ألا كل دم و مال و مأثرة في الجاهلية فإنه موضوع تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة و سقاية الحاج فإنهما مردودان إلى أهليهما، ألا و إن مكة محرمة بحرمة الله لم تحل لأحد من قبلي و لا تحل لأحد من بعدي و إنما حلت لي ساعة ثم أغلقت فهي محرمة إلى يوم القيامة لا يختلي خلاها، و لا يعضد شجرها، و لا ينفر صيدها، و لا تحل لقطتها إلا لمنشد، ألا إن في القتل شبه العمد الدية مغلظة، و الولد للفراش و للعاهر الحجر.

ثم قال: ألا لبئس جيران النبي كنتم لقد كذبتم و طردتم و أخرجتم و آذيتم ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني فاذهبوا فأنتم الطلقاء فخرج القوم فكأنما انشروا من القبور.

و دخل مكة بغير احرام و أمر بلالا أن يصعد على الكعبة فأذن فعظم ذلك على قريش و قال عكرمه بن أبي جهل و خالد بن أسيد: إن ابن رباح ينهق على الكعبة. و تكلم قوم معهما فارسل إليهم رسول الله صلى الله عليه و اله فقالوا: قد قلنا فنستغفر الله‏ فقال: ما أدرى ما أقول لكم و لكن تحضر الصلاة فمن صلى فسبيل ذلك و إلا قدمته فضربت عنقه.

و أمر بكل ما في الكعبة من صورة فمحيت و غسلت بالماء، و نادى منادي رسول الله صلى الله عليه و اله من كان في بيته صنم فليكسره فكسروا الأصنام.

و دعا رسول الله صلى الله عليه و اله بالنساء فبايعنه و نزلت عليه سورة إذا جاء نصر الله و الفتح فقال: نعيت إلى نفسي.

و اعلم أنه قد مضى بحثنا الكلامي عن عمل عبد الله بن سعد بن أبي سرح و طرح بعض روايات وردت فيه فراجع إلى شرح المختار الأول من باب الكتب و الرسائل (ص 210- 213 ج 16).

و كذا قد تقدم وجه دلالة سورة النصر على رحلة رسول الله صلى الله عليه و اله في شرح المختار 233 من باب الخطب (ص 79 ج 15).

و قيل لأهل مكة الطلقاء لقوله صلى الله عليه و اله لهم: فاذهبوا و أنتم الطلقاء، و لذا قالت عقيلة بني هاشم الصديقة الصغرى زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و اله في احتجاجها على يزيد بن معاوية: أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك و إماءك و سوقك بنات رسول الله سبايا؟

و عن ابن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه و اله يوم الفتح و حول البيت ثلاثمائة و ستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده و يقول: جاء الحق و ما يبدى‏ء الباطل و ما يعيد، جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.

و عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه و اله إلى مكة أبى أن يدخل البيت و فيه الالهة فأمر بها فاخرجت صورة إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام و في أيديهما الأزلام؛ فقال صلى الله عليه و اله: قاتلهم الله أما و الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط، و جاء ابن الزبعرى إلى رسول الله صلى الله عليه و اله و أسلم و قال:

يا رسول المليك إن لساني‏ راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أبارى الشيطان في سنن الغي‏ و من مال ميله مثبور

 

آمن اللحم و العظام لربي‏ ثم قلبي الشهيد أنت النذير
إنني عنك زاجر ثم حيا من لؤي و كلهم مغرور

و ابن الزبعرى هذا هو الذي تقدم الكلام فيه في شرح المختار الخامس عشر من باب الكتب و الرسائل.

طائفة من احتجاجات و محاضرات وقعت بين معاوية و غيره يناسب نقلها المقام و تفيد زيادة تبصر في آل أبى سفيان.

لما استتمت البيعة لمعاوية من أهل الكوفة صعد المنبر فخطب الناس، و ذكر أمير المؤمنين عليا عليه السلام، و نال منه و نال من الحسن عليه السلام ما نال؛ و كان الحسن و الحسين عليهما السلام حاضرين فقام الحسين عليه السلام ليرد عليه فأخذ بيده الحسن عليه السلام و أجلسه ثم قام فقال: أيها الذاكر عليا أنا الحسن و أبي علي، و أنت معاوية و أبوك صخر، و امي فاطمة و امك هند، و جدي رسول الله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة فلعن الله أخملنا ذكرا و ألأمنا حسبا و شرنا قدما و أقدمنا كفرا و نفاقا. فقالت طوائف من أهل المسجد: آمين آمين.

و كذلك يقول مؤلف الكتاب نجم الدين الحسن الطبري الاملي: آمين آمين، و يرحم الله عبدا قال آمينا، و نقل القصة الشيخ الأجل المفيد رحمه الله في الإرشاد (ص 173 طبع طهران 1377 ه) و من ذلك أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، و الوليد بن عقبة، و عقبة ابن أبي سفيان، و المغيرة بن شعبة؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين ابعث لنا إلى الحسن ابن علي، فقال لهم: فيم؟ فقالوا: كي نوبخه و تعرفه أن أباه قتل عثمان، فقال لهم: إنكم لا تنتصفون منه و لا تقولون شيئا إلا كذبكم الناس، و لا يقول لكم شيئا ببلاغته إلا صدقه الناس، فقالوا: أرسل إليه فإنا سنكفيك أمره، فأرسل إليه معاوية، فلما حضر قال: يا حسن إني لم أرسل إليك و لكن هؤلاء أرسلوا إليك فاسمع‏ مقالتهم و أجب و لا تحرمني فقال الحسن عليه السلام فليتكلموا و نسمع.

فقام عمرو بن العاص فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: هل تعلم يا حسن أن أباك أول من أثار الفتنة، و طلب الملك؟ فكيف رأيت صنع الله به؟.

ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: يا بني هاشم كنتم أصهار عثمان بن عفان فنعم الصهر كان يفضلكم و يقربكم؛ ثم بغيتم عليه فقتلتموه؛ و لقد أردنا يا حسن قتل أبيك فأنقذنا الله منه، و لو قتلناه بعثمان ما كان علينا من الله ذنب.

ثم قام عقبة فقال: تعلم يا حسن أن أباك بغى على عثمان فقتله حسدا على الملك و الدنيا فسلبها؟ و لقد أردنا قتل أبيك حتى قتله الله تعالى.

ثم قام المغيرة بن شعبة فكان كلامه كله سبا لعلي و تعظيما لعثمان.

فقام الحسن عليه السلام فحمد الله تعالى و أثنى عليه و قال: بك أبدأ يا معاوية لم يشتمني هؤلاء و لكن أنت تشتمني بغضا و عداوة و خلافا لجدي صلى الله عليه و اله ثم التفت إلى الناس و قال: انشدكم الله، أ تعلمون أن الرجل الذي شتمه هؤلاء كان أول من آمن بالله، و صلى للقبلتين، و أنت يا معاوية يومئذ كافر تشرك بالله، و كان معه لواء النبي صلى الله عليه و اله يوم بدر و مع معاوية و أبيه لواء المشركين؟

ثم قال: انشدكم الله و الإسلام أ تعلمون أن معاوية كان يكتب الرسائل لجدي صلى الله عليه و اله فأرسل إليه يوما فرجع الرسول و قال: هو يأكل فرد الرسول إليه ثلاث مرات كل ذلك و هو يقول هو يأكل فقال النبي صلى الله عليه و اله: لا أشبع الله بطنه؛ أما تعرف ذلك في بطنك يا معاوية؟

ثم قال: و انشدكم الله أ تعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه على جمل و أخوه هذا يسوقه فقال رسول الله صلى الله عليه و اله: لعن الله الجمل و قائده و راكبه و سائقه؟ هذا كله لك يا معاوية.

و أما أنت يا عمرو: فتنازع فيك خمسة من قريش فغلب عليك ألأمهم حسبا و شرهم منصبا، ثم قمت وسط قريش فقلت: إني شانئ محمد فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه و اله‏ إن شانئك هو الأبتر ثم هجوت محمدا صلى الله عليه و اله بثلاثين بيتا من الشعر فقال النبي صلى الله عليه و اله:إني لا أحسن الشعر و لكن العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة ثم انطلقت إلى النجاشي بما علمت و عملت فأكذبك الله وردك خائبا فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية و الإسلام فلم نلمك على بغضك.

و أما أنت يا ابن أبي معيط فكيف ألومك على سبك لعلي و قد جلد ظهرك في الخمر ثمانين سوطا، و قتل أباك صبرا بأمر جدي و قتله جدي بأمر ربي، و لما قدمه للقتل قال: من للصبية يا محمد؟ فقال: لهم النار، فلم يكن لكم عن النبي صلى الله عليه و اله إلا النار و لم يكن لكم عند علي غير السيف و السوط.

و أما أنت يا عقبة فكيف تعد أحدا بالقتل؟ لم لاقتلت الذي وجدته في فراشك مضاجعا لزوجتك ثم أمسكتها بعد أن بغت.

و أما أنت يا أعور ثقيف ففي أي ثلاث تسب عليا: أفي بعده من رسول الله صلى الله عليه و آله؟ أم في حكم جائر؟ أم في رغبة في الدنيا؟ فان قلت شيئا من ذلك فقد كذبت اكذبك الناس، و إن زعمت أن عليا قتل عثمان فقد كذبت و أكذبك الناس، و أما وعيدك فإنما مثلك كمثل بعوضة وقفت على نخلة فقالت لها: استمسكي فاني اريد أن أطير؛ فقالت لها النخلة: ما علمت بوقوفك فكيف يشق علي طيرانك؟

و أنت فما شعرنا بعداوتك فكيف يشق علينا سبك؟ ثم نفض ثيابه و قام.

فقال لهم معاوية: ألم أقل لكم إنكم لا تنتصفون منه؟ فو الله لقد أظلم علي البيت حتى قام فليس لكم بعد اليوم خير. و قد نقلها أبو بكر بن علي القادري الحنفي في ثمرات الأوراق في المحاضرات (هامش المستطرف ص 55 ج 1 طبع مصر).

و المراد من الألأم الشانى‏ء الأبتر هو العاص بن وائل السهمي، و كان عمرو ابنه على النحو الذي بينه المجتبى عليه السلام.

و رواية «لا أشبع الله بطنه» منقبة جليلة لمعاوية قد اصطلحت نقلة الاثار بنقلها منهم ابن عبد البر في الاستيعاب، و ابن الأثير في اسد الغابة عن مسند أبي داود الطيالسي و غيره، و ما أنكروا ثبوتها له.

و قد روى الصدوق رحمه الله في باب السبعة من كتابه الخصال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: المؤمن يأكل في معاء واحدة و الكافر يأكل في سبعة أمعاء، و روى السيوطي في الجامع الصغير عنه صلى الله عليه و اله: المؤمن يشرب في معي واحد و الكافر يشرب في سبعة أمعاء.

«المعى» يذكر و يؤنث فالعبارة في الروايتين صحيحة، و سيأتي كلام صعصعة له:اتسع بطن من لا يشبع، و دعا عليه من لا يجمع.

و الكلام في حديث اللعن كالرواية المتقدمة في المنقبة المذكورة، و قد مضى نقل روايات اخرى في سائر مناقبه أيضا عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم في شرح المختار 236 (ص 370- 374 ج 15) منها عن البراء بن عاذب قال: أقبل أبو سفيان و معه معاوية، فقال رسول الله صلى الله عليه و اله: اللهم العن التابع و المتبوع.

و روى الصدوق رحمه الله في باب السبع من الخصال عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن رسول الله صلى الله عليه و اله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن. فراجع.

و من ذلك أن شريك بن الأعور دخل على معاوية و هو يختال في مشيته، فقال له معاوية: و الله إنك لشريك و ليس لله من شريك، و إنك ابن الأعور و الصحيح خير من الأعور، و إنك لدميم و الوسيم خير من الدميم؛ فبم سودك [سدت‏] قومك؟

فقال له شريك: و الله إنك لمعاوية و ما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت فسميت معاوية، و إنك ابن حرب و السلم خير من الحرب، و إنك ابن صخر و السهل خير من الصخر، و إنك ابن امية و ما امية إلا أمة صغرت فسميت امية فكيف صرت أمير المؤمنين؟

فقال له معاوية: أقسمت عليك إلا ما خرجت عني.

نقلها في ثمرات الأوراق أيضا (هامش المستطرف ص 59 ج 1) و نقلها الأبشيهي في المستطرف (ص 57 ج 1).

و في تاريخ الخلفاء (ص 199) للسيوطي و في المستطرف للأبشيهي (ص 58 ج 1):

أخرج عن الفضل بن سويد قال: وفد جارية بن قدامة السعدي على معاوية فقال‏

له معاوية: أنت الساعي مع علي بن أبي طالب، و الموقد النار في شعلك تجوس قرى عربية تسفك دماءهم؟

قال جارية: يا معاوية دع عنك عليا فما أبغضنا عليا منذ أحببناه، و لا غششناه منذ صحبناه.

قال: ويحك يا جارية! ما كان أهونك على أهلك إذا سموك جارية! قال:أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية و هي الانثى من الكلاب، قال: اسكت لا ام لك، قال: ام لي ولدتني؛ أما و الله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، و قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا، قال: إنك لتهددني؟ قال: إنك لم تملكنا قسرة و لم تفتحنا عنوة، و لكن أعطيتنا عهودا و مواثيق فان وفيت لنا وفينا و إن ترغب إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالا مدادا، و أدرعا شدادا، و أسنة حدادا، فإن بسطت إلينا فترا من غدر زلفنا إليك بباع من ختر؛ قال معاوية: لا أكثر الله في الناس أمثالك يا جارية؛ فقال له: قل معروفا فإن شر الدعاء محيط أهله.

و أخرج ابن عساكر عن عبد الملك بن عمير قال: قدم جارية بن قدامة السعدي على معاوية فقال: من أنت؟ قال: جارية بن قدامة، قال: و ما عسيت أن تكون؟ هل أنت إلا نحلة؟ قال: لا تقل، فقد شبهتني بها حامية اللسعة حلوة البصاق؛ و الله ما معاوية إلا كلبة تعاوي الكلاب، و ما امية إلا تصغير أمة، (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 199).

و دخل عدي بن حاتم الطائي على معاوية فقال له معاوية: ما فعلت الطرفات- يعني أولاده-؟ قال: قتلوا مع علي، قال: ما أنصفك على قتل أولادك و بقاء أولاده، فقال عدي: ما أنصفك علي [ما أنصفت عليا] إذ قتل و بقيت بعده؛ فقال معاوية:أما إنه قد بقي قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن.

فقال عدي: و الله إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا، و إن أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، و لئن أدنيت إلينا من الغدر فترا لندنين إليك من‏ الشر شبرا و إن حز الحلقوم و حشرجة الحيزوم لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي فسلم السيف لباعث السيف.

فقال معاوية: هذه كلمات حكم فاكتبوها و أقبل علي عدي محادثا له كأنه ما خاطبه بشي‏ء، ذكره المسعودي في مروج الذهب (ص 54 ج 2).

و خطب معاوية يوما فقال: إن الله تعالى يقول: و إن من شي‏ء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم‏ فعلام تلومونني إذا قصرت في عطاياكم؟

فقال له الأحنف: و إنا و الله لا نلومك على ما في خزائن الله و لكن على ما أنزله الله من خزائنه فجعلته في خزائنك حلت بيننا و بينه، نقله في المستطرف (ص 58 ج 1).

و دخل عقيل على معاوية و قد كف بصره فأجلسه معه على سريره ثم قال له:أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال له عقيل: و أنتم معشر بني امية تصابون في بصائركم. أتى به في المستطرف (ص 58 ج 1).

و قال معاوية يوما: أيها الناس إن الله حبا قريشا بثلاث: فقال لنبيه: «و أنذر عشيرتك الأقربين» و نحن عشيرته الأقربون، و قال تعالى: و إنه لذكر لك و لقومك‏ و نحن قومه، و قال تعالى: لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء و الصيف‏ و نحن قريش.

فأجابه رجل من الأنصار فقال: على رسلك يا معاوية فإن الله تعالى يقول:و كذب به قومك و هو الحق‏ و أنتم قومه، و قال تعالى: و لما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون‏ و أنتم قومه، و قال تعالى: و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا و أنتم قومه ثلاثة بثلاثة. ذكره في المستطرف (ص 58 ج 1).

و من ذلك أن معاوية حج سنة 44 و لما صار إلى المدينة أتاه جماعة من بني هاشم و كلموه في امورهم فقال: أما ترضون يا بني هاشم أن نقر عليكم دماءكم و قد قتلتم عثمان حتى تقولوا ما تقولون فو الله لأنتم أحل دما من كذا و كذا و أعظم في القول.

فقال له ابن عباس: كلما قلت لنا يا معاوية من شر بين دفتيك و أنت و الله أولى بذلك منا، أنت قتلت عثمان ثم قمت تغمص على الناس أنك تطلب بدمه‏ فانكسر معاوية، فقال ابن عباس و الله ما رأيتك صدقت إلا فزعت و انكسرت، قال فضحك معاوية، و قال: و الله ما احب أنكم لم تكونوا كلمتموني.

ثم كلمه الأنصار فأغلظ لهم في القول و قال لهم: ما فعلت نواضحكم؟ قالوا أفنيناها يوم بدر لما قتلنا أخاك و جدك و خالك، و لكنا نفعل ما أوصانا به رسول الله صلى الله عليه و آله؛ قال: ما أوصاكم به؟ قالوا: أوصانا بالصبر؛ قال: فاصبروا ثم ادلج معاوية إلى الشام و لم يقض لهم حاجة.

ذكره اليعقوبي في التاريخ (ص 198 ج 2) ثم قال اليعقوبي: و أخرج معاوية المنابر إلى المصلى في العيدين و خطب الخطبة قبل الصلاة و ذلك أن الناس كانوا إذا صلوا انصرفوا لئلا يسمعوا لعن علي عليه السلام فقدم معاوية الخطبة قبل الصلاة و وهب فدكا لمروان بن الحكم ليغيظ بذلك آل رسول الله صلى الله عليه و اله.

قال السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص 201): و ابن عبد البر في الاستيعاب عن عبد الله بن محمد بن عقيل: قدم معاوية المدينة فلقيه أبو قتادة الأنصاري، فقال معاوية: تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار، قال: لم يكن لنا دواب فقال: فأين النواضح؟ قال: عقرناها في طلبك و طلب أبيك يوم بدر، قال: نعم يا أبا قتادة! ثم قال أبو قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه و اله قال لنا: انكم سترون بعدي أثره، فقال معاوية: فما أمركم عند ذلك؟ قال: أمرنا بالصبر، قال: فاصبروا حتى تلقوه، فبلغ عبد الرحمن بن حسان بن ثابت ذلك فقال:

ألا أبلغ معاوية بن حرب‏ أمير المؤمنين نبا كلامي‏
فإنا صابرون و منظروكم‏ إلى يوم التغابن و الخصام‏

و في نسخة الاستيعاب: نثا كلامي، و في بعضها عنى كلامي.

و من ذلك أنه لم يكن أحد أحب إلى معاوية أن يلقاه من أبي الطفيل عامر ابن واثلة الصحابي الكناني و كان فارس أهل صفين و شاعرهم، و كان من أخص الناس بعلي عليه السلام، فقدم أبو الطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية فأخبر معاوية بقدومه، فأرسل إليه، فأتاه و هو شيخ كبير، فلما دخل عليه، قال له معاوية: أنت أبو الطفيل عامر بن واثلة؟ قال: نعم، قال معاوية: أ كنت ممن قتل عثمان؟

قال:لا؛ و لكن ممن شهده فلم ينصره، قال: و لم؟ قال: لم ينصره المهاجرون و الأنصار، فقال معاوية: أما و الله إن نصرته كانت عليهم و عليك حقا واجبا، و فرضا لازما فقال أبو الطفيل: فما منعك إذ تربصت به ريب المنون أن لا تنصره و معك أهل الشام؟ فقال معاوية: أما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل و قال: بلى و لكنك و عثمان كما قال عبيد بن الأبرص.

لا ألفينك بعد الموت تندبني‏ و في حياتي ما زودتني زادا

فدخل مروان بن الحكم، و سعيد بن العاص، و عبد الرحمن بن الحكم فلما جلسوا نظر إليهم معاوية، ثم قال: أ تعرفون هذا الشيخ؟ قالوا: لا؛ فقال معاوية:هذا خليل علي بن أبي طالب، و فارس صفين، و شاعر أهل العراق، هذا أبو الطفيل، قال سعيد بن العاص: قد عرفناه فما يمنعك منه؟ و شتمه القوم- فزجرهم معاوية، قال: مهلا فرب يوم ارتفع عن الأسباب قد ضقتم به ذرعا، ثم قال: أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل؟ قال: ما أنكرهم من سوء، و لا أعرفهم بخير، و أنشد:

فإن تكن العداوة قد أكنت‏ فشر عداوة المرء السباب‏

فقال معاوية: يا أبا الطفيل ما أبقى لك الدهر من حب علي؟ قال: حب ام موسى و أشكو إلى الله التقصير. (و في مروج الذهب: قال معاوية له: كيف وجدك على خليلك أبي الحسن؟ قال: كوجد ام موسى على موسى و أشكو إلى الله التقصير) فضحك معاوية، قال: و لكن و الله هؤلاء الذين حولك لو سألوا عني ما قالوا هذا فقال مروان: أجل و الله لا نقول الباطل، (الامامة و السياسة للدينوري ص 192 ج 1، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 200، مروج الذهب للمسعودي ص 62 ج 2) و ذكره أبو الفرج في الأغاني على التفصيل فراجع (ص 159 ج 13 من طبع ساسي).و دخل على معاوية ضرار بن الخطاب فقال له: كيف حزنك على أبي الحسن؟

قال: حزن من ذبح ولدها على صدرها فما ترقأ عبرتها و لا يسكن حزنها، نقله المسعودي في مروج الذهب (ص 62 ج 2).

و أخرج العسكري في كتاب الأوائل عن سليمان بن عبد الله بن معمر قال: قدم معاوية مكة أو المدينة فأتى المسجد فقعد في حلقة فيها ابن عمرو ابن عباس و عبد الرحمن بن أبي بكر فأقبلوا عليه و أعرض عنه ابن عباس فقال معاوية: و أنا أحق بهذا الأمر من هذا المعرض و ابن عمه، فقال ابن عباس: و لم؟ ألتقدم في الإسلام، أم سابقة مع رسول الله صلى الله عليه و اله، أو قرابة منه؟ قال: لا و لكني ابن عم المقتول، قال: فهذا أحق به- يريد ابن أبي بكر- قال: إن أباه مات موتا، قال: فهذا أحق به- يريد ابن عمر- قال: إن أباه قتله كافر، قال: فذاك أدحض لحجتك إن كان المسلمون عتبوا على ابن عمك فقتلوه (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 201).

و أخرج ابن عساكر عن الأوزاعي قال: دخل خريم بن فاتك على معاوية و مئزره مشمر- و كان حسن الساقين- فقال معاوية: لو كانت هاتان الساقان لإمرة! فقال خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين (تاريخ الخلفاء ص 204).

و أخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عقيلا دخل على معاوية فقال معاوية: و هذا عقيل و عمه أبو لهب، فقال عقيل: هذا معاوية و عمته حمالة الحطب (تاريخ الخلفاء ص 204).

و أخرج ابن عساكر عن حميد بن هلال أن عقيل بن أبي طالب سأل عليا عليه السلام فقال: إني محتاج و إني فقير فأعطني، فقال: اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم فألح عليه، فقال لرجل: خذ بيده و انطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل: دق هذه الأقفال، و خذ ما في هذه الحوانيت، قال: تريد أن تتخذني سارقا؟ قال: و أنت تريد أن تتخذني سارقا؟ أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم، قال: لاتين معاوية، قال: أنت و ذاك؛ فأتى معاوية فسأله و أعطاه مائة ألف، ثم قال: اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك به علي و ما أوليتك فصعد فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إني أخبركم أني أردت عليا على دينه فاختار دينه، و أني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه. (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 204)

و من ذلك أنه وفد على معاوية عقيل بن أبي طالب منتجعا و زائرا، فرحب به معاوية و سر بوروده لاختياره إياه على أخيه- يعني أمير المؤمنين عليا عليه السلام- و أوسعه حلما و احتمالا؛ فقال له: يا أبا يزيد- يعني عقيلا- كيف تركت عليا؟

فقال: تركته على ما يحب الله و رسوله، و ألفيتك على ما يكره الله و رسوله، فقال له معاوية: لو لا إنك زائر منتجع جنابنا لرددت عليك أبا يزيد جوابا تألم منه.

ثم أحب معاوية أن يقطع كلامه مخافة أن يأتي بشي‏ء يخفضه، فوثب عن مجلسه و أمر له أن ينزل و حمل إليه مالا عظيما، فلما كان من غد جلس و أرسل إليه فأتاه فقال له: يا أبا يزيد كيف تركت عليا أخاك؟ قال: تركته خيرا لنفسه منك و أنت خير لي منه، فقال له معاوية: أنت و الله كما قال الشاعر:

و إذا عددت فخار آل محرق‏ فالمجد منهم في بني عتاب‏

فمحل المجد من بني هاشم منوط فيك يا أبا يزيد ما تغيرك الأيام و الليالي، فقال عقيل:

اصبر لحرب أنت جانيها لا بد أن تصلى بحاميها

و أنت و الله يا ابن أبي سفيان كما قال الاخر:

و إذا هوازن أقبلت بفخارها يوما فخرتهم بال مجاشع‏
بالحاملين على الموالي عزمهم‏ و الضاربين الهام يوم القارع‏

و لكن أنت يا معاوية إذا افتخرت بنو امية فبمن تفخر؟ فقال معاوية: عزمت عليك أبا يزيد لما أمسكت فاني لم أجلس لهذا و إنما أردت أن أسألك عن أصحاب علي فانك ذو معرفة بهم، فقال عقيل: سل عما بدا لك، فقال: ميز لي أصحاب على و ابدأ بال صوحان فانهم مخاريق الكلام، قال: أما صعصعة فعظيم الشأن، عضب اللسان، قائد فرسان، قاتل أقران، يرتق ما فتق، و يفتق ما رتق، قليل النظير.

و أما زيد و عبد الله فانهما نهران جاريان يصب فيهما الخلجان، و يغاث بهما البلدان، رجلا جد لا لعب معه، و أما بنو صوحان فكما قال الشاعر:

إذا نزل العدو فان عندي‏ اسودا تخلس الأسد النفوسا

فاتصل كلام عقيل بصعصعة فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، ذكر الله أكبر و به يستفتح المستفتحون، و أنتم مفاتيح الدنيا و الاخرة، أما بعد فقد بلغ مولاك كلامك لعدو الله و عدوه فحمدت الله على ذلك و سألته أن يفي‏ء بك إلى الدرجة العليا، و القضيب الأحمر، و العمود الأسود، فإنه عمود من فارقه فارق الدين الأزهر، و لئن نزعت بك نفسك إلى معاوية طلبا لماله إنك لذو علم بجميع خصاله فاحذر أن تعلق بك ناره فيضلك عن الحجة فإن الله قد رفع عنكم أهل البيت ما وضعه في غيركم، فما كان من فضل أو احسان فبكم وصل إلينا، فأجل الله أقداركم و حمى أخطاركم، و كتب آثاركم، فإن أقداركم مرضية، و أخطاركم محمية و آثاركم بدرية، و أنتم سلم الله إلى خلقه، و وسيلته إلى طرقه، أيد علية، و وجوه جلية، و أنتم كما قال الشاعر:

فما كان من خبر أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل‏
و هل ينبت الخطى إلا وشيجه‏ و تغرس إلا في منابتها النخل؟

نقله المسعودي في مروج الذهب (ص 75 ج 2).

وحدت أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حميد الرازي، عن أبي مجاهد عن محمد بن إسحاق بن أبي نجيح قال: لما حج معاوية طاف بالبيت و معه سعد فلما فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره، و وقع معاوية في علي و شرع في سبه فزحف سعد ثم قال: أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سب علي! و الله لأن تكون في خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

و الله لأن أكون صهر الرسول صلى الله عليه و اله لي من الولد ما لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

و الله لأن يكون رسول الله صلى الله عليه و اله قاله لي ما قاله يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله و رسوله و يحب الله و رسوله ليس بفرار يفتح الله على يديه» أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

و الله لأن يكون رسول الله صلى الله عليه و اله قال لي ما قال له في غزوة تبوك: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس و أيم الله لا دخلت لك دارا ما بقيت و نهض.

نقله المسعودي في مروج الذهب (ص 61 ج 2) ثم قال المسعودي: و وجدت في وجه آخر من الروايات و ذلك في كتاب علي بن محمد بن سليمان النوفلي في الأخبار عن ابن عائشة و غيره أن سعدا لما قال هذه المقالة لمعاوية و نهض ليقوم ضرط له معاوية و قال له: اقعد حتى تسمع جواب ما قلت ما كنت عندي قط ألأم منك الان فهلا نصرته و لم قعدت عن بيعته؟ فإني لو سمعت من النبي مثل الذي سمعت فيه لكنت خادما لعلي ما عشت، فقال سعد: و الله إني لأحق بموضعك منك، فقال معاوية: يأبى عليك بنو عذرة- و كان سعد فيما يقال لرجل من بني عذرة- قال النوفلي: و في ذلك يقول السيد الحميري:

سائل قريشا بها إن كنت ذا عمه‏ من كان أثبتها في الدين أوتادا
من كان أقدمها سلما و أكثرها علما و أطهرها أهلا و أولادا
من وحد الله إذ كانت مكذبة تدعو مع الله أوثانا و أندادا
من كان يقدم في الهيجاء ان نكلوا عنها و إن بخلوا في أزمة جادا
من كان أعدلها حكما و أقسطها حلما و أصدقها وعدا و إيعادا
إن يصدقوك فلم يعدوا أبا حسن‏ إن أنت لم تلق للأبرار حسادا
إن أنت لم تلق من تيم أخا صلف‏ و من عدي لحق الله جحادا
أو من بني عامر أو من بني أسد رهط العبيد ذوي جهل و أوغادا
أو رهط سعد و سعد كان قد علموا عن مستقيم صراط الله صدادا

 

قوم تداعوا زنيما ثم سادهم‏ لو لا خمول بني زهر لما سادا

و قال معاوية لعقيل: إن فيكم شبقا يا بني هاشم، فقال له عقيل: منا في الرجال و منكم في النساء، نقله القاضي نور الله الشهيد في المجلس الثالث من مجالس المؤمنين.

و من ذلك ما جرى بين معاوية و بين قيس بن سعد بن عبادة حين كان عاملا على مصر فكتب إليه معاوية: أما بعد فانك يهودي ابن يهودي و إن ظفر أحب الفريقين إليك عزلك و استبدل بك، و إن ظفر أبغضهما إليك نكل بك و قتلك؛ و قد كان أبوك أو ترقوسه و رمى غرضه فأكثر الجد و أخطأ القصد فخذله قومه و أدركه يومه ثم مات بحوران طريدا.

فكتب إليه قيس بن سعد: أما بعد فإنما أنت و ثني ابن وثني دخلت في الإسلام كرها، و خرجت منه طوعا لم يقدم إيمانك و لم يحدث نفاقك و قد كان أبي أو ترقوسه و رمى غرضه فشغب به من لم يبلغ عقبه و لا شق غباره، و نحن أنصار الدين الذي منه خرجت و أعداء الدين الذي فيه دخلت، نقله المسعودي في مروج الذهب (ص 62 ج 2).

و دخل قيس بن سعد بعد وفاة علي و وقوع الصلح في جماعة من الأنصار على معاوية فقال لهم معاوية: يا معشر الأنصار بم تطلبون ما قبلي؟ فو الله لقد كنتم قليلا معي، كثيرا علي، و لفللتم حدي يوم صفين حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم و هجوتموني في أسلافي بأشد من وقع الأسنة حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله قلتم ارع وصية رسول الله صلى الله عليه و اله هيهات يأبى الحقير الغدرة.

فقال قيس: نطلب ما قبلك بالاسلام الكافي به الله لا بما نمت به إليك الأحزاب و أما عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك، و أما هجاؤنا إياك فقول يزول باطله و يثبت حقه، و أما استقامة الأمر فعلى كره كان منا، و أما فلنا حدك يوم صفين فانا كنا مع رجل نرى طاعته لله طاعة، و أما وصية رسول الله بنا فمن آمن به رعاها بعده، و أما قولك يأبى الحقير الغدرة فليس دون الله يد تحجزك منا يا معاوية، فقال‏ معاوية: دعوه‏[1] ارفعوا حوائجكم.

نقله المسعودي في مروج الذهب (ص 63 ج 2) ثم قال: و قد كان قيس بن سعد من الزهد و الديانة و الميل إلى علي بالموضع العظيم.

لما قدم معاوية الكوفة صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أما بعد ذلكم فإنه لم تختلف امة بعد نبيها إلا غلب باطلها حقها إلا ما كان من هذه الامة فإن حقها غلب باطلها. ثم نزل و أحضر الناس لبيعته و كان الرجل يحضر فيقول: و الله يا معاوية إني لا بايعك و إني لكاره لك فيقول: بايع فان الله قد جعل في المكروه خيرا كثيرا؛ و يأتي الاخر فيقول: أعوذ بالله من نفسك، و أتاه قيس بن سعد بن عبادة فقال: بايع قيس، قال: إن كنت لأكره مثل هذا اليوم يا معاوية؟ فقال له: مه رحمك الله، فقال: لقد حرصت أن افرق بين روحك و جسدك قبل ذلك فأبى الله يا ابن أبي سفيان إلا ما أحب، قال: فلا يرد أمر الله، فأقبل قيس على الناس بوجهه فقال: «يا معشر الناس لقد اعتضتم الشر من الخير، و استبدلتم الذل من العز، و الكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين و سيد المسلمين و ابن عم رسول رب العالمين، و قد وليكم الطليق ابن الطليق، يسومكم الخسف، و يسير فيكم بالعسف، فكيف تجهل ذلك أنفسكم أم طبع الله على قلوبكم و أنتم لا تعقلون» فجثا معاوية على ركبتيه ثم أخذ بيده و قال: أقسمت عليك ثم صفق على كفه و نادى الناس: بايع قيس؛ فقال: كذبتم و الله ما بايعت و لم يبايع لمعاوية أحد إلا أخذ عليه الإيمان فكان أول من استخلف على بيعته.

و دخل إليه سعد بن مالك فقال: السلام عليك أيها الملك. فغضب معاوية فقال: ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك إن كنا أمرناك، إنما أنت منتز، (نقلهما اليعقوبي في التاريخ ص 192 ج 2).

حدث أبو الهيثم قال: حدثني أبو البشر محمد بن بشر الفزاري عن إبراهيم بن عقيل البصري قال: قال معاوية يوما و عنده صعصعة و كان قدم عليه بكتاب علي و عنده‏ وجوه الناس: الأرض لله و أنا خليفة الله فما آخذ من مال الله فهو لي و ما تركته منه كان جائزا لي، فقال صعصعة:

تمنيك نفسك ما لا يكون‏ جهلا معاوى لا تأثم‏

فقال معاوية: يا صعصعة تعلمت الكلام قال: العلم بالتعلم و من لا يعلم يجهل، قال معاوية: ما أحوجك إلى أن اذيقك و بال أمرك! قال: ليس ذلك بيدك ذلك بيد الذي لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، قال معاوية: و من يحول بيني و بينك؟ قال:الذي يحول بين المرء و قلبه، قال معاوية: اتسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير: قال: اتسع بطن من لا يشبع و دعا عليه من لا يجمع، نقله المسعودي في مروج الذهب (ص 79 ج 2).

و دخل صعصعة بن صوحان على معاوية فقال له: يا ابن صوحان أنت ذو معرفة بالعرب و بحالها فأخبرني عن أهل البصرة و إياك و الحمل على قوم لقوم فأجابه و أخبره عنهم، ثم قال: فأخبرني عن أهل الكوفة؛ قال: قبة الاسلام و ذروة الكلام- إلى أن قال: غير أن لهم ثباتا في الدين و تمسكا بعروة اليقين يتبعون الأئمة الأبرار و يخلعون الفسقة الفجار؛ فقال معاوية من البررة و الفسقة؟ فقال: يا ابن أبي سفيان ترك الخداع من كشف القناع، علي و أصحابه من الأئمة الأبرار و أنت و أصحابك من اولئك، ثم أحب معاوية أن يمضي صعصعة في كلامه بعد أن بان فيه الغضب فقال:أخبرني عن القبة الحمراء في ديار مضر فأخبره عنها ثم استخبره عن ديار ربيعة، و عن مضر فأخبره عنهما ثم أمسك معاوية فقال له صعصعة: سل يا معاوية و إلا أخبرتك بما تحيد عنه؛ قال: و ما ذاك يا ابن صوحان؟ قال: أهل الشام، قال: فأخبرني عنهم قال: أطوع الناس لمخلوق، و أعصاهم للخالق، عصاة الجبار، و خلفة الأشرار، فعليهم الدمار، و لهم سوء الدار، فقال معاوية: و الله يا ابن صوحان إنك لحامل مديتك منذ أزمان إلأ أن حلم أبي سفيان يرد عنك، فقال صعصعة: بل أمر الله و قدرته إن أمر الله كان قدرا مقدورا.

نقله المسعودي في مروج الذهب مفصلا و ما أتينا به ههنا ملتقط منه.و من ذلك أن معاوية حبس صعصعة بن صوحان العبدي، و عبد الله بن الكواء اليشكري و رجالا من أصحاب علي عليه السلام مع رجال من قريش فدخل عليهم معاوية يوما فقال: نشدتكم بالله إلا ما قلتم حقا و صدقا أي الخلفاء رأيتموني؟ فبعد ما تكلم ابن الكواء في مساوي معاوية قال صعصعة: تكلمت يا ابن أبي سفيان فأبلغت و لم تقصر عما أردت و ليس الأمر على ما ذكرت أنى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا، و دانهم كبرا، و استولى بأسباب الباطل كذبا و مكرا؟ أما و الله مالك في يوم بدر مضرب و لا مرمى و ما كنت فيه إلا كما قال القائل «لا حلى و لا سيرى» و لقد كنت أنت و أبوك في العير و النفير ممن أجلب على رسول الله صلى الله عليه و اله و إنما أنت طليق ابن طليق أطلقكما رسول الله صلى الله عليه و اله فأنى تصلح الخلافة لطليق؟ فقال معاوية: لو لا أني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول:

قابلت جهلهم حلما و مغفرة و العفو عن قدرة ضرب من الكرم‏

لقتلتكم. (مروج الذهب ص 78 ج 2).

دخل صعصعة على معاوية أول ما دخل عليه و قد كان يبلغ معاوية عنه فسأله عن نسبه فبين له نسبه، ثم قال له معاوية: أما و الله لقد كان يسوءني أن أراك أسيرا! قال: و أنا و الله لقد كان يسوءني أن أراك أميرا، نقلهما القالي في الأمالي و القصة طويلة عذبة غير مملة (ص 227 ج 2) و قريب منها ما نقله المسعودي في مروج الذهب (ص 76 ج 2) و لصعصعة بن صوحان أخبار حسان و كلام في نهاية البلاغة و الفصاحة و الإيضاح عن المعاني على إيجاز و اختصار و قد جرى بينه و بين معاوية كلام كثير في غير موطن تكلم فيها بقبائح أعمال معاوية و خبث سريرته و سوء رويته و قد أتى الشيخ الأجل الطبرسي في كتاب الاحتجاج طائفة من احتجاجات الإمامين سيدي شباب أهل الجنة و ريحانتي الرسول الحسن و الحسين عليهما السلام، و غيرهما من كبار الصحابة و التابعين على معاوية بن أبي سفيان، و ما تكلم القوم بها معاوية من مساوي أفعاله أكثر من أن تحصى و إنما نقلنا نبذة منها فإن القليل ينبى‏ء عن الكثير.

و فيما نقلناها مواقع للتدبر و الاستبصار في أمر معاوية و أشياعه و أتباعه كيف‏ لعبوا بالقرآن، و رفعوا راية البغي و الطغيان فاتخذوا دين الله دغلا، و مال الله دولا، و عباده خولا و الصالحين حربا، و الفاسقين حزبا، و قد قال السيوطي في تاريخ الخلفاء إنه أخرج السلفي في الطيوريات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:سألت عن علي عليه السلام و معاوية، فقال: اعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا فجاءوا إلى رجل قد حاربه و قاتله فأطروه كيادا منهم له.

فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا و يذرون طيبا من القول و يأخذون خبيثا فبعدا للمفترين و سحقا للممترين رب نعوذ بك من أماني الأنفس و شرورها.

اشارة: قد احتج صعصعة على معاوية بأن الطليق لا يصلح للخلافة، و هذا حق و صعصعة رضوان الله عليه قد استنار من ضياء القرآن، و اقتبس من مشكاة النبوة و الولاية و ذلك لأن الطلقاء كانوا مشركين قبل الإسلام و عبدوا الأصنام و قد قال عز من قائل: إن الشرك لظلم عظيم‏ (لقمان- 14) و قال الله تعالى: لا ينال عهدي الظالمين‏ (البقرة- 119) و الخلافة عهد الله تعالى فلا يناله الطلقاء، و تقدم بحثنا عن ذلك في شرح المختار 237 من باب الخطب فراجع (ص 49- 59 ج 16).

الترجمة

نصر بن مزاحم منقرى كوفي در كتاب صفين و ديگر أرباب تاريخ آورده ‏اند كه أمير المؤمنين علي عليه السلام روزى در صفين اظهار داشت كه فردا بأنبوه لشكرم فرمان كارزار دهم و به مقاتلت اقدام نمايم تا كار را يكسره كرده مردم را از جنگ و جوش رهائى داده أمر را بخاتمت رسانم چون اين خبر بمعاوية رسيد و در شاميان كه پيروان او بودند پراكنده شد همگى سخت مضطرب شدند و فزعى تمام در آنها در گرفت.

و از آن سوى معاوية بن ضحاك نيز أبياتى چند بسرود كه بر فزعشان افزود معاويه در اين خيال افتاد و در خاطر نهاد كه نامه‏اى بأمير عليه السلام نويسد و از حضرتش بحيلت و خديعت و مكر درخواست كند كه ايالت شام را- كه پيش از اينهم از وى خواسته بود- بدو واگذار كند و وى را از بيعت معاف بدارد، باشد كه از اين درخواست دو دلى در علي روى دهد و رقتى بى‏اساس بوى دست دهد كه در دام فريب معاويه افتاده، دست از كارزار بردارد.

سپس مكنون خاطرش را به عمرو عاص مكشوف داشت عمرو از بلاهت وى بر عقلش بخنديد و گفت: اى معاويه تو كجا تا توانى علي را فريب دهى؟

معاويه گفت: مگر من و او هر دو از دودمان عبد مناف نيستيم؟

گفت: آرى ولى ايشان را رتبت و فضيلت نبوت است و تو را نيست- يعنى أمير عليه السلام از مشكاة نبوت اقتباس معارف حقه إلهية كرده است و هيچگاه أهل نبوت و وحى گول مردم نخورند، چه در تمام صفات انسانيت از ديگران بهتر و برترند و در هوش و زيركى سرور و سر آمد و بالاتر از همه هستند- و با اين همه اگر خواهى نامه‏اى بنويسى بنويس (تا صدق گفتارم بر تو روشن آيد).

معاوية نامه‏اى نوشت و عبد الله بن عقبة را كه از قبيله سكاسك بود با نامه بسوى أمير عليه السلام گسيل داشت مضمون نامه‏اش اين كه: أما بعد اگر ما و شما مى‏دانستيم كه جنگ كار را بدين غايت و خونريزى را بدين نهايت مى‏رساند هيچگاه بان اقدام نمى‏كرديم و لكن نفوس هر دو ما بر عقول ما غلبه كرد- يعنى بخواهش نفسانى و از روى هوا و هوس آتش جنگ بر افروختيم و بفرمان خرد ساز جنگ نكرديم- و اكنون وقت آن هست كه از گذشته پشيمان شويم و در پى اصلاح آينده برآييم.

و پيش از اين از شما خواستيم كه ايالت شام را بمن واگذار و از بيعت و طاعت معافم دار ولى شما از خواسته من سرباز زديد و نپذيرفتيد و آنچه را كه از من باز داشتيد خداوند بمن عطا فرمود، و اكنون نيز همان خواسته پيش را خواهانم كه تو از بقا نخواهى مگر آنچه را كه من خواهم، و از فنا نمى‏ترسى مگر آنچه كه من مى ‏ترسم سوگند بخدا كه لشكريان نابود شدند و مردان جنگى از بين رفتند، و عرب طعمه‏ جنگ گرديد و نيم جانى بيش نمانده، و ما و شما در جنگ و مردان جنگى برابريم و هر دو از دودمان عبد مناف و يكى از ما بر ديگرى برترى ندارد و اگر هم دارد نبايد بدان ارجمندى را خوار و آزادى را بنده گرداند. و السلام.

چون عبد الله بن عقبة نامه را بأمير عليه السلام رسانيد و حضرت آن را بگشود و قرائت فرمود بخنديد و گفت: شگفتم مى‏آيد از معاوية و نامه او و خديعت و مكرى كه خواهد با من بكار برد، پس كاتبش عبيد الله بن أبي رافع را پيش خواند و فرمود پاسخ نامه‏اش بنويس:أما بعد «اين كه گفته‏اى اگر مى‏دانستيم كار جنگ بدين حد خواهد رسيد هيچيك بان تن در نمى‏داديم» همانا كه اين جنگ را نهايت و سرانجامى است كه كه هنوز بدان نرسيده‏ايم، و اگر من در راه ذات حق هفتاد بار كشته و زنده شوم از سخت‏گيرى و كوشش در راه خدا و جهاد با دشمنان خدا بر نخواهم گشت.

و أما آنكه گفته‏اى «هواى ما بر خرد ما چيره شد و اينك وقت آنست كه از كرده پيش نادم و در راه اصلاح آينده باشيم» همانا كه من از دائره فرمان خرد پاى بدر ننهادم و از كرده خود پشيمان نيستم.

أما اين كه «شام را از من طلب كرده‏اى» همانا كه من كسى نيستم كه امروز بدهم بتو آنچه را كه ديروز تو را از آن بازداشتم- چه در ديروز استحقاق آن نداشت و امروز هم بر آن حال باقى است-.

أما اين كه گفته‏اى «جنگ عرب را خورده و در چنگش نيم جانى بيش نمانده» آگاه باش هر كه را حق در ربود و خورده و سترده است رخت بدوزخ كشد.

أما آنكه گفته‏اى «در جنگ و سپاه جنگى يكسانيم» درست نيست چه تو به شك و ترديد در كار خود استوارتر و گذرانده‏تر از من كه به علم و يقينم نيستى، و مردم شام در اكتساب دنيا حريص‏تر از مردم عراق در كسب آخرت نيستند.

أما اين كه گفتى «ما فرزندان عبد منافيم» آرى همه ما فرزندان يك پدريم ولى امية پدر جد تو بمنزلت هاشم پدر جد من نيست، و حرب جد تو به مرتبت‏

عبد المطلب جد من نيست، و أبو سفيان پدر تو به پايه أبو طالب پدر من نيست- چه بني هاشم خانواده‏اى نجيب و دلسوز و مهربان و يكتاپرست بودند و در شرافت و اصالت سر آمد عرب و همواره ملجأ و مأمن مردم، علاوه اين كه حاملين نور نبوت و صدفهاى در ولايت بودند، أما بني امية جز خونخوارى و بيدادگرى و نخوت و حب شهوت و دنيا پرستى نمى‏دانستند-.

و مهاجر مانند طليق نيست- مهاجر أمير عليه السلام كه از مكه بمدينه هجرت فرمود چنانكه شرح آن بطور اجمال در شرح خطبه 234 گفته شد ص 126- 167 ج 15، و طليق يعنى آزاد شده و رها شده از قيد اسارت چون معاويه و پدرش و از اين روى معاويه را طليق ابن طليق گويند-.

و نه خالص پاكيزه نسب مانند بسته و چسبيده بقومى است- چون بني امية از قريش نيستند چون امية رومى بود و آزاد شده عبد شمس بن عبد مناف و عرب او را بقاعده نسبت و محاورت ابن عبد الشمس گفتند، اين ابن يعنى پسر خوانده نه پسر حقيقى لذا حضرت أمير عليه السلام امضاء نكرده كه معاويه از عبد مناف است بلكه در جوابش فرمود: إنا بنو أب واحد چنانكه نصر در كتاب صفين روايت كرده بود.

و نه صاحب حق مانند طرف‏دار باطل است، و نه مؤمن مثل منافق مفسد ناپاك است، و چه بد فرزندى است فرزندى كه گذشتگانش را كه أهل جهنمند تقليد و پيروى كند و راه آنان را پيش بگيرد- يعنى معاويه كه گذشتگانش از كفر و شرك و نفاق در آتش دوزخند و او راه آنان را پيش گرفت-.

و حال آنكه بعد از اين همه فضائل، در دست ما فضل نبوت است- كه هيچ فضيلتى با آن برابرى نمى‏كند- كه بدان گردنكشان را خوار، و بيچارگان را بلند گردانيديم.

و چون خداوند عرب را دسته دسته بدينش در آورد و اين امت برخى برضا و رغبت و برخى به بى ميلى و كراهت اسلام آوردند، شما از كسانى بوديد كه يا بجهت طمع بدنيا و يا از ترس شمشير داخل در دين شديد؛ علاوه آنهم در وقتى كه سابقان‏ به سبقتشان در دين رستگار شدند، و هجرت كنندگانى كه پيش از اين بودند فضل و بزرگى را برده بودند پس براى شيطان در خود بهره‏اى و بر خويشتن راهى قرار مده. و السلام.

 

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

______________________________________________________________

[1] ( 1) ذو الهرم اسم بئر حفرها عبد المطلب بالطائف بعد ما حفر زمزم بمكة؛ كما في تاريخ اليعقوبي أيضا ص 206 ج 1- منه.

[2] ( 1) و اسند الى عبد المطلب هذان البيتان أيضا:\s\iُ وصيت من كنيته بطالب‏\z عبد مناف و هو ذو تجارب‏\z بابن الحبيب الاكرم الاقارب‏\z بابن الذى قد غاب غير آئب‏\z\E\E فهذه الوصية و التي في المتن تدلان على أن أبا طالب كان سمى جده عبد مناف و أن أبا طالب كان كنية له، و في السادس من البحار: أبو طالب اسمه عبد مناف و قيل اسمه عمران و يؤيد الاول وصية عبد المطلب بقوله: اوصيك يا عبد مناف بعدى، و الثاني ما عن بعض النسخ في زيارة النبي صلى الله عليه و آله من بعيد السلام على عمك عمران أبى طالب- منه.

[1] ( 1) كان الاصل: يموه، و انما صححناه على القياس. منه.

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 16 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 16 صبحی صالح

16- و كان يقول ( عليه‏ السلام  ) لأصحابه عند الحرب‏

لَا تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ وَ لَا جَوْلَةٌ بَعْدَهَا حَمْلَةٌ

وَ أَعْطُوا السُّيُوفَ حُقُوقَهَا وَ وَطِّئُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا وَ اذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ الدَّعْسِيِّ وَ الضَّرْبِ الطِّلَحْفِيِّ وَ أَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ

فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَسْلَمُوا وَ لَكِنِ اسْتَسْلَمُوا وَ أَسَرُّوا الْكُفْرَ فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج 18  

و كان يقول عليه الصلاة و السلام لاصحابه عند الحرب‏ و هذا هو المختار السادس عشر من باب المختار من كتبه و رسائله عليه السلام‏

لا تشتدن عليكم فرة بعدها كرة، و لا جولة بعدها حملة. و أعطوا السيوف حقوقها. و وطنوا للجنوب مصارعها. و اذمروا أنفسكم على الطعن الدعسي، و الضرب الطلخفي. و أميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل. و الذي فلق الحبة، و برأ النسمة ما أسلموا و لكن استسلموا و أسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا عليه أظهروه.

المصدر

قوله هذا على النضد المذكور ما وجدناه فيما حضرني من الكتب و الرسائل مع طول الفحص و كثرة الطلب إلا أن المجلسي رحمه الله قد نقله في المجلد الثامن من البحار (ص 626 من الطبع الكمباني) و في المجلد الحادي و العشرين (ص 102 من ذلك الطبع) عن نهج البلاغة أيضا و لم يذكر مأخذا آخر.

و كذا نقله المحدث النوري في كتاب الجهاد من المستدرك عن النهج بلا ذكر سند آخر و فيه نقل- از مروا- بالزاى و لكنه تصحيف من الناسخ (ص 259 ج 2) و كذلك في الموضع الثاني من البحار.

نعم قد وجد متفرقا في أقواله الاخر المروية في الجوامع الروائية مما سنتلوها عليك، و لا بعد أن يكون هذا القول ملتقطا منها لما قد نبهناك عليه غير مرة من أن هذه عادة الرضي رضوان الله في النهج فإن غرضه كان التقاط الفصيح و البليغ من كلامه و لعله نقله عن مأخذ لم يحضرنا و الله تعالى هو العالم، و لكن المتدرب في أساليب الكلام يعلم أن قوله عليه السلام: «و الذي فلق الحبة- إلخ» خارج من اسلوب ما قبله و سيأتي رواية نصر في كتاب صفين المتضمنة هذا القول و يعلم أنه في رواية على حدة و بالجملة لو لم نقل أن عبارات هذا المختار ملفقة من أحاديث شتى فكون ذيلها أعني و الذي فلق إلى آخره التقط من رواية آت نقلها و لفق إلى ما قبله فمما لا ينبغي أن يرتاب فيه، فنقول:قد رويت عنه عليه السلام في الجوامع الروائية و المجاميع التي دونها القدماء في امور متنوعة و علوم متفننة، و كتب المغازي و الملاحم و التواريخ و السير روايات متظافرة و وصايا متكاثرة بطرق عديدة و اسناد كثيرة في آداب الحرب و رسومها و هي سنن كلية لن تجد لها بمضي الليالي و الأيام و انصرام الشهور و الأعوام تبديلا و لا تحويلا، اللهم إلا في آلات السلاح و أوزار الحرب و نذكر في المقام ما وجدناها في مظان ماخذها بالفحص و الطلب و فيها توجد ما أتى بها الرضي ههنا على أن مصادر طائفة مما في نهج البلاغة تعلم بنقلها طائفة من أقوالها التي حرض بها الناس على الجهاد.

ففي الباب الخامس عشر من كتاب الجهاد من فروع الكافي لقدوة المحدثين الكليني قدس سره (ص 439 من الرحلي المطبوع على الحجر) و في الوافي (ص 20 ج 9): و في كلام له آخر- يعني أمير المؤمنين عليه السلام بقوله له-. و إذا لقيتم هؤلاء القوم غدا فلا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فإذا بدأوكم فانهدوا إليهم، و عليكم‏ السكينة و الوقار، و عضوا على الأضراس فإنه أنبأ للسيوف عن الهام، و غضوا الأبصار، و مدوا جباه الخيول و وجوه الرجال و أقلوا الكلام فإنه أطرد للفشل و أذهب بالوهل، و وطنوا أنفسكم على المبارزة و المنازلة و المجاولة، و اثبتوا و اذكروا الله عز و جل كثيرا فإن المانع للذمار عند نزول الحقائق أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم، و يضربون حافتيها و أمامها، و إذا حملتم فافعلوا فعل رجل واحد، و عليكم بالتحامي فإن الحرب سجال، لا يشدون عليكم كرة بعد فرة، و لا حملة بعد جولة، و من ألقى إليكم السلام فاقبلوا منه، فاستعينوا بالصبر فإن بعد الصبر النصر من الله عز و جل، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين.

أقول: روي قوله عليه السلام في هذه الرواية بلفظ: «أقلوا الكلام فإنه أطرد للفشل» و روي في كلامه المقدم ذكره من النهج بلفظ «أميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل».و في رواية اخرى من الكافي أعني حديث مالك بن أعين الذي أتينا به في مصادر الوصية الرابعة عشرة من المختار من باب الكتب و الرسائل بلفظ «أميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل».

و في رواية نصر في صفين (ص 106 من الطبع الناصري) بصورة: «و غضوا الأبصار و اخفضوا الأصوات و أقلوا الكلام» و قد نقلنا روايته كاملة في شرح المختار 236 من باب الخطب (ج 15 ص 222) و توافق رواية نصر رواية أبي جعفر الطبري في التاريخ (ص 7 ج 4) و قد مضى نقل روايته في شرح المختار 236 من باب الخطب أيضا (ج 15 ص 238).

ثم إنه عليه السلام على رواية الكافي نبه أصحابه بقوله: «لا يشدون عليكم كرة بعد فرة، و لا حملة بعد جولة» على أن إدبار الخصم ربما لا يكون عن هزيمة و ذلك لأن الأعداء قد يولون الأدبار عن الحرب خدعة لكي يغتر المقاتلون‏ المقابلون لهم بادبارهم عنها فيحسبون أنهم هزموا فيذهبون في آثارهم متفرقين و بعد ما سلكوا مسافة كذلك يرجع إليهم الأعداء بغتة و يحملون عليهم حملة يد واحدة و رجل واحد فيهزمونهم.

و على رواية النهج وصى عليه السلام أصحابه كذلك بقوله: «لا تشتدن عليكم فرة بعدها كرة، و لا جولة بعدها حملة» أي أنكم إذا رأيتم المصلحة في الفرار لجذب العدو إلى حيث تتمكنوا منه فلا يشق عليكم و لا تستصعبوه فإن الحرب خدعة.

أو يقال في تفسير هاتين الجملتين أنه عليه السلام نبه أصحابه في الاولى على أن يواظبوا أنفسهم من الأعداء و إن فروا عن هزيمة واقعا، و ذلك لأن الأعداء ربما ينهزمون ثم يكرون على الفئة الغالبة لما رأو أنهم خرجوا من مكامنهم و انتشروا في معسكرهم و اطمأنوا بالغلبة على فرارهم و خرجوا من أوزار الحرب و اشتغلوا بأنفسهم و غيرها مما لا يحصى كثرة أحوالها و أطوارها.

و في الثانية حرضهم بأنكم إذا اتفقت لكم الهزيمة من العدو و فررتم فلا تستحيوا من الكرة عليهم ثانيا و لا تحسبوها عارا فان هذه الكرة يتدارك الفرة و يناسب هذا التفسير الثاني قوله المروي في المستدرك عن فرات بن إبراهيم الاتي نقله: عاودوا الكر و استحيوا الفر.

و في الإرشاد للمفيد رحمه الله (ص 121 طبع طهران 1377 ه): و من كلامه عليه السلام حين دخل البصرة و جمع أصحابه فحرضهم على الجهاد فكان مما قال:عباد الله انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم بقتالهم فإنهم نكثوا بيعتي، و أخرجوا ابن حنيف عاملي بعد الضرب المبرح، و العقوبة الشديدة، و قتلوا السيابجة، و مثلوا حكيم بن جبلة العبدي، و قتلوا رجالا صالحين، ثم تتبعوا منهم من نجى يأخذونهم في كل حائط و تحت كل رابية، ثم يأتون بهم فيضربون رقابهم صبرا، مالهم قاتلهم الله أنى يؤفكون؟ انهدوا إليهم و كونوا أشداء عليهم، و القوهم صابرين محتسبين تعلمون أنكم منازلوهم و مقاتلوهم و لقد وطنتم أنفسكم على الطعن الدعسي، و الضرب الطلحفي، و مبارزة الأقران، و أي امرى‏ء منكم أحس من نفسه رباطة جاش عند اللقاء و رأى من أحد من إخوانه فشلا فليذب عن أخيه الذي فضل عليه كما يذب عن نفسه فلو شاء الله لجعله مثله.

أقول: إنه عليه السلام قال في كلامه هذا: «و لقد وطنتم أنفسكم على الطعن الدعسي و الضرب الطلحفي» و هو يشابه قوله المقدم «و اذ مروا أنفسكم على الطعن الدعسي و الضرب الطلخفي إلا أن المفيد روى الطلحفي بالحاء المهملة، و قد روى قوله عليه السلام في الجمل (ص 162 من طبع النجف) و نسخة في الجمل: «و قد وطنتم أنفسكم على الضرب و الطعن» من غير ذكر كلمتي الدعسي و الطلحفي، و قد مضى نقل نسخة الجمل هذه في شرح المختار الثاني من كتبه و رسائله (ص 52 ج 17).

و في كتاب صفين لنصر (ص 120 من الطبع الناصري) عن عمر بن سعد، عن عبد الرحيم بن عبد الرحمن، عن أبيه أن عليا أمير المؤمنين عليه السلام حرض الناس فقال: إن الله عز و جل قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب، و تشفى بكم على الخير: إيمان بالله و رسوله، و جهاد في سبيله، و جعل ثوابه مغفرة الذنوب، و مساكن طيبة في جنات عدن و رضوان من الله أكبر، فأخبركم بالذي يحب فقال: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، و قدموا الدارع، و أخروا الحاسر، و عضوا على الأضراس فإنه أنبا للسيوف عن الهام و أربط للجاش، و أسكن للقلوب، و أميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل و أولى بالوقار، و التووافي أطراف الرماح فإنه امور للأسنة وراياتكم فلا تميلوها و لا تزيلوها و لا تجعلوها إلا في أيدي شجعانكم المانعي الذمار و الصبر عند نزول الحقائق، أهل الحفاظ الذين يحفون براياتكم، و يكتنفونها يضربون خلفها و أمامها و لا تضيعوها، أجزأ كل امرى‏ء منكم رحمكم الله قرنه و واسى أخاه بنفسه، و لم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه و قرن أخيه فيكتسب بذلك لائمة و يأتي به دنائة، و أنى هذا و كيف يكون هكذا؟ هذا يقاتل اثنين، و هذا ممسك يده قد خلى قرنه إلى أخيه هاربا منه و قائما ينظر إليه من يفعل هذا يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله فإنما مردكم إلى الله قال الله لقوم: قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل و إذا لا تمتعون إلا قليلا، و أيم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الاخرة، استعينوا بالصدق و الصبر فإنه بعد الصبر ينزل النصر.

و فيه أيضا (ص 130 من ذلك الطبع): عن عمر، عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب أن عليا لما رأى ميمنته قد عادت إلى موقفها و مضافها و كشف من بازائها حتى ضاربوهم في مواقفهم و مراكزهم فأقبل حتى انتهى إليهم فقال: إني قد رأيت جولتكم و انحيازكم عن صفوفكم، و تحرزكم الجفاة الطغاة و أعراب أهل الشام، و أنتم لهاميم العرب، و السنام الأعظم، و عمار الليل بتلاوة القرآن و أهل دعوة الحق إذا ضل الخاطؤن فلو لا إقبالكم بعد إدباركم، و كركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولي يوم الزحف دبره، و كنتم فيما أرى من الهالكين، و لقد هون علي بعض وجدي، و شفى بعض حاج نفسي أني رأيتكم باخرة حزتموهم كما حازوكم و أزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم، تحوزونهم بالسيوف ليركب أولهم آخرهم كالإبل المطرودة اليهم فالان فاصبروا، انزلت عليكم السكينة و ثبتكم الله باليقين، و ليعلم المنهزم أنه مسخط لربه، و موبق نفسه، و في الفرار موجدة الله عليه، الذل اللازم، و فساد العيش، و أن الفار لا يزيد الفرار في عمره، و لا يرضى ربه فموت الرجل محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتلبس بها و الإقرار عليها.

أقول: الرواية الاولى قد ذكر طائفة منها العلامة ابن خلدون في الفصل السابع و الثلاثين من الباب الثالث من المقدمة و قال: انظر وصية علي رضي الله عنه و تحريضه لأصحابه يوم صفين تجد كثيرا من علم الحرب و لم يكن أحد أبصر بها منه قال في كلام له: فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص- و فيه: و اخفتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل و أولى بالوقار (ص 275 طبع مصر).

و قد رواها أبو جعفري الطبري في تاريخه عن أبي مخنف (ص 11 ج 4) و لكن بين النسختين تفاوتا في الجملة و أرى أن نسخة نصر أصح و أمتن و قد مضى‏  نقل نسخة الطبري في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 257 ج 15) و قد رواها المفيد في الإرشاد (ص 127 طبع طهران 1377 ه) و تخالف الاوليين في الجملة، و هي رواية مالك بن أعين المروية في الباب الخامس عشر من جهاد الكافي (ص 338 من الطبع الرحلي المطبوع على الحجر 1315 ه) و قد أشرنا آنفا إلى نقله في مصادر المختار الرابع عشر من باب الكتب إلا أن بين روايتي الكافي و نصر اختلافا كما و كيفا و قد أتى الكليني قدس سره بزيادة فيها لم يأت بها نصر في صفين و هي من قوله: «و لا تمثلوا بقتيل- إلى قوله: فيعير بها و عقبه من بعده».

و الرواية الثانية مروية في الكافي أيضا بعد الرواية الاولى و إن كان يوجد بينهما اختلاف أيضا: فعلى نسخة الكافي: قال عليه السلام: إني رأيت جولتكم و انحيازكم عن صفوفكم تحوزكم الجفاة الطغاة و أعراب أهل الشام و أنتم لهاميم العرب و السنام الأعظم و عمار الليل بتلاوة القرآن، و دعوة أهل الحق إذا ضل الخاطئون فلو لا إقبالكم بعد إدباركم، و كركم بعد انحيازكم لوجب عليكم ما يجب على المولي يوم الزحف دبره، و كنتم فيما أرى من الهالكين و لقد هون علي بعض و جدي، و شفى بعض حاج صدري إذ رأيتكم حزتموهم كما حازوكم فأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم و أنتم تضربونهم بالسيوف حتى ركب أولهم آخرهم كالإبل المطرودة الهيم الأن، فاصبروا نزلت عليكم السكينة، و ثبتكم الله باليقين، و ليعلم المنهزم بأنه مسخط ربه، و موبق نفسه، إن في الفرار موجدة الله (موجدة الله عليه- خ) و الذل اللازم، و العار الباقي، و أن. الفار لغير مزيد في عمره، و لا محجور بينه و بين يومه، و لا يرضى ربه، و لموت الرجل محقا قبل اتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتلبيس بها، و الإقرار عليها.

قوله: الهيم الان: فعلى نسخة صفين ظرف و النون مخففة، و على نسخة الكافي من الأنين و هي مثقلة، و الفرق بين سائر العبائر ظاهر.

و رواية نصر الثانية مذكورة في جهاد البحار أيضا (ص 99 ج 21 من الطبع الكمباني) قال: و قال: نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن مالك بن أعين، عن‏ زيد بن وهب أن عليا- إلخ، فأسقط عمر بن سعد في الطبع الناصري.

ثم تجد رواية مالك بن أعين في الكافي و التي نقلناها عن الكافي أولا مشتركتين في جملة من الألفاظ و الجمل و العبارات كما أن نسختي نصر و الكافي منقولتان عن مالك بن أعين إلا أن الاولى منهما ذكرت أن مالك بن أعين روى عن زيد بن وهب، و الثانية أكتفت بذكر مالك.

و قد مضى كلامنا في شرح المختار 236 من الخطب (ص 257 ج 15) أن نسخة تاريخ الطيري أعني الرواية الاولى من كتاب صفين لنصر مذكورة في النهج و هو المختار 122 من باب الخطب أوله: فقدموا الدارع و أخروا الحاسر و عضوا على الأضراس فإنه أنبا للسيوف عن الهام- إلى آخره، و نزيدك ههنا بيانا فنقول: ذلك المختار المذكور ملتقط و ملفق من عدة روايات إحداها هي الرواية الاولى من كتاب صفين التي رواها ثقة الإسلام الكليني في الكافي، و أبو جعفر الطبري في التاريخ، و الشيخ الأجل المفيد في الإرشاد كما مر آنفا و هذه الرواية التقطت و ذكرت في صدر المختار 122 المذكور من أوله إلى قوله عليه السلام: لا تسلموا من سيف الاخرة.

و الثانية هي الرواية الثانية من كتاب صفين لنصر التي رواها الكليني في الكافي أيضا و هي قوله عليه السلام: إني رأيت جولتكم و انحيازكم- إلخ، و قد التقط منها قوله عليه السلام: «و أنتم لهاميم العرب- إلى قوله: لا محجوز بينه و بين يومه» المذكور في ذلك المختار.

الثالثة ما رواها نصر في صفين أيضا (ص 207 من الطبع الناصري) قال: حدثني رجل عن مالك الجهني، عن زيد بن وهب أن عليا عليه السلام مر على جماعة من أهل الشام بصفين فيهم الوليد بن عقبة و هم يشتمونه و يقصبونه فأخبروه بذلك فوقف في ناس من أصحابه فقال: انهدوا إليهم و عليكم السكينة و سيما الصالحين و وقار الإسلام و الله لأقرب قوم من الجهل بالله عز و جل قوم قائدهم و مؤدبهم معاوية، و ابن النابغة، و أبو الأعور السلمي و ابن أبي معيط شارب الخمر و المجلود حدا في‏ الإسلام و هم أولى يقومون فيقصبونني و يشتمونني، و قبل اليوم ما قاتلوني و شتموني و أنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام و هم يدعونني إلى عبادة الأصنام، فالحمد لله و لا إله إلا الله، و قديما ما عاداني الفاسقون، إن هذا لهو الخطب الجليل أن فساقا كانوا عندنا غير مرضيين، و على الإسلام و أهله متخوفين حتى خدعوا شطر هذه الامة فأشربوا قلوبهم حب الفتنة فاستمالوا أهوائهم بالإفك و البهتان، و قد نصبوا لنا الحرب، و جدوا في إطفاء نور الله و الله متم نوره و لو كره الكافرون، اللهم فانهم قد ردوا الحق فافضض جمعهم، و شتت كلمتهم، أبسلهم بخطاياهم فانه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت.و قد أتى بذيلها المفيد قدس سره في الإرشاد (ص 126 طبع طهران 1377 ه) و يوجد اختلاف يسير بينهما.

الرابعة رواية رواها نصر في صفين أيضا بعد الرواية الثالثة عن نمير بن و علة عن عامر الشعبي أن علي بن أبي طالب عليه السلام مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم فحرض الناس على قتالهم و ذكر أنهم غسان فقال: إن هؤلاء القوم لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم و ضرب يفلق الهام و يطيح العظام، و تسقط منه المعاصم و الأكف حتى تصدع جباههم، و تنثر حواجبهم، على الصدور و الأذقان، أين أهل الصبر و طلاب الخير؟ أين من يشري وجهه لله عز و جل، فثابت إليه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمدا فقال له: امش نحو هذه الراية مشيا رويدا على هنيئتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فامسك يدك حتى يأتيك أمري و رأيي.و قد أتى بشطر من هذه الرواية الشيخ الأجل المفيد في الإرشاد (ص 127 و 128) من الطبع المقدم ذكره.و قد التقط من هاتين الروايتين قوله عليه السلام: «اللهم فإن ردوا الحق- إلى قوله: و يندر السواعد و الأقدام» المذكور في ذلك المختار.

الخامسة رواية رواها نصر في صفين أيضا (ص 283 من الطبع الناصرى)عن عمر بن سعد، عن إسحاق بن يزيد، عن الشعبي أن عليا عليه السلام قال يوم صفين حين أقر الناس بالصلح: إن هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيئوا إلى الحق و لا ليجيبوا إلى كلمة السواء حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر، و حتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب و حتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس حتى يدعق الخيول في نواحي أرضهم و بأحناء مساربهم و مسارحهم، و حتى تشن عليهم الغارات من كل فج، و حتى تلقاهم قوم صدق صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم و موتاهم في سبيل الله إلا جدا في طاعة الله، و حرصا على لقاء الله، و لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه و اله نقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و أعمامنا ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا و تسليما، و مضيا على أمض الألم، و جدا على جهاد العدو، و الإستقلال بمبارزة الأقران، و لقد كان الرجل منا و الاخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما سقى صاحبه كأس المنون فمرة لنا من عدونا، و مرة لعدونا منا، و لما رآنا الله صبرا صدقا أنزل الله بعدونا الكبت، و أنزل علينا النصر، و لعمري لو كنا نأتي مثل الذي أتيتم ما قام الدين و لا عز الإسلام، أيم الله لتجلبنها دما فاحفظوا ما أقول لكم- يعني الخوارج. انتهى.

و رواها الشيخ الأجل المفيد في الإرشاد (ص 128 طبع طهران 1377 ه) و بين النسختين اختلاف يسير، و هي مروية في الكتاب المنسوب إلى سليم بن قيس الكوفي (ص 118 من طبع النجف) و هي تخالف روايتي نصر و المفيد.و قد التقط من هذه الرواية قوله: «حتى يرموا بالمناسر- إلى قوله:مساربهم و مسارحهم» المذكور في ذيل ذلك المختار من النهج، و إنما بقى من ذلك المختار قوله عليه السلام: «الرائح إلى الله كالظمان- إلى قوله: إلى ديارهم» فلم نجد مأخذه بعد و لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، و العارف بأساليب الكلام المتدرب فيها يرى تلفيقه و انضمامه من أساليب شتى و إن كانت كلها مما أفاضها المرتضى روحي له الفداء، و قد مر منا الإشارة غير مرة إلى أن غرض الرضي‏ في النهج كان التقاط الفصيح من كلامه و انتخاب بليغه، و يا ليت الرضي أتى في النهج بجميع الروايات المتقدمة لأنها فوق كلام البشر و دون كلام الخالق و الكل فصيح بليغ.

و في مستدرك الوسائل (الباب 32 من كتاب الجهاد ص 258 ج 2) للمحدث النوري رحمه الله قال: فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره عن إبراهيم بن بنان الخثعمي، عن جعفر بن محمد بن يحيى بن شمس، عن علي بن أحمد بن الباهلي، عن ضرار بن الأزور أن رجلا من الخوارج سأل ابن عباس عن علي بن أبي طالب عليه السلام فأعرض عنه ثم سأله فقال: لقد كان و الله علي أمير المؤمنين عليه السلام يشبه القمر الزاهر، و الأسد الخادر- إلى أن قال: و قد رأيته يوم صفين و عليه عمامة بيضاء و كأن عينيه سراجان و هو يتوقف على شر ذمة شرذمة يحضهم و يحثهم إلى أن انتهى إلى و أنا في كنف من المسلمين فقال: معاشر الناس استشعروا الخشية، و أميتوا الأصوات، و تجلببوا بالسكينة، و اكملوا الأمة، و قلقلوا السيوف في الغمد قبل السلة، و الحظوا الشرز، و اطعنوا الخزز، و نافجوا بالظبي، و صلوا السيوف بالحظا، و الرماح بالنبال، فإنكم بعين الله مع ابن عم نبيكم، عاودوا الكر، و استحيوا الفر فإنه عار باق في الأعقاب، و نار يوم الحساب، فطيبوا عن أنفسكم نفسا، و اطووا عن الحياة كشحا و امشوا إلى الموت مشيا- إلى أن قال: ألا فسووا بين الركب، و عضوا على النواجد. و اضربوا القوابض (للقوانص- خ) بالصوارم، و اشرعوا الرماح بالجوانح شدوا فإني شاذ ما هم (ماحم- خ) لا ينصرون. الخبر.

و روي هذا الخبر أعني خبر فرات بن إبراهيم في تفسيره المجلسي في الثامن من البحار (ص 518 من الطبع الكمباني) بتمامه.و أتى به الرضي في المختار الرابع و الستين من باب الخطب من النهج أوله:معاشر المسلمين استشعروا الخشية و تجلببوا السكينة- إلخ.

و قد رواه المسعودي في مروج الذهب (ص 20 ج 2 من طبع مصر 1346 ه)و قد نقلنا نسخته في شرح المختار 236 (ص 254 ج 15). و أتى به الخواجه نصير الدين الطوسي قدس سره في الباب السابع و الثلاثين من أخلاق محتشمي.

و قال الجاحظ في البيان و التبيين (ص 285 ج 2 طبع مصر 1380 ه):قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ (يعني يوم صفين) عضوا على النواجذ من الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام، انتهى، و لم ينقل من كلامه عليه السلام أكثر من ذلك كما هو دأبه في ذلك الكتاب غالبا من التقاط بعض الجمل و ترك الاخرى.

و نقل ما أتى به الجاحظ ابن قتيبة الدينوري في كتاب الحرب من عيون الأخبار (ص 133 ج 1 من طبع مصر) و قال أيضا (ص 110 ج 1): ذكر ابن عباس عليا عليه السلام فقال: ما رأيت رئيسا يوزن به، لرأيته يوم صفين و كأن عينيه سراجا سليط و هو يحمس أصحابه إلى أن انتهى إلي و أنا في كثف فقال: معشر المسلمين استشعروا الخشية، و عنوا الأصوات و تجلببوا السكينة، و أكملوا اللؤم و أخفوا الخون، و قلقلوا السيوف في أغمادها قبل السلة، و الحظوا الشزر، و اطعنوا النبر، و نافحوا بالظبا، و صلوا السيوف بالخطا، و الرماح بالنبل و امشوا إلى الموت مشيا سجحا، و عليكم بهذا السواد الأعظم، و الرواق المطنب فاضربوا ثبجه فإن الشيطان راكد في كسره، نافج خصييه، مفترش ذراعيه، قد قدم للوثبة يدا، و أخر للنكوص رجلا.

و روى الكليني قدس سره في آخر الباب الخامس عشر من جهاد الكافي (ص 339 من الطبع على الحجر) بإسناده عن حريز، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه لأصحابه: إذا لقيتم عدوكم في الحرب فأقلوا الكلام و اذكروا الله عز و جل و لا تولوهم الأدبار فتسخطوا الله تبارك و تعالى و تستوجبوا غضبه و إذا رأيتم من إخوانكم المجروح و من قد نكل به أو من قد طمع عدوكم فيه فقوه بأنفسكم.

و روى أبو جعفر الطبري في التاريخ (ص 7 ج 4) و نصر في صفين (ص 106)بإسنادهما إلى الحضرمي قال: سمعت عليا عليه السلام عرض في الناس في ثلاثة مواطن في يوم الجمل و يوم صفين و يوم نهروان فقال: عباد الله اتقوا الله عز و جل و غضوا الأبصار و اخفضوا الأصوات و أقلوا الكلام- إلى آخر ما مضى في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 222 و 238 ج 15).

فمن هذه الروايات دريت أنه عليه السلام كان يأمر أصحابه باخفاء الصوت تارة بقوله: أميتوا الأصوات، و اخرى بقوله: أميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل و مرة بأنه أطرد للفشل و أولى بالوقار، و اخرى بقوله: و عنوا الأصوات، و هو من التعنية أي الحبس و الأسر، و دفعة بقوله: فعموا الأصوات كما في نسخة اخرى، و هو من التعمية بمعنى الإخفاء، و اخرى بقوله: اخفضوا الأصوات، و في نسخة: اخفتوا الأصوات كما علم من نقلها مصادر صدر هذا المختار الذي نحن بصدر الشرح عليه و إنما بقى ذكر مأخذ قوله عليه السلام: «و الذي فلق الحبة»- إلخ فنقول:رواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين (ص 110 و 111 من الطبع الناصري) عن أبي عبد الرحمن المسعودي قال: حدثني يونس بن الأرقم بن عوف، عن شيخ من بكر بن وائل قال: كنا مع علي عليه السلام بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة قميصة سوداء في رأس رمح. فقال ناس: هذا لواء عقده له رسول الله صلى الله عليه و آله فلم يزالوا كذلك حتى بلغ عليا، فقال علي: هل تدرون ما أمر هذا اللواء؟ إن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله هذه الشقة فقال: من يأخذها بما فيها؟

فقال عمرو: و ما فيها يا رسول الله؟ قال: فيها أن لا تقاتل به مسلما، و لا تقربه من كافر، فأخذها فقد و الله قربه من المشركين و قاتل به اليوم المسلمين، و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما أسلموا و لكن استسلموا و أسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة.

أقول: و قد روي نحو كلامه هذا من أبي اليقظان عمار بن ياسر رحمة الله عليهما و الظاهر أنه اقتبس من كلام إمامه أمير المؤمنين علي عليه السلام و قد رواه نصر في صفين،كما روى نحوه من ابنه محمد ابن الحنفية رضوان الله عليه فدونك ما روي عنهما.

قال بعد نقل كلامه هذا: أخبرني عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما كان قتال صفين قال رجل لعمار: يا أبا اليقظان ألم يقل رسول الله صلى الله عليه و اله: قاتلوا الناس حتى يسلموا فإذا أسلموا عصموا مني دماءهم و أموالهم؟

قال: بلى، و لكن و الله ما أسلموا و لكن استسلموا و أسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا.

نصر عن قطرب بن خليفة، عن منذر الثوري قال: قال عمار بن ياسر:و الله ما أسلم القوم و لكن استسلموا و أسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا.

نصر، عبد العزيز قال حبيب بن أبي ثابت قال: حدثني منذر العلوي قال:قال محمد ابن الحنفية لما أتاهم الله من أعلى الوادي و من أسفله و ملأ الأودية كتائب: استسلموا حتى وجدوا أعوانا.

اللغة

اشتد عليه الأمر أى شق عليه و استصعبه، يقال: اشتد عليه المرض أي زاد و عظم، و هو تفتعل من الشد.

الفرة: الفرار، فعلة للمرة، و الكرة: الجوع، و الحملة في الحرب.

«الجولة» مصدر، أي الدوران في الحرب يقال: جال القوم جولة إذا انكشفوا ثم كروا و قال عبد الشارق بن عبد العزى الجهني (الحماسة 152).

سمعنا دعوة عن ظهر غيب‏ فجلنا جولة ثم ارعوينا

و قال الشارح المرزوقي: يقول: قرع أسماعنا في أثناء التهيؤ و التطالع دعوة تأدت من مكان غائب عن عيوننا فدرنا دورة ثم رجعنا إلى أماكننا.و في منتهى الأرب جال في الحرب جولة بالفتح من باب نصر: گرد برآمد.

«السيوف» جمع السيف معروف، و هو مأخوذ من قولهم: ساف إذا هلك لأنه به يقع الهلك. قال القلقشندي في صبح الأعشى (ص 139 ج 2 طبع مصر): السيف إن كان من حديد ذكر- و هو المعبر عنه بالفولاذ- قيل: سيف فولاذ.

و إن كان من حديد انثى- و هو المعبر عنه في زماننا بالحديد- قيل: سيف أنيث، فان كان متنه من حديد انثى وحداه من حديد ذكر كما في سيوف الفرنجة قيل: سيف مذكر، و يقال: إن الصاعقة إذا نزلت إلى الأرض وردت (بردت- ظ) صارت حديدا، و ربما حفر عليها و اخرجت فطبعت سيوفا، فتجي‏ء في غاية الحسن و المضاء.

ثم إن كان عريض الصفيح قيل له: صفيحة، و إن كان محدقا (مدققا- ظ) لطيفا قيل له: قضيب؛ فإن كان قصيرا قيل: أبتر؛ فإن كان قصره بحيث يحمل تحت الثياب و يشتمل عليه قيل: مشتمل- بالكسر-.

فإن كان له حد واحد و جانبه الاخر جاف قيل فيه: صمصامه:- و بهذا كان يوصف سيف عمرو بن معدي كرب فارس العرب، فإن كان فيه حزوز مستطيلة (مطمئنة- ظ) قيل فيه: فقارات- بذلك سمى سيف رسول الله صلى الله عليه و اله: ذا الفقار، يروى أنه كان فيه سبع عشرة فقارة.

ثم تارة ينسب السيف إلى الموضع الذي طبع فيه، فيقال فيما طبع بالهند:هندي و مهند، و فيما طبع باليمن: يمان، و فيما طبع بالمشارف- و هي قرى من قرى العرب قريبة من ريف العراق- قيل له: مشرفي؛ فإن كان من المعدن المسمى بقساس و هو معدن موصوف بجودة الحديد قيل له: قساسي.

و تارة ينسب السيف إلى صاحبه كالسيف السريحي- نسبة إلى قين من قيون العرب اسمه: سريح معروف عندهم بحسن الصنعة.و يوصف السيف بالحسام و هو القاطع أخذا من الحسم و هو القطع، و بالصارم و هو الذي لا ينبو عن الصريبة.

«وطنوا» بالنون كما في النسخة الخطية التي عندنا قوبلت على نسخة الرضي، و في نسخة الجامع الكافي و غيرها مما تلوناها عليك، يقال: وطن البلدتوطينا أي اتخذه محلا و مسكنا يقيم به، و وطن نفسه على الأمر و للأمر أي مهدها لفعله و ذللها و حملها عليه، قال سيار بن قصير الطائي (الحماسة 30).

لو شهدت أم القديد طعاننا بمرعش خيل الأرمني أرنت‏
عشية أرمى جمعهم بلبانه‏ و نفسي و قد وطنتها فاطمأنت‏

و في أساس البلاغة للزمخشري:

وطنت نفسي على كذا فتوطنت‏

. قال:

و لا خير فيمن لا يوطن نفسه‏ على نائبات الدهر حين تنوب‏

و في غير واحدة من النسخ المطبوعة و الخطية كتبت: وطئوا بالهمزة من التوطئة أي التمهيد يقال وطأ الأمر إذا مهده.

استعاره [وطنوا للجنوب مصارعها] و الجنوب جمع الجنب بالفتح فالسكون كفلس و فلوس يقال بالفارسية: پهلو و قال الراغب في المفردات: أصل الجنب الجارحة و جمعه جنوب قال الله عز و جل «فتكوى بها جباههم و جنوبهم» و قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع‏ و قال عز و جل: قياما و قعودا و على جنوبهم‏ ثم يستعار في الناحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين و الشمال كقول الشاعر: من عن يميني مرة و أمامي.

«المصارع» جمع المصرع، يقال: صرعه على الأرض صرعا من باب منع أي طرحه عليها، و المصرع مكان الصرع، و مصارع القوم حيث قتلوا.

«اذمروا» بالذال المعجمة اخت الدال المهملة، ذمره على الأمر بالتخفيف من باب نصر، و بالتشديد أيضا حضه مع لوم ليجد فيه يقال: القائد يذمر أصحابه في الحرب أي يسمعهم المكروه ليشحذهم، و رأيتهم يتذامرون في الحرب، و أقبل يتذمر أي يلوم نفسه على التفريط في فعله و هو ينشطها لئلا تفرط ثانية، و فلان يتذمم و يتذمر و يرفع أذياله و يتشمر، و هو ذمر من الأذمار: شجاع، قاله في الأساس و ذمرته أذمره ذمرا حثثته، ذمار اسم فعل للحض على الحرب و تذامر القوم أي حث بعضهم بعضا و ذلك في الحرب.

«الدعسي» الدعس بالفتح فالسكون: الدفع في الأصل، ثم يستعمل في‏ الطعن و شدة الوطأ و الجماع قاله المرزوقي في شرحه على الحماسة قال العباس بن مرداس (الحماسة 151):

إذا ما حملنا حملة نصبوا لنا صدور المذاكي و الرماح الدواعسا

و قال قتادة بن مسلمة الحنفي (الحماسة 258):

و في النقع ساهمة الوجوه عوابس‏ و بهن من دعس الرماح كلوم‏

قال الجوهري في الصحاح. الدعس بالفتح: الأثر، يقال: رأيت طريقا دعسا أي كثير الاثار، و المدعاس الطريق الذي لينته المارة و الدعس: الطعن و قد يكنى به عن الجماع، و دعست الوعاء: حشوته، و المدعس: الرمح يدعس به، و يقال: المداعس الصم من الرمح، انتهى ما أردنا من نقل كلامه، يقال:

بينهم مداعسة أي مطاعنة بالرماح، و في القاموس: الدعس كالمنع: حشو الوعاء.

و بما ذكرنا علمت أن الطعن بمعنى الضرب بالرماح فان الدعسي صفة للطعن و الدعس و الدواعس و المدعس و المداعس قد استعملت في فصيح الكلام للرماح فقط، و قد قال الأشتر في أبيات آت نقلها:فاصبروا للطعان بالأسل السمر و ضرب يجري به الأمثال و الأسل بالتحريك في الأصل نبات دقيق الأغصان تتخذ منه الغرابيل و يقال للرماح الأسل على التشبيه و المستدق اللسان و الذراع الأسلة.

«الطلخفي» بكسر الطاء و فتح اللام و سكون الخاء المعجمة، قال الجوهري في مادة ط خ ف من الصحاح: ضرب طلخف بزيادة اللام مثال حبجر أي شديد، و قال الصفي پورى في منتهى الأرب: ضرب طلخف كهزبر زدگى سخت، لام زائد است.

و جاءت الطلحفي في غير واحدة من النسخ بالحاء المهملة و لكن نسختنا التي قوبلت على نسخة الرضي مضبوطة بالمعجمة و المهملة كالمعجمة معنى يقال:ضربته ضربا طلحيفا و طلحفا و طلحفا و طلحفى و طلحافا أي شديدا، و قالوا إن اللام في المهملة أصلية، و قال في القاموس بعد ضروب اللغات في الطلحفي‏ المهملة: و اللام أصلية لذكرهم الطلحفي في باب فعلى مع حبركى و وهم الجوهري.

أقول: زيادة اللام أول الكلمة و حشوها قليلة جدا و أما في الاخر فقد ثبت في الأعلام كزيدل و عبدل في زيد و عبد و لكن عدم زيادتها أولا و حشوا فمما لم يثبت بل لها نظير و الجوهري ذهب إلى أن اللام في الطلخفى المعجمة زائدة و لم يأت بالمهملة في الصحاح و ذكر الصفي پوري المعجمة في مادة ط خ ف و صرح بأن اللام زائدة و المهملة في ط ل ح ف و بين بأنها أصلية، فاسناد الوهم إلى الجوهري و هم.

ثم إن المعجمة في المعاجم التي عندنا مضبوطة على الوجه المقدم ذكره إلا في أقرب الموارد فانه قال في طلخف بالخاء المعجمة: ضرب طلخيف بالخاء: كالحاء في لغاته.«إماتة الصوت»: إخفاؤه.«الطرد»: الإبعاد، تقول طردته فاطرد أي أبعدته فابتعد.

«الفشل» بالتحريك: ضعف مع جبن مصدر من فشل الرجل من باب علم إذا جبن و ضعف و تراخى عند حرب أو شدة. قال الفيومي في مصباح المنير: فشل فشلا فهو فشل عن باب تعب و هو الجبان الضعيف القلب.

تقول: دعي إلى القتال ففشل أي جبن، و ذهبت قوته فهو فشل و فشيل و فشل و قال الطرماح مستهزءا برجل:

فقد بزمام بظر امك و احتفر بأير أبيك الفشل كراث عاسم‏

و هو من أبيات الحماسة (628) و قد يروى في البيت الفسل أيضا.

و عزم على كذا ثم فشل عنه أي نكل عنه و لم يمضه.

و في القرآن الكريم: و لقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم و تنازعتم في الأمر و عصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون‏ (آل عمران 147) و أطيعوا الله و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم‏ (الانفال- 50).

إذ يريكهم الله في منامك قليلا و لو أراكهم كثيرا لفشلتم‏ (الأنفال- 46).إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا (آل عمران 123).

«فلق»: شق، و قال ابن الأثير في النهاية: فيه- يعني في الحديث «من أعتق نسمة أو فك رقبة» النسمة: النفس و الروح أى من أعتق ذا روح، و كل دابة فيها روح فهي سمة و إنما يريد الناس و منه حديث علي عليه السلام و الذي فلق الحبة و برأ النسمة أي خلق ذات الروح و كثيرا ما كان يقولها إذا اجتهد في يمينه، انتهى.

الاعراب‏

النون المثقلة من تشتدن نون تأكيد، عليكم ظرف لغو متعلق بالفعل، فرة فاعل الفعل، «بعدها كرة» خبر و مبتداء قدم الخبر توسعا للظروف و الجملة صفة للفرة، و لا جوله بعدها حملة عطف على فرة بعدها كرة و الكلام فيها كالاولى، و مفعول وطنوا محذوف إن اخذ التوطين بمعنى التمهيد على وجه ستعرفه أي وطنوا أنفسكم، أو أن حرف التعريف في الجنوب بدل من المضاف إليه كما سيعلم وجهه في المعنى، على الطعن ظرف لغو متعلق بقوله: اذ مروا، و ياء الدعسي للنسبة.

و قال بعض المتأخرين في تعاليقه على النهج: الدعسي اسم من الدعس أي الطعن الشديد فإن عنى أن كلمة الدعسي إحدى اللغات في الدعس غير أنها اسم للدعس لا يساعده المعاجم اللغوية و الكتب الأدبية، و الدعسي على أي نحو كان صفة للطعن، و كذلك الطلخفي صفة للضرب فان كانت بالخاء المعجمة فالياء مشددة للنسبة، و إن كانت بالحاء المهملة فهي مقصورة إحدى اللغات الخمس فيها، و الضمير في انه راجع إلى المصدر أعني الإماتة المستفاد من قوله: أميتوا كقوله تعالى: اعدلوا هو أقرب للتقوى، و لا بأس بتذكير الضمير لمكان المصدر، و كلمة أطرد للتفضيل و المفضل منه محذوف بقرينة المقام أي أن أماتة الأصوات أطرد للفشل من اعلائها، «و الذي» كلمة الواو للقسم متعلقه محذوفا وجوبا فانها لا تدخل إلا على مظهر و لا تتعلق إلا محذوف. فلق الحبة صلة للذي و برأ النسمة عطف عليها «ما اسلموا» جواب للقسم، و كلمة ما نافية. لما علم للظرف و هو لوقوع الشي‏ء لوقوع غيره و الشي‏ء الأول في المقام اظهارهم الكفر، و الثاني وجود الأعوان عليه‏

المعنى‏

قوله عليه السلام: «لا تشتدن عليكم فرة بعدها كرة و لا جولة بعدها حملة» قد علمت آنفا أنه عليه السلام قد كان ينبه أصحابه على أن لا يغتروا بفرار الأعداء من المعارك فإن الفرار قد يكون عن حيلة و خدعة فيولون الأدبار لكى يفرجوا الذين يقاتلونهم و يغروهم و يغروهم باتباعهم آثارهم مهر عين و يخرجوهم من مكامنهم ظنا منهم بأنهم انهزموا و ما كان فرارهم عن هزيمة و بعد ما أفرجوهم برهة من الزمان يعطفون و يقبلون عليهم و يحملونهم‏ حملة رجل واحد فيهزمونهم، كما كان هذا التنبيه هو المروي عن الكافي حيث أيقظ عليه السلام أصحابه بقوله: «لا يشدون عليكم كرة بعد فرة، و لا حملة بعد جولة».

و ههنا أرشدهم إلى أن الحرب خدعة، و فر و كر فإن علموا أن مقتضي الحال في القتال يوجب أن يولوهم الأدبار و يخيلوهم و يروهم بأنهم منهزمون حتى إذا أمكنتهم الفرصة من الحملة عليهم كروا عليهم دفعة واحدة فلا يحسبوه عارا و لا يستحيوا منه، و لا يستصعب عليهم هذا النحو من الفرار الظاهري الموجب للظفر على الخصم و انما الذي ينبغي أن يستصعب و يشق على المجاهد و يستحيي منه هو أن تكون‏ فرة من غير كرة، بل لا يجوز الفرار إذا كان العدو على الضعف أو أقل.

و قد مضى قول ثامن الأئمة علي بن موسى الرضا عليه السلام في شرح المختار 235 من باب الخطب (ص 178 ج 15) في الفرار عن الزحف حيث قال عليه السلام: و حرم الله الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين، و الاستخفاف بالرسل صلوات الله و سلامه عليهم و الأئمة العادلة عليهم السلام، و ترك نصرتهم على الأعداء و العقوبة لهم على انكار ما دعوا إليه من الاقرار بالربوبية، و اظهار العدل، و ترك الجور، و إماتة الفساد لما في ذلك من جرأة العدو على المسلمين و ما يكون في ذلك من السبي‏ و القتل و إبطال حق الله تعالى و غيره من الفساد. و كذا في المقام غيره من النصوص المستفاضة المستفاد منها أن الفرار من الزحف من جملة الكبائر.

و بما قدمنا علم وجه كون عبارة النهج بعكس ما في الكافي ففي الكافي كانت‏ الكرة مقدمة على‏ الفرة و الحملة على‏ الجولة و ههنا كانت‏ الكرة متأخرة من‏ الفرة، و الحملة من‏ الجولة، و هناك أيقظهم بقوله: لا يشدون‏ عليكم‏، و ههنا وصاهم بقوله: لا تشتدن عليكم‏.

و اعلم أن قوله عليه السلام: «لا تشتدن عليكم فرة بعدها كرة» قول في تفسير قوله تعالى إلا متحرفا لقتال في الأنفال حيث قال عز من قائل: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار و من يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله و مأواه جهنم و بئس المصير (آية 17، 18).

و الزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيبا، و الزحف أيضا الدنو قليلا قليلا كما قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على استه قبل أن يقوم، شبه بزحف الصبى مشي الطائفتين يتمشى كل فئة مشيا رويدا إلى الفئة الاخرى يتدانى للضراب، و زحفا منصوب في موضع الحال للكفار.

و في تفسير المجمع: التحرف: الزوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف فالمعنى- و الله تعالى أعلم- إذا لقيتم الكفار للقتال و الحال أنهم كثير جم و أنتم قليل فلا تولوهم الأدبار أي لا تجعلوا ظهوركم إليهم أي لا تفروا منهم فضلا عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم، و من يولهم يومئذ أي وقتئذ سواء كان نهارا أو ليلا فقد استحق و احتمل غضب الله و مأويه جهنم و بئس المصير فالاية تدل على أن الفرار من الزحف من كبائر المعاصي.

و في الكافي بإسناده عن عقيل الخزاعي: أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن الرعب و الخوف من جهاد المستحق للجهاد و المتوازرين على الضلال، ضلال في‏ الدين و سلب للدنيا مع الذل و الصغار، و فيه استيجاب النار بالفرار من الزحف عند حضرة القتال يقول الله عز و جل: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار.

و استثنى جل و علا من حرمة الفرار حالتين إحداهما إذا كان المجاهد متحرفا لقتال، فقال في الكشاف: و هو الكر بعد الفر يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه و هو باب من خدع الحرب و مكائدها.

و نحوه النيسابوري في غرائب القرآن، و البيضاوي في أنوار التنزيل حيث قال في معناه: يريد الكر بعد الفر و تغرير العدو فانه من مكائد الحرب.

و قال الطبرسي في المجمع: و قيل معناه إلا منعطفا مستطردا كأنه يطلب عورة يمكنه اصابتها فيتحرف عن وجه و يرى أنه يفر ثم يكر و الحرب كر و فر.

و القول الاخر في تفسير قوله تعالى: إلا متحرفا لقتال‏ هو أن من ولى دبره يبغي موقفا أصلح للقتال من الموقف الأول فهو خارج عن حرمة الفرار من الزحف و الحق إنه شامل على كلا القولين، أي إن الفار عن الزحف قد باء بغضب من الله إلا أن يدبر عن القتال و ينحرف عن مضيق إلى اتساع لتجول الخيل، أو من معاطش إلى مياه، أو كانت الشمس أو الريح في وجهه فاستدبرها، أو كان يوهم باستدباره خصمه أنه منهزم منه ليغريه باتباعه فينفرد عن أشياعه فيكر عليه فيقتله و ما أشبه ذلك.

و ثانيتهما إذا كان متحيزا إلى فئة، و التحيز طلب حيز يتمكن فيه و المعنى أو كان منحازا و منتقلا إلى جماعة اخرى من المسلمين أي غير الجماعة التي كان فيها و هم الذين يريدون قتال الأعداء و الجهاد في سبيل الله فهو يريد أن يستعين بهم عليهم.و عن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر كما في الكشاف و غرائب القرآن.

و قد روى أهل السنة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و اله قال: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه و اله و ما هن؟ قال: الشرك بالله، و السحر، و قتل‏ النفس التي حرم الله إلا بالحق، و أكل الربا، و أكل مال اليتيم، و التولي يوم الزحف، و قذف المحصنات الغافلات و المؤمنات.

و قد مرت الإشارة إلى أن مثل ذلك قد روي عن أهل بيت النبوة عليهم السلام بروايات متكاثرة متظافرة و تقدم نقل شطر مما أفاضه أبو الحسن الرضا عليه السلام في علل تحريم الكبائر و منها الفرار عن الزحف. كما تقدم آنفا قول أمير المؤمنين علي عليه السلام عن الكافي و صفين لنصر: و ليعلم المنهزم أنه مسخط لربه و موبق نفسه و في الفرار موجدة الله عليه و الذل اللازم- إلخ.

الحرب خدعة

لا كلام في أن الخدعة في نفسها قبيحة تنفر الطباع عنها. روى الكليني في الكافي بإسناده عن هشام بن سالم رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لو لا أن المكر و الخديعة في النار لكنت أمكر الناس (الوافي ص 156 ج 3) و قد رفع قبحها في الحرب فإن الغرض الأسنى من الجهاد قمع اصول الفساد، و قطع فروعه و قد جوز الشارع تعالى التوصل بالخدعة في حضرة القتال إلى ذلك، و تنفذه الأحلام و تقبله الطباع لذلك.

قال العلامة قدس سره في آخر المقصد الثاني من جهاد المنتهى (ص 913 من الطبع الرحلي على الحجر 1333 ه): يجوز المخادعة في الحرب و يجوز للمبارز أن يخدع قرنه ليتوصل بذلك إلى قتله إجماعا، روى الجمهور أن عمرو بن عبدود بارز عليا عليه السلام فقال: ما احب قتلك يا ابن أخي، فقال علي عليه السلام: لكني احب أن أقتلك فغضب عمرو و أقبل عليه، فقال علي عليه السلام: ما برزت لا قاتل اثنين، فالتفت عمرو فوثب علي عليه السلام فضربه، فقال عمرو: خدعتني، فقال علي عليه السلام:الحرب خدعة، انتهى ما أردنا من نقل كلامه.

و روى شيخ الطائفة قدس سره في باب أن الحرب خدعة من جهاد التهذيب بإسناده عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام كان يقول:لأن يخطفني الطير أحب إلي من أن أقول على رسول الله صلى الله عليه و اله ما لم يقل، سمعت‏رسول الله صلى الله عليه و اله يقول يوم الخندق: الحرب خدعة، يقول: تكلموا بما أردتم، (الوافي ص 21 ج 9).

و فيه بإسناده عن مصعدة بن صدقة قال: حدثني شيخ من ولد عدي بن حاتم عن أبيه، عن جده عدي بن حاتم و كان مع علي عليه السلام في غروته أن عليا عليه السلام قال يوم التقى هو و معاوية بصفين فرفع بهم صوته يسمع أصحابه: و الله لأقتلن معاوية و أصحابه ثم قال في آخر قوله: إن شاء الله خفض بها صوته فكنت منه قريبا فقلت: يا أمير المؤمنين إنك حلفت على ما قلت ثم استثنيت فما أردت بذلك؟ فقال:إن الحرب خدعة و أنا عند المؤمنين غير كذوب فأردت أن احرض أصحابي عليهم لكيلا يفشلوا و لكي يطمعوا فيهم فافهم فانك تنتفع بها بعد اليوم إن شاء الله، و اعلم أن الله عز و جل قال لموسى حيث أرسله إلى فرعون: «فأتياه فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى» و قد علم أنه لا يتذكر و لا يخشى و لكن ليكون ذلك أحرص لموسى عليه السلام على الذهاب، (الوافي ص 95 ج 7 و ص 22 ج 9)، و رواه في البحار عن تفسير العياشي (ص 98 ج 21 من الطبع الكمباني).

و في الباب السابع و الثلاثين من أخلاق محتشمي للخواجة الطوسي قدس سره:كان النبي صلى الله عليه و اله إذا أراد سفرا ورى إلى غيره و قال: الحرب خدعة.

و في مروج الذهب للمسعودي (ص 6 ج 2) قال ابن عباس لعلي عليه السلام:يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع أما سمعت رسول الله صلى الله عليه و اله يقول: الحرب خدعة؟

فقال علي عليه السلام: بلى. و سيأتي تمام كلامهما في شرح الكتاب السابع عشر إن شاء الله تعالى.و في الجامع الصغير للسيوطي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و اله: الحرب خدعة.

و روى الكليني في الكافي بإسناده عن صفوان، عن أبي مخلد (محمد- خ) السراج، عن عيسى بن حسان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما إلا في ثلاثة: رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه، أو رجل‏ أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الاصلاح فيما بينهما، أو رجل وعد أهله شيئا و هو لا يريد أن يتم لهم، (الوافي ص 158 ج 3).

و في الكامل لأبي العباس المبرد (ص 193 ج 2 طبع مصر) ناقلا عن المهلب قال: انه جاء عن رسول الله صلى الله عليه و اله قوله: «كل كذب يكتب كذبا إلا ثلاثة:الكذب في الصلح بين الرجلين، و كذب الرجل لامرأته يعدها، و كذب الرجل في الحرب يتوعد و يتهدد.

و قال: و جاء عنه صلى الله عليه و اله إنما أنت رجل فخذل عنا فانما الحرب خدعة.

قال: و قال عليه السلام في حرب الخندق لسعد بن عبادة و سعد بن معاذ و هما سيد الحيين الخزرج و الأوس: «ائتيا بني قريظة فإن كانوا على العهد فأعلنا بذلك؛ و إن كانوا قد نقضوا ما بيننا فالحنا لي لحنا أعرفه و لا تفتا في أعضاد المسلمين» فرجعا بغدر القوم فقالا يا رسول الله: عضل و القارة فقال رسول الله صلى الله عليه و اله للمسلمين:ابشروا فإن الأمر ما تحبون.

قال الأخفش: سألت المبرد عن قولهما عضل و القارة فقال: هذان حيان كانا في نهاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه و اله فأرادا أنهم في الانحراف عنه و الغدر به كهاتين القبيلتين.

قال ابن إسحاق: لما خرج رسول الله صلى الله عليه و اله إلى بدر نزل قريبا منه فركب هو و رجل من أصحابه يتعرفان أخبار قريش حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش، و عن محمد و أصحابه، و ما بلغه عنهم؛ فقال الشيخ: لا اخبر كما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و اله: إذا أخبرتنا أخبرناك، قال: أذاك بذاك؟ قال: نعم، قال الشيخ: فانه بلغني أن محمدا و أصحابه خرجوا يوم كذا و كذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا و كذا- للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه و اله- و بلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا و كذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا و كذا- للمكان الذي فيه قريش- فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و اله: نحن ماء ثم انصرف عنه فجعل الشيخ‏

يقول: نحن من ماء! من ماء العراق أو ماء كذا أو ماء كذا، نقله ابن هشام في السيرة النبوية (ج 1 ص 616 من طبع مصر 1375 ه)، و ابن قتيبة الدينوري في باب الحيل في الحروب من كتاب الحرب من عيون الأخبار (ص 194 ج 1 طبع مصر 1383 ه).

و اعلم أن ما قدمناه من جواز الخدعة في الحرب هو غير الغدر بهم أي قتالهم و قتلهم بغتة بعد الأمان، و الغدر ترك الوفاء و نقض العهد، قال شيخ الطائفة قدس سره في جهاد المبسوط: من أذم مشركا أو غير مشرك ثم خفره و نقض ذمامه كان غادرا آثما.

و إنما لا يجوز الغدر بهم لقوله تعالى: أوفوا بالعقود و لقوله صلى الله عليه و اله:«لا تغلوا و لا تمثلوا و لا تغدروا» و غيره من الأخبار الواردة في النهي عن الغدر بهم ففي خبر رواه الكليني قدس سره في جامع الكافي بإسناده عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قريتين من أهل الحرب لكل واحدة منهما ملك على حدة اقتتلوا ثم اصطلحوا ثم إن أحد الملكين غدر بصاحبه فجاء إلى المسلمين فصالحهم على أن يغزوا تلك المدينة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا ينبغي للمسلمين أن يغدروا و لا يأمروا بالغدر و لا يقاتلوا مع الذين غدروا و لكنهم يقاتلون المشركين حيث وجدوهم و لا يجوز عليهم ما عاهد عليه الكفار. (جهاد الوسائل الباب 20) و الروايات عن الرسول صلى الله عليه و اله و عن أئمة الدين في التحذير عن الغدر و كراهيته كثيرة.

و قد نقل ابن قتيبة في كتاب الحرب من عيون الأخبار (ص 117 ج 1 طبع مصر) قضية معجبة في خدعة مستغربة، و سوء عاقبة الغدر و البغي تأبى نفسي إلا الإتيان بها، قال: و قرأت في كتاب سير العجم أن فيروز بن يزدجرد بن بهرام لما ملك سار بجنوده نحو خراسان ليغزو اخشنوار ملك الهياطلة ببلخ، فلما انتهى إلى بلاده اشتد رعب اخشنوار منه و حذره له، فناظر أصحابه و وزراءه في أمره.

فقال له رجل منهم: أعطنى موثقا و عهدا تطمئن إليه نفسي أن تكفيني أهلي‏ و ولدي و تحسن إليهم و تخلفني فيهم، ثم اقطع يدي و رجلي و القني على طريق فيروز حتى يمربي هو و أصحابه فأكفيك مئونتهم و شوكتهم و أورطهم مورطا تكون فيه هلكتهم.

فقال له اخشنوار: و ما الذي تنتفع به من سلامتنا و صلاح حالنا إذا أنت قد هلكت و لم تشركنا في ذلك؟

قال: إني قد بلغت ما كنت احب أن أبلغه من الدنيا و أنا موقن بأن الموت لا بد منه و إن تأخر أياما قلائل، فاحب أن أختم عمري بأفضل ما تختم به الأعمار من النصيحة لإخواني و النكاية في عدوي فيشرف بذلك عقبي و اصيب سعادة و حظوة فيما أمامى.

ففعل به ذلك و أمر به فلما مر به فيروز سأله عن أمره فأخبره أن اخشنوار فعل ذلك به و أنه احتال حتى حمل إلى ذلك الموضع ليدله على عورته و غرته، و قال: إني أدلك على طريق هو أقرب من هذا الذي تريدون سلوكه و أخفى، فلا يشعر اخشنوار حتى تهجموا عليه فينتقم الله لي منه بكم، و ليس في هذا الطريق من المكروه إلا تفويز يومين ثم تفضون إلى كل ما تحبون.

فقبل فيروز قوله بعد أن أشار عليه و زراؤه بالإتهام له و الحذر منه و بغير ذلك فخالفهم و سلك الطريق حتى انتهى بهم إلى موضع من المفازة لا صدر عنه ثم بين لهم أمره فتفرقوا في المفازة يمينا و شمالا يلتمسون الماء فقتل العطش أكثرهم و لم يخلص مع فيروز منهم إلا عدة يسيرة فإنهم انطلقوا معه حتى أشرفوا على أعدائهم و هم مستعدون لهم فواقعهم على تلك الحاله و على ما بهم من الضر و الجهد فاستمكنوا منهم و أعظموا النكاية فيهم.

ثم رغب فيروز إلى اخشنوار و سأله أن يمن عليه و على من بقي من أصحابه على أن يجعل لهم عهد الله و ميثاقه ألا يغزوه أبدا فيما يستقبل من عمره؛ و على أنه يحد فيما بينه و بين مملكته حدا لا تجاوزه جنوده، فرضى اخشنوار بذلك و خلى سبيله و انصرف إلى مملكته.

فمكث فيروز برهة من دهره كئيبا، ثم حمله الأنف على أن يعود لغزوه و دعا أصحابه إلى ذلك فردوه عنه و قالوا: إنك قد عاهدته و نحن نتخوف عليك عاقبة البغي و الغدر مع ما في ذلك من العار و سوء المقالة.

فقال لهم: إني شرطت له ألا أجوز الحجر الذي جعلته بيني و بينه فأنا آمر بالحجر ليحمل على عجلة أمامنا.

فقالوا له: أيها الملك إن العهود و المواثيق التي يتعاطاها الناس بينهم لا تحمل على ما يسر المعطي لها و لكن على ما يعلن المعطي، و إنك إنما جعلت له عهد الله و ميثاقه على الأمر الذي عرفه لا على أمر لم يخطر بباله.

فأبى فيروز و مضى في غزاته حتى انتهى إلى الهياطلة و تصاف الفريقان للقتال فأرسل اخشنوار إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صفيهم ليكلمه، فخرج إليه.

فقال له اخشنوار: قد ظننت أنه لم يدعك إلى غزونا إلا الأنف مما أصابك و لعمري لئن كنا احتلنا لك بما رأيت لقد كنت التمست منا أعظم منه، و ما ابتدأناك ببغي و لا ظلم و لا أردنا إلا دفعك عن أنفسنا و عن حريمنا، و لقد كنت جديرا أن تكون مكافأتنا بمننا عليك و على من معك من نقض العهد و الميثاق الذي وكدت على نفسك أعظم أنفا و أشد امتعاظا مما نالك منا فإنا أطلقناكم و أنتم أسرى، و مننا عليكم و أنتم مشرفون على الهلكة، و حقنا دماءكم و بنا قدرة على سفكها، و إنا لم نجبرك على ما شرطت لنا بل كنت أنت الراغب إلينا فيه، و المريد لنا عليه؛ ففكر في ذلك، و ميل بين هذين الأمرين فانظر أيهما أشد عارا و أقبح سماعا: إن طلب رجل أمرا ينح له، و سلك سبيلا فلم يظفر فيها ببغيته، و استمكن منه عدوه على حال جهد وضيعة منه و ممن معه فمن عليهم و أطلقهم على شرط شرطوه و أمر اصطلحوا عليه فاضطر لمكروه القضاء، و استحيا من النكث و الغدر؛ أم يقال‏[1] امرؤ نكث العهد و ختر الميثاق؟

مع أني قد ظننت أنه يزيدك نجاحا ما تثق به من كثرة جنودك و ما ترى من حسن عدتهم و طاعتهم لك و ما أجدني أشك أنهم أو أكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم عارفون بأنك قد حملتهم على غير الحق، و دعوتهم إلى ما يسخط الله فهم في حربنا غير مستبصرين، و نياتهم في مناصحتك اليوم مدخولة، فانظر ما قدر غناء من يقاتل على مثل هذه الحال؛ و ما عسى أن تبلغ نكايته في عدوه إذا كان عارفا بأنه إن ظفر فمع عار، و إن قتل فإلى النار؟

فأنا اذكرك الله الذي جعلته على نفسك كفيلا، و نعمتي عليك و على من معك‏[2] بعد يأسكم من الحياة و إشفائكم على الممات، و أدعوك إلى ما فيه حظك و رشدك من الوفاء بالعهد و الاقتداء بابائك الذين مضوا على ذلك في كل ما أحبوه أو كرهوه فأحمدوا عواقبه و حسن عليهم أثره.

و مع ذلك إنك لست على ثقة من الظفر بنا، و البلوغ لنهمتك فينا و إنما تلتمس منا أمرا نلتمس منك مثله، و تناوى‏ء عدوا لعله يمنح النصر عليك فقد بالغت في الاحتجاج عليك، و تقدمت الإعدار إليك، و نحن نستظهر بالله الذي اعتززنا به و وثقنا بما جعلته لنا من عهده إذا استظهرت بكثرة جنودك و ازدهتك عدة أصحابك، فدونك هذه النصيحة فوالله ما كان أحد من نصحانك ببالغ لك أكثر منها، و لا زائد لك عليها، و لا يحرمنك منفعتها مخرجها مني فإنه لا يزرى بالمنافع عند ذوي الرأي أن كانت من قبل الأعداء كما لا يحبب المضار إليهم أن تكون على أيدي الأولياء.

و اعلم أنه ليس يدعوني إلى ما تسمع من مقالتي ضعف أحسه من نفسي، و لا قلة من جنودي؛ و لكني أحببت أن أزداد بذلك حجة و استظهارا، و أزداد به من الله النصر و المعونة استيجابا، و لا أوثر على العافية و السلامة شيئا ما وجدت إليهما سبيلا.

فأبى فيروز إلا تعلقا بحجته في الحجر الذي جعله حدا بينه و بينه و قال: لست ممن يردعه عن الأمر يهم به وعيد، و لا يقتاده التهدد و الترهيب، و لو كنت أرى ما أطلبك غدرا مني ما كان أحد أنظر و لا أشد اتقاء مني على نفسي فلا يغرنك منا الحال التي صادفتنا عليها في المرة الاولى من القلة و الجهد و الضعف.

قال اخشنوار: لا يغرنك ما تخدع به نفسك من حملك الحجر أمامك فإن الناس لو كانوا يعطون العهود على ما تصف من إسرار أمر و إعلان آخر إذا ما كان ينبغي لأحد أن يغتر بأمان، و لا يثق بعهد، و إذا لما قبل الناس شيئا مما يعطونه من ذلك؛ و لكنه وضع على العلانية و على نية من تعقد العهود و الشروط له.

فانصرفا يومهما ذلك فقال فيروز لأصحابه: لقد كان اخشنوار حسن المحاورة، و ما رأيت للفرس الذي كان تحته نظيرا في الدواب فإنه لم يزل قوائمه و لم يرفع حوافره عن موضعها و لا صهل و لا أحدث شيئا يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا.

و قال اخشنوار لأصحابه: لقد واقفت فيروز كما علمتم و عليه السلاح كله فلم يحرك رأسه، و لم ينزع رجله من ركابه، و لا حنا ظهره، و لا التفت يمينا و لا شمالا و لقد توركت أنا مرارا، و تمطيت على فرسي و تلفت إلى من خلفي، و مددت بصري في أمامي و هو منتصب ساكن على حاله، و لولا محاورته إياي لظننت أنه لا يبصرني.

و إنما أرادا بما وصفا من ذلك أن ينتشر هذان الحديثان في أهل عسكريهما فيشغلوا بالإفاضة فيهما عن النظر فيما تذاكراه.

فلما كان في اليوم الثاني أخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز فرفعها على رمح لينظر إليها أهل عسكر فيروز فيعرفوا غدره و بغيه و يخرجوا من متابعته، فانتقض عسكر فيروز و اختلفوا و ما لبثوا إلا يسيرا حتى انهزموا و قتل منهم خلق كثير و هلك فيروز، فقال اخشنوار: لقد صدق الذي قال: لا راد لما قدر، و لا أشد إحالة لمنافع الرأي من الهوى و اللجاج، و لا أضيع من نصيحة يمنحها من لا يوطن نفسه على قبولها و الصبر على مكروهها، و لا أسرع عقوبة و لا أسوأ عاقبة من البغي و الغدر، و لا أجلب لعظيم العار و الفضوح من إفراط الفخر و الأنفة.

و قد مضى وجه آخر في تفسير كلامه هذا في ضمن بيان المصادر، و يحتمل الوجهين قوله عليه السلام المنقول من الكافي و نصر و الطبري و المفيد آنفا في ذكر المصادر:فلو لا إقبالكم بعد إدباركم و كركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولي يوم الزحف دبره و كنتم فيما أرى من الهالكين.

و الشارح البحراني احتمل في تفسير قوله عليه السلام: «لا تشتدن عليكم فرة بعدها كرة» وجها آخر سوى الوجهين الذين اخترناهما فقال:و يحتمل أن يريد فلا تشتدن عليكم فرة من عدوكم‏ بعدها كرة منه عليكم فإن تلك‏ الكرة لما كانت عقيب‏ الفرة لم تكن إلا عن قلوب مدخولة و نيات غير صحيحة و انما قدم‏ الفرة في هذا الاحتمال لأن مقصوده تحقير تلك‏ الكرة بذكر الفرة و كان ذكرها أهم فلذلك قدمت و كذلك قوله: و لا جولة بعدها حملة. انتهى.

و أقول: قد علمت أن أمير المؤمنين عليا تارة يوصي عسكره و يوقظهم بأن لا يغرنكم فرار الخصم فإنه ربما يكون من مكائد الحرب لأن الخصم ربما يوليكم الدبر ليخيلكم أنه منهزم ثم يعطف و يشد عليكم؛ كما رواه الكليني في الجامع الكافي عنه عليه السلام حيث قال: و لا يشدون عليكم كرة بعد فرة و لا حملة بعد جولة.

و تارة يوصيهم و يحثهم إذا رأيتم المصلحة في أن تولوهم الأدبار لكي توهموهم الانهزام حتى إذا أمكنتهم الفرصة تكرون عليهم فلا يشتد عليكم هذا النحو من الفرار الذي هو من مكائد الحرب أي لا تحسبوه عارا حتى يستصعب عليكم هذا الفرار كما هو المروي في النهج قال عليه السلام: لا تشتدن عليكم فرة بعدها كرة، و لذا كانت العبارتان متعاكستين، و قد علمت أن قوله في النهج كان ناظرا إلى قوله‏ تعالى‏ إلا متحرفا لقتال‏، و الروايات كالايات يفسر بعضها بعضا، و رواية الكافي هذا و الرواية المتقدمة الحاوية قوله عليه السلام: فلو لا إقبالكم بعد إدباركم و كركم بعد انحيازكم- إلخ، و قوله تعالى إلا متحرفا لقتال تدل على أن معنى ما في النهج هو الذي قدمناه أولا، و كان للجملتان معنى صحيح آخر ذكرناه في ضمن بيان المصادر و كان معنياهما متعاكسين أيضا، و لا يجري هذا الاحتمال الثالث في قوله المروي في الكافي، و لو يفسر ما في النهج به لوجب أن يقال‏ لا تشتدن عليكم كرة بعد فرة.على أن لأساليب الكلام معنى يتبادر إليه الذهن من غير تكلف و ما من كلام إلا أمكن فيه تقدير وجوه من المعاني البعيدة فيخرج حينئذ عن الفصاحة و الجودة و بالجملة إذا تأملت فيما قدمنا و في سيرة أهل الحرب يظهر لك أن ما ينبغي أن تفسر الجملتان هو المعنيان المختاران.

كنايه قوله عليه السلام: «و أعطوا السيوف حقوقها» لا يخفى عليك أن هذا الفصل من مختار كلامه عليه السلام يفيد ثلاثة مطالب: الأول أن الحرب خدعة فالفرار منها إذا كان موجبا لتغرير الخصم و هلاكه لا ينبغي أن يستصعب و يحسب عارا، الثاني أن على المجاهد أن يراعي امورا، الثالث أن هؤلاء المحاربين للإمام كانوا كافرين إلا أنهم أسروا كفرهم، أما الأول فقد مضى مفصلا، و أما الثالث فسيأتي بيانه، أما الثاني فقد ذكر أربعة منها: الأول أن يعطوا السيوف‏ حقوقها هذا تحريض على الجد في القتال أي إذا ضربتم بها فاحكموا الضرب، و اضربوا ضربة منكرة و إعطاءها حقوقها كناية عن هذا النحو من الضرب، فجعل للسيف حقا و هو ما ينبغي أن يستفاد منه ثم أمرهم باعطاء حقها فإذا لم يضربوا بها على ما كان الحري بها جدا فكأنهم خانوها، كما يقال أيضا: إن سيف فلان لم يخنه، أي إنه لشدة حدته و جودته فعل ما أراد منه صاحبه كما قال نهشل بن حري النهشلي في قصيدة يرثى بها أخاه مالكا رحمه الله و قد قتل بصفين بحضرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قتله الفئة الباغية:

أخ ما جد لم يخزني يوم مشهد كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه‏
و هون وجدي عن خليلي إنني‏ إذا شئت لا قيت امرء مات صاحبه‏

قوله عليه السلام: «و وطنوا للجنوب مصارعها» هذا هو الثاني من الامور أمرهم بها، الظاهر من كلامه عليه السلام أنه حثهم و نشطهم على الإحكام في الضرب، و إن شئت قلت: هذا تأكيد و تشديد في الأمر الأول أى أدوا حقوق السيوف و اضربوا بها ضربة و احكموا الضرب إلى حد تطرحوا بها جنوب الأعداء على مصارعهم و تجعلوا مصارعهم أوطانا لهم أي بحيث لا يقدر الصرعى أن يقوموا من الأرض فكأنهم أخذوها أوطانا لهم أو مهدوا مصارعهم لجنوبهم أي اجعلوها ممهدة لسقوطهم عليها بضروبكم المنكرة و المال واحد و إن كان الأول ألصق و أنسب بسياق الكلام إن لم يكن متعينا، هذا ما ينادي به اسلوب الكلام.

كنايه [و وطنوا للجنوب مصارعها] و قال الشارح البحراني: و المعنى أن يوطنوا لجنوبهم مصارعها أى يتخذوا مصارع جنوبهم أوطانا لها و هو كناية عن الأمر بالعزم الجازم على القتل في سبيل الله و الإقدام على أهوال الحرب إذا كان اتخاذ المصارع أوطانا للجنوب مستلزما لذلك العزم و الإقدام.

و احتذى على مثاله المجلسي في فتن البحار (ص 626 ج 8 من الطبع الكمباني) حيث قال: أي اجعلوا مصارع الجنوب و مساقطها وطنا لها أو وطيئا لها أي استعدوا للسقوط على الأرض و القتل كناية على العزم على الحرب و عدم الاحتراز عن مفاسدها. انتهى.

و هذا كما ترى لا يناسب تحريض العسكر على الجهاد و حثهم على القتال، أرأيت أن أمر أمير عسكره بالاستعداد للسقوط على الأرض لا يوجب و هنهم؟ و لو سلم أن فيه تشجيعا بالعزم الجازم على الإقدام على أهوال الحرب و القتال في سبيل الله تعالى فسوق الكلام يأبى عن ذلك الحمل.

قوله عليه السلام: «و اذمروا أنفسكم على الطعن الدعسي، و الضرب الطلخفي» هذا ثالث الامور أمرهم بها، حثهم عليه السلام أن يحضوا و يوطنوا أنفسهم على الجد في‏ الطعن‏ بالرماح و الضرب بالسيوف‏ و يوبخوها على‏ الفشل‏ و الضعف، حتى يتشمروا للطعن بالرماح على الأعداء بحيث يظهر أثره و يحشى به أجوافهم، و يتهيئوا لإيقاع الضرب الشديد بالسيوف عليهم.

ثم بالتأمل الصحيح في سياق هذه الامور الثلاثة يعلم أن مساقها واحد، و مفادها فارد، و الحق أن يقال أنها ملتقطة من روايات شتى كما قد أتينا بها في بيان مصادرها.

قوله عليه السلام: «و أميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل» هذا رابع الامور أمرهم بها، أي اخفضوا الأصوات‏ و عنوها فإن اخفائها أولى بالوقار و أطرد للفشل‏ و أذهب بالوهل و إن شدة الضوضاء في الحرب أمارة الخوف و الوجل.

و في كتاب الحرب من عيون الأخبار لابن قتيبة (ص 108 ج 1) أن قوما استشاروا أكثم بن صيفي في حرب قوم أرادوهم و سألوه أن يوصيهم فقال: أقلوا الخلاف على امرائكم، و اعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، و المرء يعجز لا محالة تثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين، و ربة عجلة تعقب ريثا، و اتزروا للحرب، و ادرعوا الليل فأنه أخفى للويل، و لا جماعة لمن اختلف عليه.

و قال ابن قتيبة بعد نقل ما قاله أكثم: قال بعض الحكماء: قد جمع الله لنا أدب الحرب في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون و أطيعوا الله و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم و اصبروا إن الله مع الصابرين‏ (الأنفال 48- 49).

و قال: حدثني محمد بن عبيد قال: حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق عن الأوزاعي قال: قال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه: ألا ترونهم- يعني أصحاب النبي صلى الله عليه و اله- جثيا على الركب كأنهم خرس يتلمظون تلمظ الحيات، قال: و سمعتهم عائشة يكبرون يوم الجمل فقالت: لا تكثروا الصياح فإن كثرة التكبير عند اللقاء من‏ الفشل‏.

قوله عليه السلام: «و الذي فلق الحبة- إلخ» هذا هو المطلب الثالث الموعود بيانه‏ و في بعض النسخ: فالذي بالفاء و هو من تصرفات النساخ أتوا بالفاء ليرتبط الذيل بالصدر و قد غفلوا أن. كلامه هذا ليس بمقالة فاردة بل ملتقطة من عدة مقالات مروية عنه عليه السلام.

و كان عليه السلام كثيرا ما يحلف بقوله‏ و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إذا اجتهد في يمينه و هذا مما لم يسمع من غيره أن يقسموا به و كان عليه السلام متفردا بإنشائه و الحلف به.

و قد دريت أنه عليه السلام قال كلامه هذا في صفين لما رفع عمرو بن العاص شقة قميصة سوداء في رأس رمح فقال ناس: هذا لواء عقده له رسول الله صلى الله عليه و اله- إلى آخر ما نقلنا في ذكر مصادر هذا الفصل عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم المنقري و أشار عليه السلام بقوله: «فأخذها فقد و الله قربه من المشركين و قاتل به اليوم المسلمين» إلى أن القوم كانوا كافرين.

ثم إن سياق الكلام يقتضي افراد الأفعال و الضمائر إلا أنه عدل من الإفراد إلى الجمع تنبيها على أن عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان و أشياعهما و أشباههما ما أسلموا واقعا بقلوبهم و لكن استسلموا أي أظهروا الإسلام بألسنتهم في زمن رسول الله صلى الله عليه و اله و انقادوه خوفا من السيف و كانوا قد أسروا كفرهم لأنهم لم يجدوا أعوانا عليه حتى يظهروه فلما وجدوهم أظهروه و كان كلامه عليه السلام المروي آنفا عن صفين لنصر حيث قال: «و قد نصبوا لنا الحرب و جدوا في إطفاء نور الله و الله متم نوره و لو كره الكافرون» مشعرا بكفرهم كما لا يخفى.

و قد مر كلام ابن الحنفية المنقول عن كتاب صفين لنصر في ذكر المصادر أنه قال: لما أتاهم الله من أعلى الوادي و من أسفله و ملأ الأودية كتائب استسلموا حتى وجدوا أعوانا، و كذا كلام عمار رضوان الله عليه، و سيأتي كلام الأمير عليه السلام في الكتاب التالي إلى معاوية: و لما أدخل الله العرب في دينه أفواجا و أسلمت له هذه الأمة طوعا و كرها كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة و إما رهبة- إلخ.

و راجع إلى باب ما ورد في كفر معاوية و عمرو بن العاص و أوليائهما من المجلد الثامن من البحار (ص 560- 571 من الطبع الكمباني).و قال الفاضل الشارح المعتزلي: و هذا يدل على أنه عليه السلام جعل محاربتهم له كفرا. انتهى.

أقول: هذا الكلام من أمير المؤمنين عليه السلام صريح في أن القوم كانوا كافرين و لا يدل على أن من حاربه فهو كافر نعم إن محاربتهم له عليه السلام توجب كفرا و محاربيه كفرة بالأدلة التي قدمناها في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 367- 379 ج 15) و في شرح المختار الثاني من باب الكتب و الرسائل (ص 76- 80 ج 16).

و أرسل معاوية كتابا إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام و ذلك كان لما دعى الناس من حيلة عمرو بن العاص و روغانه إلى كتاب الله و كتب فيما كتب فيه: و اقطع لهذه الفتن فاتق الله فيما دعيت له و ارض بحكم القرآن إن كنت من أهله. و السلام.

فكتب إليه أمير المؤمنين علي عليه السلام كتابا جوابا عن كتابه، و من جملته:إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن و لقد علمت أنك لست من أهل القرآن- إلخ.

و قد نقلهما نصر في كتاب صفين (ص 267).و روى نصر في صفين (ص 167) عن يحيى، عن علي بن حزور، عن الأصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة واحدة و الحج واحد فبم نسميهم؟ قال: نسميهم بما سماهم الله في كتابه، قال: ما كل ما في الكتاب أعلمه، قال: أما سمعت الله قال: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض‏- إلى قوله- و لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر فلما وقع الإختلاف كنا نحن أولى بالله و بالكتاب و بالنبي و بالحق فنحن الذين آمنوا و هم الذين كفروا و شاء الله قتالهم فقاتلناهم هدى بسنة الله ربنا و إرادته.

أقول: و رواية نصر بن بن مزاحم في صفين عن الأصبغ ظاهرة في أن الرجل سأل الأمير عليه السلام عن القاسطين، و قد روى نحوه الشيخ الأجل المفيد في المجلس الثاني عشر من أماليه (ص 59 طبع النجف) أن الرجل سأله عليه السلام عن الناكثين حيث قال: حدثنا أبو الحسن بلال المهلبي رحمه الله يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شعبان سنة ثلاث و خمسين و ثلاثمائة قال: حدثنا محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع اللحمي قال: حدثنا سليمان بن الربيع النهدي قال: حدثنا نصر بن مزاحم المنقري قال: حدثنا يحيى بن يحيى الأسلمي، عن علي بن الحزور، عن الأصبغ بن نباتة رحمه الله قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالبصرة فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم- إلخ- على حذوا الرواية الاولى من نصر في صفين.

و من الممكن أن السؤال وقع عن كل واحدة من الطائفتين فقد سأله رجل عن الناكثين في البصرة، و ذلك الرجل أو آخر سأله عن القاسطين، أو السؤال كان عن إحداهما فاشتبه الأمر على الراوي و أسند تارة إلى هؤلاء و تارة إلى هؤلاء أو يقال: إن ما في كتاب صفين مطلق مرسل فانه قال يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم، فهو يشمل الطائفتين و لما رأى نصر أن السؤال الذي كان من الرجل عن الناكثين جار في القاسطين أيضا فما سئل الأمير عليه السلام في البصرة أتى به في صفين لاتحاد الحكم فيهما و الحق أن جواب الأمير عليه السلام الرجل جار في محاربي علي عليه السلام سواء كانوا من الطوائف الثلاث الناكثين و القاسطين و المارقين أو غيرهم.

و في بشارة المصطفى لشيعة المرتضى (ص 235 من طبع النجف): بإسناده عن الأصبغ بن نباتة أنه قال أمير المؤمنين علي عليه السلام في بعض خطبه: أيها الناس اسمعوا قولي و اعقلوه- إلى أن قال: لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه و اله أن الناكثين و القاسطين و المارقين ملعونون على لسان النبي الأمي‏ و قد خاب من افترى‏.

الترجمة

أمير عليه السلام در هنگام كارزار به لشكريانش تعليم مى‏ داد كه: گريختن و عقب‏نشيني كه پس از بازگشت و حمله بر دشمن باشد بر شما سخت و ناگوار نباشد و از آن ننگ نداشته باشيد- يا اگر از دشمن شكست خورديد و رو بگريز گذاشتيد از برگشتن و جنگيدن و تدارك گذشته كردن شرم نكنيد و آنرا دشوار مپنداريد، حق شمشيرها را بدهيد، و پهلوى دشمنان را بر خاك هلاك جاى دهيد، و خودتان را بر نيزه زدنى كه بدرون دشمن رسد و كارگر شود، و بشمشير زدن سخت بر آنها وادار كنيد و آماده سازيد، و آوازها را بميرانيد و صدا بلند نكنيد كه ترس را بهتر و بيشتر راننده‏تر و دور كننده‏ تر است، سوگند به آنكه دانه را شكافت و آدمى را آفريد اين قوم منافق اسلام نياوردند و از ترس و حفظ جان خود گردن نهادند و بظاهر دعوى اسلام كردند و كفر را در دل پنهان داشتند تا چون اكنون يارى كنندگان و پشتيبانان بر آن يافتند آشكارش كردند و پرچم مخالفت برافراشتند.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

_____________________________________________________________

[1] ( 1) كان في الاصل: أن يقال، و الصواب: أم يقال كما صححناه في المتن لانه عدل ان طلب. منه.

 

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 15 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 15 صبحی صالح

15- و من دعاء ( له‏ عليه ‏السلام  ) ( عليه ‏السلام  ) كان ( عليه ‏السلام  ) يقول إذا لقي العدو محاربا

اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ وَ مُدَّتِ الْأَعْنَاقُ وَ شَخَصَتِ الْأَبْصَارُ وَ نُقِلَتِ الْأَقْدَامُ وَ أُنْضِيَتِ الْأَبْدَانُ

اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ‏ مَكْنُونُ الشَّنَآنِ وَ جَاشَتْ مَرَاجِلُ الْأَضْغَانِ

اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا وَ كَثْرَةَ عَدُوِّنَا وَ تَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج18  

و كان يقول عليه السلام اذا لقى العدو محاربا هذا هو المختار الخامس عشر من باب المختار من كتبه عليه السلام‏

أللهم إليك أفضت القلوب، و مدت الأعناق، و شخصت الأبصار و نقلت الأقدام، و أنضيت الأبدان. أللهم قد صرح مكنون (مكتوم- معا) الشنان، و جاشت مراجل الأضغان. أللهم إنا نشكوا إليك غيبة نبينا، و كثرة عدونا، و تشتت أهوائنا. ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين.

مصادره و اسناده بطرق عديدة و مدارك نقله بصور اخرى ممن كانوا قبل الرضى.

رواه نصر بن مزاحم المنقري في صفين بإسناده عن عمرو بن شمر، عن جابر ابن نمير الأنصاري (ص 256 من الطبع الناصري) و في نقله زيادة لم يأت بها الرضي في النهج و قد نقلنا نسخة نصر كاملة في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 326 ج 15) فلا حاجة إلى نقلها ثانية.

و رواه الشيخ الأجل المفيد عن الواقدي في الجمل (ص 165 من طبع النجف) و قد نقلنا نسخته في شرح المختار الثاني من باب المختار من كتبه و رسائله (ص 55 ج 17).

و رواه نصر بن مزاحم على وجوه اخرى تقرب مما سبق ذكره في كتاب صفين أيضا بطرق عديدة (ص 118 و 119 من الطبع الناصري) و هي كمايلي:نصر، قيس بن الربيع، عن عبد الواحد بن حسان العجلي، عمن حدثه، عن علي عليه السلام أنه سمع يقول يوم صفين: اللهم إليك رفعت الأبصار، و بسطت الأيدي، و دعت الألسن، و أفضت القلوب، و تحوكم إليك في الأعمال، فاحكم بيننا و بينهم بالحق و أنت خير الفاتحين، اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا، و قلة عددنا، و كثرة عدونا و تشتت أهوائنا، و شدة الزمان، و ظهور الفتن، أعنا عليهم بفتح تعجله، و نصر تعز به سلطان الحق و تظهره.

نصر، عمرو بن شمر، عن عمران، عن سويد قال: كان علي عليه السلام إذا أراد أن يسير إلى الحرب قعد على دابته و قال: الحمد لله رب العالمين على نعمه علينا و فضله العظيم، سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا منقلبون. ثم يوجه دابته إلى القبلة ثم يرفع يديه إلى السماء ثم يقول: اللهم إليك نقلت الأقدام، و أفضت القلوب، و رفعت الأيدي، و شخصت الأبصار، نشكو إليك غيبة نبينا، و كثرة عدونا، و تشتت أهوائنا، ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق، و أنت‏ خير الفاتحين، سيروا على بركة الله، ثم يورد و الله من اتبعه حياض الموت.

نصر، عمرو بن شمر، عن جابر، عن تميم قال: كان علي إذا سار إلى القتال ذكر اسم الله حين يركب ثم يقول: الحمد الله على نعمه علينا و فضله العظيم سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم يستقبل القبلة و يرفع يديه إلى الله ثم يقول: اللهم إليك نقلت الأقدام، و اتعبت الأبدان، و أفضت القلوب، و رفعت الأيدي، و شخصت الأبصار، ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين، سيروا على بركة الله، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر يا الله يا أحد يا صمد يا رب محمد بسم الله الرحمن الرحيم لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم إياك نعبد و إياك نستعين اللهم كف عنا بأس الظالمين فكان هذا شعاره بصفين رضي الله عنه.

أقول: ما نقلنا عن كتاب صفين لنصر منقول في البحار أيضا (ص 101 ج 21، و ص 628 ج 8 من الطبع الكمباني).

و قال السيد علي بن طاوس قدس سره في مهج الدعوات (ص 138 طبع ايران 1329 ه) نقلا عن كتاب صفين لعبد العزيز الجلودي الأزدي البصري المتوفى سنة 332 ه: كان علي عليه السلام إذا سار إلى القتال ذكر اسم الله حين يركب و لما قعد على دابته قال: سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون الحمد لله على نعمه علينا و فضله العظيم عندنا، ثم استقبل القبلة و رفع يديه و قال:

بسم الله الرحمن الرحيم لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم إياك نعبد و إياك نستعين يا الله يا رحمن يا رحيم يا أحد يا صمد يا إله محمد إليك نقلت الأقدام و أفضت القلوب، و شخصت الأبصار، و مدت الأعناق، و طلبت الحوائج، و رفعت الأيدي، اللهم افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين، ثم قال:لا إله إلا الله و الله أكبر، ثلاثا.

اللغة

«أفضت» بسكون الفاء من الإفضاء، أفضى فلان إلى فلان: وصل إليه، و حقيقته أنه صار في فضائه أي في ساحته، و في القرآن الكريم: و كيف تأخذونه و قد أفضى بعضكم إلى بعض و أخذن منكم ميثاقا غليظا (النساء- 26). قال الشيخ الجليل أبو علي في تفسير المجمع: الإفضاء إلى الشي‏ء الوصول إليه بالملامسة و أصله من الفضاء و هو السعة.

و قال المرزوقي في شرح الحماسة 249 لعديل بن الفرخ العجلي:

فاوصيكما يا ابنى نزار فتابعا وصية مفضي النصح و الصدق و الود

قوله:- مفضى النصح- أي و اصل نصحه إليكم، و صائر في فضاء و سعة و المعنى انكشافه و خلوصه، و في القرآن: و قد أفضى بعضكم إلى بعض‏.

أفضى إلى فلان سره، أو بسره: أعلمه به.

و قال في منتهى الأرب: الإفضاء راز را با كسى در ميان آوردن.

و كلمة أفضت في نسخة خطية من النهج، و كذا في بعض روايات كتاب صفين لنصر مشكولة بفتح الفاء و هي و هم و الصواب ما بيناه.

«شخصت الأبصار» أي ارتفعت أجفانها ناظرة إلى عفوك و رحمتك و في رواية من كتاب نصر: اللهم إليك رفعت الأبصار و في رواية اخرى: و رفعت الأيدي و شخصت الأبصار، كما تقدمت، و قد مر البحث عن معنى كلمة شخص في شرح المختار الثالث من باب الكتب و الرسائل (ص 111 ج 17).

«و نقلت الأقدام» بالنون، و في رواية من كتاب صفين (ص 256 من الطبع الناصري و قد ذكرناها في شرح المختار 236 من باب الخطب ص 326 ج 15) ثقلت بالثاء المثلثة و لكنها محرفة لأنها لا تناسب اسلوب العبارة في المقام على أنها لا تفيد معنى صحيحا، إلا أن يتكلف في تأويلها غاية التكلف.

«انضيت الأبدان» أي هزلت، ناقص واوي، قال عارق الطائي الحماسة (615):

من مبلغ عمرو بن هند رسالة إذا استحقبتها العيس تنضى من البعد

أي إذا حملتها الابال العيس تهزل لبعد المسافة.

و قال ابن الأثير في النهاية: في الحديث أن المؤمن لينضى شيطانه كما ينضى أحدكم بعيره أي يهزله و يجعله نضوا، و النضوا الدابة التي أهزلتها الأسفار و أذهبت لحمها. و منه حديث علي عليه السلام كلمات لور كبتم فيهن المطي لأنضيتموهن، و حديث ابن عبد العزيز انضيتم الظهر أي هزلتموه.

«قد صرح مكنون الشنان» قوله عليه السلام: اللهم قد صرح- إلى قوله:مراجل الأضغان، ليس بمذكور في النسخ الأربع التي رواها نصر في صفين، و كذا في النسخة التي رواها المفيد في الجمل عن الواقدي.

ثم إن كلمة صرح في بعض النسخ مشكولة بضم الصاد و كسر الراء المشددة و في بعضها بفتح الصاد و ضم الراء المخففة، و في نسخة مخطوطة عندنا قوبلت بنسخة الرضي بفتح الصاد و فتح الراء المشددة و هذا هو الحق، يقال: صرح الحق عن محضه أي كشف عن خالصه، مثل في ظهور الأمر غب استتاره، و في صحاح الجوهري: و في المثل صرح الحق عن محضه أي انكشف.

و في أساس البلاغة للزمخشري: صرحت الخمرة: ذهب عنها الزبد و صرح النهار ذهب سحابه و أضاءت شمسه، قال الطرماح في صفة ذئب.

إذا امتل يعدو قلت ظل طخاءة ذرى الريح في أعقاب يوم مصرح‏

و في الحماسة: قال شهل بن شيبان الزماني (الحماسة 2):

فلما صرح الشر فأمسى و هو عريان‏
و لم يبق سوى العدوان‏ دناهم كما دانوا

و قال المرزوقي في الشرح: يقال: صرح الشي‏ء إذا كشف عنه و أظهره، و صرح هو إذا انكشف، و مثله بين الشي‏ء و بين هو أي تبين، و في المثل «قد بين الصبح لذي عينين» و فعل بمعنى تفعل واسع، يقال وجه بمعنى توجه، و قدم بمعنى تقدم، و نبه بمعنى تنبه، و نكب بمعنى تنكب. انتهى‏

ما أوردنا من نقل كلامه.

و قرئ في النسخة التي عورضت على نسخة الرضي مكنون و مكتوم معا، و معنى أحدهما قريب من الاخر أي المخفي و المستور و المغطى و نظائرها يقال: كن الشي‏ء من باب نصر إذا ستره في كنه و أخفاه و غطاه، و اليكن وقاء كل شي‏ء و ستره، و كتم الشي‏ء من باب نصر أيضا أخفاه و الشنان: العداوة و البغضاء.

«جاشت مراجل الأضغان» جاشت أي غلت، و المراجل القدور جمع المرجل بمعنى القدر اسم آلة على وزن مفعل، و الأضعان: الأحقاد جمع الضغن.

قال ابن الأثير في النهاية: يقال: فتح الحاكم بين الخصمين إذا فصل بينهما، و الفاتح الحاكم. و في تفسيري المجمع و غرائب القرآن أن ابن عباس قال: ما كنت أدرى ما الفتح حتى سمعت بنت سيف بن ذي يزن و قد جرى بيني و بينها كلام فقالت: انطلق افاتحك القاضي أي احاكمك إليه.

و في المفردات للراغب: فتح القضية فتاحا فصل الأمر فيها و أزال الاغلاق عنها قال تعالى: ربنا افتح بيننا- إلخ و منه الفتاح العليم، قال الشاعر: و إني من فتاحتكم غني. و قيل: الفتاحة بالضم و الفتح. انتهى.

و قد قال عليه السلام في الخطبة التي خطب بها الناس و رواها الكليني في الكافي (ص 11 ج 14 من الوافي): اللهم فاحكم بيننا بالحق و أنت خير الحاكمين.و كذا في خبر دعائم الإسلام الاتي ذكره.

الاعراب‏

«إليك» ظرف لغو متعلق بكل واحد من الأفعال الخمسة قدم توسعا للظرف و جاز أن يكون لقوله أفضت مفعول محذوف و التقدير اللهم إليك أفضت القلوب سرها أو بسرها، كما علم في بيان اللغة.

«مكنون» أو «مكتوم» مرفوع فاعل لقوله صرح و قد دريت في بيان اللغة أن فعل بمعنى تفعل واسع في لغة العرب، و «مراجل» فاعل لقوله جاشت.«غيبة» منصوبة على المفعولية لقوله نشكو. و كل واحد من كثرة و تشتت منصوب معطوف عليها.

المعنى‏

قد تظافرت روايات في أنهم عليهم السلام كثيرا ما كانوا يدعون بأدعية إذا لقوا العدو محاربا، و كذا عند إرادة القتال كانوا يدعون بأدعية، كما كانوا يوصون عساكرهم بكلمات من تقوى الله، و إماتة الباطل، و إحياء معالم الدين و الوفاء بالأمان، و دعوة الأعداء إلى الدين قبل الشروع بالقتال، و عدم الابتداء بالقتال و تعاهد الصلاة و الحفظ عليها، و الخلوص في الجهاد، و عدم التعرض بالنساء، و حفظ أعراض الناس، و تعليم آداب الجهاد و الترغيب فيه و غيرها مما لا بد للمجاهد في سبيل الله من مراعاتها و المحافظة عليها.

قال ابن قتيبة الدينوري في كتاب الحرب من عيون الأخبار (ص 123 ج 1 طبع مصر): حدثني محمد بن عبيد قال: حدثنا معاوية عن أبي إسحاق، عن أبي رجاء قال: كان النبي صلى الله عليه و اله يقول إذا اشتدت حلقة البلاء و كانت الضيقة: «تضيقى تفرجي» ثم يرفع يديه فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم إياك نعبد و إياك نستعين، اللهم كف عنا بأس الذين كفروا إنك أشد بأسا و أشد تنكيلا فما يخفض يديه المباركتين حتى ينزل الله النصر.

قال: و حدثني محمد بن عبيد، عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي نصر مولى عمرو بن عبيد الله و كان كاتبا له قال: كتب عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية أن النبي صلى الله عليه و اله في بعض أيامه التي لقى فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس فقال: لا تتمنوا لقاء العدو و اسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا و اصبروا و اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال: اللهم منزل الكتاب و مجري السحاب و هازم الأحزاب اهزمهم و انصرنا عليهم.

قال: و قال أبو النضر: و بلغنا أنه دعا في مثل ذلك فقال: اللهم أنت ربنا و ربهم و هم عبيدك و نحن عبيدك و نواصينا و نواصيهم بيدك فاهزمهم و انصرنا عليهم.

و قال ابن هشام في السيرة: إن رسول الله صلى الله عليه و اله لما اشرف على خيبر قال لأصحابه: قفوا ثم قال: اللهم رب السماوات و ما أظللن- إلى آخر ما نقلنا عنه في شرح المختار الثاني من باب كتبه عليه السلام (ص 50 ج 17) قال ابن هشام:و كان صلى الله عليه و اله يقولها لكل قرية دخلها.

و قال المسعودي في مروج الذهب (ص 8 ج 2 طبع مصر) إن عليا عليه السلام لما خرج مع عسكره من مدينة الرسول إلى البصرة فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية صلى أربع ركعات و عفر خديه على التربة و قد خالط ذلك دموعه ثم رفع يديه يدعو: اللهم رب السماوات و ما أظلت إلى آخر ما نقلنا عنه في (ص 50 ج 17) أيضا، و قد بينا هناك أن كلامه هذا ليس بمذكور في النهج بما ذكرناه هناك فراجع.

و في الباب التاسع عشر من كتاب الجهاد من الجامع الكافي للكليني قدس سره عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد، عن ابن القداح، عن أبيه الميمون، عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا أراد القتال قال هذه الدعوات: اللهم إنك أعلمت سبيلا من سبيلك جعلت فيه رضاك، و ندبت إليه أولياءك، و جعلته أشرف سبيلك عندك ثوابا، و أكرمها لديك مابا، و أحبها إليك مسلكا، ثم اشتريت فيه من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون و يقتلون وعدا عليك حقا؛ فاجعلني ممن اشترى فيه منك نفسه ثم وفي لك ببيعه الذي بايعك عليه غير ناكث و لا ناقض عهدا و لا مبدلا تبديلا بل استيجابا لمحبتك و تقربا به إليك فاجعله خاتمة عملي و صير فيه فناء عمري و ارزقني فيه لك به مشهدا توجب لي به منك الرضا، و تحط به عني الخطايا، و تجعلني في الأحياء المرزوقين بأيدي العداة و العصاة تحت لواء الحق و راية الهدى ماضيا على نصرتهم قدما غير مول دبرا، و لا محدث شكا، اللهم و أعوذ بك عند ذلك من الجبن عند موارد الأهوال، و من الضعف عند مساورة الأبطال، و من الذنب المحبط للأعمال فأحجم من شك أو أمضى بغير يقين فيكون سعيي في تباب و عملي غير مقبول.

أقول: و كلامه هذا أيضا ليس بمذكور في النهج. و في الباب السادس و الأربعين من كتاب الجهاد من مستدرك الوسائل: صاحب الدعائم في شرح الأخبار عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: لما توافق الناس يوم الجمل خرج علي عليه السلام حتى وقف بين الصفين ثم رفع يده نحو السماء ثم قال:يا خير من أفضت إليه القلوب، و دعي بالألسن، يا حسن البلاء، يا جزيل العطاء احكم بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الحاكمين.

و في كتاب صفين لنصر (ص 118 من الطبع الناصري): الأبيض بن الأغر عن سعد بن طريف، عن الأصبغ قال: ما كان علي في قتال قط إلا نادى يا كهيعص. ثم قال نصر: فحدثني مالك بن أعين، عن زيد بن وهب أن عليا خرج إليهم فاستقبلوه فقال: اللهم رب السقف‏ المحفوظ المكفوف- إلى آخر ما نقلناه عن أبي جعفر الطبري في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 255 ج 15) و أتى به الرضي في النهج و هو المختار 169 من باب الخطب و بين النسخ الثلاث اختلاف في الجملة.

و في مهج الدعوات لسيد بن طاوس (ص 136 طبع ايران 1329 ه) أن أمير المؤمنين عليه السلام دعا في يوم الجمل- و يروى أنه دعا بهذا الدعاء يوم الجمل قبل الواقعة: اللهم إني أحمدك و أنت للحمد أهل على حسن صنعك إلى و تعطفك علي و على ما وصلتني به من نورك و تداركتني به من رحمتك و أسبغت علي من نعمتك فقد اصطنعت عندي يا مولاي ما يحق لك به جهدي و شكري لحسن عفوك و بلائك القديم عندي، و تظاهر نعمائك علي، و تتابع أياديك لدي، لم أبلغ إحراز حظي‏ و لاصلاح (إصلاح- خ ل) نفسي؛ و لكنك يا مولاي بدأتني أولا باحسانك فهديتني لدينك، و عرفتني نفسك، ثبتني في اموري كلها بالكفاية، و الصنع لي، فصرفت عني جهد البلاء، و منعت مني محذور الأشياء (القضاء- خ ل) فلست أذكر منك إلا جميلا، و لم أرمنك إلا تفضيلا.

يا إلهي كم من بلاء و جهد صرفته عني و أريتنيه في غيري، فكم (و كم- خ ل) من نعمة أقررت بها عيني، و كم من صنيعة شريفة لك عندي.

إلهي أنت الذي تجيب عند (في- خ ل) الاضطرار دعوتي، و أنت الذي تنفس عند الغموم كربتي، و أنت الذي تأخذ لي من الأعداء بظلامتي، فما وجدتك و لا أجدك بعيدا مني حين اريدك، و لا منقبضا عني حين أسألك، و لا معرضا عني حين أدعوك.

فأنت إلهي أجد صنيعك عندي محمودا، و حسن بلائك عندي موجودا، و جميع أفعالك عندي جميلا، يحمدك لساني و عقلي و جوارحي و جميع ما أقلت الأرض مني.

يا مولاي أسألك بنورك الذي اشتققته من عظمتك، و عظمتك التي اشتققتها من مشيتك، و أسألك باسمك الذي علا أن تمن علي بواجب شكري نعمتك.

رب ما أحرصني على ما زهدتني فيه و حثثتني عليه إن لم تعني على دنياي بزهد و على آخرتي بتقواى هلكت.

رب دعتني دواعي الدنيا من حرث النساء و البنين فأجبتها سريعا، و ركنت إليها طائعا، و دعتني دواعي الاخرة من الزهد و الاجتهاد فكبوت لها، و لم اسارع إليها مسارعتي إلى الحطام الهامد، و الهشيم البائد، و السراب الذاهب عن قليل.

رب خوفتني و شوقتني و احتجبت علي فما خفتك حق خوفك و أخاف أن أكون قد تثبطت عن السعي لك، و تهاونت بشي‏ء من احتجابك (احتجاجك- خ ل).

اللهم فاجعل في هذه الدنيا سعيي لك و في طاعتك، و املأ قلبي خوفك، و حول تثبيطي و تهاوني و تفريطي، و كلما أخافه من نفسي فرقا منك، و صبرا على طاعتك، و عملا به يا ذا الجلال و الإكرام، و اجعل جنتي من الخطايا حصينة،و حسناتي مضاعفة فانك تضاعف لمن تشاء.

اللهم اجعل درجاتي في الجنان رفيعة، و أعوذ بك ربي من رفيع المطعم و المشرب، و أعوذ بك من شر ما أعلم و من شر ما لا أعلم، و أعوذ بك من الفواحش كلها ما ظهر منها و ما بطن، و أعوذ بك ربي أن أشترى الجهل بالعلم كما اشترى غيري أو السفه بالحلم، أو الجزع بالصبر، أو الضلالة بالهدى، أو الكفر بالايمان، يا رب من علي بذلك فإنك تتولى (تولى- خ ل) الصالحين و لا تضيع أجر المحسنين و الحمد لله رب العالمين.

أقول: و إنما نقلنا الدعاء بطوله لأنه من الأدعية العالية المضامين كما لا يخفى على المتأمل و لم يأت به الرضي في النهج، و كم من أدعية له عليه السلام و قد بلغت في الفصاحة و البلاغة درجة رفيعة و مرتبة منيعة غير مذكورة في النهج.

و في الباب 46 من كتاب الجهاد من مستدرك الوسائل نقلا عن الجعفريات:أخبرنا عبد الله بن محمد قال: أخبرنا محمد بن محمد قال: حدثني موسى بن إسماعيل قال:حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين عن أبيه، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام: إن رسول الله صلى الله عليه و اله إذا لقى العدو عبى الرجال و عبى الخيل، و عبى الإبل ثم يقول: اللهم أنت عصمتي و ناصري و مانعي اللهم بك أصول و بك اقاتل.

قال: و بهذا الإسناد عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما كان يوم خيبر بارزت مرحبا، فقلت ما كان رسول الله صلى الله عليه و اله علمني أن أقوله: اللهم انصرني و لا تنصر علي، اللهم اغلب لي و لا تغلب علي، اللهم تولني و لا تول علي، اللهم اجعلني لك ذاكرا لك شاكرا لك راهبا لك منيبا مطيعا أقتل أعداءك فقتلت مرحبا يومئذ و تركت سلبه و كنت أقتل و لا آخذ السلب.

قال: و بهذا الإسناد عن علي بن أبي طالب عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه و اله دعا يوم الأحزاب: اللهم منزل الكتاب منشر السحاب واضع الميزان أهزم الأحزاب عنا و ذللهم، و في نسخة: و زلزلهم.

و قال المفيد رحمه الله في الإرشاد: (ص 217 طبع طهران 1377 ه) روي عن علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام أنه قال: لما أصبحت الخيل تقبل على الحسين عليه السلام رفع يديه و قال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، و أنت رجائي في كل شدة و أنت لي في كل أمر نزل بي ثقة و عدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد و تقل فيه الحيلة و يخذل فيه الصديق و يشمت فيه العدو أنزلته بك و شكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته عني و كشفته فأنت ولي كل نعمة و صاحب كل حسنة و منتهى كل رغبة.

و قد قال الشيخ قدس سره إن أبا القاسم جعفر بن محمد بن قولويه قال:حدثني الحسين بن محمد بن عامر، عن رجل، عن ابن أبي عمير، عن حفص البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه و اله يوم الأحزاب: اللهم أنت ثقتي في كل كرب و أنت رجائي في كل شدة و أنت لي في كل أمر نزل بي ثقة و عدةكم من كرب يضعف عنه الفؤاد و تقل فيه الحيلة و يخذل عنه القريب و يشمت به العدو و تعنيني فيه الامور أنزلته بك و شكوته إليك راغبا إليك فيه عمن سواك ففرجته شكوته فكفيتنيه فأنت ولي كل نعمة و صاحب كل حاجة و منتهى كل رغبة لك الحمد كثيرا و لك المن فاضلا، انتهى. فكلام سيد الشهداء في كربلاء مقتبس من رسول الله صلى الله عليه و اله و هو عليه السلام تأسى به صلى الله عليه و اله.

كما أن أبا عبد الله الصادق عليه السلام كان يدعو بهذا الدعاء متأسيا بجده رسول الله صلى الله عليه و اله و قد رواه السيد ابن طاوس رحمه الله في باب أدعية الصادق عليه السلام من مهج الدعوات (ص 269) و نظائر هذه الأدعية و الأوراد و الأذكار عن أئمتنا الطاهرين عليهم السلام إذا لقوا العدو كثيرة و ما أتينا بها ههنا شرذمة و أنموذجة عن ما رويت عنهم عليهم السلام و نقل طائفة منها السيد ابن طاوس في مهج الدعوات و في الجوامع الروائية كالبحار و غيرها مذكورة بإسنادها و سلسلة رواتها صفحنا عن نقلها بأسرها لئلا يفضي إلى الإسهاب.

و من كان طالب الأمر السديد و سالك النهج الرشيد يجب له أن يدين الله بما أوضحه حماة الدين و يعبده على سيرة حججه الهادين المهديين الذين لا يرى في فعلهم غي و لا في منطقهم خطاء فانهم الحكماء المؤيدون من عند الله و المؤدبون بتأديبه تعالى لا يرون في جميع أحوالهم سواء في السراء و الضراء و الشدة و الرخاء و العافية و البلاء إلا الله تعالى، و لا يرى منهم عمل إلا له تعالى فطوبى لمن اقتفى أثرهم و اقتدى بهديهم.

قوله عليه السلام: «إليك أفضت القلوب‏- إلخ» قد ذكرنا في أبحاثنا السالفة أن الجهاد عبادة و أنه من أعظم العبادات بل أنه أشرف الأعمال بعد الإسلام كما هو نص ما قاله الأمير عليه السلام (باب 15 من كتاب الجهاد من الكافي ص 337 من الطبع على الحجر). فلو كانت مشوبة بالرياء لم يتقبل الله و قال عز من قائل: «فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا».

ثم عند إقبال الجهاد يمتحن الرجال و يميز الخبيث من الطيب فمن استعد له فقد انقاد المولى و ذل له.و لما كان بين النفس و البدن ارتباط تام، و اتصال كامل بحيث يتأثر كل واحد منهما عن الاخر كما قدمنا البحث عنه في شرح المختار 232 من باب الخطب (ص 53 ج 15) و أن قوى البدن كلها جنود للنفس فلا جرم ينقاد البدن للنفس و يحكى أحوالها الطارية لها و إن كان سر الحكاية مستورا عنا فإنا نعلم علما يقينا أن الإنسان إذا تحير في أمر أو خجل يطرق رأسه، و إذا أدرك حقيقة و اطلع على مبهم معضل يحركه علوا و سفلا، و إذا أدركه كمه يحركه يمينا و شمالا، و إذا صدق أمرا يؤميه إلى قدامه و إذا أنكره يؤبيه إلى خلفه، و إذا خاف من شي‏ء ينقبض البدن و تقف القوى عن أعمالها إن كان خوفا شديدا، أو يدبر و يفر إن كان خفيفا، و إذا غضب على غيره يتسدل حاجباه و تنقبض ناصيته و تنبسط القوى و تبطش و تقوى على حد تخرج الحدقتان محمرتين و يحمر البدن من جهة خروج الدم إلى ظاهر البدن وقتئذ و إذا تعجب من أمر يخرج شفته السفلى و يرفع حاجبيه و يخرج حدقتيه، و إذا تعشق أمرا عرضت له حالة اخرى و قد يستفاد من حركات‏ اليدين و الحاجبين و العينين و الشفتين رموز و امور لا تحصى و حالات البدن الحاكية أحوال طارية للروح لا تكاد تمكن أن تحرر و إذا تأملت في الأحوال المختلفة العارضة للمصلي في صلاته تنكشف لك أسرار اخرى فانه في تكبيرة الإحرام يرفع يديه إلى حذاء شحمتي اذنه و يستقبل القبلة ببطون يديه و في قنوته يرفع يديه على وجه آخر مع ذكر خاص و في ركوعه يمد عنقه مع ذكر خاص و يفرج بين أصابعه و يملا بها ركبتيه، و في سجوده يضمها و يجعل رأسه بين كفيه و هكذا حالاته الاخرى في الصلاة لسنا الان في مقام بيانها و نكتفي بذكر عدة روايات رواها ثقة الإسلام الكليني رحمه الله في الكافي و نقلها الفيض رحمه الله في باب الإشارات في الدعاء من الوافي (ص 222 ج 5).

روى الكليني قدس سره باسناده عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:الرغبة أن تستقبل ببطن كفيك إلى السماء، و الرهبة أن تجعل ظهر كفيك إلى السماء و قوله: و تبتل إليه تبتيلا قال: الدعاء باصبع واحدة تشير بها و التضرع تشير باصبعيك و تحركهما، و الابتهال رفع اليدين و تمدهما و ذلك عند الدمعة ثم ادع.

و روى عن مروك بياع اللؤلؤ عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر الرغبة و أبرز باطن راحتيه إلى السماء و هكذا الرهبة و جعل ظهر كفيه إلى السماء و هكذا التضرع و حرك أصابعه يمينا و شمالا و هكذا التبتل و يرفع أصابعه مرة و يضعها مرة و هكذا الابتهال و مد يديه (يده- خ ل) تلقاء وجهه إلى القبلة و لا يبتهل حتى تجري الدمعة.

و روى بإسناده عن العلاء، عن محمد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: مربي رجل و أنا أدعو في صلاتي بيساري فقال: يا أبا عبد الله بيمينك فقلت: يا عبد الله إن لله تعالى حقا على هذه كحقه على هذه و قال: الرغبة تبسط يديك و تظهر باطنهما، و الرهبة تبسط يديك تظهر ظهرهما، و التضرع تحرك السبابة اليمنى يمينا و شمالا، و التبتل تحرك السبابة اليسرى ترفعها إلى السماء رسلا و تضعها، و الابتهال تبسط يدك و ذراعك إلى السماء، و الابتهال حين ترى أسباب البكاء.

و روى عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الدعاء و رفع اليدين فقال: على أربعة أوجه، أما التعوذ فتستقبل القبلة بباطن كفيك، و أما الدعاء في الرزق فتبسط كفيك و تفضي بباطنهما إلى السماء، و أما التبتل فإيماؤك باصبعك السبابة، و أما الابتهال فرفع يديك تجاوز بهما رأسك، و دعاء التضرع أن تحرك إصبعك السبابة مما يلي وجهك و هو دعاء الخيفة.

و روى عن الخزاز، عن محمد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى «فما استكانوا لربهم و ما يتضرعون» قال: الاستكانة هي الخضوع و التضرع رفع اليدين و التضرع بهما.

و روى عن محمد و زرارة قالا: قلنا لأبي عبد الله عليه السلام: كيف المسألة إلى الله تعالى؟ قال: تبسط كفيك، قلنا: كيف الاستعاذة؟ قال: تفضي بكفيك، و التبتل الإيماء بالإصبع، و التضرع تحريك الاصبع، و الابتهال أن تمد يديك جميعا.

أقول: لما انجر كلامنا إلى هنا أقبلنا شهر رجب المرجب من سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة بعد الألف من الهجرة على هاجرها ألف تحية و صلاة و سلام، و قد خلت من الشهر تسع ليال و هذه ليلة الثلثاء العاشرة منه، و تذكرت دعاء كل يوم من رجب المرجب المأثور عن الصادق عليه السلام رواه المجلسي رحمه الله في المجلد العشرين من البحار (ص 342 من الطبع الكمباني) قال:و من الدعوات كل يوم من رجب ما ذكره الطرازي أيضا فقال: دعاء علمه أبو عبد الله عليه السلام محمد السجاد و هو محمد بن ذكوان يعرف بالسجاد قالوا: سجد و بكى في سجوده حتى عمى. روى أبو الحسن علي بن محمد البرسي رضي الله عنه قال:أخبرنا الحسين بن أحمد بن شيبان قال: حدثنا حمزة بن القاسم العلوي العباسي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمران البرقي، عن محمد بن علي الهمداني

قال:أخبرني محمد بن سنان، عن محمد السجاد في حديث طويل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام جعلت فداك هذا رجب علمني فيه دعاء ينفعني الله به، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام:اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم و قل في كل يوم من رجب صباحا و مساء و في أعقاب صلواتك في يومك و ليلتك: «يا من أرجوه لكل خير، و آمن سخطه عند كل شر، يا من يعطي الكثير بالقليل، يا من يعطي من سأله، يا من يعطي من لم يسأله و من لم يعرفه تحننا منه و رحمة أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا و جميع خير الاخرة، و اصرف عني بمسألتي إياك جميع شر الدنيا و شر الاخرة فإنه غير منقوص ما أعطيت و زدني من فضلك يا كريم» قال: ثم مد أبو عبد الله عليه السلام يده اليسري فقبض على لحيته و دعا بهذا الدعاء و هو يلوذ بسبابته اليمنى ثم قال بعد ذلك: «يا ذا الجلال و الاكرام يا ذا المن و الطول حرم شيبتى على النار» و في حديث آخر ثم وضع يده على لحيته و لم يرفعها إلا و قد امتلى ظهر كفه دموعا. انتهى.

فإن في قوله: و هو يلوذ بسبابته اليمنى إشارة إلى التبتل و التضرع و الالتجاء بتحريكها ففي النهاية الأثيرية يقال: لاذ به يلوذ إذا التجأ إليه و انضم و استغاث. و قال الطريحي في المجمع: و قوله: و تلوذ بسبابتك أي تتضرع بسبابتك بتحريكها.

ثم إن الجهاد يستلزم المتاعب من نصب السفر، و حمل الأثقال و أوزار الحرب، و سهر الليالي لئلا يأتي العدو من مكان مخافة أو أمن و غيرها مما يقبل للمجاهدين على أنحاء شتى.

و هو عليه السلام أشار إلى الأول بقوله: إليك أفضت القلوب‏ أي إن هذه العبادة التي هي أشرف الأعمال خالصة لوجهك الكريم، أو أنها أفضت إليك بسرها و إنما تشكو بثها و حزنها إليك و دخلت بفنائك و ساحتك و لا تعبد غيرك و لا تعرف إلا إياك و لا تقرع إلا بابك و قدم الظرف للحصر.

و إلى الثاني بقوله: و مدت الأعناق و شخصت الأبصار لما دريت من أن قوى البدن جنود للقلب و أن البدن يحكي الحالات الطارية عليه فإذا أخلصت القلوب و انقادت له و طارت و وصلت إليه تمد الأعناق‏ تبعا للقلوب اظهارا للمذلة و العبودية و ترفع‏ الأبصار إليها كذلك لا ترى غيرها و لا ترجو الرحمة و الفيض إلا من عنده.

و إلى الثالث بقوله: و نقلت الأقدام و انضيت الأبدان‏ لأن متاعب السفر مستلزم للكلال و الهزال، و لا يخفى لطائف كلامه عليه السلام حيث جمع بين الافضاء و الانضاء، و كذا بين عدة جوارح البدن.

قوله عليه السلام: «اللهم قد صرح مكنون الشنان» بين عليه السلام في كلامه هذا أن مقاتليه كانوا يعاندونه و يبغضونه إلا أنهم كانوا لا يظهرون العداوة و البغضاء لعدم استطاعتهم بالإظهار إما لوجود النبي صلى الله عليه و اله و إما لفقدانهم اعوانا و لما ارتحل النبي صلى الله عليه و اله أو وجدوا أعوانا أظهر و هما و سيأتي قوله عليه السلام في المختار السادس عشر في معانديه: فو الذي فلق الحبة و بري‏ء النسمة ما أسلموا و لكن استسلموا و أسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا عليه أظهروه‏.

و قد تظافرت الاثار على أن شبل أسد الله أبا عبد الله الحسين عليه السلام لما احتج في الطف على شذاذ الأحزاب و نبذة الكتاب بما احتج إلى أن انهى كلامه لهم بقوله: فبم تستحلون دمي؟ أجابوه بقولهم: بغضا لأبيك.

و إنما استكنوا في صدورهم عداوة أمير المؤمنين عليه السلام لما رأوا منه في بدر و احد و غيرهما من المواطن و قد مضى في الكتاب العاشر قوله عليه السلام لمعاوية: فأنا أبو حسن قاتل جدك و خالك و أخيك شدخا يوم بدر- إلخ، و ناهيك في ذلك عمل يزيد برأس ابن بنت رسول الله صلى الله عليه و اله إبرازا للعداة المستجنة في صدره حيث دعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين و جعل يتمثل بأبيات عبد الله بن الزبعري و أضاف بعض أشعاره إليها فقال:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل‏
لأهلوا و استهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تشل‏
فقتلنا الضعف من أشرافهم‏ و عدلنا ميل بدر فاعتدل‏
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحى نزل‏

 

لست من خندف إن لم أنتقم‏ من بني أحمد ما كان فعل‏

و قيل: إنه قالها بعد وقعة الحرة بدليل قوله: جزع الخزرج فان المراد من الخزرج الأنصار كانوا في المدينة لأن الأنصار كانوا من قبيلتي الأوس و الخزرج و قد قتل الأنصار في وقعة الحرة، و أن الأبيات ليزيد نفسه قالها على وزن أبيات ابن الزبعري، و لكنه و هم و قد قال المبرد في الكامل (ص 257 ج 2 طبع مصر):

قال ابن الزبعري في يوم احد: ليت أشياخي- إلخ. و كذا قال ابن هشام في السيرة النبوية (ص 136 ج 2 طبع مصر 1375 ه) إن ابن الزبعري قال في يوم احد:ليت أشياخي- إلخ، و قد أتى بستة عشر بيتا قالها ابن الزبعري في ذلك اليوم ثم بعده نقل خمسة عشر بيتا قالها حسان بن ثابت الأنصاري ردا على ابن الزبعري و قد استشهد باحد من الانصار اثنا عشر رجلا كما قال ابن هشام في السيرة (ص 122 ج 2) و لذا قال ابن الزبعري: جزع الخزرج.

بيان: قوله: و عدلنا ميل بدر فاعتدل، يعني أن أشياخهم الكافرين لما قتلوا في بدر بأيدي المسلمين صار قتلهم سببا لاعوجاج أمرهم و شأنهم و ما زال كان معوجا حتى أن من بقى منهم قتلوا جماعة من المسلمين في احد فاستقام أمرهم أي اعتدل الميل و الاعوجاج.

و قال أبو علي القالي في الأمالي (ص 142 ج 1 طبع مصر 1344 ه):قال يعقوب بن السكيت: العرب تقول: لاقيمن ميلك و جنفك و دراك و صغاك و صدغك و فذلك و ضلعك كله بمعنى واحد، يقال: ضلع فلان مع فلان أي ميله، و قال غيره: فأما الضلع فخلقة تكون في الإنسان، و قرأت على أبي بكر بن دريد لأبي كبير الهذلي:

نضع السيوف على طوائف منهم‏ فنقيم منهم ميل ما لم يعدل‏

الطوائف: النواحي: الأيدي و الأرجل و الرؤوس، و قوله: ميل ما لم يعدل، قال: ميله فضله و زيادته، و إنما يريد أن هؤلاء القوم كانوا غزوهم فقتلوهم فكأن ذلك القتل ميل على هؤلاء القوم، ثم إن هؤلاء القوم المقتولين‏ غزوهم بعد فقتلوهم فكأن قتلهم لهم قيام (إقامة- ظ) للميل، و هذا كقول ابن الزبعرى:

و أقمنا ميل بدر فاعتدل‏

يقولها في يوم احد، يقول: اعتدل ميل بدر إذ قتلنا مثلهم يوم احد. انتهى.

أقول: ما أفاد القالي يرجع بالدقيق من النظر إلى المعنى الذي تبادر إليه ذهننا أولا، ثم إن البيت قد نقل هكذا:

قد قتلنا القرم من ساداتهم‏ و قتلناه ببدر فاعتدل‏

و لكن المصراع الثاني محرف، و الصواب ما اخترناه و هو الذي أتى به ابن هشام في السيرة النبوية و القالي في الأمالي.

قوله عليه السلام: «و جاشت مراجل أضغانهم» شبه صدورهم بالقدور و بين أنها أكنان الأضغان أي إن مظروفها الأحقان الكامنة الواغرة فيها في حياة رسول الله صلى الله عليه و اله و قبل وجدان الأعوان و قد غلت الان بما تيسر لهم مما هي كالنار الموقدة المغلية لها.

قوله: عليه السلام: «اللهم إنا نشكوا إليك غيبة نبينا و كثرة عدونا و تشتت أهوائنا» لما كان القوم لم يقدروا في زمن رسول الله صلى الله عليه و اله على إظهار الضغائن و إبراز السرائر و تشتت الأهواء و بموته اصطلحوا على الشقاق و النفاق و المعاداة على كلمة الله العليا و حجته على عباده و افتراق الكلمة شكى عليه السلام بلسانه و لسان تابعيه إليه تعالى غيبة نبيه.

قوله عليه السلام: «ربنا افتح‏- إلخ» ثم انقطع إلى الله تعالى و التجأ إليه و استغاث منه فسأله عن نفسه و عن أتباعه أن يحكم بينه و تابعيه و بين أعدائهم بالحق و إن كان عالما بأن الله سيفعله إلا أنه استفتح استنصارا من الله و رغبة منه إليه تعالى و إخبارا عن نفسه بأنه على الطريقة المثلى و عن أعدائه بأنهم على العمياء و أنهم فريق حق عليهم الضلالة.

اقتباس [ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين‏] ثم إنه عليه السلام طلب من الله تعالى أن يفرق بينه و بين أعدائه و يبعدهم عنه و يفصل بينهما لما دريت من أن الفتح هو الفصل فإذا حكم بينهما بالفصل يميز الطيب من الخبيث و الحق من بالباطل و عند ذلك يفتضح الباطل و يحل إلى دار البوار فكأن هذا القول دعاء عليهم و المراد أنه عليه السلام دعا عليهم أن ينزل الله عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين و على أنه عليه السلام و قومه محقين، و لم يصرح في كلامه هذا أن أيهما على الحق و أي فريق على الباطل بل أبهم في ذلك لأنه أدل على المقصود و أشد في تبكيت الخصم و أوفق باسلوب المحاورة.

و هذا الكلام اقتباس من القرآن العظيم حكاه الله تعالى عن نبيه شعيب صلوات الله عليه مع قومه حيث قال عز من قائل: قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب و الذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أ و لو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها و ما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شي‏ء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين‏ (الأعراف 88 و 89).

و يعجبني في المقام نقل خطبة من عبد الله بن عباس رحمه الله فانه أجاد بما أفاد و نطق بالحق و هدى إلى الرشاد و السداد و أوصى وصية مفضي النصح و الصدق و الوداد نقلها نصر بن مزاحم في كتاب صفين (ص 164 من الطبع الناصري) قال نصر قال عمر حدثني خالد بن عبد الواحد الجزري قال: حدثني من سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين و هو يحرض أصحابه بصفين فقام محنيا على قوس فقال- و بعد ما نقل قول عمرو بن العاص قال: ثم قام عبد الله بن العباس خطيبا فقال: الحمد لله رب العالمين الذي دحى تحتنا سبعا و سمك فوقنا سبعا ثم خلق فيما بينهن خلقا، و أنزل لهم فيها رزقا، ثم جعل كل شي‏ء يبلى و يفنى غير وجهه الحي القيوم الذي يحيى و يبقى، ثم إن الله بعث أنبياء و رسلا فجعلهم حججا على عباده عذرا و نذرا، لا يطاع إلا بعلمه و إذنه يمن بالطاعة على من يشاء من عباده ثم يثيب عليها، و يعصى فيعفو و يغفر بحمله، لا يقدر قدره، و لا يبلغ شي‏ء مكانه،أحصى كل شي‏ء عددا و أحاط بكل شي‏ء علما.

ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه إمام الهدى و النبي المصطفى و قد ساقنا قدر الله إلى ما قد ترون حتى كان فيما اضطرب من حبل هذه الامة و انتشر من أمرها أن ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعوانا على علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله و صهره و أول ذكر صلى معه بدري، قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه كل مشاهدة التي فيها الفضل و معاوية و أبو سفيان مشركان يعبدان الأصنام.

و اعلموا و الله الذي ملك الملك وحده فبان به و كان أهله لقد قاتل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه و اله و علي يقول: صدق الله و رسوله و معاوية و أبو سفيان يقولان: كذب الله و رسوله، فما معاوية في هذه بأبر و لا أتقى و لا أرشد و لا أصوب منه في تلكم، فعليكم بتقوى الله و الجد و الحزم و الصبر، و الله إنكم لعلى الحق، و إن القوم لعلى الباطل فلا يكونن أولى بالجد في باطلهم منكم في حقكم.

أما و الله إنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم، اللهم ربنا أعنا و لا تخذلنا و انصرنا على عدونا و لا تخل عنا و افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته أقول قولي و أستغفر الله لي و لكم.

الترجمة

أمير المؤمنين عليه السلام با دشمن كارزار كننده روبرو مى ‏شد مى ‏گفت: بار خدايا دلهاى ما بسوى تو كوچ كرده و در كوى تو آرميده است و گردنها در بندگى تو كشيده شده و چشمها بروى تو گشوده گشت و پاها بجانب تو رهسپار شده و بدنها در راه تو نزار گرديده است، بار خدايا دشمنان ما دشمنيهاى ديرينه را آشكار كردند و سينه‏ هايشان كه آكنده از كينه بود چون ديك بجوش آمد، بار خدايا از نبودن پيغمبر خود و بسيارى دشمنان و پراكندگى و اختلاف انديشه‏ هايشان بتو شكايت آوريم‏ (كه قوم از نبودن پيغمبر ميدان گرفتند و در پى اظهار دشمنى نهفته و ابراز كينه نهاني بر آمدند.

مهر درخشنده چو پنهان شود شب پره بازى ‏گر ميدان شود)

پروردگار ما ميان ما و اين گروه بحق حكم بفرما (تا محق از مبطل براى همه آشكار شود) كه تو بهترين حكم كنندگانى.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 14 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 14 صبحی صالح

14- و من وصية له ( عليه‏ السلام  ) لعسكره قبل لقاء العدو بصفين‏

لَا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ وَ تَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ

فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً وَ لَا تُصِيبُوا مُعْوِراً وَ لَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَ لَا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذًى وَ إِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَ سَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَ الْأَنْفُسِ وَ الْعُقُولِ

إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَ إِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ وَ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفَهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَ عَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج18  

و من وصيته عليه السلام لعسكره بصفين‏ و كلامه هذا هو المختار الرابع عشر من باب كتبه و رسائله عليه السلام‏

لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم فإنكم بحمد الله على حجة، و ترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة أخرى لكم عليهم. فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبرا؛ و لا تصيبوا معورا؛ و لا تجهزوا على جريح؛ و لا تهيجوا النساء بأذى و إن شتمن أعراضكم، و سببن أمرائكم فإنهن ضعيفات القوى و الأنفس و العقول. إن كنا لنؤمر بالكف عنهن و إنهن لمشركات. و إن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر أو الهراوة فيعير بها و عقبه من بعده.

بيان مصادر الوصية و اسنادها بطرق كثيرة من الفريقين و نقل نسخها قد رواها الفريقان في الجوامع الروائية بأسناد عديدة و صور كثيرة متفاوتة و في بعضها زيادة لم يذكرها الرضي رحمه الله.

فقد رواها نصر بن مزاحم المنقري الكوفي المتوفى سنة 212 ه في كتاب صفين (ص 106 من الطبع الناصري) حيث قال: نصر عمر بن سعد و حدثني رجل عن عبد الله بن جندب، عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوه يقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم فانكم بحمد الله على حجة و ترككم إياهم‏ حتى يبدءوكم حجة اخرى لكم عليهم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح، و لا تكشفوا عورة، و لا تمثلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، و لا تدخلوا دارا إلا بإذني، و لا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، و لا تهيجوا امرأة إلا باذني، و إن شتمن أعراضكم و تناولن امراءكم و صلحاءكم فانهن ضعاف القوى و الأنفس و العقول و لقد كنا و إنا لنؤمر بالكف عنهن و انهن لمشركات و إن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة و الحديد فيعير بها عقبه من بعده.

و في الجامع الكافي لثقة الاسلام الكليني قدس سره المتوفى سنة 329 ه كتاب الجهاد (ص 338 طبع 1315 ه): و في حديث عبد الله بن جندب، عن أبيه أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يأمر في كل موطن لقينا فيه عدونا فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم فانكم بحمد الله على حجة، و ترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة لكم اخرى فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا، و لا تجيزوا على جريح و لا تكشفوا عورة و لا تمثلوا بقتيل. (الوافي ص 19 ج 9).

و في مروج الذهب للمسعودي المتوفى 346 ه (ص 9 ج 2 طبع مصر 1346 ه) قام علي عليه السلام (يعني في حرب الجمل) فقال: أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح، و لا تقتلوا أسيرا، و لا تتبعوا موليا، و لا تطلبوا مدبرا، و لا تكشفوا عورة، و لا تمثلوا بقتيل، و لا تهتكوا سترا، و لا تقربوا من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد أو أمة و ما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله.

و قد روى أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري المتوفى 310 ه في تاريخه (ص 6 ج 4 طبع مصر) بإسناده عن عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوه يقول: لا تقاتلوا القوم- إلى آخر ما نقلنا عن نصر- فإن الروايتين متحدتان تقريبا، على أن رواية الطبري قد نقلناها في شرح المختار 236 (ص 222 ج 15) و في البحار نقلا عن الكافي: و في‏ حديث عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يأمر- إلخ (ص 624 ج 8 من الطبع الكمباني).

و أقول: يشبه أن يكون عبد الله بن جندب حرف في تاريخ الطبري بعبد الرحمن بن جندب، لأن نصرا و الكليني رويا هذه الرواية عن عبد الله بن جندب، عن أبيه بلا اختلاف و رواها الطبري عن ابن جندب، عن أبيه أيضا و صورة الرواية في الجميع واحدة و لو لا عبد الرحمن مكان عبد الله في التاريخ لكانت صورة السند أيضا واحدة.

و في الجامع الكافي ايضا (ص 338 من كتاب الجهاد طبع 1315 ه): و في حديث مالك بن أعين قال: حرض أمير المؤمنين صلوات الله عليه الناس بصفين فقال: إن الله عز و جل قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم و تشفى بكم على الخير: الايمان بالله، و الجهاد في سبيل الله؛ و جعل ثوابه مغفرة للذنب، و مساكن طيبة في جنات عدن. و قال جل و عز: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص‏ (الصف- 5) فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص فقدموا الدارع، و أخروا الحاسر، و عضوا على النواجد فانه أنبأ للسيوف عن الهام. و التووا أطراف الرماح فانه أمور للأسنة. و غضوا الأبصار فانه أربط للجاش و أسكن للقلوب. و أميتوا الأصوات فانه أطرد للفشل و أولى بالوقار. و لا تميلوا براياتكم و لا تزيلوها و لا تجعلوها إلا مع شجعانكم فان المانع للذمار و الصابر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ. و لا تمثلوا بقتيل. و إذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا. و لا تدخلوا دارا. و لا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم.

و لا تهيجوا امرأة بأذى و إن شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم و صلحاءكم فانهن ضعاف القوى و الأنفس و العقول و قد كنا نؤمر بالكف عنهن و هن مشركات و ان كان الرجل ليتناول المرأة فيعيربها و عقبه من بعده. و اعلموا أن أهل الحفاظ هم الذين يحفون براياتهم و يكتنفونها و يصيرون حفافيها و وراءها و أمامها و لا يضيعونها.

لا يتأخرون عنها فيسلموها. و لا يتقدمون عليها فيفردوها. رحم الله امرأ واسى‏ أخاه بنفسه و لم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه و قرن أخيه فيكتسب بذلك الائمة و يأتي بدناءة و كيف لا يكون كذلك و هو يقاتل اثنين و هذا ممسك يده قد خلى قرنه على أخيه هاربا منه ينظر إليه و هذا فمن يفعله يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله عز و جل فانما ممركم إلى الله و قد قال الله عز و جل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل و إذا لا تمتعون إلا قليلا (الأحزاب- 17) و أيم الله لئن فررتم من سيوف العاجلة لا تسلمون من سيوف الاجلة فاستعينوا بالصبر و الصدق فانما ينزل النصر بعد الصبر فجاهدوا في الله حق جهاده و لا قوة إلا بالله (الوافي ص 19 ج 9).

أقول: قد أتى الرضي رحمه الله ببعض هذا الحديث المنقول من الكافي في المختار 122 من باب الخطب أوله: فقدموا الدارع و أخروا الحاسر- إلخ. و سيأتي نقل روايات اخرى في ذلك في المختار 16 من هذا الباب إنشاء الله تعالى.

ثم على روايتي الكافي كانت الوصية ملفقة منهما صدرها من حديث عبد الله بن جندب و ذيلها من حديث مالك بن أعين.

اللغة

«يبدءوكم» مهموز اللام من البدأ يقال: بدأ الشى و به يبدأ بدءا من باب منع أى افتتحه و قدمه و البدأ و البدى‏ء: الأول. و منه قولهم افعله بادى‏ء بدء على وزن فعل، و بادى‏ء بدي‏ء على وزن فعيل أي أول شي‏ء.

«الحجة» بالضم: الدليل و البرهان. و الجمع حجج و حجاج. قال تعالى: قل فلله الحجة البالغة (الأنعام- 149) تقول: حاجة فحجه أي غلبه بالحجة. و احتج على خصمه أي ادعى و أتى بالحجة. و احتج بالشي‏ء جعله حجة و عذرا له. و قال الراغب في المفردات: الحجة الدلالة المبينة للحجة أي المقصد المستقيم، و الذي يقتضي صحة أحد النقيضين.

«الهزيمة» هزم العدو هزما من باب ضرب أي كسرهم و فلهم. و هزمت‏ الجيش هزما و هزيمة فانهزموا أي وقعت عليهم الهزيمة. قال الراغب في المفردات: اصل الهزم غمز الشي‏ء اليابس حتى ينحطم كهزم الشن، و هزم القثاء و البطيخ و منه الهزيمة لأنه كما يعبر عنه بذلك يعبر عنه بالحطم و الكسر، قال تعالى: فهزموهم بإذن الله‏- جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب‏ و أصابته هازمة الدهر أي كاسرة كفاقرة. و هزم الرعد تكسر صوته.

«معور» من العورة. قال الجوهري في الصحاح: العورة كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب، و عورات الجبال شقوقها. و هذا مكان معور أي يخاف فيه القطع.

و قال ابن الأثير في النهاية: كل عيب و خلل في شي‏ء فهو عورة و منه حديث علي عليه السلام و لا تجهزوا على جريح و لا تصيبوا معورا. اعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب فيه. انتهى.

و قد أعور لك الصيد و أعورك: أمكنك: قال تأبط شرا (الحماسة 77).

أقول للحيان و قد صفرت لهم‏ و طابي و يومي ضيق الحجر معور

و قال المرزوقي في شرحه: و معور من أعور لك الشي‏ء اذا بدت لك عورته و هي موضع المخافة. قال الله تعالى في الحكاية عن المنافقين لما قعدوا عن نصرة النبي صلى الله عليه و آله: إن بيوتنا عورة، أي واهية يجب سترها و تحصينها بالرجال و كما قيل: يوم معور قيل: مكان معور أي مخوف. و يقال: عور المكان إذا صار كذلك. و قال بعضهم: كل ما طلبته فأمكنك فقد أعورك و أعور لك.

كنايه [معور] العورة: سوأة الإنسان، و ذلك كناية و أصلها من العار و ذلك لما يلحق في ظهوره من العار أي المذمة و لذلك سمي النساء عورة و من ذلك العوراء للكلمة القبيحة. قاله الراغب في المفردات في غريب القرآن.

«و لا تجهزوا على جريح» الجريح فعيل بمعنى المفعول أي المجروح و هو المصاب بجرح، جمعه جرحى كقتيل و قتلى. يستوي فيه المذكر و المؤنث يقال:رجل جريح و امرأة جريح.

أجهز على الجريح اجهازا أي شد عليه و أسرع و أتم قتله.

و في الصحاح أجهزت على الجريح إذا أسرعت قتله و قد تممت عليه، و لا تقل أجزت على الجريح. انتهى.

أقول: و ترده رواية الجامع الكافي المتقدمة «و لا تجيزوا على جريح».

و روايته الاخرى باسناده، عن عبد الله بن شريك، عن أبيه قال: لما هزم الناس يوم الجمل قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تتبعوا موليا و لا تجهزوا على جريح و من أغلق بابه فهو آمن، فلما كان يوم صفين قتل المقبل و المدبر و أجاز على الجريح الحديث. و روايته الاخرى عن الصادق عليه السلام: و جريحهم يجاز عليه (ص 18 ج 9 من الوافي) و الاجازة على الجريح كالاجهاز عليه معنى.

قال ابن الأثير في النهاية: و فيه- يعنى في الحديث- هل تنتظرون إلا مرضا مفسدا أو موتا مجهزا أي سريعا يقال: أجهز على الجريح يجهز إذا أسرع قتله و منه حديث علي عليه السلام لا يجهز على جريحهم أى من صرع منهم و كفى قتاله لا يقتل لأنهم مسلمون و القصد من قتالهم دفع شرهم فاذا لم يمكن ذلك إلا بقتلهم قتلوا و منه حديث ابن مسعود انه أتى على أبي جهل و هو صريع فأجهز عليه. انتهى.

ثم إن ما عليه أهل اللغة و ما ذهب اليه فقهاء الفريقين في الكتب الفقهية و شراح الأحاديث أن كلمة تجهزوا و يجهز و امثالهما في المقام مشتقة من الإجهاز إلا أن كلمة تجهزوا مشكولة في نسخة مخطوطة من النهج قوبلت بنسخة السيد الرضي رضي الله عنه بفتح الجيم و كسر الهاء المشددة أعنى أنها مأخوذة من التجهيز و لكن الوجه الأول أنسب و أصوب و لذا اخترناه في المتن:

«لا تهيجوا» في بعض النسخ مشكولة بضم التاء و فتح الهاء و كسر الياء المشددة من التهييج، و في بعضها بضم التاء و كسر الهاء من الإهاجة، و نسخة الرضي رضوان الله عليه مشكولة بفتح التاء و كسر الهاء يقال: هاج الشي‏ء يهيج هيجا و هياجة و هياجا و هيجانا أي ثار و انبعث، و هاج الشي‏ء و بالشي‏ء أثاره و بعثه يتعدى و لا يتعدى. و كذا يقال: هيج الشي‏ء تهييجا إذا أثاره و بعثه إلا أن كثرة المباني تدل على كثرة المعاني فلا بد في التهييج من زيادة الهيجان و مبالغته و تكثيره و الظاهر أنه لا حاجة في المقام إلى المبالغة و التكثير. و أما القراءة الثانية فما وجدت لها معنى يناسب المقام و أظنها مصحفة فقراءة الرضي متعينة.«أعراضكم» الأعراض جمع العرض بكسر العين المهملة و سكون الراء أحد معانيه النفس يقال: أكرمت عنه عرضي أي صنت عنه نفسي.

قال عتبة بن بجير الحارثي (باب الاضياف من الحماسة، الحماسة 674):

فقام أبو ضيف كريم كأنه‏ و قد جد من فرط الفكاهة مازح‏
إلى جذم مال قد نهكنا سوامه‏ و أعراضنا فيه بواق صحائح‏

قال المرزوقي في الشرح: يعني بأبى الضيف نفسه، و جعله كالمازح المفاكه لما أظهره من التطلق و البشاشة و اظهار السرور بما يأتي من توفير الضيافة و الاحتفال فيه و ايناس الضيف و البسط منه محتفا بالضيافة، و يريد بالقيام غير الذي هو ضد القعود و إنما يريد به الاشتغال له بما يؤنسه و يرحب منزله و يطيب قلبه، على ذلك قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة، لأنه لم يرد القيام المضاد للعقود بل أراد التهيوء و التشمر له، و الجذم: الأصل، و معنى نهكنا سوامه أثرنا في السائمة من المال بما عودناها من النحر و التفريق و يقال: نهكه المرض إذا أضر به، و قوله:و أعراضنا فيه بواق صحائح أي نفوسنا باقية على حدها من الظلف و الصيانة، لم تشنها الأفعال الذميمة، و لا كسرتها التكاليف المبخلة فهي سليمة لا آفة بها و لا عار يكتنفها، و إن كانت أموالنا مشفوهة مفرقة، انتهى ملخصا.

و في الصحاح: يقال فلان نقي العرض أي بري‏ء من أن يشتم أو يعاب، و قد قيل: عرض الرجل حسبه، انتهى.

أقول: كثيرا ما يستعمل العرض في الحسب و منه قول بشامة بن الغدير:

دافعت عن أعراضها فمنعتها و لدي في أمثالها أمثالها

ذوو العرض من القوم أي أشرافهم، و فلان عرب العرض أي لئيم الأسلاف و العرض ما يفتخر الانسان به من حسب أو شرف و ما يصونه الانسان من نفسه أو سلفه‏ أو من يلزمه أمره أو موضع المدح و الذم منه.

«الفهر» بالكسر الحجر مل‏ء الكف يذكر و يؤنث و الجمع أفهار و قيل هو الحجر مطلقا، و في الحديث: لما نزلت تبت يدا أبي لهب، جاءت امرأته و في يدها فهر، نقله ابن الأثير في النهاية، قال مزرد بن ضرار (البيان و التبيين ج 3 ص 77):

فجاء على بكر ثفال يكده‏ عصاه استه و ج‏ء العجاية بالفهر

البكر الفتى من الابل، و الثفال: البطى‏ء، الوج‏ء: الضرب، العجاية:العصب يضرب حتى يلين، أي جاء على بكر ثقيل في مشيه و لم يكن له عصا يضربه بها حتى يسير بل يحرك و يضرب استه عليه بشدة نحو ضرب العجاية بالفهر.

«الهراوة» بالكسر: العصاء الضخمة جمعها الهراوى بالفتح كالمطايا: تقول:هروته و تهريته إذا ضربته بها، قال فضالة بن شريك الأسدي (ص 15 ج 3 من البيان و التبيين):

دعا ابن مطيع للبياع فجئته‏ إلى بيعة قلبي لها غير آلف‏
فناولني خشناء لما لمستها بكفي ليست من أكف الخلائف‏
من الشثنات الكزم أنكرت مسها و ليست من البيض الرقاق اللطائف‏
معاودة حمل الهراوى لقومها فرورا إذا ما كان يوم التسايف‏

و في هامشه: و كان من خبر الشعر أن عبد الله بن الزبير كان قد ولى عبد الله ابن مطيع الكوفة فكان ينشر الدعوة و يتقبل البيعة لابن الزبير، حتى إذا نهض المختار بن أبي عبيد و دعا لنفسه، طرد عن الكوفة فيمن طرد عبد الله بن مطيع فقال فضالة الشعر، و قد رواه أبو الفرج في الأغاني (10: 164) برواية أبسط.

و اعلم أن جمع الهراوة و الاداوة و أمثالهما كان قياسه هراوي و اداوي على وزن فعائل نحو رسالة و رسائل لكنهم تجنبوه و فعلوا به ما فعلوا بالمطايا و الخطايا و جعلوا فعائل فعالى و أبدلوا هنا الواو لتدل على انه قد كانت في الواحدة و او ظاهرة قالوا أداوى و هراوى فهذه الواو بدل من الألف الزائدة في أداوة و هراوة و الألف‏ الذي في آخر الأداوى و الهراوى بدل من الواو التي في أداوة و هراوة و الزموا الواو هاهنا كما الزموا الياء في المطاياء قاله الجوهري في أدو من الصحاح.

«عقبه» عقب الرجل ولده و ولد ولده و فيها لغتان عقب و عقب بالتسكين و هي مؤنثة عن الأخفش كما في صحاح الجوهري جمعها أعقاب.

الاعراب‏

الفاء في فانكم لتعليل النهي عن القتال بدوا، على حجة خبر لان بحمد الله معترضة، حجة خبر للترك و اخرى صفة للحجة، لكم و عليكم متعلقان بها، الفاء في فلا تقتلوا جواب إذا، بأذى متعلق بلا تهيجوا، الواو في و إن شتمن للوصل و سببن عطف على شتمن، و الفاء في فانهن لتعليل النهي عن هيجانهن بأذى إن في إن كنا مخففة عن المثقلة و فيه ضمير الشأن و تلزم اللام خبرها فرقا بينها و بين إن النافية، الواو في و انهن للحال، الواو في و إن كان عطف على إن كنا، و إن هذه مخففة من المثقلة أيضا و قيل للشرط و هو وهم، و اللام في خبرها كالأولى و يعير فعل مجهول ضميره يرجع إلى الرجل، و عقبه مرفوعة بيعير بالعطف أعني أنها معطوفة على الضمير المستكن المرفوع في فيعير.

و لما كان الضمير المرفوع المتصل بارزا كان أو مستترا ينزل من عامله منزلة الجزء فالعطف عليه لا يحسن في فصيح الكلام إلا بعد توكيده بتوكيد لفظي مرادف له بأن يكون بضمير منفصل نحو قوله تعالى: لقد كنتم أنتم و آباؤكم في ضلال مبين‏ (الأنبياء 54) و اسكن أنت و زوجك الجنة* (البقرة- 35) أو بتوكيد معنوي كقول الشاعر:

دعوتم أجمعون و من يليكم‏ برؤيتنا و كنا الظافرينا

أو بعد فاصل أي فاصل كان بين المعطوف عليه و المعطوف نحو قوله تعالى.

جنات عدن يدخلونها و من صلح من آبائهم‏ (الرعد 23) و كقول الأمير عليه السلام.

فيعير بها و عقبه من بعده. أو بعد فصل بلا النافية بين حرف العطف و المعطوف نحو قوله تعالى: لو شاء الله ما أشركنا و لا آباؤنا (الأنعام 148).

المعنى‏

قد علم بما قدمنا من مصادر هذه‏ الوصية أن رواية نصر و الطبري هي أقرب الروايات إليها متنا من غيرها لكن روايتهما لم تخصها بصفين بل رويا عن جندب انه قال: ان عليا عليه السلام كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوه يقول تلك الوصية و قد نص الرضي بأنه عليه السلام وصى بها عسكره‏ بصفين، نعم ان للكليني قدس سره فيها روايتين ذكر في إحداهما انه عليه السلام قالها بصفين كما دريت إلا أن روايته هذه تشمل على ذيل هذه الوصية من قوله عليه السلام: و لا تهيجوا امرأة بأذى‏- إلى آخرها.

و الذي يسهل الخطب أن كلام الرضي لا يدل على الحصر و التخصيص و قد اتفق الرواة و تظافرت الروايات في أنه عليه السلام كان يأمرهم في كل موطن لقيهم‏ العدو بها.

و العدو الخارج على الإمام المعصوم عليه السلام إن كان من المسلمين يعرف في كتاب الجهاد من الكتب الفقهية بالباغي، و من هذه الوصية و مما نتلوها عليك إن شاء الله تعالى يعلم طائفة من أحكام القتال مع البغاة.

و من البغاة الخارجين على أمير المؤمنين عليه السلام أصحاب الجمل حاربوه في البصرة و أتباع معاوية حاربوه في صفين، و الخوارج حاربوه في نهروان.

و عن علي عليه السلام انه قال: امرت بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين ففعلت ما امرت.

و قد مر قوله في أواخر الخطبة القاصعة: و قد أمرني الله بقتال أهل البغي و النكث و الفساد في الأرض فأما الناكثون فقد قاتلت، و أما القاسطون فقد جاهدت و أما المارقة فقد دوخت‏- إلخ.

و كذا قوله عليه السلام في الخطبة الشقشقية: فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، و مرقت اخرى، و فسق آخرون كأنهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه حيث يقول:تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين‏ (القصص- 83) بلى و الله لقد سمعوها و وعوها و لكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها- إلخ.

و في المجلس الخامس عشر من أمالي الطوسي قدس سره في حديث طويل أن رسول الله صلى الله عليه و اله قال لام سلمة: يا ام سلمة! اسمعي و اشهدي هذا علي بن أبي طالب سيد المسلمين و إمام المتقين و قائد الغر المحجلين و قاتل الناكثين و القاسطين و المارقين، قلت: يا رسول الله من الناكثون؟ قال صلى الله عليه و اله: الذين يبايعون بالمدينة و ينكثون بالبصرة. قلت: و من القاسطون؟ قال صلى الله عليه و اله: معاوية و أصحابه من أهل الشام. قلت: و من المارقون؟ قال صلى الله عليه و اله: أصحاب نهروان. الحديث.

فالناكثون أصحاب الجمل لأنهم نكثوا بيعتهم، و القاسطون أهل الشام أتباع معاوية لأنهم جاروا في حكمهم و بغوا عليه، و المارقون الخوارج لأنهم مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

و قد روى نصر بن مزاحم في صفين (ص 176 من الطبع الناصري) في حديث طويل دار بين أبي اليقظان عمار بن ياسر رحمهما الله تعالى و بين عمرو بن عاص في وقعة صفين أن أبا اليقظان قال له: و ساخبرك على ما قاتلتك عليه أنت و أصحابك أمرني رسول الله صلى الله عليه و اله أن اقاتل الناكثين و قد فعلت، و أمرني أن اقاتل القاسطين فأنتم هم، و أما المارقين فما أدرى أدركهم أم لا، أيها الأبتر أ لست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه و اله قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم و ال من والاه و عاد من عاداه- إلخ.

و قال الشارح المعتزلي في شرح النهج: روى إبراهيم بن ديزيل الهمداني في كتاب صفين عن يحيى بن سليمان، عن يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية[1] عن أبيه، عن إسماعيل بن رجا، عن أبيه، و محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجا، عن أبي سعيد الخدري رحمه الله قال: كنا مع‏

رسول الله صلى الله عليه و اله فانقطع شسع نعله فألقاها إلى علي عليه السلام يصلحها، ثم قال:إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، فقال عمر بن الخطاب: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا و لكنه ذاكم خاصف النعل و يد علي عليه السلام يصلحها، قال أبو سعيد: فأتيت عليا عليه السلام فبشرته بذلك فلم يحفل به كأنه شي‏ء قد كان علمه من قبل. نقله عنه المجلسي رحمه الله في ثامن البحار ص 457.

أقول: الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه و اله بأن أمير المؤمنين عليا عليه السلام يقاتل بعده الناكثين و القاسطين و المارقين مما اتفقت عليه الامة و قد روي في جوامع الفريقين بوجوه عديدة و طرق كثيرة و قد أفرد في فتن البحار بابا لذلك (ص 454 ج 8) فهذا الخبر الدال على الاخبار الصريح بالغيب من معجزاته و دلائل نبوته و هذا مما لا تخالجه شكوك و لا تمازجه ظنون.

و انما يعرف الخارج على الإمام العادل بالباغي لقول رسول الله صلى الله عليه و اله عمار ابن ياسر رحمهما الله: انما تقتلك الفئة الباغية، و هذا الخبر مما اتفقت الامة على نقله و قد مضى الكلام فيه من أن هذا الحديث لا تناله يد الانكار، و قد رواه البخاري و المسلم في صحيحهما و قال الحافظ السيوطي انه من الأخبار المتواترة و نقله أكثر من عشرة من الصحابي. فراجع إلى شرح المختار 236 من الخطب في ترجمة عمار (ج 15 ص 273- 299).

و لقوله تعالى: و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل و أقسطوا إن الله يحب المقسطين‏ (الحجرات- 10).

إن قلت: فالاية تدل على أن الخارجين على الإمام العادل مؤمنون و أنتم قد ذهبتم في المباحث السالفة إلى أنهم كافرون و ادعيتم على أنه مذهب الجل من الإمامية فكيف التوفيق و ما جوابك عن الاية؟

قلت: أولا الاية لا تدل على أنهما إذا اقتتلا بقيا على الإيمان و يطلق عليهما هذا الاسم و لا يمتنع أن يفسق إحدى الطائفتين أو تفسقا جميعا- كما في تفسير المجمع- إلا أن الأدلة القطعية لما كانت ناطقة بعصمة أمير المؤمنين علي عليه السلام و انه حجة الله على خلقه و خليفة رسوله و أن الفسق لا يتطرق عليه أبدا علمنا أنه عليه السلام كان باقيا على الإيمان و ما كان باغيا على أحد بل الباغي غيره.

و ثانيا أنه تعالى انما سمى البغاة مؤمنين في الظاهر كما قال: و إن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت و هم ينظرون‏ (الأنفال- 7) و هذه صفة المنافقين بلا خلاف فالاية لا تدل على أن البغاة على الإيمان واقعا.

و ثالثا أن خبر الأسياف أعني خبر حفص بن غياث المروي في الكافي و التهذيب و تفسير علي بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام دال على أن الخارج على الامام العادل باغ بالمعنى الذي ذهبنا إليه و قد أشهد الإمام عليه السلام الاية على ذلك المعنى و لا بأس بنقل الخبر و إن كان طويلا لاشتماله على فوائد كثيرة من أحكام الجهاد و وجوهه و غيرها، روى الكليني في كتاب الجهاد من الكافي بإسناده عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأل رجل أبي صلوات الله عليه عن حروب أمير المؤمنين عليه السلام و كان السائل من محبينا فقال له أبو جعفر عليه السلام: بعث الله محمدا صلى الله عليه و اله بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة فلا تغمد حتى تضع الحرب أوزارها و لن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت الشمس من مغربها امن الناس كلهم في ذلك اليوم فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، و سيف منها مكفوف، و سيف منها مغمود سله إلى غيرنا و حكمه إلينا.

و أما السيوف الثلاثة الشاهرة فسيف على مشركي العرب قال الله عز و جل:فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم و خذوهم و احصروهم و اقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا- يعني آمنوا- و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فإخوانكم في الدين‏ فهؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام و أموالهم و ذراريهم سبى على ما سن رسول الله صلى الله عليه و اله فانه سبى و عفى و قبل الفداء.

و السيف الثاني على أهل الذمة قال الله تعالى: و قولوا للناس حسنا نزلت هذه الاية في أهل الذمة ثم نسخها قوله عز و جل‏ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون‏ فمن كان منهم في دار الإسلام فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل و مالهم في‏ء و ذراريهم سبى و إذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم، و حرمت أموالهم، و حلت لنا مناكحتهم، و من كان منهم في دار الحرب حل لنا سبيهم و أموالهم، و لم تحل لنا مناكحتهم و لم يقبل منهم إلا الدخول في دار الإسلام أو الجزية أو القتل.

و السيف الثالث سيف على مشركي العجم يعني الترك و الديلم و الخزر قال الله عز و جل في أول السورة التي يذكر فيها الذين كفروا فقص قصتهم ثم قال: فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد و إما فداء حتى تضع الحرب أوزارها فأما قوله: فاما منا بعد يعني بعد السبي منهم، و اما فداء يعني المفاداة بينهم و بين أهل الإسلام فهؤلاء لن يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام و لا تحل لنا مناكحتهم ما داموا في دار الحرب.

و أما السيف المكفوف فسيف على أهل البغي و التأويل قال الله عز و جل: و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمر الله‏ فلما نزلت هذه الاية قال رسول الله صلى الله عليه و اله: إن منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل فسئل النبي صلى الله عليه و اله من هو؟ فقال: هو خاصف النعل يعني أمير المؤمنين صلوات الله عليه، و قال عمار بن ياسر: قاتلت بهذا الراية مع رسول الله صلى الله عليه و اله ثلاثا و هذه الرابعة و الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق و أنهم على الباطل، و كانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين عليه السلام ما كان من رسول الله صلى الله عليه و اله في أهل مكة يوم‏ فتح مكة فانه لم يسب لهم ذرية و قال: من أغلق بابه فهو آمن، و من ألقى سلاحه فهو آمن؛ و كذلك قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم البصرة نادى فيهم لا تسبوا لهم ذرية، و لا تجهزوا على جريح، و لا تتبعوا مدبرا، و من أغلق بابه و ألقى سلاحه فهو آمن.

و أما السيف المغمود فالسيف الذي يقوم به القصاص قال الله عز و جل: النفس بالنفس و العين بالعين‏ فسله إلى أولياء المقتول و حكمه إلينا فهذه السيوف التي بعث الله محمدا صلى الله عليه و اله فمن جحدها أو جحد واحدا منها أو شيئا من سيرها و أحكامها فقد كفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه و اله. انتهى الخبر الشريف و سيأتي بياننا فيه إن شاء الله تعالى.

و رابعا بعد الاغماض عن الاستشهاد بالاية على هذا المعنى، و التمسك بهذا الخبر في بيانها علمنا أيضا أن من حارب الإمام العادل كافر بالأدلة التي اشرنا إلى طائفة منها في المجلد الأول من هذه التكملة (ص 367- 379) و في المجلد الثالث منها (ص 76) فراجع. و سيأتي طائفة من الروايات الاخرى المنقولة عن أئمة الدين الدالة علي ذلك في شرح المختار 16 من هذا الباب إن شاء الله تعالى.

و نزيدك بصيرة بنقل ما أفاده علم الهدى في الانتصار (ص 127 طبع طهران 1315) قال قدس سره: و مما انفردت به الإمامية القول بأن من حارب الإمام العادل و بغى عليه و خرج عن التزام طاعته يجري مجرى محارب النبي صلى الله عليه و اله و خالف طاعته في الحكم عليه بالكفر و إن اختلف أحكامهما من وجه آخر في المدافعة (المدافنة- خ) و الموارثة و كيفية الغنيمة من أموالهم و خالف باقي الفقهاء في ذلك و ذهب المحصلون منهم و المحققون إلى أن محاربي الإمام العادل فساق تجب البراءة منهم و قطع الولاية لهم من غير انتهاء إلى التكفير. و ذهب قوم من حشو أصحاب الحديث إلى أن الباغي مجتهد و خطاءه يجري مجرى الخطاء في سائر مسائل الاجتهاد.

و الذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة.

و أيضا فإن الإمام عندنا يجب معرفته و تلزم طاعته كوجوب (لوجوب- خ)المعرفة بالنبي صلى الله عليه و اله، و لزوم طاعته كالمعرفة بالله تعالى و كما أن جحد تلك المعارف و التشكيك فيها كفر كذلك هذه المعرفة.

و أيضا فقد دل الدليل على وجوب عصمة الإمام من كل القبائح و كل من ذهب إلى وجوب عصمته ذهب إلى كفر الباغي عليه و الخالف لطاعته، و التفرقة بين الأمرين خلاف إجماع الامة.

فإن قيل: لو كان ما ذكرتم بالغا إلى حد الكفر لوجب أن يكون مرتدا أو أن تكون أحكامه أحكام المرتدين و أجمعت الامة على أن أحكام الباغي تخالف أحكام المرتد و كيف يكون مرتدا و هو يشهد الشهادتين، و يقوم بالعبادات؟

قلنا: ليس يمتنع أن يكون الباغي له حكم المرتد في الإنسلاخ عن الإيمان و استحقاق العقاب (العذاب- خ) العظيم و إن كانت الأحكام الشرعية في مدافنه و موارثه و غير ذلك تخالف أحكام المرتد، كما كان الكافر الذمي مشاركا للحربي في الكفر و الخروج عن الإيمان و إن اختلفت أحكامهما الشرعية.

فأما إظهار الشهادتين فليس بدال على كمال الإيمان ألا ترى أن من أظهرهما و جحد وجوب الفرائض و العبادات لا يكون مؤمنا بل كافرا و كذلك إقامة بعض العبادات من صلاة و غيرها، و من جحد أكثر العبادات و أوجبها من طاعة إمام زمانه و نصرته لم ينفعه أن يقوم بعبادة اخرى و غيرها.

و أما ما تذهب إليه قوم من غفلة الحشوية من عذر الباغي و إلحاقه بأهل الاجتهاد فمن الأقوال البعيدة من الصواب، و من المعلوم ضرورة أن الامة اطبقت في الصدر الأول على ذم البغاة على أمير المؤمنين عليه السلام و محاربته و البراءة منهم و لم يقم لهم أحد في ذلك عذرا و هذا المعنى قد شرحناه في كتبنا و فرغناه و بلغنا فيه النهاية و هذه الجملة ههنا كافية.

فان اعترض المخالف على ما ذكرناه بالخبر الذي يرويه معمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن الحكم الغفاري، عن عديسة بنت أهبان بن صيفي قالت: جاء علي عليه السلام إلى أبي فقال: ألا تخرج معنا؟ قال: ابن عمك و خليلك أمرني إذا اختلف الناس أن أتخذ شيئا من خشب.

أو بالخبر الذي يروي عن أبي ذر رحمة الله عليه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و اله:كيف بك إذا رأيت أحجار الزيت و قد غرقت بالدم؟ قال: قلت: ما اختار الله لي و رسوله، قال: تلحق، أو قال: عليك بمن أنت منه، قال: قلت: أفلا آخذ بسيفي و أضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القوم إذا، قلت فما تأمرني يا رسول الله؟

قال:ألزم بيتك، قلت: فإن دخل على بيتي؟ قال: فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق رداءك على وجهك يبوء بإثمه و إثمك.

قلنا: هذان الخبران و أمثالهما لا يرجع بهما عن المعلوم و المقطوع بالأدلة عليه بلا دليل و هي معارضة بما هو أظهر منها و أقوى و أولى من وجوب قتال الفئة الباغية و نصرة الحق و معونة الإمام العادل و لو لم يرو في ذلك إلا ما رواه الخاص و العام و الولي و العدو من قوله عليه السلام: حربك يا علي حربي و سلمك يا علي سلمي، و قد علمنا أنه عليه السلام لم يرد أن نفس هذه الحرب تلك بل أراد تساوي تلك الأحكام فيجب أن يكون أحكام محاربيه هي أحكام محاربي النبي صلى الله عليه و اله إلا ما خصصه الدليل.

و ما روي أيضا من قوله: اللهم انصر من نصره و اخذل من خذله.و لأنه عليه السلام لما استنصره في قتال أهل الجمل و صفين و نهروان أجابته الامة بأسرها و وجوه الصحابة و أعيان التابعين و سارعوا إلى نصرته و معونته (معاونته- خ) و لم يحتج أحد عليه بشي‏ء مما تضمه هذان الخبران الخبيثان الضعيفان.

على أن الخبر الأول قد روي على خلاف هذا الوجه لأن أهدم بن الحارث (كذا) قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه و اله يا أهبان (كذا) أما أنك إن بقيت بعدي سترى في أصحابي اختلافا فان بقيت إلى ذلك اليوم فاجعل سيفك يا أهبان من عراجين، و قد يجوز أن يريد عليه السلام بالاختلاف الذي يرجع إلى القول و المذاهب دون المقاتلة و المحاربة.على أن هذا الخبر ما يمنع من قتال أهل الردة عند بغيهم و مجاهرتهم فهو أيضا غير مانع من قتال كل باغ و خارج عن طاعة الامام.

فأما الخبر الثاني فمما يضعفه أن أبا ذر رحمة الله عليه لم يبلغ إلى وقعة أحجار الزيت لأن ذلك انما كان محمد بن عبد الله بن الحسن في أول أيام (يوم- خ) المنصوب و أبو ذر مات في أيام عثمان فكيف يقول له رسول الله صلى الله عليه و اله: كيف بك في وقت لا يبقى إليه.

على أن أبا ذر رضي الله عنه كان معروفا بانكار المنكر بلسانه و بلوغه فيه أبعد الغايات و المجاهدات في إنكاره و كيف يسمع من الرسول الله صلى الله عليه و اله ما يقتضى خلاف ذلك. انتهى كلامه قدس سره.ثم اعلم أن القوم ذهبوا إلى أن في الاية خمس فوائد: إحداها أن البغاة على الإيمان لأن الله سماهم مؤمنين.

الثانية وجوب قتالهم فقال: فقاتلوا التي تبغى.

الثالثة القتال إلى غاية و هو أن يفيئوا إلى أمر الله بتوبة أو غيرها.

الرابعة أن الصلح إذا وقع بينهم فلا تبعة على أهل البغي في دم و لا مال لأنه ذكر الصلح أخيرا كما ذكره أولا و لم يذكر تبعة فلو كانت واجبة ذكرها.

الخامسة أن فيها دلالة على أن من كان عليه حق فمنعه بعد المطالبة به حل قتاله فان الله لما أوجب قتال هؤلاء لمنع حق كان كل من منع حقا بمثابتهم و على كل أحد قتالهم.

أقول: أما الاولى فقد دريت ما فيها، و علمت أن تسميتهم البغاة ليس بالمعنى الذي مال إليه بعضهم من انه ليس بذم و لا نقصان و هم أهل الاجتهاد اجتهدوا فأخطئوا بمنزلة طائفة خالفوا من الفقهاء أو بالمعنى الاخر الذي مال إليها بعض آخر منهم من أنهم فساق تجب البراءة منهم و قطع الولاية لهم من غير انتهاء إلى الكفر، بل الذي بالمعنى ذهبنا إليه من أن تسميتهم بذلك ذم و كفر، و قد استدل عليه أيضا بقوله تعالى: و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم‏ لا أيمان لهم لعلهم ينتهون‏ (التوبة آية 12).

و بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله واسع عليم‏ (المائدة 60).

و قد مضى وجه الاستدلال بهما في شرح المختار 236 من الخطب (ص 377 ج 1 من التكملة).

و قد روى الفريقان أن النبي صلى الله عليه و اله قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله كرارا غير فرار، فتبصر.

و بقوله تعالى: يا أيها النبي جاهد الكفار و المنافقين و اغلظ عليهم و مأواهم جهنم و بئس المصير (التوبة 74).

و ذلك لأن المنافق من ظاهره الإسلام و كذلك الباغي لإظهاره الاسلام و خروجه عنه ببغيه على إمامه فهو حقيق باسم النفاق، و لذلك قال النبي صلى الله عليه و اله لعلي عليه السلام لا يحبك إلا مؤمن تقي و لا يغضك إلا منافق شقي رواه النسائي في صحيحه و رويناه أيضا نحن في أخبارنا، و من يحاربه لا يحبه قطعا فيكون منافقا و هو المطلوب، و لا يلزم من عدم جهاد النبي صلى الله عليه و اله للمنافقين عدم ذلك بعده.

و أما الثانية فصحيح، و قد يستدل أيضا على قتال البغاة بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم‏ (النساء 63) بعموم وجوب طاعة اولى الأمر.

و أما الثالثة فكالثانية.

و أما الرابعة فليست بصحيحة عندنا الإمامية فان الباغي إذا أتلف مالا أو نفسا ضمنه نعم إن كان المتلف من أهل العدل فلا ضمان عليه لأن الله تعالى أوجب على أهل العدل قتالهم فكيف يوجب عليه القتال و يوجب عليه الضمان إذا أتلف مالا لهم أو قتل نفسا منهم، كما إذا أتلف الحربي مالا أو نفسا من أموال المسلمين‏ و نفوسهم ثم أسلم فانه لا يضمن و لا يقاد لقوله تعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف و إن يعودوا فقد مضت سنت الأولين‏ (الأنفال 40) و لخبر الجب.

و تفصيل هذه الأحكام موكول على الفقه و البحث عنها يوجب التطويل و الخروج عن موضوع الكتاب، على أن الجهاد مشروط بحضور الإمام العادل و أمره و هو أعلم بأحكام الله من غيره.

و أما الخامسة فكاالرابعة لأن العلة التي ذكروها لجواز القتال مستنبطة ليست بحجة، و لأن الحقوق متفاوتة فلا يوجب قتال البغاة لمنع حق خاص، قتال كل من منع حقا من الحقوق.

على أن الاية كما أفاد شيخ الطائفة قدس سره في المبسوط خطاب للامة دون آحاد الامة و ليس من حيث قال: فقاتلوا التي تبغى فأتى بلفظ الجمع ينبغي أن يتناول الجميع لأن ذلك يجري مجرى قوله: «و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما» و لا خلاف أن هذا خطاب للامة و نحن و إن وجبت علينا طاعة الإمام في قتال هؤلاء فإن قتالنا تبع لقتال الإمام و ليس لنا الانفراد بقتالهم.

و أما ما وعدنا من بيان خبر الأسياف فنقول: قوله عليه السلام: شاهرة أي مجردة من الغمد. قوله: حتى تضع الحرب أوزارها أي حتى تنقضي لأن أهلها يضعون أسلحتهم حينئذ، و سمي السلاح وزرا لأنه ثقل على لابسه، أو لأن أصل الوزر ما يحمله الانسان فسمي السلاح أوزارا لأنه يحمل قال الأعشى:

و أعددت للحرب أوزارها رماحا طوالا و خيلا ذكورا
و من نسج داود يحدوبها على أثر الحي عيرا فعيرا

قوله عليه السلام: حتى تطلع الشمس من مغربها، قد جاءت روايات في علامات ظهور الإمام القائم عليه السلام نقلها المحقق الفيض قدس سره في الوافي (ص 106- 114 من ج 2) و المحدث الجليل المجلسي في البحار (ج 13 ص 150- 172 من الطبع الكمباني) و أتى بطائفة منها الشيخ الأجل المفيد في الارشاد (ص 336 طبع طهران‏ 1377 ه) منها طلوع الشمس من المغرب.

و كذلك قد جاءت روايات اخرى في أشراط الساعة و قيام القيامة منها طلوع الشمس من المغرب، ففي الخرائج و الجرائح للراوندي (ص 195 طبع ايران 1301 ه):قال النبي صلى الله عليه و اله: عشر علامات قبل الساعة لا بد منها: السفياني، و الدجال، و الدخان، و خروج القائم، و طلوع الشمس من مغربها، و نزول عيسى بن مريم. الحديث و في أول كتاب الجهاد من المبسوط لشيخ الطائفة قدس سره أنه روي عن النبي صلى الله عليه و اله أنه قال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة و لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.

فإن كانت كلمة امن في قوله عليه السلام فإذا طلعت الشمس من مغربها امن الناس فعلا ثانيا مجردا فالمراد أن الحرب لن تضع أوزارها حتى أن يظهر الإمام القائم عليه السلام لأن الله يملا به الأرض عدلا بعد ما ملئت جورا و ظلما، روى علي ابن عقبة، عن أبيه قال: إذا قام القائم عليه السلام حكم بالعدل و ارتفع في أيامه الجور و أمنت به السبل و أخرجت الأرض بركاتها ورد كل حق إلى أهله و لم يبق أهل دين حتى يظهروا الاسلام و يعترفوا بالإيمان- إلخ (الإرشاد ص 343).

لكن الصواب أن الكلمة فعل ماض من الإيمان بقرينة قوله: فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها- إلخ. و هذا اشارة إلى قوله تعالى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا (الأنعام- 160).

و انما لم ينفعها إيمانها حينئذ لأن باب التوبة ينسد بظهور آيات القيامة، و أن التكليف يزول عند ظهورها، و قال عز من قائل: قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم و لا هم ينظرون‏ (السجدة- 30)، و قال تعالى: فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده و كفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا (آخر الغافر).

ثم إنه عليه السلام جعل السيوف الشاهرة مقابلة جهاد أهل البغي و معلوم أن جهاد أهل البغي إنما يكون بإذن الإمام عليه السلام فهو جار إذا كان الإمام حاضرا باسط اليد، و أما جهاد غيرهم من المشركين فالظاهر من قوله عليه السلام ثلاثة منها شاهرة دال على جواز قتالهم في زمان الغيبة أيضا و في الحديث كما في مجمع البيان في تفسير سورة محمد صلى الله عليه و اله عن النبي: و الجهاد ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر امتي الدجال، لكن جهادهم لما كان مشروطا بوجود الإمام أو من نصبه كما حقق في محله فالمراد أنها شاهرة إلى قيام الساعة إذا خيف على بيضة الإسلام إلا أنه لا يكون جهادا بل كان دفاعا و قد تجب المحاربة على وجه الدفع من دون حضور الإمام أو من نصبه إذا خيف كذلك.

قوله عليه السلام على أهل الذمة، أهل الذمة هم اليهود و النصارى و المجوس و إنما يجب جهادهم إذا أخلوا بشرائط الذمة.

قوله عليه السلام: و إذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم، و حرمت أموالهم، و حلت لنا مناكحتهم. و اعلم أنه لا خلاف في عدم جواز نكاح غير الكتابية للمسلم و أما في جواز الكتابية فقد اختلفت الأقوال فيه و أتى بها العلامة قدس سره في المختلف قال: قال المفيد رحمه الله: نكاح الكافرة محرم سواء اليهود و النصارى و المجوس و اطلق النكاح مع أنه قسمه أولا إلى نكاح المتعة و الدائم و ملك اليمين و مقتضى هذا تحريم الجمع.

و قال الصدوق في المقنع: و لا يتزوج اليهودية و النصرانية على حرة متعة و غير متعة. و روى هذا اللفظ في كتاب من لا يحضره الفقيه عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، ثم روى عن الحسن التفليسي، عن الرضا عليه السلام أنه سأله يتمتع الرجل من اليهودية و النصرانية؟ قال: يتمتع.

و سوغ الشيخ في النهاية التمتع باليهودية و النصرانية دون من عداهما من ضروب الكفار و مقتضاه تحريم المجوسية.

و قال سلار: يجوز نكاح الكتابيات متعة.

و قال ابن إدريس: لا بأس أن يعقد على اليهودية و النصرانية هذا النكاح في حال الإختيار فأما من عدا هذين الجنسين من سائر أصناف الكفار سواء كانت‏

مجوسية أو غيرها، كافرة أصل أو مرتدة، أو كافرة ملة فلا يجوز العقد عليها و لا وطيها حتى تتوب من كفرها.

و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: يكره التمتع بالمجوسية و ليس ذلك بمحظور و هذا خبر أورده إيرادا لا اعتقادا لأن اجماع أصحابنا بخلافه.

و شيخنا المفيد في مقنعته يقول: لا يجوز العقد على المجوسية و قوله تعالى:

و لا تمسكوا بعصم الكوافر و قوله تعالى: و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن‏» و هذا عام و خصصنا اليهودية و النصرانية بدليل الإجماع و بقى الباقي على عمومه.

انتهى ما أردنا من نقل كلامه من المختلف.

أقول: الأصل في المسألة قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم و لا هم يحلون لهن و آتوهم ما أنفقوا و لا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن و لا تمسكوا بعصم الكوافر و سئلوا ما أنفقتم و ليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم و الله عليم حكيم‏ (الممتحنة- 11).

و قوله تعالى: و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن و لأمة مؤمنة خير من مشركة و لو أعجبتكم و لا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا و لعبد مؤمن خير من مشرك و لو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار و الله يدعوا إلى الجنة و المغفرة بإذنه و يبين آياته للناس لعلهم يتذكرون‏ (البقرة 221 و 222).

و قوله تعالى: و من لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات‏ (النساء- 31) و كذلك قوله تعالى:

لا يستوي أصحاب النار و أصحاب الجنة (الحشر- 21) و نحوها من آيات اخرى.

فالاية الاولى دلت أولا على عدم جواز رجوع الزوجة إذا أسلمت إلى زوجها الكافر، و كان رسول الله صلى الله عليه و اله يمتحن من جاءه من المؤمنان مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام ثم يحبسها و يعطى أزواجهن مهورهن.

و ثانيا على أن المؤمنات لسن بحل للكفار و أن الكفار لا يحلون لهن فهي دالة على منع النكاح مطلقا سواء كانا يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين أو غيرها من أقسام الكفار، و سواء كان النكاح دائما أو مؤجلا أو ملك يمين.

و ثالثا على تحريم نكاح المسلم الكوافر بقوله «و لا تمسكوا بعصم الكوافر» و عمومها شامل على جميع أقسام الكفر و على جميع أقسام النكاح.

و في مجمع البيان: قال الزهري: و لما نزلت هذه الاية و فيها قوله: «و لا تمسكوا بعصم الكوافر» طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا له بمكة مشركتين قرينة بنت أبي امية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان و هما على شركهما بمكة، و الاخرى ام كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية ام عبد الله بن عمر فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم رجل من قومه و هما على شركهما.

و كانت عند طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق بينهما الاسلام حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر و كان طلحة قد هاجر و هي بمكة عند قومها كافرة، ثم تزوجها في الاسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص ابن امية و كانت ممن فرت إلى رسول الله صلى الله عليه و اله من نساء الكفار فحبسها و زوجها خالدا.

و أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة ففرت منه و هو يومئذ كافر إلى رسول الله صلى الله عليه و اله فزوجها رسول الله سهل بن حنيف فولدت عبد الله بن سهل.

قال الشعبي و كانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه و اله امرأة أبي العاص بن الربيع فأسلمت و لحقت بالنبي في المدينة و أقام أبو العاص مشركا بمكة ثم أتى المدينة فأمنته زينب ثم أسلم فردها عليه رسول الله صلى الله عليه و اله.

و قال الجبائي: لم يدخل في شرط صلح الحديبية إلا رد الرجال دون النساء و لم يجر للنساء ذكر و إن ام كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمة مهاجرة من مكة فجاء أخواها إلى المدينة فسألا رسول الله صلى الله عليه و اله ردها عليهما فقال رسول الله‏ ان الشرط بيننا في الرجال لا في النساء فلم يردها عليهما. قال الجبائي: و إنما لم يجر هذا الشرط في النساء لأن المرأة إذا أسلمت لم تحل لزوجها الكافر فكيف ترد عليه و قد وقعت الفرقة بينهما.

و الاية الثانية دالة صريحة أيضا على عدم جواز نكاح المشركات أي الكافرات و كذا على عدم جواز نكاح المشركين أي الكافرين و اليهود و النصارى من المشركين قال عز من قائل: و قالت اليهود عزير ابن الله و قالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله و المسيح ابن مريم و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون‏ (التوبة- 32) فسماهم مشركين نعم ان الظاهر من قوله: «خير من مشركة» و كذا «خير من مشرك» يومئ إلى جواز نكاح المشركة للمسلم و نكاح المشرك للمسلمة فتأمل.

ثم انه تعالى علق النهي على الغاية التي هي الإيمان و التعليق يدل على اشتراط الايمان في النكاح، ثم أكد ذلك بقوله اولئك يدعون إلى النار لأن الغالب أن الزوج يدعو زوجته إلى النار بل ربما يدعو أحدهما صاحبه إلى النار و يأخذ أحد الزوجين من دين الاخر.

قال في المجمع: و هي- يعني هذه الاية- عامة عندنا في تحريم مناكحة جميع الكفار من أهل الكتاب و غيرهم و ليست بمنسوخة و لا مخصوصة.

و الاية الثالثة دلت على المطلوب أيضا حيث وصف الفتيات بالمؤمنات أي لا يجوز نكاح الفتيات الكافرات إن لم يستطع الناكح طولا. كما أنها دالة على تحريم نكاح الكافرة الحرة عليه إن لم يستطع طولا حيث لم يجوز مع عدم الاستطاعة بالمحصنات أي المؤمنات الحرائر نكاح الحرة من الكافرات.

و الرابعة تدل بظاهرها على نفي التساوي في جميع الأحكام التي من جملتها المناكحة.

إن قلت: قد دلت آية اخرى على جواز نكاح الكتابيات و هي قوله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين و لا متخذي أخدان و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله و هو في الآخرة من الخاسرين‏ (المائدة- 8) فكيف التوفيق؟

قلت: قد نهت الايات المتقدمة عن نكاح الكوافر كما دريت و قد يجوز حمل هذه الاية على من أسلم منهن و من الجائز أن فرق الشرع قبل ورود الاية بين المؤمنة التي لم تكن قط كافرة، و بين من كانت كافرة ثم آمنت ففي بيان ذلك و الجمع بين الأمرين في الإباحة فائدة، كما في الانتصار، و قد حكى الطبرسي في مجمع البيان عن أبي القاسم البلخي أن قوما كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت عن كفر فبين سبحانه أنه لا حرج في ذلك فلهذا أفردهن بالذكر.

و ان قيل: إن ظاهر الاية و سياقها في مقام الامتنان و التسهيل فتأبى عن ذلك الحمل.

قلنا: إن النكاح على ثلاثة أقسام: نكاح المتعة، و الدائم، و ملك اليمين و قد نطق القرآن الكريم بنكاح المتعة في قوله: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة (النساء- 25) و هو المنقول عن غير واحد من الصحابة و التابعين و جماعة معروفة الأقوال منهم أمير المؤمنين عليه السلام و عبد الله بن عباس و عبد الله بن مسعود و مجاهد و عطا و انهم يقرءون «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فاتوهن اجورهن» و قد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري و سلمة بن الأكوع و أبي سعيد الخدري و المغيرة بن شعبة و سعيد بن جبير و ابن جريح انهم كانوا يفتون بها و قد أجاز الأئمة من أهل البيت عليهم السلام نكاح الكتابيات متعة لا دائما و أهل البيت أدرى بما فيه فالاية باقية على الامتنان و التسهيل غاية الأمر أنها تبين حكم نكاح واحد من بين الثلاثة و لا ضير فيه فان نكاح المتعة نكاح، و على هذا المعنى يحمل ما روى أن عمارا نكح نصرانية، و نكح طلحة نصرانية، و نكح حذيفة يهودية.

على انه قد ورد روايات على انها منسوخة بقوله تعالى: و لا تمسكوا بعصم الكوافر و قوله تعالى: و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن‏ ففي الكافي بإسناده عن ابن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله سبحانه: و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏؟ قال: هذه منسوخة بقوله: و لا تمسكوا بعصم الكوافر.

و فيه بإسناده عن ابن فضال. عن الحسن بن الجهم قال: قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام: يا با محمد! ما تقول في رجل يتزوج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك و ما قولي بين يديك؟ قال: لتقولن فان ذلك تعلم به قولي، قلت: لا يجوز ترويج نصرانية على مسلمة و لا على غير مسلمة، قال: و لم؟ قلت: لقول الله عز و جل: و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن‏، قال: فما تقول: في هذه الاية:و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏؟

قلت:فقوله: و لا تنكحوا المشركات‏ نسخت هذه الاية فتبسم ثم سكت.

نعم إن في نسخ الاية بالايتين كلاما و هو أن الفريقين رووا عدة روايات في أن المائدة آخر سورة نزلت و آية تحليل نكاح الكتابيات منها و تقديم الناسخ على المنسوخ نزولا ليس بصحيح، ففي الإتقان للسيوطي: أخرج الترمذي و الحاكم عن عائشة قالت: آخر سورة نزلت المائدة فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه- الحديث.

و في مجمع البيان: روى العياشي بإسناده، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه عن جده، عن علي عليه السلام قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضا و إنما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه و اله بأخذه و كان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها و لم ينسخها شي‏ء- إلخ.

لكن غير واحدة من الروايات ناطقة بأن آخر السورة نزولا ليس المائدة ففي الاتقان: أخرج مسلم عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت إذا جاء نصر الله و الفتح، و أخرج الترمذي و الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: آخر سورة نزلت‏ سورة المائدة و الفتح- يعني إذا جاء نصر الله، و في حديث عثمان المشهور براءة من آخر القرآن نزولا، و في مجمع البيان للطبرسي في تفسير سورة هل أتى أن التوبة آخر سورة نزولا و نزلت المائدة قبلها.

أقول: سلمنا أن المائدة ليست آخر السورة نزولا أما أن نزولها كان بعد البقرة فلا كلام فيه بل في المجمع في تفسير السورة المذكورة أن البقرة أول سورة نزلت بالمدينة فالإشكال في تقديم الناسخ على المنسوخ باق بحاله، اللهم إلا أن يقال يجوز أن يكون نزول الايتين الناسختين في البقرة بعد نزول الاية المنسوخة في المائدة إلا أن رسول الله صلى الله عليه و اله جعلها بأمر الله تعالى في ذلك الموضع من سورة المائدة كما أن آية: و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت و هم لا يظلمون‏ آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه و اله فجعلها رأس الثمانين و المائتين من البقرة بأمر الأمين جبرائيل عليه السلام كما في المجمع و الكشاف و أنوار التنزيل و غيرها. فتأمل.

و بالجملة لو لم نقل بنسخ الاية لكانت بيانا لنكاح المتعة و تجويزه كما دريت.

و لقائل أن يقول: إن قوله تعالى في البقرة: و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن‏- الاية غير الكتابية من عبدة الأوثان و غيرهم من الذين ليس لهم كتاب بدليل الافتراق بينهما في قوله تعالى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب و لا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم‏- الاية (البقرة 100) و قوله تعالى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى تأتيهم البينة (البينة- 2).

قلت: قد دلت الاية المتقدمة من التوبة على أن اليهود و النصارى من المشركين و افتراقهما في آية لعناية خاصة لا يدل على عدم كون أهل الكتاب مشركين.

و بالجملة القول بجواز نكاح الكتابية للمسلم بالدوام مشكل جدا و أما نكاحها متعة أعني مؤجلا، أو ملك يمين فلا بأس به.

و روايات الباب طائفة منها صريحة في أن نكاح الكافرة سواء كانت عابدة وثن أو مجوسية أو يهودية أو نصرانية محرم منها رواية ابن الجهم المتقدمة المنقولة عن الكافي.

و فيه أيضا بإسناده عن ابن رئاب، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا ينبغي نكاح أهل الكتاب، قلت: جعلت فداك و أين تحريمه؟ قال: قوله: و لا تمسكوا بعصم الكوافر.

و فيه بإسناده، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا ينبغي للمسلم أن يتزوج يهودية و لا نصرانية و هو يجد مسلمة حرة أو أمة.

و اخرى منها تجوز النكاح لكنها يحتمل وجوها من التأويل كما اشار إليها شيخ الطائفة في التهذيب منها أن تكون هذه الأخبار خرجت مخرج التقية لأن كل من خالفنا يذهب إلى إباحة ذلك فيجوز أن تكون هذه الأخبار وردت وفقا لهم.

و منها أن تكون هذه الأخبار تناولت إباحة من لا تكون مستبصرة معتقدة للكفر متدينة به بل تكون مستضعفة فان نكاح من يجري هذا المجرى جائز.

و منها أن يكون ذلك إباحة في حال الضرورة و عند عدم المسلمة و يجري ذلك المجرى إباحة الميتة و الدم عند الخوف على النفس.

و منها أن تكون هذه إباحة في العقد عليهن عقد المتعة و إن شئت تفصيلها فعليك بالتهذيب.

ثم إن في خبر الأسياف تفصيلا آخر في المقام و هو أن أهل الذمة إذا قبلوا الجزية حلت للمسلم مناكحتهم و أما إذا كانوا في دار الحرب فلا.

و مثله مروي عن النبي صلى الله عليه و اله أيضا ففي تفسير القمي انه صلى الله عليه و اله قال: و إنما يحل نكاح أهل الكتاب الذين يؤدون الجزية و غيرهم لم تحل مناكحتهم.

أقول: الخبران يدلان على جواز نكاحهم مع انعقاد الذمة و إنما لم يجز بدونه لأنهم حينئذ محاربون فيشملهم الأحكام الواردة على المحاربين.

قوله عليه السلام: فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل- إلخ.

أقول: أهل الكتاب أي اليهود و النصارى يجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية و كذا حكم من لهم شبهة كتاب أي المجوس فيقرون على دينهم ببذل الجزية و متى امتنع أهل الكتاب من بذل الجزية قوتلوا و سبيت ذراريهم و نساءهم و أموالهم تكون فيئا و أما من لا كتاب له و لا شبهة كتاب من عباد الأصنام و الأوثان و الكواكب و غيرهم فلا يقرون على دينهم ببذل الجزية.

قوله عليه السلام: و السيف الثالث سيف على مشركي العجم- إلخ.

أقول: لما ذكر الإمام عليه السلام في هذا الخبر أحكام أهل الذمة على حدة علم ان المراد من مشركي العرب و العجم سوى أهل الكتاب منهما و هذا واضح و إنما الكلام في ذكر كل من مشركي العرب و العجم منفردا و ذلك لأن أحكام المشركين الذين ليس لهم كتاب واحدة و لا تختلف أحكامها باختلاف البلاد و الأقاليم و الألسنة و لم نجد في الكتب الفقهية من تعرض بالتفصيل و التفريق بين مشركي العرب و العجم و ما نعلم سبب انفراد مشركي العجم بالذكر إلا أن العلامة المجلسي قدس سره قال في مرآة العقول: و إنما أفرده عليه السلام (يعني السيف الثالث) بالذكر لعلمه بأن قوله تعالى: فضرب الرقاب‏ نزل فيه و المخاطب بالقتال فيه امة النبي صلى الله عليه و اله لأنه لم يقاتلهم و إنما قاتلهم الله. انتهى فتأمل.

قوله عليه السلام: فسيف على أهل البغي و التأويل- و قال رسول الله صلى الله عليه و اله: إن منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل.

أقول: في حديث علي عليه السلام ما من آية إلا و علمني تأويلها أي معناها الخفي الذي هو غير المعنى الظاهري لما تقرر من أن لكل آية ظهرا و بطنا و المراد أنه صلى الله عليه و اله اطلعه على تلك الخفيات المصونة و الأسرار المكنونة. قاله الطريحي في مجمع البحرين.

و قال المجلسي رحمه الله في مرآة العقول: لعل كون قتال التأويل لكون الاية غير نص في خصوص طائفة إذ الباغي يدعي أنه على الحق و خصمه باغ.

أو المراد به أن آيات قتال المشركين و الكافرين يشملهم في تأويل القرآن. انتهى و أقول: هذا البيان يناسب قول رسول الله صلى الله عليه و اله ان منكم من يقاتل بعدي على التأويل. و أما الظاهر من كلام أبي جعفر عليه السلام فسيف على أهل البغي و التأويل فإنما المراد أن الخارجين على الإمام العادل هم أهل البغي و التأويل و يؤيد ما ذكرنا قول أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه الاتي (كتاب 55) إلى معاوية خطابا إليه:فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن فطلبتني بما لم تجن يدي و لا لساني إلخ.

حيث طلب معاوية القصاص لعثمان و أول قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى‏ الاية و نحوه من آيات اخرى بما أراد حتى ألب الناس على أمير المؤمنين عليه السلام و سيأتي كلامنا في تحقيق التأويل في تفسير كتابه عليه السلام إلى ابنه المجتبى عليه السلام عند قوله: و أن أبتدئك بتعليم كتاب الله و تأويله إلخ.

قوله عليه السلام: و قال عمار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية إلخ.

أقول: الراية إشارة إلى راية معاوية في بدر واحد و حنين. و هذه الرابعة يعني وقعة صفين و قد مر كلامنا في تفسير قوله هذا و قوله: و الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا السعفات من هجر في شرح المختار 236 (ج 15 ص 285- 289).

فقد آن أن نشرح جمل الوصية فنقول قوله: «لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم» نهى أصحابه عن الابتداء بالحرب و قد دريت من حديث عبد الله بن جندب المنقول من الكافي أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان يأمر أصحابه في كل موطن لقيهم عدوهم بقوله: لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم: إلخ. و إنما نهاهم عن الابتداء بها لأنه دعوة إلى المبارزة و الداعي إليها باغ و قد قال عليه السلام لابنه الامام المجتبى عليه السلام كما يأتي في باب المختار من حكمه عليه السلام (الحكمة 233): لا تدعون إلى مبارزة و إن دعيت بها فأجب فإن الداعي باغ و الباغي مصروع. انتهى و في كتاب الحرب من عيون الأخبار لابن قتيبة (ص 128 ج 1 طبع مصر): العتبى عن أبيه قال:قال علي بن أبي طالب عليه السلام لابنه الحسن: يا بني لا تدعون أحدا إلى البراز و لا يدعونك أحد إليه إلا أجبته فانه بغى.

و قال عز من قائل: يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم‏ (يونس 24) و من الأمثال القديمة قولهم: لا ظفر مع بغي. أتى به ابن القتيبة في كتاب الحرب من عيون الأخبار (ص 111 ج 1).

و في باب حكم طلب المبارزة من كتاب الجهاد من الوسائل باسناده عن ابن القداح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دعى رجل بعض بني هاشم إلى البراز فأبى أن يبارزه فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما منعك أن تبارزه؟ فقال: كان فارس العرب و خشيت أن يغلبني؛ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: فانه بغى عليك و لو بارزته لغلبته و لو بغى جبل على جبل لهدم الباغي.

و في هذا الباب من الوسائل أيضا: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الحسين (الحسن خ ل) بن علي دعى رجلا إلى المبارزة فعلم به أمير المؤمنين عليه السلام فقال:لئن عدت إلى مثل هذا لاعاقبنك؛ و لئن دعاك أحد إلى مثلها فلم تجبه لا عاقبنك أما علمت أنه بغى.

و قد مضى في شرح المختار 236 أن معاوية لما كف أمير المؤمنين و عسكره في صفين عن الماء ثم أخذ أصحاب الأمير عليه السلام الماء عنهم و صار الماء في أيديهم قال بعضهم: لا نسقي معاوية و أتباعه الماء أرسل أمير المؤمنين عليه السلام إليهم أن خذوا من الماء حاجتكم و ارجعوا إلى عسكركم و خلوا عن معاوية و عسكره فان الله عز و جل قد نصركم عليهم بظلمهم و بغيهم (ص 227 ج 15).

قوله عليه السلام: «فانكم بحمد الله على حجة» علل النهي عن القتال بدوا بأن أتباعه عليه السلام على حجة و بينة و يقين من ربهم و أنهم على الطريق الواضح من حيث إنهم شايعوا الإمام الحق فهم على الصراط السوي و الجادة الوسطى. و أهل الحق لا يقاتلون أحدا بغير حق و حجج الله لم يؤمروا بالقتل و القتال بل امروا باحياء النفوس و تزكيتها من الأرجاس و الأدناس و تعليمهم الكتاب و الحكمة فإنى لهم أن يبدأوا بالقتال و قد قالوا: إن البادي بالحرب باغ.

و إنما قال: بحمد الله‏، لأن الكون على حجة من أعظم نعم الله تعالى‏ لا تعادله نعمة فيجب على المنعم عليه حمد المنعم.

قوله عليه السلام: «و ترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة اخرى لكم عليهم» قد علمت أن البادي بالحرب باغ و الإمام الحق مطلقا على حجة فانه ينظر بنور الله فاذا بدأوا بالحرب فقد تحقق بغيهم عليه فيجب عليه قتالهم لقوله تعالى: فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمر الله‏.

ثم إن البادي بالحرب معتد فيجب على الإمام الاعتداء عليه لقوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم‏ (البقرة- 191).

و إن محارب الإمام العادل محارب الله و رسوله فقد دريت من المباحث السالفة أن الفريقين نقلا عنه صلى الله عليه و اله انه قال لأمير المؤمنين عليه السلام: حربك يا علي حربي.

على أن الباغي عليه من الذين يسعون في الأرض فسادا فقد قال الله تعالى:إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم‏ (المائدة 38).

و بالجملة أن وجود الإمام عليه السلام حجة عليهم فيجب عليهم اتباع أمره و اقتفاء أثره و التأسي به فاذا طغوا و أعرضوا عن أمره و حاربوه و جازاهم على فعالهم و طغيانهم تمت الحجة عليهم و انقطع عذرهم وفاء لحق الاعتداء فهم محاربون و الإمام عليه السلام و عسكره حينئذ مدافعون فهذه حجة اخرى لهم عليهم.

ثم ينبغي للقارئ الكريم الطالب نهج القويم أن يتأمل في سيرة سفراء الله في أهل البغي حق التأمل و التدبر حتى يرى بعين العدل و الإنصاف أنهم لم يكونوا في سدد قتال الناس و قتلهم بل شأنهم في القتال و القتل شأن من يجث نبات السوء من مزرعة، أو كمن يقلع و يطرد أشواكا واقعة على طريق مانعة عن العبور عنها، أو كمثل الذي يقتل جراثيم مؤذية تؤذي شجرة مثمرة في حديقته. لأن الله تعالى بعثهم رحمة للناس كافة يدعوهم إلى ما يحييهم حياة طيبة، و يسلكهم إلى الفوز و النجاح و السعادة الأبدية إلا أن طائفة من أراذل الناس و أوباشهم و أشرارهم لما ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون و اتخذوا دين الله و عباده سخريا و أرادوا أن يطفؤا نور الله بألسنتهم و أسنتهم و سيوفهم و رماحهم، و كانوا يضلون الناس و يغوونهم حق عليهم العذاب بأيدي أهل الحق دفاعا عن حوزة الإسلام السامية، قال تعالى: و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض و لكن الله ذو فضل على العالمين‏ (البقرة 253) و قال عز من قائل: و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا (الحج 42).

و قد روى ثقة الإسلام الكليني قدس سره في الباب الثامن من كتاب الجهاد من الكافي بإسناده عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: بعثني رسول الله صلى الله عليه و اله إلى اليمن و قال لي: يا علي لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه و أيم الله لأن يهدى الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس و غربت و لك ولاؤه يا علي.

و قد مضى في شرح المختار الثاني من باب الكتب (ص 57 ج 17) انه عليه السلام بينا يوصي أصحابه في الجمل بقوله: لا تبدأوا القوم بالقتال و لا تقتلوا مدبرا- إلخ، إذ ظلهم نبل القوم الناكثين فقتل رجل من أصحابه فلما رآه قتيلا قال: اللهم اشهد، ثم رمى رجل عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقتله فأتى به أخوه عبد الرحمن يحمله فقال علي عليه السلام: اللهم اشهد، و تواتر على عمار بن ياسر الرمى فقال:ما ذا تنتظر يا أمير المؤمنين و ليس لك عند القوم إلا الحرب إلخ.

و في الكافي (الباب الثامن من كتاب الجهاد) باسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه و اله كان إذا بعث أميرا له على سرية أمره بتقوى الله عز و جل في خاصة نفسه ثم في أصحابه عامة ثم يقول: اغز (اغزوا- ظ) بسم الله و في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، و لا تغدروا، و لا تغلوا، و لا تمثلوا، و لا تقتلوا وليدا و لا متبتلا في شاهق، و لا تحرقوا النخل، و لا تغرقوه بالماء، و لا تقطعوا شجرة مثمرة، و لا تحرقوا زرعا لأنكم لا تدرون لعلكم‏ تحتاجون إليه، و لا تعقروا من البهائم مما يؤكل لحمه إلا ما لا بد لكم من أكله و إذا لقيتم عدوا للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث فان هم أجابوكم إليها فاقبلوا منهم و كفوا عنهم، و ادعوهم إلى الإسلام فان دخلوا فيه فاقبلوه منهم و كفوا عنهم و ادعوهم إلى الهجرة بعد الإسلام فان فعلوا فاقبلوا منهم، و كفوا عنهم، و إن أبوا أن يهاجروا و اختاروا أديانهم و أبوا أن يدخلوا إلى دار الهجرة كانوا بمنزلة أعراب المؤمنين يجري عليهم ما يجري على أعراب المؤمنين، و لا يجري لهم في الفى‏ء و لا في القسمة شي‏ء إلا أن يهاجروا في سبيل الله. فان أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يدوهم صاغرون، فان أعطوا الجزية فاقبل منهم و كف عنهم و إن أبوا فاستعن الله عز و جل عليهم و جاهدهم في الله حق جهاده. و إذا حاصرت أهل الحصن فارادوك على أن ينزلوا على حكم الله عز و جل فلا تنزل لهم و لكن أنزلهم على حكمهم، ثم اقض فيهم بعد ما شئتم فانكم إن تركتموهم على حكم الله لم تدروا تصيبوا حكم الله بهم أم لا. و إذا حاصرتم أهل حصن فإن أذنوك على أن تنزلهم على ذمة الله و ذمة رسوله فلا تنزلهم و لكن أنزلهم على ذممكم و ذمم آبائكم و إخوانكم فانكم إن تخفروا ذممكم و ذمم آبائكم و إخوانكم كان أيسر عليكم يوم القيامة من أن تخفروا ذمة الله و ذمة رسوله.

فهذا هو رسول الله صلى الله عليه و اله يوصي سراياه و عساكره بتقوى الله، و دعوة الكفار إلى الإسلام فأين هو صلى الله عليه و اله من أن يخوض في دماء الناس و قد طهره الله من الرجس تطهيرا، و قال له عز من قائل: «و لو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك».

و هو صلى الله عليه و اله قد تأدب باداب الله و في الجامع الصغير نقلا عن ابن عدي في الكامل عن ابن مسعود انه صلى الله عليه و اله قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي. و من أدبه صلى الله عليه و اله أنه بعد ما لقى في دعوته من قومه ما لقى قال: اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون، و على رواية اخرى: اللهم اغفر قومى فانهم لا يعلمون.

و في كتاب الحرب من عيون الأخبار لابن قتيبة (ص 123 ج 1) أن النبي صلى الله عليه و اله في بعض أيامه التي لقى فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس ثم قام‏ في الناس فقال: لا تتمنوا لقاء العدو، و اسألوا الله العافية- إلخ.

و قال ابن هشام في السيرة: إن رسول الله صلى الله عليه و اله لما أشرف على خيبر قال لأصحابه: قفوا ثم قال: اللهم رب السماوات و ما أظللن- إلى قوله: فإنا نسألك خير هذه القرية و خير أهلها و خير ما فيها- إلخ، و قد نقلناه في شرح المختار الثاني من باب الكتب و الرسائل (ص 50 ج 17).

فإياك أن تظن أن مثل حجج الله تعالى كمثل سلاطين الجور، و الذين يريقون الدماء نيلا إلى أغراض دنيوية و هواجس نفسانية.

و هذا هو أمير المؤمنين علي عليه السلام يعظ عسكره أن يدعوا الله أن يحقن دماءهم و دماء العدو، و يصلح ذات بينهما، و يهدي الأعداء من ضلالتهم.

و كان عليه السلام ينهى جنوده عن أن يسبوا و يشتموا الأعداء فأين هو عليه السلام و الخوض في الدماء، فقد روى نصر بن مزاحم المنقري في صفين (ص 55 من الطبع الناصري) عن عمر بن سعد، عن عبد الرحمن، عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله ابن شريك قال: خرج حجر بن عدي و عمرو بن الحمق يظهران البراءة و اللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما علي عليه السلام أن كفا عما يبلغني عنكما. فأتياه، فقالا: يا أمير المؤمنين! ألسنا محقين؟ قال: بلى، قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟

قال:كرهت لكم أن تكونوا لعانين، شتامين، تشتمون، و تتبرؤون. و لكن لو وصفتم مساوى أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا و كذا، و من عملهم كذا و كذا كان أصوب في القول، و أبلغ في العذر، و قلتم مكان لعنكم إياهم و براءتكم منهم: اللهم احقن دماءنا و دماءهم، و أصلح ذات بيننا و بينهم، و اهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق منهم من جهله، و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به، كان هذا أحب إلى، و خيرا لكم، فقالا: يا أمير المؤمنين نقبل عظتك و نتأدب بأدبك.

و قد مضى في شرح المختار الثاني من باب الكتب و الرسائل انه عليه السلام لما سار مع عسكره من المدينة إلى البصرة لقتال جند المرأة و أتباع البهيمة بلغ الموضع المعروف بالزاوية فنزلوا و صلى عليه السلام أربع ركعات و عفر خديه على التربة و قد خالط ذلك دموعه ثم رفع يديه يدعو: اللهم رب السماوات و ما أظلت- إلى قوله:اللهم احقن دماء المسلمين. (ص 50 ج 17).

و هذا هو الإمام الحسن بن علي عليهما السلام لم يرض أن يهرق في أمره محجمة دم كما علمنا من وصيته عليه السلام يوم حضرته الوفاة و قد تظافرت بنقلها الروايات.

و هذا هو الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، لما رام مسلم بن عوسجة أن يرمى شمر بن ذي الجوشن حين سب الحسين عليه السلام بسهم منعه عن ذلك فقال له: لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم رواه المفيد في الإرشاد (ص 217 طبع طهران 1377 ه).

و كذا روي في (ص 210) من الإرشاد: إن الحر بن يزيد الرياحي لما أخذهم بالنزول في مكان على غير ماء و لا قرية- ساق الكلام إلى أن قال: فقال زهير بن القين إني و الله ما أراه يكون بعد الذي ترون إلا أشد مما ترون يا ابن رسول الله صلى الله عليه و اله إن قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم فلعمري ليأتينا بعدهم ما لا قبل لنا به فقال الحسين عليه السلام: ما كنت لأبدأهم بالقتال ثم نزل.

نعم إن الخوض في دماء الناس إنما هو من شأن عبيد الدنيا و أسرة الهوى الذين اتخذوا دين الله دغلا، و عباد الله خولا، و مال الله دولا، أتباع الشقي الجبار الذي يعالن الناس قائلا: و الله إني ما قاتلتكم لتصلوا و لا لتزكوا و لا لتصوموا و لا لتحجوا، و إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، و قد أعطاني الله ذلك و أنتم كارهون.

و قد قدمنا نبذة من الكلام في ذلك في شرحنا على المختار 236 من باب الخطب (ص 227 و 252 و 300 ج 15) فراجع.

قوله عليه السلام: «فإذا كانت الهزيمة باذن الله» الهزيمة و إن كانت بحسب الظاهر على أيديهم و لكنها ليست متحققة إلا باذن الله‏ تعالى و أمره و لما كان ولى الله الأعظم عليه السلام موحدا فانيا في الله لا يرى من نفسه أثرا في البين، و لا يرى في دار الوجود مؤثرا إلا الله، لا حول و لا قوة إلا بالله، و لا يرى شيئا إلا من عنده تعالى‏ قال عز من قائل في قصة طالوت و ما جرى بينه و بين جالوت: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله و الله مع الصابرين و لما برزوا لجالوت و جنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا و ثبت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله‏ (البقرة- 252).

و قال تعالى: و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه‏ (الأعراف- 58).

و قال تعالى مخاطبا لعيسى عليه السلام: و إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني و تبرئ الأكمه و الأبرص بإذني و إذ تخرج الموتى بإذني‏ (المائدة- 112).

و قال حكاية عن عيسى عليه السلام: أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله و أبرئ الأكمه و الأبرص و أحي الموتى بإذن الله‏ (آل عمران- 45).

و قال عز من قائل مخاطبا لرسوله الخاتم: أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم‏ (إبراهيم- 2).

و قال تعالى: فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى‏ (الأنفال- 19).

و الانسان له وجهة إلهية بها فاعليته و وجهة نفسية بها ينسب الأفعال إلى نفسه، و المؤمن الموحد السالك إلى الله قد يرتقى بالرياضات و المجاهدات إلى مرتبة لا يرى لنفسه فيها أثرا، و لا يرى مؤثرا إلا الله، و ما يشاهد من دونه تعالى على ظاهر الأمر كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه حسابه‏ (النور- 40). قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (النساء- 82).

از سبب سازيش من سودائيم‏ و ز سبب سوزيش سوفسطائيم‏
در سبب سازيش سر گردان شدم‏ در سبب سوزيش هم حيران شدم‏
اين سببها بر نظرها پرده‏هاست‏ كه نه هر ديدار صنعش را سزا است‏

 

ديده‏اى بايد سبب سوراخ كن‏ تا حجب را بر كند از بيخ و بن‏
تا مسبب بيند اندر لا مكان‏ هرزه بيند جهد و أسباب دكان‏
هر چه خواهد آن مسبب آورد قدرت مطلق سببها بر درد

قوله عليه السلام: «فلا تقتلوا مدبرا» نهى عليه السلام أصحابه عن امور:نهاهم عن أن يقتلوا المدبر عن القتال كما نهاهم عن أن يتبعوا موليا، و أن يطلبوا مدبرا على ما رواه الكليني في الجامع الكافي، و المسعودي في مروج الذهب كما مر ذكرهما آنفا في بيان المصادر، و ما يستفاد من ظواهر الأخبار و فتاوى العلماء في المقام أن هذه الجمل الثلاث تشير إلى معنى فارد و تفيد حكما واحدا و لذا يوجد واحدة منها في نسخة دون الاخرين إلا أن المسعودي جمع بين نسختي و لا تتبعوا موليا، و لا تطلبوا مدبرا.

و ما وجدنا في الجوامع الرواية من الكافي و التهذيب و الوسائل و البحار و الوافي مع طول الفحص و كثرة الطلب رواية جامعة لها أو لاثنتين منها.

اللهم إلا أن يفسر قوله موليا بمن عاد من البغي إلى طاعة الامام و ترك المباينة فانه يحرم قتله قتاله حينئذ فلا تكرار في نسخة المسعودي على هذا الوجه و لكنه كما ترى.

كنايه قوله عليه السلام: «و لا تصيبوا معورا» قد تفرد الرضي رضوان الله عليه بنقله و ما وجدناه مع كثرة التحري في نسخة اخرى عن غيره، إلا أن ابن الأثير أتى به في النهاية كما مر آنفا في اللغة إن لم يكن النهج مأخذه. و لم يتعرض الفقهاء على هذا الحكم في أحكام أهل البغي الخارجين على الإمام.

و يمكن أن يفسر على وجوه:

أحدها أنه عليه السلام نهى أصحابه عن أن يقتلوا أو يجرحوا من أمكنتهم الفرصة في قتله و جرحه بعد هزيمة العدو و انكسارهم كما نص عليه بقوله‏ فإذا كانت الهزيمة باذن الله‏- إلخ و قد بين في اللغة أنه يقال أعور لك الصيد و أعورك إذا أمكنك و الإصابة كناية عن القتل أو الجرح و كأن المعنى الثاني أعني الجرح أنسب باسلوب الكلام.

ثانيها أنه عليه السلام نهاهم أن يقتلوا بعد انهزام العدو فارسا منهم اصيب قبل الانهزام بجراحة من قولهم أعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب فيه و هذا الوجه يقرب من قوله‏ و لا تجهزوا على جريح‏ معنى بخلاف الأول ففيه تكرار.

أما لو فسرت الاصابة بالطعن و الجرح فلا تكرار فيه لأن معنى العبارة حينئذ أنه نهاهم عن أن يطعنوا و يجرحوا بعد انهزام العدو من كان منهم جريحا أي‏ لا تصيبوا جريحا بجراحة اخرى كما فسره خواند مير بهذا الوجه في روضة الصفا.

ثالثها أنه نهاهم عن أن يقتلوا أو يجرحوا بعده العدو الذي صار مضطرا حتى أفضاه الاضطرار إلى أن يكشف عورته و يبدي سوءته وقاية لنفسه كما فعله عمرو بن العاص في صفين حين اعترضه أمير المؤمنين علي عليه السلام و قد أعرض عن قتله و تقدمت الحكاية في شرح المختار 236 (ص 318 ج 15).

رابعها أن يكون المراد بالمعور المريب أي الذي يشك فيه هل هو محارب أم لا أي‏ لا تقتلوا إلا من علمتم أنه محارب لكم.

لطيفة: في كتاب الحرب من عيون الأخبار لابن قتيبة (ص 169 ج 1 طبع مصر) قال المدائني: رأى عمرو بن العاص معاوية يوما يضحك فقال له: مم تضحك يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب، أما و الله لقد وافقته منانا كريما و لو شاء أن يقتلك لقتلك.

قال عمرو: يا أمير المؤمنين أما و الله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولت عيناك و رباك سحرك و بدا منك ما أكره ذكره لك فمن نفسك فاضحك أو دع.

قوله عليه السلام: «و لا تجهزوا على جريح» نهى عليه السلام جنوده أن يشدوا بعد انهزام العدو على صريعهم و يسرعون إلى قتله أي نهاهم عن قتل المجروح.

و إنما نهاهم عليه السلام عن أن يقتلوا مدبرا، أو يصيبوا معورا، أو يجهزوا على الجرحى بعد أن هزموهم لأنهم على ظاهر الأمر مسلمون، و كان القصد من قتالهم دفع شرهم و تفريق كلمتهم فإذا ولوا منهزمين فقد حصل القصد.

و اعلم أن أهل البغي لا يقتل مدبرهم، و لا يصاب معورهم، و لا يجهز على جريحهم إذا لم يكن لهم فئة يرجعون إليها فإذا كان لهم فئة يرجعون و يلتجؤن إليها جاز اتباع مدبرهم و الإجهاز على جريحهم و اصابة معورهم لأنهم ربما عادوا إلى الفئة و اجتمعوا و رجعوا إلى قتال الإمام العادل و هو مذهبنا الإمامية و خالفنا فيه بعض العامة.

دليلنا قوله تعالى: فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمر الله‏ الاية و هؤلاء الذين لهم فئة يرجعون إليها ما فاؤوا إلى أمر الله و لذا أن أمير المؤمنين عليه السلام نادى يوم الجمل أن لا يتبع مدبرهم و لا يقتل، و لا يجهز على جريحهم لأن أهل الجمل قتل إمامهم و لم تكن لهم فئة يرجعون إليها و انما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين و لا مخالفين و لا منابذين، و قتل أهل صفين مقبلين و مدبرين و أجاز على جريحهم لأن إمامهم كان من المنظرين و كان لهم فئة يرجعون إليها و يلجئون إليها و أخبار الإمامية بذلك عن أئمتهم وردت متظافرة:ففي الباب العاشر من كتاب الجهاد من الجامع الكافي بإسناده عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الطائفتين من المؤمنين إحداهما باغية و الاخرى عادلة فهزمت العادلة الباغية؟ فقال: ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبرا، و لا يقتلوا أسيرا، و لا يجهزوا على جريح، و هذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد و لم يكن لهم فئة يرجعون إليها فإذا كان لهم فئة يرجعون إليها فإن أسيرهم يقتل، و مدبرهم يتبع، و جريحهم يجهز.

و في ذلك الباب منه: بإسناده عن عقبة بن بشير، عن عبد الله بن شريك، عن أبيه قال: لما هزم الناس يوم الجمل قال أمير المؤمنين: لا تتبعوا موليا و لا تجيزوا (لا تجهزوا- خ ل) على جريح و من أغلق بابه فهو آمن؛ فلما كان يوم صفين قتل المقبل و المدبر و أجاز على جريح. فقال أبان بن تغلب لعبد بن شريك: هذه سيرتان مختلفتان، فقال: إن أهل الجمل قتل طلحة و الزبير، و إن معاوية كان قائما بعينه و كان قائدهم.

رواه المجلسي في المجلد الحادي و العشرين من البحار (ص 98 من الطبع الكمباني) بسند آخر عن عقبة بن شريك نقلا عن رجال الكشي.

و روى علي بن شعبة في تحف العقول عن الإمام العاشر أبي الحسن الثالث علي بن محمد عليهما السلام في باب أجوبته عليه السلام ليحيى بن أكثم عن مسائله (ص 116 من الطبع الحجري 1303 ه): أن يحيى بن أكثم قال له عليه السلام: أخبرني عن علي لم قتل أهل صفين و أمر بذلك مقبلين و مدبرين و أجاز على الجرحى، و كان حكمه يوم الجمل أنه لم يقتل موليا، و لا يجز على جريح؛ و لم يأمر بذلك و قال: من دخل داره فهو آمن، و من ألقى سلاحه فهو آمن، لم فعل ذلك فإن كان الحكم الأول صوابا فالثاني خطاء؟

قال عليه السلام: و أما قولك: إن عليا قتل أهل صفين مقبلين و مدبرين و أجاز على جريحهم، و إنه يوم الجمل لم يتبع موليا، و لم يجز على جريح، و من ألقى سلاحه آمنه، و من دخل داره آمنه فان أهل الجمل قتل إمامهم، و لم تكن لهم فئة يرجعون إليها و إنما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين و لا مخالفين و لا منابذين رضوا بالكف عنهم فكان الحكم فيهم رفع السيف عنهم و الكف عن أذاهم إذ لم يطلبوا عليه أعوانا. و أهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة و إمام يجمع لهم السلاح الدروع و الرماح و السيوف، و يسنى لهم العطاء، و يهنى‏ء لهم الأنزال، و يعود مريضهم، و يجبر كسيرهم، و يداوى جريحهم، و يحمل راجلهم، و يكسو حاسرهم، و يردهم فيرجعون إلى محاربتهم و قتالهم فلم يساوبين الفريقين في الحكم لما عرف من الحكم في قتال أهل التوحيد لكنه شرح ذلك لهم فمن رغب عرض على السيف أو يتوب من ذلك.

قوله عليه السلام: «و لا تهيجوا النساء بأذى و إن شتمن أعراضكم و سببن امراءكم فانهن ضعيفات القوى و الأنفس و العقول» في نسخة الكافي‏ و ان شتمن أعراضكم‏ و سببن امراءكم‏ و صلحاءكم، و في نسخة الطبري: و لا تهيجوا امرأة بأذى و إن شتمن أعراضكم‏ و تناولن‏ امراءكم‏ و صلحاءكم، و في روايتي الكافي و صفين لنصر فانهن ضعاف‏ القوى و الأنفس و العقول‏، و في رواية الطبري: فانهن ضعاف‏ القوى و الأنفس‏ و لم يأت‏ بالعقول‏. نهى عليه السلام عسكره أن يثيروا غضب نساء البغاة و شرورها و يحركوهن و يؤذوهن مطلقا حتى إنهن‏ إن شتمن أعراضهم و سببن امراءهم‏ وجب عليهم الامساك عن رد السب إليهن و الكف عنهن و عدم الاعتناء بشتمهن و سبهن.

و علل النهي بقوله‏ فانهن ضعيفات القوى و الأنفس و العقول‏ يعني لا يجوز إثارة من بلغن في الضعف هذه الغاية.

قال الشارح البحراني: قوله: لا تهيجوا النساء المراد بذلك أن لا تثيروا شرورهن بأذى و إن بلغن الغاية المذكورة من شتم الأعراض و سب الأمراء و علل أولوية الكف عنهم «كذا و الصواب الكف عنهن» بكونهن‏ ضعيفات القوى‏ أي‏ ضعيفات‏ القدر عن مقاومات الرجال و حربهم و سلاح الضعيف و العاجز لسانه، و بكونهن‏ ضعيفات الأنفس‏ أي لا صبر لنفوسهن على البلاء فيجتهدن في دفعه بما أمكن من سب و غيره، و بكونهن‏ ضعيفات العقول‏ أي لا قوة لعقولهن أن ترى عدم الفائدة في السب و الشتم و أنه من رذائل الأخلاق و أنه يستلزم زيادة الشرور و إثارة الطباع التي يراد تسكينها و كفها. انتهى.

أقول: إن أمير المؤمنين عليه السلام أتى في كلامه هذا بحكمين: الأول أن لا يهيج قومه نساء أهل البغي ابتداء، و الثاني أن يكفوا عنهن إذا شتمنهم لمكان كلمة إن الوصلية في قوله: و إن شتمن أعراضكم و سببن امراءكم‏ و اسلوب الكلام يدل على أن قوله‏ فانهن ضعيفات القوى و الأنفس و العقول‏ دليل للنهي أعني انه متعلق بقوله‏ و لا تهيجوا و ما أتى به الشارح المذكور فانما هو بيان لسبب شتمهن و سبهن و فحوى الكلام يأبى عن ذلك.

قوله عليه السلام: «ان كنا لنؤمر بالكف عنهن و انهن لمشركات» و في نسخة الطبري: و لقد كنا و إنا لنؤمر بالكف عنهن‏- إلخ يعني أنا كنا في عصر رسول الله صلى الله عليه و اله مأمورين بالكف عنهن و الحال‏ انهن‏ كن‏ مشركات فالكف عنهن‏ و عدم التعرض بهن و الحال انهن مسلمات على ظاهر الأمر أولى.

فانظر أن الشارع كيف أدب الرجال في رعاية حقوق النساء و عدم التعرض بهن و لو كن‏ مشركات‏ و لعمري ما فرط الشريعة المحمدية بيان حق اجتماعي أو نوعي غاية الأمر أن الناس لتوغلهم في الشهوات النفسانية ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون حتى عموا و صموا و أعرضوا عن الصراط السوى و اتبعوا الشيطان المردي المغوي و اقتفوا آثار الذين سلكوا طريقة عمياء و تعودوا قبول كل ما سمعوا من أفواه أشباه الرجال و عبيد الدنيا من غير بصيرة و فكرة و دليل و نعم ما قاله الشيخ الرئيس ابن سينا: من تعود أن يصدق من غير دليل فقد انسلخ عن الفطرة الإنسانية.

و قد رأينا في عصرنا طائفة من منتحلي الإسلام، المتعصبين غاية التعصب، الجاهلين عن أحكام الشريعة الإسلامية حقيقة قد تعرضوا للنساء الكاشفات الرءوس و الوجوه و كانوا يحثون الأسيد عليهن و يتركونهن في الشوارع و الأسواق عراة حتى بلغ عملهم المنكر العلماء و منعوهم عنه.

و هؤلاء الجهال ما تفقهوا في الدين لكى يعلموا أن الشريعة الإسلامية لم يجوز التعرض على أعراض الناس و إن كن مشركات بل حرم عليهم أن يقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و تلك الروية النكراء و الطوية العوراء منها.

لست أقول إن فعلهن هذا صواب و سيرتهن السيئة المشوهة القبيحة حسنة بل أقول إن المنكر لا يدفع بالمنكر و للإسلام في كل موضوع منطق صواب و حجة بيضاء و لا حاجة في دفع الفواحش و قمع المنكرات إلى فعل عار عن حلية العقل، بعيد عن الحق، يستبشعه العقل السليم و يشمئز منه الطباع.

قوله عليه السلام: «و إن كان الرجل‏- إلخ» و في نسخة الطبري: و إن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد بعد الأمر بالكف عنهن عقبه‏ بقوله هذا تأكيدا للأمر و تشديدا للكف، و تنبيها لهم على أن هذا العمل يورث أثرين‏ قبيحين: أحدهما في حياة مرتكبه حيث‏ يعير و يلام به، و الاخر بعد حياته حيث‏ يعير عقبه‏ به فمن عرف قدره و أحب نفسه و أهله‏ و عقبه‏ لا يعمل ما يوجب شينه و لومه و تعبير عقبه من بعده‏ و بالجملة جعل حال‏ الرجل‏ الذي كان يضرب‏ المرأة في الجاهلية بالحجر و العصا يورث له و لعقبه تعيير الناس و ملامتهم عبرة لهم فنفرهم عن ذلك العمل أشد تنفير.

على انه عليه السلام نبههم بهذا الكلام ضمنا على أن‏ المرأة إذا ارتكب‏ في الجاهلية هذا العمل يؤل أمره إلى كذا و اجتنابكم عنه و أنتم المسلمون كان أولى، يعني أن شناعة هذا الأمر بينة غاية الوضوح حتى أن الناس‏ في الجاهلية كانوا يلومون فاعله فكيف أنتم لا تكفون عن أذاهن و قد رزقتم الانتحال إلى الشريعة السلمية المحمدية.

ثم ان في حقوق‏ المرأة في الإسلام و وظائفها الإجتماعية و الانفرادية و سائر آدابها التي بينها الشارع تعالى مبحثا نأتي به إن شاء الله تعالى في شرح وصيته عليه السلام الاتية لابنه المجتبى عند قوله: إياك و مشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن‏- إلخ.

الترجمة

يكى از وصيتهاى علي أمير المؤمنين عليه السلام است كه بسپاه خود در سرزمين صفين پيش از برخوردن به لشكر دشمن (معاويه و پيروانش) و در گرفتن جنگ بيان فرمود:

با ايشان كارزار نكنيد تا آنان آغاز بجنگ كنند زيرا بحمد الله شما بر حقيد و حجت با شما است، و واگذاشتن شما ايشان را تا آغاز جنگ از آنها بشود حجتى ديگر مر شما را بر ايشان خواهد بود، و چون بخواست خدا بر آنان پيروز شديد و شكستشان داديد آنكه را پشت كرده و رو بفرار گذاشته مكشيد، و آنكه را از در اضطرار بكشف عورت خود پناهنده شد (يا بر آنكه بعد از شكست دست يافته‏ ايد- يا آن كسى كه معلوم نيست كه دوست است يا دشمن- يا بر آنكه جراحت‏ ديده و زخمى شده) مكشيد و زخم مرسانيد، و زخم خورده‏اى كه در ميان كشتگان مى‏ بينيد بر كشتن او مشتابيد و وى را نكشيد، و زنان را اگر چه عرض شما و بزرگان و پارسايان شما را دشنام دهند و ياوه گويند بر مي نگيزانيد و أذيت و آزارشان نكنيد و بدشنامشان اعتناء نكنيد چه نيرو و جان و خردشان ضعيفست، همانا كه ما در زمان پيمبر از پيمبر أمر داشتيم كه از آنها با اين كه مشرك بودند خوددارى كنيم و دست بداريم (اكنون كه بظاهر مسلمانند) و اگر در زمان جاهليت مردى زني را بسنگ و چوبدستى مى ‏زد وى را سرزنش مى ‏كردند و پس از مرگش فرزندانش را نكوهش مى‏ كردند، (زمان جاهليت كه چنين بود پس مسلمان بايد حتما از اين كار ناروا دست بردارد).

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

_____________________________________________________________

[1] ( 1) قد حرفت كلمة غنية في النسخ، و الصواب أنها بفتح الغين المعجمة و كسر النون و تشديد التحتانية كما في تقريب التهذيب لابن حجر. منه.

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 13 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 13 صبحی صالح

13- و من كتاب له ( عليه‏ السلام  ) إلى أميرين من أمراء جيشه‏

وَ قَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا وَ عَلَى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فَاسْمَعَا لَهُ وَ أَطِيعَا وَ اجْعَلَاهُ دِرْعاً وَ مِجَنّاً

فَإِنَّهُ‏ مِمَّنْ لَا يُخَافُ وَهْنُهُ وَ لَا سَقْطَتُهُ وَ لَا بُطْؤُهُ عَمَّا الْإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ وَ لَا إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطْءُ عَنْهُ أَمْثَلُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج 18  

و من كتاب له عليه السلام الى أميرين من امراء جيشه‏ و هو المختار الثالث عشر من باب كتبه و رسائله عليه السلام‏

و قد أمرت عليكما و على من في حيزكما مالك بن الحارث الأشتر فاسمعا له و أطيعاه و اجعلاه درعا و مجنا فإنه ممن لا يخاف وهنه‏ (وهيه- نسخة) و لا سقطته، و لا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم، و لا إسراعه إلى ما البطؤ عنه أمثل.

مصدر الكتاب و سنده‏

نقل الكتاب مسندا أبو جعفر الطبري المتوفى (310 ه) في التاريخ بأدنى اختلاف و قد مضى نقله في شرح الخطبة 236 فراجع إلى ص 221 من ج 1 من تكملة المنهاج.

و رواه مسندا نصر بن مزاحم المنقري في كتاب صفين (ص 81 من الطبع الناصري)، و أتى به المجلسي في المجلد الثامن من البحار (ص 478 من الطبع الكمباني). و ما أتى به الرضي في النهج فهو بعض هذا الكتاب و قد أسقط منه قريبا من سطر فدونك الكتاب بصورته الكاملة على ما رواه نصر و إن كان يوافق ما نقله الطبري تقريبا و قد نقل قبل.

قال نصر: و قال خالد بن قطن: فلما قطع علي عليه السلام الفرات‏[1] دعا زياد بن النضر و شريح بن هاني فسرحهما أمامه نحو معاوية على حالهما الذي كانا عليه حين خرجا من الكوفة في اثنى عشر ألفا و قد كانا حيث سرحهما من الكوفة أخذا على شاطى‏ء الفرات من قبل البر مما يلي الكوفة حتى بلغاعانات فبلغهم أخذ علي عليه السلام على طريق الجزيرة، و بلغهما أن معاوية أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقبال على عليه السلام فقال: لا و الله ما هذا لنا برأى أن نسير و بيننا و بين أمير المؤمنين هذا البحر، و ما لنا خير أن نلقى جموع أهل الشام بقلة من عددنا منقطعين من العدد و المدد فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات و حبسوا عندهم السفن فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت، ثم لحقوا عليا بقرية دون قرقيسياء و قد أرادوا أهل عانات فتحصنوا منهم فلما لحقت المقدمة عليا قال: مقدمتي تأتي ورائي.

فتقدم إليه زياد و شريح فأخبراه الذي رأيا؛ فقال: قد أصبتما رشدكما، فلما عبر الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية، فلما انتهوا إلى معاوية لقيهم أبو الأعور في جند أهل الشام فدعوهم إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين فأبوا؛ فبعثوا إلى علي أنا قد لقينا أبا الأعور السلمي بسور الروم في جند من أهل الشام فدعوناهم و أصحابه إلى الدخول في طاعتك فأبوا علينا فمرنا بأمرك. فارسل علي عليه السلام إلى الأشتر فقال:

يا مال إن زيادا و شريحا أرسلا إلى يعلماني أنهما لقيا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام بسور الروم فنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين فالنجاء إلى أصحابك النجاء، فإذا أتيتهم فأنت عليهم و إياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدءوك حتى تلقاهم و تسمع منهم و لا يجر منكم شنانهم على قتالهم قبل دعائهم و الإعذار إليهم مرة بعد مرة و اجعل على ميمنتك زيادا، و على ميسرتك شريحا، وقف بين أصحابك وسطا، و لا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب، و لا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى أقدم إليك فاني حثيث السير إليك إن شاء الله.

و كان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي. و كتب إليهما: أما بعد فإني قد أمرت عليكما مالكا فاسمعا له و أطيعا أمره فانه ممن لا يخاف رهقه و لاسقاطه و لا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم و لا الإسراع إلى ما البطؤ عنه أمثل. و قد أمرته بمثل الذي أمرتكما ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم فيدعوهم و يعذر إليهم.[2]

اللغة

الحيز: أصله من الواو. و قد يقال: الحيز مخففا مثل هين و هين، و لين و لين. قال الجوهري: الحيز ما انضم إلى الدار من مرافقها و كل ناحية حيز، قال تعالى: و من يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله‏، الاية (17، انفال) أي صائرا إلى حيز.

«درعا» الدرع بكسر الدال و سكون الراء مصنوع من حديد يلبس في‏ الحروب للوقاية من الضرب و الطعن، يقال بالفارسية: زره. مؤنثة و قد يذكر جمعه القليل أدرع و أدراع فاذا كثرت فهي الدروع. رجل دارع أي لا بس الدرع أي عليه درع كأنه ذو درع مثل تامر، قال السموأل بن عاديا اليهودي:

و أسيافنا في كل شرق و مغرب‏ بها من قراع الدارعين فلول‏

في أبيات له أتى بها الجاحظ في البيان و التبيين (ص 185 ج 3 طبع مصر) و درع المرأة قميصها و هو مذكر و الجمع أدراع قاله الجوهري.

«المجن» بالكسر: الترس و هو اسم آلة من الجن و الجمع مجان بالفتح.

و كذا المجنة و الجنة. و أصل الجن ستر الشي‏ء عن الحاسة و الترس يجن صاحبه و الجنة: السترة يقال: استجن بجنة أي استتر بسترة. قال عز من قائل: اتخذوا أيمانهم جنة، و في الكافي عن الصادق عليه السلام: الصوم جنة، و في التهذيب و الفقيه عن رسول الله صلى الله عليه و اله: الصوم جنة من النار، و الولد ما دام في بطن امه جنين جمعه أجنة، قال تعالى: و إذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم‏، و الجنان بالفتح القلب لكونه مستورا عن الحاسة و كذا سمي الجن جنا لاستتارهم و اختفائهم عن الأبصار و على هذا القياس ما اشتق من الجن فانه لا يخلو فيه معنى الاستتار.

«الوهن»: الضعف و «السقطة»: الغلطة و الخطاء، و في نسختي الطبري و نصر:

فإنه ممن لا يخاف رهقه و لاسقاطه، «الرهق» محركة: السفه، و النوك و الخفة و ركوب الشر و الظلم و غشيان المحارم، و في نهاية الأثيرية: و في حديث علي عليه السلام انه وعظ رجلا في صحبة رجل رهق، أي فيه خفة و حدة، يقال: رجل فيه رهق إذا كان يخف إلى الشر و يغشاه، و الرهق السفه، و غشيان المحارم و منه حديث أبي وائل انه صلى على امرأة كانت ترهق أي تتهم بشر، و منه الحديث سلك رجلان مفازة أحدهما عابد و الاخر به رهق، انتهى. و في القرآن الكريم: فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا و لا رهقا (الجن- 14). و روي: و لا وهيه، و هو قريب من الوهن معنى.

«السقاط» ككتاب قال الجوهري في الصحاح: السقطة العثرة و الزلة و كذلك السقاط. قال سويد بن أبي كاهل:

كيف يرجون سقاطي بعد ما جلل الرأس، مشيب و صلع‏

و قال المرزوقي في شرح الحماسة 769: يقال لمن لم يأت مأتي الكرام: هو يساقط. قال الشاعر: كيف يرجون. البيت.

«أحزم» الحزم: ضبط الرجل أمره و أخذه بالثقة و الحذر من فواته من قولهم حزمت الشي‏ء أي شددته، و هذا الرأى أحزم من هذا أي أدخل في باب الحزم و الاحتياط.

«أمثل» قال ابن الأثير في النهاية: و فيه- يعني في الحديث- أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل أي الأشرف فالأشرف و الأعلى فالأعلى في الرتبة و المنزلة.

يقال هذا أمثل من هذا أي أفضل و أدنى إلى الخير، و أماثل الناس خيارهم، و منه حديث التراويح قال عمر: لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل أي أولى و أصوب.

الاعراب‏

من في حيز كما: معطوف على الضمير المجرور المقدم و لذا أعاد الجار لأن الضمير المتصل بالجار لشدة اتصاله به صار كالجزء له و لا يجوز العطف على جزء الكلمة، مالك منصوب بأمرت و مفعول له، و الأشتر صفة له، و الفاء الاولى للتسبيب لأن المعطوف بها متسبب عن المعطوف عليه، و لك أن تجعلها فصيحة و الثانية للتعليل، و كلمتا من موصولتان اسميتان و لا يخاف فعل مجهول و ضمير و هنه و سقطته راجعان إليه و افردا مراعاة للفظ نحو قوله تعالى: و منهم من يستمع إليك‏ (الأنعام- 26) و يسمى هذا الضمير في النحو بالعائد.

و لا بطؤه عطف على وهنه أي لا يخاف بطؤه، و عما صلة للبطوء و ما موصولة و ضمير إليه عائدها باعتبار اللفظ و أحزم خبر للإسراع و كذا القياس في الجملة التالية لها.

المعنى‏

قد علمت بما قدمنا ههنا عن نصر و في ص 221 ج 1 من التكملة عن الطبري أن الأميرين هما زياد بن نضر و شريح بن هاني و قد مضى نقل كتابهما إلى الأمير عليه السلام و كتابه عليه السلام إليهما في شرح الكتاب الحادي عشر و سيأتي أيضا وصية له عليه السلام وصى بها شريح بن هاني لما جعله على مقدمته إلى الشام و هو الكتاب السادس و الخمسون أوله: اتق الله في كل صباح و مساء- إلخ.

قال ابن عبد البر في الاستيعاب: شريح بن هاني بن يزيد بن الحارث الحارثي بن كعب، جاهلي إسلامي، يكنى أبا المقدام و أبوه هاني‏ء بن يزيد، له صحبة قد ذكرناه في بابه. و شريح هذا من أجلة أصحاب علي رضي الله عنه.

و قال في باب هاني في ترجمة أبيه: هاني بن يزيد بن نهيك، و يقال هاني‏ء ابن كعب المذحجي، و يقال: الحارثي، و يقال: الضبي، و هو هاني‏ء بن يزيد بن نهيك ابن دريد بن سفيان بن الضباب، و هو سلمة بن الحارث بن ربيعة بن الحارث بن كعب الضبابي المذحجي الحارثي. و هو والد شريح بن هاني‏ء، كان يكنى في الجاهلية أبا الحكم لأنه كان يحكم بينهم فكناه رسول الله صلى الله عليه و سلم بأبي شريح، إذ وفد عليه، و هو مشهور بكنيته، شهد المشاهد كلها، روى عنه ابنه شريح بن هاني‏ء حديثه عن ابن ابنه المقدام بن شريح بن هاني‏ء عن أبيه، عن جده، و كان ابنه شريح من أجلة التابعين و من كبار أصحاب علي رضي الله عنه و ممن شهد معه مشاهده كلها. انتهى.

قوله عليه السلام: «و قد أمرت عليكما و على من في حيز كما مالك بن الحارث الأشتر» أي جعلت مالكا أميرا عليكما و على من كان في كنفكما و تحت أمارتكما و في ناحيتكما و قد دريت بما قدمنا أن الأمير عليه السلام سرح زيادا و شريحا نحو معاوية في اثنى عشر ألفا.

قوله عليه السلام: «فاسمعا له و أطيعاه» تفريع على تأميره مالكا عليهما و على من في حيزهما فأمرهما أن يسمعا له و يطيعاه أي أن لا يخالفاه ما أمرهما فإن مخالفة

الأمير فيما أمر توجب التفرق الموجب للهزيمة و قلما غلب قوم اجتمعت كلمتهم.

و قد استشار قوم أكثم بن صيفي في حرب قوم أرادوهم و سألوه أن يوصيهم فقال:

أقلوا الخلاف على امرائكم، و اعلموا أن كثرة الصياح من الفشل و المرء يعجز لا محالة، تثبتوا فان أحزم الفريقين الركين، و ربت عجلة نعقب ريثا، و اتزروا للحرب، و ادرعوا الليل فانه أخفى للويل، و لا جماعة لمن اختلف عليه نقله ابن قتيبة الدينوري في كتاب الحرب من عيون الأخبار.

ثم إن النسخ المطبوعة من النهج و بعض النسخ الخطية أيضا تخالف ما اخترنا من قوله عليه السلام في كلمة «أطيعاه» فانها موافقة في عدم الضمير المنصوب فيها و ما أتينا به هو ما اختاره السيد الرضي رحمه الله أعني انها من نسخة قوبلت بنسخته رضوان الله عليه.

قوله عليه السلام: «و اجعلاه درعا و مجنا» عطف على قوله عليه السلام‏ اسمعا له‏، أمرهما بعد الأمر بالسمع و الإطاعة بأن، لا يفارقاه قط فانه لحسن تدبيره و طول باعه في فنون الحرب درع و مجن أي واق و حافظ عن الخصم فحذرهما بأبلغ وجه و أحسن طور عن التأبي لأمره و المفارقة عنه حتى أنهما لو اقتحما في الحرب بدونه كأنهما دخلاها بلا درع و لا مجن.

و من كلامه عليه السلام هذا يعلم جلالة قدر الأشتر و عظم أمره كيف لا و قد جعله لذلك الجيش الكثيف درعا و مجنا و لا يليق بهذا الوصف عن مثل أمير المؤمنين عليه السلام إلا من كان بطلا محاميا و مجاهدا شديد البأس و رابط الجأش. و قال الجاحظ في البيان و التبيين (ص 257 ج 3 طبع القاهرة): يعقوب بن داود قال: ذم رجل الأشتر، فقال له رجل من النخع: اسكت فان حياته هزمت أهل الشام، و موته هزم أهل العراق.

قوله عليه السلام: «فانه ممن لا يخاف‏- إلخ» الظاهر أن هذا التعليل يتعلق بقوله عليه السلام‏ أمرت عليكما أي أنما أمرت‏ مالكا عليكما و على من في حيز كما لأنه ممن لا يخاف وهنه‏- إلخ. فدل كلامه عليه السلام على أن هذا الأمر لا يصلح‏ إلا لمن اجتمعت فيه تلك الأوصاف.

و يمكن أن يتعلق بقوله عليه السلام‏ فاسمعا له‏ و تالييه و كأن الأول أولى و أجدر يعني أن مالكا ممن لا يخاف‏ أحد ضعفه و عثرته في المعارك لثبات قدمه في المهالك ثم وصفه بأنه حازم في الامور و بصير فيها بحيث لا يبطى‏ء فيما الاسراع إليه أقرب إلى الحزم، و كذلك لا يسرع فيما الإبطاء عنه أولى و أنسب بل يبطى‏ء عن ما ينبغي الإبطاء عنه، و يسرع إلى ما يليق الاسراع إليه.

ثم إن وصفه عليه السلام مالكا بها يدل على تثبته عند الهزائز، و شجاعته قبال الأبطال و كثرة حذاقته في الامور حيث عرفه أولا بأنه ممن لا يخاف و هنه و لا سقطته‏ و ثانيا بأنه يبطى‏ء في محله و يسرع كذلك و لا ريب أنه إذا كان قوم أميرهم جبانا فمحال أن يرتقوا إلى المدارج العالية و ينالوا المراتب السامية فإن الجبن بوجب الوهن الموجب للسقطة في الامور كلها فأمير الجيش إذا أدركه الجبن أدركته الهزيمة بلا تراخ. و الخطيب إذا أدركه الجبن كل عن التكلم بلا كلام بل ربما لم يقدر على التفوه أو إن تفوه فكثيرا ما يهجر و كذا الحكم في غير الخطيب أيضا و قد مضى طائفة من كلامنا في ذلك في شرح المختار 231 من باب الخطب ص 34 ج 1 من التكملة.

قال ابن قتيبة الدينوري في كتاب الحرب من عيون الأخبار في أخبار الجبناء (ص 165 ج 1 طبع مصر): كان خالد بن عبد الله من الجبناء خرج عليه المغيرة ابن سعيد صاحب المغيرة [من الرافضة] و هو من بجيلة فقال من الدهش: أطعموني ماء فذكره بعضهم فقال:

عاد الظلوم ظليما حين جد به‏ و استطعم الماء لما جد في الهرب.

و قال (ص 164 منه): أبو منذر قال: حدثنا زيد بن وهب، قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عجبا لابن النابغة! يزعم أني تلعابة أعافس و امارس! أما و شر القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف و يسأل فيبخل فإذا كان عند البأس فانه امرؤ زاجر مالم تأخذ السيوف مأخذها من هام القوم، فإذا كان كذلك كان أكبر همه أن يبرقط و يمنح الناس استه. قبحه الله و ترحه.

أقول: و قد أتى الرضي رحمه الله في النهج بكلامه عليه السلام هذا لابن النابغة إلا أن بين النسختين تفاوتا في الجملة كما و كيفا، و الرضي توفى 406 ه و ابن قتيبة 276 ه.

قال: و قال عبد الملك بن مروان في امية بن عبد الله بن خالد:

إذا صوت العصفور طار فؤاده‏ و ليت حديد الناب عند الثرائد

قال: قال ابن المقنع: الجبن مقتلة، و الحرص محرمة فانظر فيما رأيت و سمعت: من قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا؟ و انظر من يطلب إليك بالإجمال و التكرم أحق أن تسخو نفسك له بالعطية أم من يطلب اليك بالشره و الحرص؟

قال: المدائني قال: رأى عمرو بن العاص معاوية يوما يضحك فقال له: مم تضحك يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب أما و الله لقد وافقته منانا كريما، و لو شاء أن يقتلك لقتلك. قال عمرو: يا أمير المؤمنين أما و الله إنى لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولت عيناك و ربا سحرك و بدامنك ما أكره ذكره لك فمن نفسك فاضحك أودع.

أقول: و قد مضى كلامنا على التفصيل في دعوة أمير المؤمنين علي عليه السلام معاوية إلى البراز و الحيلة الشنيعة التي احتال بها ابن النابغة في شرح المختار 236 من باب الخطب (ص 316 الى 319 ج 1).

قال الشاعر:

يفر الجبان عن أبيه و امه‏ و يحمى شجاع القوم من لا يناسبه‏

و الأخبار في الجبناء كثيرة جدا لا يخلو اكثرها عن لطافة و انما أتينا بشرذمة منها روما للتنوع في الكلام الموجب لرفع الكلال.

قوله عليه السلام: «و قد أمرته بمثل الذى أمرتكما ألا يبدأ القوم إلخ-».

قد دريت من الكتاب الذى أرسله عليه السلام إلى الأشتر على ما رواه نصر و أبو جعفر أنه عليه السلام قال له: إياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدءوك- إلخ. فيكون كلامه عليه السلام بمثل الذي أمرتكما بمعنى مثل الذي آمر كما الان. و سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام في نهيه عليه السلام امراء جيشه عن أن يبدءوا القوم بقتال في شرح الكتاب التالي لهذا الكتاب اعني الكتاب الرابع عشر، و ترجمة مالك الأشتر رضوان الله عليه في شرح الكتاب 38 أوله من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله- إلخ.

ثم ينبغي أن يتأمل الأديب الحاذق في الكتاب كيف نسجه الأمير عليه السلام على اسلوب بلغ من البلاغة ما يعد في السحر سيما ذيله: و لا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم و لا إسراعه إلى ما البطؤ عنه أمثل.

الترجمة

يكى از كتابهاى أمير عليه السلام است كه بدو اميرى از اميران سپاهش نوشته است:

همانا كه بر شما و بر هر كه در كنف شما و در تحت امارت شما است مالك بن حارث اشتر را امير گردانيدم پس بشنويد امر او را و فرمان بريد. و وى را زره و سپر خود بگردانيد، چه او كسى است كه بيم سستى و لغزش در او نمى ‏رود.

و خوف درنگى در كارى كه سرعت بدان باحتياط نزديكتر، و سرعت بكارى كه تأنى در آن بهتر است در باره او راه ندارد.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

__________________________________________________________

[1] ( 1) قد مضى تفصيله في ج 15 ص 220 منه.

[2] ( 1) كان الاصل من نسخة صفين: ألا تبدءوا القوم حتى تلقاهم فتدعوهم و تعذر اليهم.

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 12 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 12 صبحی صالح

12- و من وصية له ( عليه ‏السلام  ) وصى بها معقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له‏

اتَّقِ اللَّهَ الَّذِي لَا بُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ وَ لَا مُنْتَهَى لَكَ دُونَهُ وَ لَا تُقَاتِلَنَّ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ وَ سِرِ الْبَرْدَيْنِ وَ غَوِّرْ بِالنَّاسِ وَ رَفِّهْ فِي السَّيْرِ وَ لَا تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ سَكَناً وَ قَدَّرَهُ مُقَاماً لَا ظَعْناً فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ وَ رَوِّحْ ظَهْرَكَ فَإِذَا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ السَّحَرُ أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ

فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً وَ لَا تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ وَ لَا تَبَاعَدْ عَنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي وَ لَا يَحْمِلَنَّكُمُ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج18  

و من وصية له عليه السلام لمعقل بن قيس الرياحى حين أنفذه الى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له‏

و كلامه هذا هو المختار الثاني عشر من باب كتبه و رسائله و عهوده و وصاياه عليه السلام‏ إتق الله الذي لا بد لك من لقائه، لا منتهى لك دونه. و لا تقاتلن إلا من قاتلك. و سر البردين. و غور بالناس. و رفه في السير. و لا تسر أول الليل فإن الله جعله سكنا، و قدره مقاما لا ظعنا، فأرح فيه بدنك، و روح ظهرك. فإذا وقفت حين ينبطح السحر، أو حين ينفجر الفجر فسر على بركة الله. فإذا لقيت العدو فقف من أصحابك وسطا، و لا تدن من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب و لا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى يأتيك أمري. و لا يحملنكم شنانهم على قتالهم قبل دعائهم و الإعذار إليهم.

ذكر سندها و الكلام في تلفيقها

رواها نصر بن مزاحم المنقري التميمي الكوفي الملقب بالعطار من معاصري محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام باقر علوم الأولين و الاخرين في كتاب صفين (ص 78 من الطبع الناصري) عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن نمير بن وعلة، عن أبي الوداك أن عليا بعث من المداين معقل بن قيس في ثلاثة آلاف و قال له:خذ على الموصل ثم نصيبين ثم القنى بالرقة فإني موافيها و سكن الناس و آمنهم، و لا تقاتل إلا من قاتلك، و سر البردين، و غور بالناس، و أقم الليل، و رفه في السير، و لا تسر أول الليل، فان الله جعله سكنا، أرح فيه بدنك و جندك و ظهرك فإذا كان السحر و حين ينبطح الفجر فسر.

فخرج- يعني معقل بن قيس- حتى أتى الحديثة- و هي إذ ذاك منزل الناس إنما بنى مدينة الموصل بعد ذلك محمد بن مروان- فإذا هم بكبشين ينتطحان و مع معقل بن قيس رجل من خثعم يقال له شداد بن أبي ربيعة قتل بعد ذلك مع الحرورية فأخذ يقول: إيه إيه فقال معقل: ما تقول؟ قال: فجاء رجلان نحو الكبشين فأخذ كل واحد منهما كبشا ثم انصرفا، فقال الخثعمي لمعقل: لا تغلبون و لا تغلبون.

قال له: من أين علمت ذلك؟ قال: أما أبصرت الكبشين أحدهما مشرق و الاخر مغرب التقيا فاقتتلا و انتطحا فلم يزل كل واحد منهما من صاحبه منتصفا حتى أتى كل واحد منهما صاحبه فانطلق به، فقال له معقل: أو يكون خيرا مما تقول يا أخا خثعم؟ ثم مضوا حتى أتوا عليا بالرقة. انتهى كلام نصر.

أقول: وصيته عليه السلام لمعقل على نسخة نصر لا تتجاوز عن قوله حين ينبطح الفجر فسر كما نقلناها عنه و ذيلها كان من وصيته عليه السلام لمالك الأشتر و قد رواها نصر في صفين أيضا (ص 81) و سيأتي تمام وصيته لمالك في شرح المختار الثالث عشر من هذا الباب أعني المختار التالي لهذه الوصية و قدمنا صورة وصيته عليه السلام لمالك المتضمنة لما في ذيل هذه الوصية لمعقل عن أبي جعفر الطبري في شرح المختار 236 من باب الخطب أيضا فراجع إلى ص 221 من ج 1 من تكملة المنهاج.

فبما روينا عن الطبري و ما يأتي عن نصر في صفين المتحدين في صورة تلك الوصية لمالك المتضمنة لذيل هذه الوصية، علم أن هذه الوصية لمعقل ملفقة من وصيتين صدرها من وصيته عليه السلام لمعقل و ذيلها لمالك. و الشريف الرضي قدس سره مال إلى أنها وصية واحدة قالها لمعقل و قد علمت ما فيه. على أن إسقاط بعض عباراته عليه السلام و تلفيق بعض آخر إلى خطبة أو كتاب غير عزيز في النهج و قد دريت أنه من عادة الرضي رحمه الله لأن ما كان يهمه التقاط الفصيح من كلامه عليه السلام اللهم إلا أن يقال انه ظفر برواية اخرى لا توافق ما في تاريخ أبي جعفر الطبري و ما في صفين لنصر و عد فيها جميع هذه الوصية وصية واحدة لمعقل و لم نظفر بها.

و الذي يسهل الخطب أن يقال إن الأمير عليه السلام كتب مضمونا واحدا و دستورا فاردا إلى أكثر من واحد من امراء جيشه فإن ما يجب أن يراعيها هذا من قوانين الحرب يجب أن يراعيها ذاك أيضا غاية الأمر أن نصرا لم ينقل وصيته عليه السلام لمعقل كاملة و ذلك لأن ظاهر كلام الشريف الرضي رحمه الله يأبى عن أن يقال إن هذه الوصية ملفقة من وصيتين و هو رحمه الله أجل شأنا من أن يسند وصيته عليه السلام لمالك إلى أنه وصيته لمعقل، و المواضع التي اسقط بعض كلامه عليه السلام و لفق بعضه الاخر يغاير المقام فتأمل.

اللغة

«دونه» قد مضى ذكر معاني دون في شرح المختار السادس من كتبه عليه السلام و رسائله، و ههنا بمعنى سوى أي ليس لك سواه منتهى.

«سر» أمر من السير كما أن قوله لا تسر نهى عنه و مشتق منه.

«البردان»: الغداة و العشي، قال الجوهري في الصحاح: البردان:

العصران، و كذلك الأبردان و هما الغداة و العشي، و يقال: ظلاهما و قال- يعني الشاعر-:

إذا الأرطى توسد أبرديه‏ خدود جوازئ بالرمل عين‏

أقول: البيت للشماخ بن ضرار نقله الجاحظ في البيان و التبيين أيضا (ص 251 ج 2) و الجوازي بقر الوحش، و العين جمع العيناء، و العصران ثني على التغليب أي الصبح و العصر كقولك صلاة الظهرين و فسرهما ثانيا بقوله: و هما الغداة و العشي.

قال ابن الأثير في النهاية: فيه- يعني في الحديث-: من صلى البردين دخل الجنة، البردان و الأبردان: الغداة و العشي و قيل: ظلاهما، و منه حديث ابن الزبير: كان يسير بنا الأبردين؛ و حديثه الاخر مع فضالة بن أبي شريك: و سربها البردين.

أقول: و سيأتي رواية هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:سيروا البردين.

«غور» أمر من التغوير مأخوذ من الغائرة أي الظهيرة، و في الصحاح:

التغوير: القيلولة، يقال: غوروا أي انزلوا للقائلة. قال أبو عبيد: يقال للقائلة:الغائرة. و في النهاية الأثيرية: و في حديث السائب لما ورد على عمر بفتح نهاوند قال: ويحك ما وراءك؟ فوالله ما بت هذه الليلة إلا تغويرا؛ يريد بقدر النومة القليلة التي تكون عند القائلة. يقال غور القوم إذا قالوا.

«رفه» أمر من الترفيه أي الإراحة و التخفيف و التنفيس و التوسيع، أو من رفه الراعي الإبل إذا أوردها متى شاء، و في الصحاح: رفهت الإبل بالفتح ترفه رفها و رفوها إذا وردت الماء كل يوم متى شاءت و الاسم الرفه بالكسر.

و أرفتها أنا. و رفه ترفيها و رفاهية على فعالية و رفهنية و هو ملحق بالخماسي بالألف في آخره و إنما صارت ياء لكسرة ما قبلها، و يقال بيني و بينك ليلة رافهة و ثلاث ليال روافه إذا كان يسار فيهن سيرا لينا، و رفه عن غريمك أي نفس عنه، و الأول أوسع و أعم و باسلوب الكلام و سياقه أدل و ألصق، و سيأتي تقرير كل واحد منهما في المعنى.

«سكنا» السكن بالتحريك: ما سكنت إليه.«ظعنا» الظعن: الارتحال، يقال: ظعن ظعنا و ظعنا من باب منع أى سار و رحل. و في القرآن الكريم: و الله جعل لكم من بيوتكم سكنا و جعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم و يوم إقامتكم‏ (النحل- 28).

«أرح» على وزن أقم أمر من الأراحة. «روح» أمر من الترويح. و الظهر هنا بمعنى الركاب، لا بمعنى خلاف البطن. قال الجوهري في الصحاح: الظهر:

الركاب. و بنو فلان مظهرون إذا كان لهم ظهر ينقلون عليه كما يقال منجبون إذا كانوا أصحاب نجائب. انتهى كلامه.

و الركاب: الإبل التي يسار عليها؛ الواحدة راحلة و لا واحد لها من لفظها و الجمع الركب مثال الكتب. فيكون معنى الترويح من قولهم روح فلان إبله ترويحا إذا ردها إلى المراح. قال الجوهري: أراح إبله أي ردها إلى المراح و كذلك الترويح. و لا يكون ذلك إلا بعد الزوال انتهى.

كنايه «ينبطح» يقال: انبطح الرجل إذا اسبطر على وجهه ممتدا على وجه الأرض و ههنا كناية عن الانبساط و الإتساع فينبطح أي ينبسط و يتسع و منه البطحاء و الأبطح أى مسيل واسع فيه دقاق الحصى. و تبطح السيل أي اتسع في البطحاء.

«ينشب الحرب» ينشب مضارع من باب الإفعال. في الصحاح: نشب الشي‏ء في الشي‏ء بالكسر- من باب علم- نشوبا أي علق. و أنشبته أنا فيه أي أعلقته فانتشب و أنشب الصائد: أعلق، و يقال: نشبت الحرب بينهم.

«يهاب» أجوف يائي تقول: هابه يهابه هيبا و هيبة و مهابة إذا خافه و حذره فهو هائب و هيوب، و رجل مهيب أي يها به الناس «البأس»: الحرب. «الشنان»: البغض و العداوة.

الاعراب‏

في بعض النسخ «بالسير» الباء بمعنى في. و مذكور في نسختنا العتيقة في السير مكان بالسير «فان الله» الفاء للتعليل. و التي بعدها فصيحة للتفريع و النتيجة.

«فسر» الفاء جواب إذا كالتي بعدها. «دنو» مفعول مطلق لقوله لا تدن. و كذلك تباعد لقوله و لا تباعد، و في نسخة الطبري كما اشرنا إليها آنفا مذكور: بعد من يهاب، و هو بضم الباء مفعول مطلق أيضا إلا انه ليس من باب عامله أعني لا تباعد على وزان قوله تعالى: و الله أنبتكم من الأرض نباتا. «حتى يأتيك أمري» غاية لكلا النهيين المقدمين و متعلق بكلا الفعلين أعني لا تدن، و لا تباعد «قبل» ظرف لقوله: و لا يحملنكم.

المعنى‏

قد أتى عليه السلام في هذه‏ الوصية بامور يدل بعضها على كمال رأفته بالناس، و الاخر على نهاية بصارته في البأس. و قد جمع عليه السلام فيها بين الأضداد و ألف بين الأشتات.

و إذا ضمت هذه‏ الوصية إلى التي قبلها و اللاتي بعدها تزيد المجاهد بصيرة في فنون الحرب، و مع ذلك تذكره بتقوى الله و تحذره عن اتباع الهوى و تنشطه و تشجعه في الجهاد في سبيل الله تعالى. و لو تأمل فيها متأمل و فكر فيها متفكر علم أن عليها مسحة من العلم الإلهي و فيها عبقة من الكلام النبوي. و أن قائلها كان على بينة من ربه و بصيرة في الدين و لم يكن في قلبه زيغ عن سواء الطريق. و ما كان همه إلا إطفاء نار الفتنة و انقاذ الناس مما فيه الهلكة و إنفاذهم إلى ما فيه سعادة جمة. فانظر في فقرات هذه الوصية، افتتحها بتقوى الله و اختتمها بالكف عن القتال قبل الإعذار و الدعاء، و وسط فيها قوله: فسر على بركة الله‏، و صدر فيها بالأوامر، و أردفها بالنواهي و لعمري إن محاسنها فوق أن يحوم حولها العبارة و إنما هي تدرك و لا توصف و ستقف على بعضها في أثناء الشرح فلنتعرض لشرح فقراتها و جملها على قدر الوسع و الاستطاعة.

قوله عليه السلام: «اتق الله‏- إلى قوله: دونه» أمره بتقوى الله أولا لأنها خير زاد و كان عليه السلام كثيرا ما يوصي أصحابه بتقوى الله ففي الكافي بإسناده عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي أصحابه و يقول:

أوصيكم بتقوى الله فانها غبطة الطالب الراجي و ثقة الهارب اللاجي و استشعروا التقوى شعارا باطنا و اذكروا الله ذكرا خالصا تحبوا به أفضل الحياة و تسلكوا به طريق النجاة- إلخ (ص 62 ج 14 من الوافي).

و في الفقيه عن سليم بن قيس الهلالي قال: شهدت وصية أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن- يعني حين ضربه ابن ملجم- و أشهد على وصيته الحسين‏ و محمدا و جميع ولده و رؤساء شيعته- إلى أن قال: قال عليه السلام: ثم إني اوصيك يا حسن و جميع ولدي و أهل بيتي و من بلغه كتابي من المؤمنين بتقوى الله ربكم (ص 79 ج 2 من الوافي).

ثم وصف الله تعالى بما فيه تخويف و تشجيع و ذلك أنه عليه السلام لما أنفذ معقل بن قيس‏ في ثلاثة آلاف مقدمة له إلى الشام توجه إلى‏ معقل‏ أمران: الأول إمارة ثلاثة آلاف رجل، الثاني الجهاد في سبيل الله. و الإمارة سلطان قد توجب البغي و الطغيان إلا من عصمه الله عن اتباع الشيطان؛ و الجهاد بذل النفس دونه تعالى و الجود بالنفس أقصى غاية الجود. فعلى الأول خوفه بقوله: الله الذي لا بد لك من لقائه و لا منتهى لك دونه‏؛ أي خف الله تعالى و اتقه فانك لو عصيته و ظلمت من دونك من الجيش و عدلت عن العدل فيهم فاعلم أنما لا بد لك من لقاء الله تعالى و ليس‏ منتهى لك‏ غيره فاذا يجازيك و يعاقبك بما أسلفت من سوء أعمالك فكن على حذر من طوع الهوى.

و على الثاني شجعه بذلك القول أيضا على الجهاد أي لا تخف من الجهاد فإنك لو تجود بنفسك فقتلت في سبيل الله فاعلم أنما تلقى الله تعالى و ليس لك سواه منتهى فإذا كان منتهى أمرك إليه و لا بد لك من لقائه فهو تعالى يجزيك بما قدمت. قال عز من قائل: و لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء و لكن لا تشعرون‏ (البقرة- 151) و قال تعالى: و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله و … يستبشرون بنعمة من الله و فضل و أن الله لا يضيع أجر المؤمنين‏ (آل عمران- 167).

و قال تعالى: فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة و من يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (النساء 77).

قوله عليه السلام: «و لا تقاتلن إلا من قاتلك» في الكافي و في حديث عبد الله بن جندب عن أبيه أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يأمر في كل موطن لقينا فيه عدونا فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم فإنكم بحمد الله على حجة و ترككم‏ إياهم حتى يبدءوكم حجة لكم اخرى فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا لهم مدبرا و لا تجيزوا على جريح و لا تكشفوا عورة و لا تمثلوا بقتيل. انتهى.

و أقول: سيأتي تمام الكلام في سيرته عليه السلام في الحروب في شرح المختار الرابع عشر من هذا الباب.

ثم اعلم أن أولياء الله شأنهم أجل و قدرهم أعظم من أن يقاتلوا الناس لغير رضا الله تعالى فإنهم مأمورون أولا لإحياء النفوس و إنارة العقول و الهداية إلى جناب الرب جل و علا إلا أن طائفة من الناس لما استحوذ عليهم الشيطان طغوا و نهضوا إلى هدم بناء الدين، أو صاروا جراثيم مؤذية راسخة في اصول شجرة الفضيلة التي غرسها النبي بإذن الله تعالى فكان واجبا على النبي أو الولي أن يجتاحوا اصول الجراثيم لئلا تطرق المفاسد و الفواحش في الاجتماع الإنساني و لذا ترى أن الافتتاح في كل غزوة إنما كان من معاندي الأنبياء و الأولياء. و أما الأنبياء و الأولياء فكانوا يأمرون جيوشهم قبل الغزوات بدعاء الكفار إلى ما فيه حياتهم الدائمة و سعادتهم الباقية، و الاعذار إليهم، و إتمام الحجة عليهم، و بأن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم لأن قتال غير المقاتل ظلم و هم مبرؤون عنه.

و بما ذكرنا يعلم فضيلة المجاهد في سبيل الله و درجة سيف به ينتظم امور الناس و يؤمن الخائفون و يعبد الله المؤمنون، و سر بعض الايات القائلة بأنه لو لم يكن السيف لفسدت الأرض كقوله تعالى: و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض‏ و قوله تعالى: و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا و كذا سر بعض الأخبار الذي ينادي بأعلى صوته أن الناس لما أبوا أن يقبلوا أمر الله رسوله بالقتال: ففي الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و اله: خيول الغزاة في الدنيا خيولهم في الجنة و أن أردية الغزاة لسيوفهم. و قال النبي صلى الله عليه و اله: أخبرني جبرئيل بأمر قرت به عيني و فرح به قلبي قال: يا محمد من غزا من امتك في سبيل الله فأصابه قطرة من السماء أو صداع كتب الله له شهادة.

و فيه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و اله: الخير كله في السيف و تحت ظل السيف، و لا يقيم الناس إلا السيف، و السيوف مقاليد الجنة و النار.

أقول: يعني أن السيف الذي يشهره المسلم مجاهدا في سبيل الله فهو مقلاد الجنة أي مفتاحها له، و أن الذي يشهره الكافر مفتاح النار له.

و فيه عن معمر عن أبي جعفر عليه السلام قال: الخير كله في السيف و تحت السيف و في ظل السيف.

و فيه عن عمر بن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تعالى بعث رسوله بالإسلام إلى الناس عشر سنين فأبوا أن يقبلوا حتى أمره بالقتال فالخير في السيف و تحت السيف و الأمر يعود كما بدا.

أقول: و قوله عليه السلام: و الأمر يعود كما بدا إشارة إلى دولة القائم عليه السلام و الروايات في ذلك كثيرة جدا تشير إلى سر فارد و حقيقة واحدة.

قوله عليه السلام: «و سر البردين» أمره أن يسير في الغداة و العشي لأن السير في طرفي النهار يكون أهون، و طي الطريق فيهما يكون أكثر، و التعب يكون أقل لبرد الهواء و طيبها في هاتين الساعتين. و في الباب التاسع من أبواب آداب السفر من حج الوسائل عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:سيروا البردين، قلت: إنا نتخوف الهوام، قال: إن أصابكم شي‏ء فهو خير لكم ثم إنكم مضمونون.

قوله عليه السلام: «و غور بالناس» أي أنزل بهم للقائلة أي منتصف النهار و ذلك لأن السير في الغائرة يستلزم شدة الحر الموجبة للتعب و الكلال. و القائلة هي وقت القيلولة و الاستراحة. قال تعالى: و حين تضعون ثيابكم من الظهيرة (النور- 58).

قوله عليه السلام: «و رفه بالسير» سياق الكلام يدل على أنه عليه السلام أمره أن يرفه جيشه في‏ السير أي يوسعهم فيه و يرفق بسيرهم و لا يوجفهم لكي لا يتعب الركاب و الركبان، و لا يتأخر بعض الجيش عن بعض فلو لا التأني و الرفق في السير لانجر الأمر إلى التفرقة و الكلال و غيرهما من المضار في الجند و الدواب فكأنه عليه السلام قال له: هون بالسير و لا تتعب نفسك و لا دابتك بالوجيف.

و إن أخذناه من قولهم: رفه الراعي الإبل متى شاء فمتعلق رفه يكون خاصا أي رفه الركاب بالسير. فيكون توصية له في أن يراعي حالها في السير و لا يمنعها من الماء و الكلاء و يوسع في الانفاق عليها، و من وصية لقمان لابنه:و إذا قربت من المنزل فانزل عن دابتك و ابدأ بعلفها فإنها نفسك- إلخ.رواها الكليني في الكافي و الصدوق في الفقيه و أتى بها الفيض في الوافي (ص 66 ج 8).

و في الباب التاسع من أبواب أحكام الدواب من حج الوسائل عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: للدابة على صاحبها ستة حقوق: لا يحملها فوق طاقتها، و لا يتخذ ظهرها مجالس يتحدث عليها، و يبدأ بعلفها إذا نزل، و لا يسمها، و لا يضربها في وجهها فانها تسبح، و يعرض عليها الماء إذا مر به.

قوله عليه السلام: «و لا تسر أول الليل‏- إلى قوله: ظعنا» نهى عن‏ السير في‏ أول الليل‏ نهي كراهة لا نهي تحريم و كلامه هذا مما يستدل به في الفقه على كراهة السير أول الليل‏ كما استدل به العاملي رحمه الله عليها في الباب التاسع من أبواب آداب السفر من حج الوسائل. ثم علل النهي بقوله: فإن الله جعله سكنا أي موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم. و هذا إشارة إلى قوله تعالى: و جعل الليل سكنا (الأنعام- 97). ثم أكده بقوله: مجاز و قدره مقاما لا ظعنا. أطلق لفظ الظعن على الليل مجازا لأن الليل ليس بزمان الظعن لا أنه ليس بظعن إطلاق اسم المظروف الذي هو الظعن على الظرف الذي هو الليل، بخلاف اطلاق المقام عليه لأن المقام بضم الميم اسم زمان من الإقامة فأطلق عليه حقيقة.

على أن أول الليل يكون حين تنشر الشياطين كما وردت به روايات عن أئمتنا المعصومين عليهم السلام: ففي الكافي بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن إبليس عليه لعائن الله إنما يبث جنوده من حين تغيب الشمس و حين تطلع فأكثروا ذكر الله تعالى في هاتين الساعتين و تعوذوا بالله من شر إبليس و جنوده و عوذوا صغاركم هاتين الساعتين فانهما ساعتا غفلة.

و في الفقيه عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن إبليس إنما يبث جنود الليل من حين تغيب الشمس إلى مغيب الشفق و يبث جنود النهار من حين يطلع الفجر إلى مطلع الشمس. و ذكر أن النبي صلى الله عليه و اله كان يقول: أكثروا ذكر الله تعالى في هاتين الساعتين- إلى آخر الحديث المروي عن الكافي و رواهما الفيض في الوافي (ص 232 ج 5).

إن قلت: هل يدل الخبران على كراهة السير أول الليل؟

قلت: لا كلام في كراهة السير أول الليل و قد دلت عليها أخبار اخر أيضا كما دلت على استحباب اختيار آخر الليل للسير ففي الباب التاسع من أبواب آداب السفر من حج الوسائل عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و اله: عليكم بالسفر بالليل فإن الأرض تطوى بالليل. و فيه عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال لقمان لابنه: يا بني إياك و السير في أول الليل و سر في آخره. و على رواية الكليني:

إياك و السير في أول الليل و عليك بالتعريس و الدلجة و قد أتى بهما الطباطبائي قدس سره في أول الحج من العروة الوثقى و أفتى بهما كذلك، و سيأتي نقل روايات اخرى دالة على كراهة السير أول الليل و استحبابه في آخره و في البردين عن قريب.

و أما دلالة الخبرين على ذلك فغير معلومة لأنهما يأمران بإكثار ذكر الله تعالى في هاتين الساعتين و التعوذ بالله فيهما من شر إبليس و جنوده فلا بأس أن يسير السائر فيهما ذاكرا متعوذا، اللهم إلا أن يقال: إن دلالة تلك الأخبار على تحذير السير في أول الليل و كراهته فيه و على أنه ساعة غفلة انما تكون من حيث إنه وقت تنشر الشياطين فإذا كانت هذه الساعة في الحضر ساعة غفلة ففي السفر أولى لأن اضطراب البال في السفر أكثر و إنما كانت الساعة ساعة غفلة لأنها وقت اختتام الأعمال فالناس يعرضون ساعتئذ عما كانوا فيها من الأشغال و ينسلون في‏ الإقبال إلى بيوتهم من كل جانب فيشتغلون بالاكتنان فترى الناس فيها أشتاتا فطائفة أسرعت إلى تغليق الدكاكين، و اخرى إلى التأهب لليل، و اخرى كذا و كذا؛ و بعكسها في الساعة الاخرى أعني حين تطلع الشمس فالناس في هاتين الساعتين في امور دنياهم متوغلون، و إلى كل جانب ينسلون فسميتا لما ذكرنا ساعتي غفلة.

قوله عليه السلام: «فأرح فيه بدنك» أي إذا كان الله تعالى قدر الليل سكنا و مقاما فأرح فيه بدنك‏ و ليرح الجيش أبدانهم.

قوله عليه السلام: «و روح ظهرك» بين الظهر و البدن إيهام التناسب نحو بيت السقط:

و حرف كنون تحت راء و لم يكن‏ بدال يؤم الرسم غيره النقط

ففى الجمع بين الحرف و الراء و الدال و النقط إيهام أن المراد منها معانيها، و ليس كذلك؛ إلا أن النون في البيت كان على معناه المتبادر من حروف المعجم و المراد من الحرف الناقة المهزولة، وراء اسم فاعل من رأيته، و دال اسم فاعل من دلأ الركائب إذا رفق بسوقها. و النقط ما تقاطر على الرسوم من المطر، شبه الناقة في الدقة و الانحناء بنون و مدح حبيبته بأنها تجل عن أن تركب من النوق ما هي في الضمر و الانحناء كالنون يركبها الأعرابي لزيارة الأطلال فيضرب ريتها إذ لا حراك بها من شدة الهزال بل مراكب الحبيبة سمان ذوات أسنمة.

و كذلك في المقام أن الجمع بين البدن و الظهر يوهم أن المراد من الظهر هو خلاف البطن و ليس كذلك بل المراد منه الركاب أي روح ركابك في الليل بمعنى ردها إلى المراح. فأراد عليه السلام بلفظ الظهر معناه البعيد كقول القاضي أبي الفضل بن عياض يصف ربيعا باردا:

أو الغزالة من طول المدى خرفت‏ فما تفرق بين الجدى و الحمل‏

يعني كأن الشمس من كبرها و طول مدتها صارت خرفة قليلة العقل فنزلت في برج الجدي في أوان الحلول ببرج الحمل، إذ الجدي من البروج الشتوية، و الحمل‏ من الربيعية، و المراد من الغزالة معناها البعيد أي الشمس، و معناها القريب: الرشأ و كذلك الكلام في قوله عليه السلام: ظهرك‏؛ إلا أن القاضي قد قرن بها ما يلايم المعنى القريب الذي ليس بمراد كالجدي و الحمل؛ و هو عليه السلام أتى بما يلايم كلا معنيى القريب و البعيد أعني روح و إن كان المراد ما يلايم البعيد كما دريت في اللغة، و ما يلايم القريب إنما كان من قولهم روح فلان الرجل إذا أراحه و لكنه ليس بمراد.

قوله عليه السلام: فإذا وقفت‏- إلى قوله: بركة الله» يمكن أن يفسر هذه الفقرة على ثلاثة أوجه:

الأول أن الأمير عليه السلام أمر معقل بن قيس‏ بأن يكون وقت انبساط السحر أو انفجار الفجر يقظا و ذلك أنه لما تولى من قبله عليه السلام امارة الجيش و صار قائدهم فلا بد له من أن يكون قبل ظعن القوم يقظان ليهيأ أصحابه للسير و يستعدهم للارتحال و يكون ناظر أعمالهم و قائما عليهم يراقبهم حتى لا يفوته بعض ما يصلح لهم.

الثاني أن تكون صلة وقف كلمة إلى المحذوفة فمعناه‏ إذا وقفت‏ الليل إلى‏ حين ينبطح السحر فسر على بركة الله‏؛ فكأنه عليه السلام أمره بأن يريح بدنه و يروح ظهره في الليل و نهاه عن السير فيه إلى أن‏ ينبطح السحر.

الثالث أن تكون صلة الفعل كلمة على أي‏ إذا وقفت‏ على‏ حين ينبطح السحر بمعنى إذا اطلعت على انبطاحه‏ فسر على بركة الله‏ لأن وقف مع على يفيد معنى الاطلاع يقال: وقفه على ذنبه إذا اطلعه عليه؛ فكأنه عليه السلام أمره أن لا ينام هو و لا عسكره على حد يفوتهم السحر نظير قوله عليه السلام في الوصية السابقة: و لا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة، فكأن الوجه الأول أنسب بسياق الكلام من الأخيرين.

ثم اعلم أن‏ السحر يكون قبيل الصبح و هو على قسمين: السحر الأعلى و هو ما قبل انصداع الفجر، و السحر الاخر و هو عند انصداعه و الظاهر من قوله عليه السلام: ينبطح السحر أن المراد منه السحر الثاني فيئول معنى كلامه إلى أنه عليه السلام أمر ابن قيس بأن يسير إما في السحر الثاني أو حين انشق الفجر أي‏ الفجر الصادق، فعلى هذا كأنما السحر خارج عن الليل حقيقة لأن الليل يتم حين انصداع الفجر و أما على نسخة نصر في صفين أعني: فإذا كان‏ السحر أو حين ينبطح‏ الفجر فسر؛ فالسحر خارج عن الليل حكما لأن الظاهر من قوله عليه السلام: و لا تسر أول الليل فإن الله جعله ساكنا أن الدليل أعني قوله: فإن الله جعله ساكنا راجع إلى قوله‏ أول الليل‏ فالكراهة تختص‏ بأول الليل‏ فيستثنى آخر الليل عن حكم الكراهة فكلامه عليه السلام هذا كغيره من روايات أخر مخصص لقوله تعالى: و جعل الليل سكنا الاية المتقدمة، و الأخبار يأمر بعضها بالسير في الليل مطلقا و ينهى الاخر عن السير فيه كذلك فقد تقرر في اصول الفقه صحة تخصيص الكتاب بالسنة، و السنة بالسنة أيضا، فعليك بطائفة من أخبار وردت في المقام رواها العاملي قدس سره في الباب التاسع من أبواب آداب السفر من حج الوسائل.

بإسناده عن جميل بن دراج و حماد بن عثمان جميعا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:الأرض تطوى في (عن- خ ل) آخر الليل.

و عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: سيروا البردين، قلت: إنا نتخوف الهوام، قال: إن أصابكم شي‏ء فهو خير لكم ثم إنكم مضمونون.

و عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و اله: عليكم بالسفر بالليل فإن الأرض تطوى بالليل.

و عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: يقول الناس: تطوى لنا الأرض بالليل كيف تطوى؟ قال: هكذا ثم عطف ثوبه.

و عن يعقوب بن سالم رفعه إلى علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و اله: إذا نزلتم فسطاطا أو خبأ فلا تخرجوا فإنكم على غرة.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: اتقوا الخروج بعد نومة فان لله دوارا بينها يفعلون ما يؤمرون.

و عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه و اله على اليمن فقال لي و هو يوصيني ما حار من استخار و لا ندم من استشار، يا علي عليك بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، يا علي اغد على اسم الله فإن الله تعالى بارك لامتي في بكورها.

و عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك- إلى أن قال: و إياك و السير في أول الليل و سر في آخره. قال: و رواه الكليني- إلا أنه قال: و إياك و السير في أول الليل و عليك بالتعريس و الدلجة من لدن نصف الليل إلى آخره.

أقول: قد ذكر طائفة من وصية لقمان لابنه و منها هذه النبذة التي رواها حماد عن الصادق عليه السلام ابن قتيبة الدينوري في كتاب الحرب من عيون الاخبار ص 135 ج 1 طبع مصر 1383 ه.

بيان: قال الجوهري في الصحاح: أدلج القوم إذا ساروا من أول الليل؛ و الاسم الدلج بالتحريك و الدلجة و الدلجة أيضا مثل برهة من الدهر و برهة فإن ساروا من آخر الليل فقداد لجوا بالتشديد (يعني بتشديد الدال) و الاسم الدلجة و الدلجة.

انتهى كلامه. و التعريس: نزول المسافر آخر الليل للنوم و الاستراحة من قولهم عرس القوم إذا نزلوا في السفر في آخر الليل للاستراحة كما في مجمع البحرين و أقرب الموارد، و ربما استعمل الإدلاج بالتخفيف لسير آخر الليل كقول الشاعر:

اصبر على السير و الإدلاج في السحر. كما أن الإدلاج بالتشديد قد يستعمل لسير الليل كله.

و أقول: فبما قدمنا دريت وجه الجمع بين تلك الأخبار. ثم إن مقتضى الجمع أن تكون الدلجة اسما من ادلج القوم بتشديد الدال لأن قول رسول الله صلى الله عليه و اله لعلي: يا علي عليك بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل، ما لا تطوى بالنهار و إن كان لم يفرق بين أول الليل و آخره إلا أن رواية الصادق عليه السلام حكاية عن لقمان‏

و إياك و السير في أول الليل و عليك بالتعريس و الدلجة من لدن نصف الليل إلى آخره تبين بأن. المراد من الدلجة في قول الرسول عليه السلام هو اسم من الادلاج المشدد أي السير في آخر الليل.

و بما حققنا دريت أن ما ذهب إليه الطريحي في مادة دلج من المجمع حيث قال: «في الحديث عليكم بالدلجة و هو سير الليل يقال أدلج بالتخفيف إذا سار من أول الليل و بالتشديد إذا سار من آخره و الاسم منهما الدلجة بالضم و الفتح، و منهم من يجعل الإدلاج لليل كله و كأنه المراد هنا لما في آخر الحديث فإن الأرض تطوى و لم يفرق بين أول الليل و آخره» ليس بصواب.

الكلام في حدوث الفجر و تعاكس الصبح و الشفق و البحث عن مسائل شتى متنوعة

و اعلم أن الشمس أعظم جرما من الأرض بكثير و هي على الحساب الذي أورده غياث الدين جمشيد الكاشي في رسالته المفيدة الأنيقة المترجمة بسلم السماء ثلاثمائة و ست و عشرون مثلا للأرض.

و قد بين اسطرخس في الشكل الثاني من كتابه في جرمي النيرين أن الكرة إذا أقبلت الضوء من كرة اخرى أعظم منها كان المستضي منها أعظم من نصفها فلما كانت الشمس و الأرض كريتين و الشمس أعظم منها بكثير فالأرض تستضي‏ء أكثر من نصفها من الشمس دائما. و تحدث بين المستضي‏ء و المظلم من الأرض دائرة صغيرة إذا الجزء المضي‏ء من الأرض أعظم من النصف كما علمت فهي لا تنصف كرة الأرض و قد بين في محله أن الدائرة العظيمة هي التي تنصف الكرة التي فرضت عليها.

ثم اعلم أن ما يقبل الضوء يجب أن يكون كثيفا مانعا من نفوذ الضوء فيه فلو لم يكن مانعا كالهواء و الزجاج المشفين لم يقبلا الضوء فالأرض لكثافتها المانعة من نفوذ الضوء قابلة له و كذا كرة البخار المحيطة بها و أما ما فوق كرة البخار

من الهواء لا يستضي‏ء بضياء الشمس أصلا لكونها مشفة في الغاية و ينفذ النور فيها و لا ينعكس فاذا وقع ضوء الشمس على الأرض يستضي‏ء وجهها المواجه لها بها و لما كانت الأرض كرية الشكل تقريبا و الشمس أعظم منها يكون ظلها على شكل مخروط مستدير فان الكرة المنيرة لو كانت مساوية للمستنيرة يكون الظل على شكل الأستوانة المستديرة لا المخروط المستدير، ثم قاعدة المخروط المستدير من ظل الأرض هي تلك الدائرة الصغيرة يحيط به هذه القاعدة و سطح مستدير يرتفع منها و يستدق شيئا فشيئا إلى أن ينتهي في أفلاك الزهرة و يكون لا محالة قاعدة مخروط الظل نحو جرم الشمس و سهمه في مقابلة جرمها أبدا ففي منتصف الليل يكون السهم على دائرة نصف النهار فوق الأرض إما قائما على سطح الافق الحسي إن كانت الشمس على سمت القدم، أو مائلا إلى جهة القطب الظاهر إن كانت عن سمت القدم في جهة القطب الخفي، أو إلى جهة القطب الخفي إن كانت عن سمت القدم في جهة القطب الظاهر؛ و لكن يتساوى بعده عن الشرق و الغرب في جميع الصور.

و لا يخفى على ذي دربة في الفن أن هذا مخصوص بما إذا لم يتصل الصبح بالشفق إذ حينئذ قبل أن يميل المخروط إلى جانب الغرب يصير الشعاع المحيط به مرئيا كما سنزيدك فيه بيانا.

ثم إن كرة البخار هواء متكاثف بسبب مخالطة الأجزاء الأرضية و المائية المتصاعدتين من كرتيهما بحرارة الشمس أو غيرها على شكل كرة محيطة بالأرض على مركزها و سطح مواز لسطحها و هي مختلفة القوام فما هو أقرب منهما إلى الأرض أكثف مما هو أبعد لأن تصاعد الألطف أكثر بالطبع من الأكثف و قد بين في الأبعاد و الأجرام أن بعد سطحها الأعلى عن سطح الأرض اثنان و خمسون ميلا تقريبا.

و مخروط الظل يثقب كرة البخار و لا يحيط بها و ذلك لأن قاعدة المخروط سطح دائرة محيطها هو الفصل المشترك بين المضي‏ء و المظلم من كرة الأرض و تلك‏

الدائرة صغيرة أعني أن القاعدة أصغر من عظيمة مفروضة على كرة الأرض كما دريت فتكون أصغر كثيرا من عظيمة كرة البخار لأنها محيطة بالأرض. فما وقع من كرة البخار داخل هذا المخروط لا يستضي‏ء بضياء الشمس و ما سواه من كرة البخار مستنيرة أبدا لكثافتها و احاطة الشمس بها لكنها لا ترى في الليل لبعدها عن البصر.

فإذا كانت الشمس تحت الأرض قريبة من الافق فما يرى من القطعة المستنيرة من كرة البخار فوق الافق إن كان في الجانب الشرقي يسمى صبحا، و إن كان في الجانب الغربي يسمى شفقا و هما متعاكسان أي متشابهان شكلا و متقابلان وضعا فإن أول الصبح بياض مستدق مستطيل منتصب، ثم بياض عريض منبسط في عرض الافق مستدير كنصف دائرة يضي‏ء به العالم، ثم حمرة. و أول الشفق حمرة، ثم بياض عريض منبسط مستدير، ثم بياض مستدق مستطيل منتصب.

و هما مختلفان لونا أيضا لاختلاف ما يستضي‏ء من الجو بضياء الشمس بسبب اختلاف لون البخار فإنه يكون في أواخر الليل مائلا إلى الصفاء و البياض لرطوبة المكتسبة من برودة الليل؛ و إلى الصفرة في أوائله لغلبة الحر الدخاني المكتسب من حرارة النهار مع أن الكثيف كلما كان أكثر صفاء و بياضا كان أضوء و الشعاع المنعكس عنه أقوى.

و اعلم أن النوع الأول من الفجر أعني ذلك البياض المستدق المستطيل المنتصب يعرف بالصبح الأول. و الصبح الكاذب، و يلقب بذنب السرحان. أما بالأول فلسبقه لأنه أول ما يرى فوق الافق من نور الشمس.

و أما بالكاذب فلكون ما يقرب من الافق بعد مظلما أي لو كان يصدق أنه نور الشمس لكان المنير ما يلي الشمس دون ما يبعد منها.

و قيل: سمي بالكاذب لأنه تعقبه ظلمة تكذبه فإنه إذا طلع الصبح الثاني انعدم ضوء الصبح الأول.

و فيه أن ضوء الصبح الأول لا يعدم بطلوع الصبح الثاني بل يخفى عن البصر لضعفه و غلبة الضوء الشديد الطاري أعني ضوء الصبح الثاني عليه كما هو حكم النور الضعيف في قبال القوي منه و لذا يخفى ضياء الكواكب في ضوء الشمس فلا يصح أن يقال إن ظلمة تعقبه و تكذبه أيضا لأنه لا تعقبه ظلمة بل يكون وقتئذ ما قرب من الافق مظلما و إنما يعقبه ضوء قوى عليه.

و أما بذنب السرحان فلدقته و استطالته تشبيها له به إذا شاله و لاستطالته يسمى بالفجر المستطيل أيضا.

قال المسعود بن السعد بن السلمان:

و ليل كأن الشمس زلت ممرها و ليس لها نحو المشارق مرجع‏
نظرت إليه و الظلام كأنه‏ من الجو غربان على الأرض وقع‏
فقلت لنفسي طال ليلي و ليس لي‏ من الهم منجاة و في الصبر مفزع‏
أرى ذنب السرحان في الجو طالعا و هل ممكن قرن الغزالة تطلع؟

و مراده من الغزالة معناها البعيد أعني الشمس، قال الحافظ:

شود غزاله خورشيد صيد لاغر من‏ گر آهويى جو تو اندر كنار من باشى‏

و قال الخاقاني الشرواني في قصيدة مدح بها منوچهر شروانشاه (ص 379 طبع طهران 1336 ه ش):

صبحدم آب خضر نوش از لب جام گوهرى‏ كز ظلمات بحر جست آينه سكندرى‏
شاهد طارم فلك رست ز ديو هفت سر ريخت بهر دريچه‏اى آغچه زر شش سرى‏
غاليه ساى آسمان سود بر آتشين صدف‏ از پى مغز خاكيان لخلخه‏هاى عنبرى‏
يوسف روز جلوه كرد از دم گرگ و ميكند يوسف گرگ مست ما دعوى روز پيكرى‏

و النوع الثاني من الفجر أعني ذلك البياض العريض المنبسط في عرض الافق المستدير كنصف دائرة يضي‏ء به العالم يسمى بالصبح الثاني، و الصبح الصادق، و الفجر المستطير، و الصديع.

أما بالثاني فلكونه في مقابل الأول؛ و أما بالصادق لأن ضياءه أصدق من‏ الضياء الأول، و لأنه في إزاء الكاذب؛ و أما بالمستطير فمن قولهم استطار الفجر إذا انتشر و تبين، و سيأتي قول رسول الله صلى الله عليه و اله: لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا و اشربوا حتى يطلع الفجر المستطيع؛ و أما بالصديع لأنه انصداع ظلمة عن نور و الصدع: الشق و الفرق و الفصل كما مضى تفصيله في شرح المختار 229 من باب الخطب (ص 9 ج 15). و قد وردت في التعبير عن الصديع رواية عن الصادق عليه السلام رواها شيخ الطائفة الطوسي قدس سره في التهذيب بإسناده عن الحضرمي قال:

سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: متى اصلي ركعتي الفجر؟ قال: حين يعترض الفجر و هو الذي تسميه العرب الصديع (ص 53 ج 5 من الوافي).

و لا يتعلق بالنوع الأول شي‏ء من الأحكام الشرعية، و لا من العادات الرسمية غالبا، بل يتعلق بالنوع الثاني منه كما يدل عليه بعض الايات القرآنية و أخبار مستفيضة إن لم تكن متواترة وردت في هذا المعنى و سيجي‏ء نقل طائفة منها إن شاء الله تعالى.

و إنما قيدنا الحكم بقولنا غالبا لأن نبذة من عبادات نفلية تتعلق بطلوع الفجر الأول: منها دخول وقت فضيلة الوتر فإن أفضل أوقاتها ما بين الفجرين كما رواه شيخ الطائفة قدس سره في التهذيب (و في الوافي ص 53 ج 5) بإسناده عن إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن ساعات الوتر فقال: أحبها إلى الفجر الأول- الحديث.

فإن قوله عليه السلام: أحبها إلى، يدل على أن وقت فضيلته الفجر الأول.

و في الكافي و التهذيب بإسنادهما عن ابن وهب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أفضل ساعات الوتر فقال: الفجر الأول (ص 53 ج 5 من الوافي).

و في أوائل مفتاح الفلاح للشيخ الأجل العلامة البهائي قدس سره أنه روي أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن الوتر أول الليل فلم يجبه فلما كان بين الصبحين خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد فنادى أين السائل عن الوتر؟

ثلاث مرات، نعم ساعة الوتر هذه؛ ثم قام عليه السلام فأوتر.

فإن المراد من قوله: بين الصبحين هو بين الفجرين أي الكاذب و الصادق كما لا يخفى.

و منها وقت نافلتي الصبح ففي التهذيب بإسناده عن البزنطي قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: ركعتي الفجر أصليهما قبل الفجر، و بعد الفجر؟ فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: احش بهما صلاة الليل و صلهما قبل الفجر. (ص 53 ج 5 من الوافي).

و في الكافي و التهذيب بإسنادهما عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام:

الركعتان اللتان قبل الغداة أين موضعهما؟ فقال: قبل طلوع الفجر فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة. (ص 53 ج 5 من الوافي).

و في التهذيب بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: قبل الفجر إنهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل- الحديث. (ص 53 ج 5 من الوافي).

و فيه بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: ركعتا الفجر من صلاة الليل هي؟ قال: نعم. (ص 53 ج 5 من الوافي).

و كذا غيرها من الروايات الواردة في ذلك عن أصحاب العصمة عليهم السلام. و انما تدل على ما أشرنا إليه؟ لأن المراد من الفجر إذا اطلق هو الفجر الثاني، على أن قوله عليه السلام: «فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة» قرينة دالة على ذلك.

و أن قوله عليه السلام: احش بهما صلاة الليل، و إنهما من صلاة الليل و غيرهما ترشدنا إلى أن وقت النافلتين بين الفجرين، و قد علمت أن الوتر الذي هي من صلاة الليل كان أفضل أوقاتها بين الفجرين فنافلتا الصبح وقتهما بعد صلاة الوتر و قبل الفجر الثاني أي بين الفجرين فيتم المطلوب.

نعم إن طلع الفجر الثاني و لم يكن قد صلى صلاهما إلى أن يحمر الافق فإن احمر و لم يكن قد صلى أخرهما إلى بعد الفريضة، كما ورد بها روايات عنهم عليهم السلام.

و بما قدمنا علمت أن ما جنح إليه العلامة البيروني في القانون المسعودي (949 ج 2) من أنه لا يتعلق بالفجر الأول شي‏ء من الأحكام الشرعية و لا من العادات الرسمية، ليس باطلاقه صحيحا.

فالأحكام الشرعية أكثرها متعلقة بالثاني فالمروي عن النبي صلى الله عليه و اله: لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا و اشربوا حتى يطلع الفجر المستطير، فأول النهار طلوع الفجر الثاني، و يدل عليه القرآن الكريم: كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل‏ (البقرة- 186) فالخيط الأبيض بياض الفجر المعترض الممدود المستطيل أي الفجر الثاني لأنه أوسع ضياء و يناسب قوله تعالى حتى يتبين، و الخيط الأسود سواد الليل، قال أبو داود الأيادي في الخيط الأبيض:

و لما أضاءت لنا غدوة و لاح من الصبح خيط أنارا

[2] و قال آخر في الخيط الأسود:

قد كاد يبدو و بدت تباشره‏ و سدف الخيط البهيم ساتره‏

ففي الاية استعارة عجيبة و المراد حتى يتبين بياض الصبح من سواد الليل و عبرهما بالخيطين مجازا.

و الظاهر أن وجه تشبيههما بالخيط لدقتهما كالخيط لأن بيضا الصبح في أول طلوعه يكون مشرقا خافيا فيزداد انتشارا، و سواد الليل وقتئذ يكون منقضيا موليا فيزداد استتارا فهما جميعا ضعيفان دقيقان كالخيط.

و تحقيقه أن الفصل المشترك بين ما انفجر أي انشق من الضياء و بين ما هو مظلم بعد يشبه خيطين اتصلا عرضا فالذي انتهى إليه الضياء الخيط الأبيض و الذي ابتدأ منه الظلام الخيط الأسود.

و كلمة من بيانية أي الخيط الأبيض من الفجر؛ و استغنى به عن بيان الخيط الأسود لأنه يعلم بالتبع، و قد مال بعض إلى أنها للتبعيض و قد علمت بما حققنا أنه و هم.

و روي أن عدي بن حاتم قال: لما نزلت: و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض الاية قلت للنبي صلى الله عليه و اله إني وضعت خيطين من شعر أبيض و أسود فكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي فضحك رسول الله صلى الله عليه و اله حتى رؤيت نواجده ثم قال: يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار و سواد الليل، و قد نقله المفسرون بألفاظ مختلفة تؤل إلى ما نقلناه، فالاية تدل على أن أول النهار طلوع الفجر الثاني.

و في الكافي بإسناده عن حماد، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فقال: بياض النهار من سواد الليل- إلخ. (ص 34 ج 7 من الوافي).

و اعلم أن البياض المستدق المستطيل المنتصب الموازي لذنب السرحان آخر الشفق قلما أن يتنبه له الناس و يدركوه و السر في ذلك أن الهواء حينئذ يكون كدرا جدا بسبب ما يكون الناس فيه من الأشغال و بغلبة الحر الدخاني المكتسبة من حرارة النهار؛ بخلاف الصبح فان الهواء فيه يكون مائلا إلى الصفاء و البياض لرطوبة المكتسبة من برودة الليل و لعدم أشغال معتدة تكدره فبتلك العوائق الطارية أن ذنب السرحان لا يرى في الشفق، لا كما ذهب إليه العلامة أبو ريحان البيروني في القانون المسعودي (ص 949 ج 2 طبع حيدر آباد الدكن 1374 ه) و تبعه المحقق الشريف و الفاضل الفخرى و غيرهما حيث قال: و إنما لا ينبه الناس له لأن وقته عند اختتام الأعمال و اشتغالهم بالاكتنان و أما وقت الصبح فالعادة فيه جارية باستكمال الراحة و التهيؤ للتصرف فهم فيه منتظرون طليعة النهار ليأخذوا في الانتشار فلذلك ظهر لهم هذا و خفى ذلك. انتهى كلامه.

كيف لم يكن هذا الدليل عليلا و لو ينتظر أحد غروب الشفق لا يدرك‏

ذلك الخيط الشبيه بذنب السرحان غالبا كما يدركه أول طلوع الصبح.

و جملة الأمر أن. هذا الحكم رياضي لا يخصص و لا يعتريه ريب و لا يشوبه عيب إلا أن الطواري تمنعنا عن إدراكه.

فبما حققناه في المقام دريت و هن ما ذهب إليه المولى أحمد النراقي رحمه الله في الخزائن حيث قال: إشكال رياضي و هو أن الرياضيين عللوا الفجر الكاذب و نسبوه إلى الشمس وضوئها و لو كان كذلك ينبغي أن يكون في المغرب أيضا كذلك يعني إذا غاب الشمس يظهر بعد قليل بياض مستطيل شبيه بذنب السرحان و ليس كذلك انتهى كلامه. فراجع إلى (ص 165 من كتاب الخزائن الذي طبع في طهران عاصمة ايران سنة 1380 ه) على تصحيحنا و تعليقنا عليه.

و إن شئنا ثنينا البيان على تحرير أدق و برهناه ببرهان هندسي أتم فنقول:

إن ظل الأرض مخروط مستدير و المخروط المستدير كما عرفه اقليدس في صدر المقالة الحادية عشر من الاصول ما يحوزه مثلث قائم الزاوية أثبت أحد ضلعي الزاوية القائمة محورا لا يزول و أدير المثلث إلى أن يعود إلى موضعه، و سهمه الضلع الثابت و قاعدته دائرة و سهم المخروط مار بمركز القاعدة عمود عليها أبدا، و قد بين في محله أن مركز الشمس و الأرض أبدا على سهم مخروط ظل الأرض فليمر سطح بمركزي الشمس و الأرض و سهم المخروط و هذا السطح قائم على قاعدة المخروط على زوايا قوائم كما برهن في الشكل الثامن عشر من المقالة الحادية عشر من الاصول. ثم ليحدث من ذلك السطح مثلث حاد الزوايا قاعدته على الافق و ضلعاه على سطح مخروط الظل.

أما كون المثلث حاد الزوايا فنقول إن زاويتي قاعدته حادتان لأن سهم المخروط قائم على القاعدة و مار بمركزها و قطر قاعدة المخروط قاعدة المثلث فمنتصف القطر موقع عمود السهم فينقسم المثلث بمثلثين يكون سهم المخروط ضلعهما المشترك، و نصف قطر قاعدة المخروط قاعدة كل واحد منهما و الزاويتان‏ اللتان بين السهم و نصفي القطر قائمتان لأن السهم عمود على القطر، فالزاويتان الاخريان أعني زاويتي قاعدة المثلث الأعظم حادتان لأن المثلث على البسيط المستوى تعدل زواياه الثلاث قائمتين فإذا كانت إحدى زواياه قائمة فلا بد من أن تكون كل واحدة من زاويتيه الأخريين أقل من قائمة أعني حادة، و المثلثان متساويان زواياهما كل لنظيره متساوية كما برهن في الرابع، و في الثاني و الثلاثين من أولى الاصول.

و إنما قيدنا المثلث على البسيط المستوى لأنه إذا كان على كرة أمكن أن يبلغ جميع زواياه الثلاث إلى أعظم من قائمتين كما برهن في الشكل الحادي عشر من أولى أكرمانا لاؤوس.

و إنما كانت زاوية رأسه حادة لأنها لو لم تكن حادة لكانت إما قائمة أو منفرجة فكان وتره أعظم من كل من ضلعي المخروط لأنهما و ترا حادتين و قد بين في التاسع عشر من أولى الاصول أن الزاوية العظمى من المثلث يوترها الضلع الأطول و كان وترها قطر قاعدة المخروط الذي هو أصغر من قطر الأرض و قد تبين في الأبعاد و الأجرام أن رأس المخروط في أفلاك الزهرة و أن بعد مقعر فلك الزهرة أعظم من قطر الأرض بكثير.

و انما كان قطر قاعدة المخروط أصغر من قطر الأرض لأن الأرض أصغر من الشمس بكثير فتقبل منها الضوء و قد علمت أن الكرة إذا قبلت الضوء من كرة اخرى أعظم منها كان المستضي‏ء منها أعظم من نصفها و لذا تحدث بين المستضي‏ء و المظلم من الأرض دائرة صغيرة هي قاعدة مخروط الظل فيكون قطره أصغر من قطر الأرض.

و أما كون قاعدة المثلث على الافق فلأن قطر قاعدة المخروط يكون دائما موازيا لافق موضع ما قريبا من الحسي، و في المقام خاصة إذا كان نصف الليل كان قطر قاعدة المخروط موازيا لافق الناظر قريبا من الافق الحسي.

فإذا دريت ما قدمنا لك فنقول: و ليفرض هذا المثلث في سطح ممتد فيما بين‏ المشرق و المغرب فوق الأرض إن كان المطلوب تميز الصبح، و بينهما تحتها إن كان المقصود تميز الشفق، بحيث إن أحد الضلعين على القاعدة يلي الشمس، و لا شك أن الأقرب من الضلع الذي يلي الشمس إلى الناظر يكون موقع العمود الخارج من البصر الواقع على ذلك الضلع ثم الأقرب فالأقرب منه، لا موضع اتصال الضلع بالافق؛ فإذن أول ما يرى نور الشمس يرى فوق الافق كخط مستقيم منطبق على الظلع المذكور، و يكون ما يقرب من الافق بعد مظلما، و لذلك يسمى ذلك النور المرئي في المشرق بالصبح الأول و الصبح الكاذب.

و إن شئت قلت إن أول ما يرى من الشعاع المحيط بالمخروط أعني أقربه إلى موضع الناظر هو موضع خط يخرج من بصره إليه في سطح دائرة سمتية أعني دائرة ارتفاع تمر بمركز الشمس حال كون ذلك الخط عمودا على الخط المماس للشمس و الأرض جميعا الذي هو في سطح الفصل المشترك بين الشعاع و الظل فيرى الضوء مرتفعا عن الافق مستطيلا و ما بينه و بين الافق مظلما و هو الصبح الكاذب؛ فتبصر.

ثم إذا قربت الشمس من الافق الشرقي جدا ينبسط النور فصار الافق منيرا يصير الصبح صادقا ثم يزداد نوره لحظة فلحظة إلى أن تظهر الحمرة. و قد علمت أن الشفق يكون بعكس الصبح.

و الحمرة التي ترى فوق الافق في الصبح و الشفق إنما تتكون من اختلاط النور القوى و الظلمة، و ليكن ذلك في ذكرك حين تسير بك قطار في نفق السكة الحديدية، أو سيارة في نفق؛ سيما إذا كنت مواجها للشمس و كان النفق ذا طول فإذا ظهر مخرج النفق من بعيد ترى حمرة كحمرة الصبح و الشفق قد تكونت من اختلاط شعاع الشمس من خارج النفق و الظلمة في داخله.

و لنمثل لك مثالا توضيحا للمراد فليفرض ا ب ح مثلث المخروط و ا ح الضلع الذي يلي الشمس و ب ح سطح الافق المرئي و د موضع الناظر و ه موقع عمود البصر و نخرج من موضع الناظر عمود د ه على ا ح و هذا العمود لا يمكن أن يقع على ح لأن زاوية د ح ه الداخلة في المثلث حادة كما دريت. و زاويتاه قائمتان لأن د ه عمود فيلزم إذن تساوي الحادة و القائمة هف.

و كذلك لا يمكن أن يقع خارجا عن جانب ح. مثلا أن يقع على رلأنه يلزم أن يجتمع في مثلث د ر ح قائمة و منفرجة و قد بين امتناع اجتماعهما في مثلث مستو. أما الزاوية القائمة فلأن در عمود بالفرض على ضلع ا ح.

و أما المنفرجة فلأن زاوية د ح ه كانت حادة فد ح ر منفرجة لا محالة لأنه برهن في الثالث عشر من أولى الاصول إذا قام خط على خط كيف كان حدثت عن جنبتيه زاويتان إما قائمتان أو متساويتان معا لقائمتين فإذا كانت إحداهما حادة بقيت الاخرى منفرجة.

و أما امتناع اجتماعهما في مثلث مستو فلأنه إذا كان إحدى زواياه قائمة فلا بد من أن تعادل الاخريان قائمة فلو كانت أحدهما منفرجة تعادل زواياه الثلاث أكثر من قائمتين هف.

و بمثل هذا البيان نقول: إن هذا العمود لا يمكن أن يقع على ا أعني رأس‏ المخروط و لا خارجا من جانبه فيقع موقع العمود فيما بين نقطي ا ح، ثم نقول:

إن- د ه وتر حادة و د ح- وتر قائمة فالأول أقصر من الثاني بالتاسع عشر من أولى الاصول بل أقصر من كل خط يخرج من موضع الناظر إلى ا ح لكونه وتر قائمة فيكون نقطة ه موقع العمود أقرب النقاط إلى البصر فيكون خط د ه من بين الخطوط الخارجة من البصر إلى ضلع ا ح أقل مسافة منها فيرى أولا موقع العمود أعني نقطة ه لقربه من البصر ثم بعض ما كان من الضلع المذكور فوق موقع العمود و تحته القريبين منه دون البعض الاخر لبعده عنه فلذلك يرى بعض الأجزاء المرئي من الضلع المذكور كخط مستقيم شبيه بذنب السرحان إذا شال ذنبه.

و أما ما يقرب من الافق فيكون بعد مظلما و لا يرى نور الشمس الذي وراء الظل لبعده عن البصر لأن لكل مبصر غاية من البعد و القرب إذا جاوزهما لم يبصر كما حقق في محله و أشرنا إلى شرايط الرؤية في شرحنا على الكتاب الثامن فراجع.

على أن الهواء الذي عند الافق يكون أكثف و أغلظ بخلاف الهواء الذي ارتفع عنه و لا يخفى عليك أن للطافة الهواء و كثافته دخلا في ظهور الضوء و عدمه.

فان قلت: ما قدمت إنما يتم لو كان خط د ه العمود الواقع على ا ح شعاع البصر فتكون نقطة د بمنزلة عين الناظر مرتفعة عن الافق على حد قامته، و الاشكال فيه أن صورة مثلث د ح ه انما تتحقق لو كانت نقطة د على سطح الافق الحسي لا مرتفعة عنه، و لو اعتبر كونها عليه فأين قامة الناظر؟

قلت: قامة الناظر في أمثال هذه الامور كنقطة لا تخل بالمقصود فلا يضرنا في المقام اعتبار قامته و عدمه.

و أما ما وعدنا من زيادة بيان في اتصال الصبح بالشفق في بعض الافاق فنقول: قد علم بالتجربة أن انحطاط الشمس عند أول طلوع الصبح الكاذب و آخر الشفق ثمانية عشر درجة ففي الافاق التي يكون عروضها ثماني و أربعين درجة

و ثلاث و ثلاثين دقيقة شمالية كانت أو جنوبية يتصل آخر الشفق و هو عند غاية انحطاط الشمس عن الافق بأول الصبح الكاذب إذا كانت الشمس في المنقلب الصيفي أعني أول السرطان في الافاق الشمالية و أول الجدي في الافاق الجنوبية.

و ذلك لأن افقا كان عرضه 3 3 48 يكون تمام عرضه 7 2 41 فإذا نقص منه الميل الكلي أعني الميل المنقلب الصيفي و هو في سنتنا هذه و هي سنة 1385 ه بلغ 27 23 تقريبا بقى 18 درجة؛ و تكون غاية انحطاط المنقلب الصيفي في هذا الافق 18 درجة لا محالة و لا يخفى عليك أن غاية انحطاطه حينئذ قوس من نصف النهار بين المنقلب عند كونه تحت الأرض و بين قطب أول السموت من الجانب الأقرب و لما كانت الشمس بلا عرض أعني أنها في سطح دائرة منطقة البروج دائما فإذا بلغت إلى هذا المنقلب تكون غاية انحطاطها عن ذلك الافق 8 1 درجة فيكون آخر الشفق أي غاية انحطاطها مبدء الصبح الأول.

و هذا أول عرض يتفق فيه اتصال الصبح بالشفق و في الافاق التي جاوزت عروضها ذلك المقدار إلى أن بلغ عرضها مثل تمام الميل الأعظم أعني 33 66 يتناقص انحطاط الشمس عن الافق عند كونها في المنقلب الصيفي عن ذلك المقدار أي يكون انحطاط أقل من 18 درجة فلا محالة تكون عن جنبتي المنقلب نقطتان غاية انحطاطهما تكون 18 درجة فما دامت الشمس في القوس التي بين النقطتين يتصل الشفق بالصبح و طلوع الصبح يكون قبل تمام غروب الشفق فيتداخل الصبح و الشفق فيكون زمان ما من ساعاتهما و يكثر هذا الزمان كلما ازداد العرض لأن العرض كلما كان الأكثر كانت تلك القوس الواقعة بين النقطتين أعظم.

و إذا بلغ العرض مثل تمام الميل الكلي فما فوقها فلا يكون للشمس في المنقلب الصيفي انحطاط أصلا لأن مدار المنقلب على الأول يكون أعظم المدارات الأبدية الظهور و على الثاني يدور فوق الافق.

و بما حررنا دريت أن قول الفاضل البرجندي في شرح التذكرة في المقام حيث فسر نهاية المقدار في كلام الخواجة: «و فيما جاوزت عروضها ذلك المقدار»

بقوله: إلى أن بلغ عرض تسعين، ليس بصواب. و الحق فيه التفصيل.

ثم إن في المقام مباحث أنيقة و مطالب دقيقة حررناها في رسالتنا المدونة في الوقت و القبلة فليرجع الطالب إليها. و لعلنا نشير إلى طائفة منها في شرح كتابه عليه السلام إلى امراء البلاد في معنى الصلاة إنشاء الله تعالى و الله تعالى نحمد و نستزيد.

تذييل‏:

 قد ذكرنا أن قوله تعالى: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر يدل على أن المراد من الفجر هو الثاني و قد رويت أخبار عديدة من أئمتنا المعصومين عليهم السلام فيه: ففي الكافي عن علي بن مهزيار قال: كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام معى جعلت فداك قد اختلف موالوك في صلاة الفجر فمنهم من يصلى إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، و منهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الافق و استبان؛ و لست أعرف أفضل الوقتين فاصلي فيه فان رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين و تحده لي و كيف أصنع مع القمر و الفجر لا يتبين معه حتى يحمر و يصبح؟ و كيف أصنع مع الغيم؟ و ما حد ذلك في السفر و الحضر؟ فعلت إن شاء الله تعالى.

فكتب بخطه و قراءته: الفجر يرحمك الله هو الخيط الأبيض المعترض ليس هو الأبيض صعداء؛ فلا تصل في سفر و لا حضر حتى تبينه فإن الله تعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا فقال: «و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر» و الخيط الأبيض هو المعترض الذي يحرم به الأكل و الشرب في الصوم و كذلك هو الذي يوجب به الصلاة. أتى به الفيض في الوافي في ص 51 ج 5. و العاملي في باب أن أول وقت الصبح طلوع الفجر الثاني المعترض في الافق دون الفجر الأول المستطيل من صلاة الوسائل، و رواه في التهذيب بأدنى تفاوت في ألفاظه.

و في التهذيب عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه و اله يصلي ركعتي الصبح و هي الفجر إذا اعترض الفجر و أضاء حسنا. و في الفقيه: و روي أن وقت الغداة إذا اعترض الفجر فأضاء حسنا. رواه في ذلك الباب من الوسائل أيضا.

و في الكافي و التهذيب و الفقيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصبح هو الذي إذا رأيته (كان- نسخة الفقيه) معترضا كأنه نباض سورى.

أقول: النباض بتقديم النون على الباء من نبض الماء إذا سال و ربما قري‏ء بالباء فالياء و المراد منه نهرى سورى على وزن بشرى موضع بالعراق و قد دل عليه ما في التهذيب عن هشام بن الهذيل، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: سألت عن وقت صلاة الفجر فقال: حين يعترض الفجر فتراه. مثل نهر سورى. رواه في ذلك الباب من الوسائل أيضا.

و في التهذيب عن أبي بصير المكفوف قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم متى يحرم عليه الطعام، فقال: إذا كان الفجر كالقبطية البيضاء، الخبر.

أقول: القبطية بضم القاف: الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء منسوب إلى القبط و هم أهل مصر هذا في الثياب و أما في الناس فقبطي بالكسر كما فى النهاية الأثيرية.

و في الباب التالي من ذلك الباب المقدم من الوسائل: عن زريق، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان يصلي الغداة بغلس عند طلوع الفجر الصادق أول ما يبدو قبل أن يستعرض.

أقول: و الأخبار بهذا المضمون المروية عن أئمتنا عليهم السلام كثيرة رويت أكثرها في الكتب الأربعة و كتابي الصلاة و الصوم من الوسائل و غيرها من الجوامع تدل على ما قدمنا من أن قوله تعالى‏ حتى يتبين لكم‏ يدل على ان المراد من الفجر الفجر الصادق و أن الأحكام الشرعية و العادات الرسمية إنما تتعلق به لا بالكاذب.

قوله عليه السلام: «فإذا لقيت العدو فقف من أصحابك وسطا» امره عليه السلام أن يقف عند لقاء العدو في وسط الجيش و ذلك لأن أمير الجيش إذا كان حينئذ في وسط الجيس يكون نسبته إلى كل جوانب على السواء فكان أقدر على ابلاغ أوامره و نواهيه إلى الجميع، و على الإحاطة بهم و التسلط عليهم.

على أن أمير الجيش بمنزلة القطب فيهم فينبغي لهم أن يكونوا حوله على نسبة سواء، و يقوه بأنفسهم و ينتظروا أمره و لا يبعدوا عنه بعدا ربما يوجب اختلال نظامهم.

و أنه بمنزلة القلب من جسد العسكر فيجب عليه و عليهم العناية التامة في حفظه و حراسته و ذلك لأن موت واحد من أفراد الجيش لا يوجب اضمحلالهم بخلاف الأمير لأنه من الأعضاء الرئيسة التي ينتفي الكل بانتفائه فهلاك رئيس القوم يوجب انهدامهم و انهزامهم فنعم ما قاله الشاعر:

لك العز إن مولاك عز فإن يهن‏ فأنت لدى بحبوحة الهون كائن‏

فإذا كان في وسط القوم فكأنه في حصن حصين يمنع الخصم عن الظفر عليه.

قوله عليه السلام: «و لا تدن من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب‏- إلخ» بعد ما أمره عليه السلام بما دريت أخذ أن ينهيه عن عدة امور فمنها أن لا يدنو من القوم دنو من يريد أن‏ يوقع الفتنة و يقيم‏ الحرب‏ و ذلك لما قدمنا من أن أولياء الله ما أمروا بسفك الدماء و قتل النفوس إلا بعد أن أبى الناس إلا نفورا و طغيانا فعند ذلك كان أمر ربهم حتما مقضيا في اجتياحهم لئلا يختل بهم انتظام الاجتماع البشري و قد قيل: إن ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن و ما يلتئم بالسنان لا ينتظم بالبرهان. و قد تقدم في ص 39 ج 2 من التكملة، و قال رسول الله صلى الله عليه و اله الخير كله في السيف و تحت ظل السيف و لا يقيم الناس إلا السيف و السيوف مقاليد الجنة و النار. رواه الكليني في الكافي و قد تقدم و بيانه آنفا. و في القرآن الكريم: و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض و لكن الله ذو فضل على العالمين‏ (البقرة- 254). و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا (الحج- 42) و الايتان مسوقتان إلى الجهاد في سبيل الله بالسيف كما يدل عليه سياق الايات التي قبلهما فراجع.

ثم انظر في سيرة قائد الغر المحجلين أمير المؤمنين علي عليه السلام في حروبه، لا يأذن القوم أن يواجهوا الخصم إلى حد يشعر بارادة ايقاع الفتنة فتبصر أن الحجج الإلهية و الذين تولوا امور الدين بعدهم بإذنهم شأنهم أجل مما توهمه الجاهلون و عزوهم إلى كثير مما ليس إلا فرية و اختلاق.

و منها أن‏ يتباعد عنهم تباعد من‏ يؤذن بخوفه‏ من البأس‏ أي الحرب لأن ذلك يشعر بالوهن و الضعف و الخوف من العدو فيوجب أن يطمع العدو فيه. ثم ضرب له في هذين النهيين غاية فقال: حتى يأتيك أمري‏.

و منها أن لا يحملن‏ معقل بن قيس‏ و أصحابه بغض القوم و عداوتهم إياهم على أن يقاتلوهم قبل أن يعذروا إليهم الدعاء و يمنحوهم النصح و يتموا الحجة عليهم و يدعوهم إلى الإمام الحق. و في الكافي (الوافي ص 16 ج 9) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لما وجهني رسول الله صلى الله عليه و اله إلى اليمن فقال: يا على لا تقاتل أحدا حتى تدعوه إلى الإسلام و أيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس و غربت و لك ولاؤه.

و يستحب أن يكون الدعوة بما في النص كما يأتي تفصيله في شرح المختار الخامس عشر من هذا الباب إن شاء الله تعالى.

فلو كان القتال بمجرد عداوة الخصم يخرج كونه طاعة بل قتال في سبيل هوى النفس و تشفيها فلا أقل من أن يكون مشوبا بغير طاعة الله و قد قال تعالى و تقدس:

فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا (آخر الكهف) و الجهاد عبادة فلا بد فيه من خلوص النية. و تأبى نفسي إلا نقل جملة ما أجاد العارف الرومي في المثنوي من أبيات تناسب المقام جدا:

از على آموز اخلاص عمل‏ شير حق را دان منزه از دغل‏
در غزا بر پهلوانى دست يافت‏ زود شمشيري بر آورد و شتافت‏
او خدو انداخت بر روى على‏ افتخار هر نبي و هر ولي‏
او خدو انداخت بر رويى كه ماه‏ سجده آرد پيش او در سجده‏گاه‏

 

در زمان انداخت شمشير آن علي‏ كرد او أندر غزايش كاهلى‏
گشت حيران آن مبارز زين عمل‏ از نمودن عفو و رحم بى‏محل‏
گفت بر من تيغ تيز افراشتى‏ از چه افكندى مرا بگذاشتى‏
آن چه ديدى بهتر از پيكار من‏ تا شدى تو سست در آشكار من‏
آن چه ديدى كه چنين خشمت نشست‏ تا چنين برقي نمود و باز جست‏
آن چه ديدى كه مرا زان عكس ديد در دل و جان شعله‏اى آمد پديد
آن چه ديدى بهتر از كون و مكان‏ كه به از جان بود و بخشيديم جان‏
در شجاعت شير ربانيستى‏ در مروت خود ندانم كيستى‏
در مروت ابر موسايى به تيه‏ كامد از وى خوان و نان بى‏شبيه‏
اى علي كه جمله عقل و ديده‏اى‏ شمه‏اى وا گو از آن چه ديده‏اى‏
تيغ علمت جان ما را چاك كرد آب علمت خاك ما را پاك كرد
باز گو دانم كه اين اسرار هوست‏ ز ان كه بى‏شمشير كشتن كار اوست‏
باز گو اى باز عرش خوش شكار تا چه ديدى اين زمان از كردگار
چشم تو ادراك غيب آموخته‏ چشمهاى حاضران بر دوخته‏
راز بگشا اى علي مرتضى‏ اى پس از سوء القضا حسن القضا
يا تو واگو آنچه عقلت يافته است‏ يا بگويم آنچه بر من تافته است‏
از تو بر من تافت چون دارى نهان‏ مى‏فشانى نور چون مه بى‏زبان‏
ليك اگر در گفت آيد قرص ماه‏ شب روان را زودتر آرد براه‏
از غلط ايمن شوند و از ذهول‏ بانگ مه غالب شود بر بانگ غول‏
ماه بى‏گفتن چو باشد رهنما چون بگويد شد ضيا اندر ضيا
چون تو بابى آن مدينه علم را چون شعاعى آفتاب حلم را
باز باش اى باب بر جوياى باب‏ تا رسند از تو قشور اندر لباب‏
باز باش اى باب رحمت تا ابد بارگاه ما له كفوا أحد

 

پس بگفت آن نو مسلمان ولي‏ از سر مستى و لذت با علي‏
كه بفرما يا أمير المؤمنين‏ تا بجنبد جان بتن همچون جنين‏
باز گو اى باز پر افروخته‏ با شه و با ساعدش آموخته‏
باز گو اى باز عنقا گير شاه‏ اى سپاه اشكن بخود نى با سپاه‏
امت وحدى يكى و صد هزار باز گو اى بنده بازت را شكار
در محل قهر اين رحمت ز چيست‏ اژدها را دست دادن كار كيست‏
گفت من تيغ از پى حق مى‏زنم‏ بنده حقم نه مأمور تنم‏
شير حقم نيستم شير هوا فعل من بر دين من باشد گوا
من چو تيغم و آن زننده آفتاب‏ ما رميت إذ رميت در حراب‏
رخت خود را من زره برداشتم‏ غير حق را من عدم انگاشتم‏
گفت أمير المؤمنين با آن جوان‏ كه بهنگام نبرد اى پهلوان‏
چون خدو انداختى بر روى من‏ نفس جنبيد و تبه شد خوى من‏
نيم بهر حق شد و نيمى هوا شركت اندر كار حق نبود روا
گفت من تخم جفا مى‏كاشتم‏ من ترا نوعى دگر پنداشتم‏
تو ترازوى أحد خود بوده‏اى‏ بل زبانه هر ترازو بوده‏اى‏
من غلام آن چراغ شمع خو كه چراغت روشنى پذيرفت ازو
عرضه كن بر من شهادت را كه من‏ مر تو را ديدم سرافراز ز من‏
قرب پنجه كس ز خويش و قوم او عاشقانه سوى دين كردند رو
او بتيغ حلم چندين خلق را وا خريد از تيغ چندين حلق را
تيغ حلم از تيغ آهن تيز تر بل ز صد لشكر ظفر انگيزتر

الترجمة

اين وصيتى است كه أمير عليه السلام بمعقل بن قيس رياحي- هنگامى كه وى را با لشكرى سه هزار نفرى مقدمه خود كرده بوده، و بسوى شام گسيل داشت- فرمود:

بترس از خدائى كه ناچار بازگشت بدو است، و سرانجامت تنها او است، جنگ مكن مگر با كسى كه با تو سر جنگ دارد، و در دو طرف روز (صبح و عصر كه هوا خنك است) راه ميرو، و در نيم روز لشكر را فرود آر تا بياسايند، و سبك و آسان راه ميرو. و در أول شب سير مكن كه خدا آنرا براى آرميدن قرار داده و براى اقامت تقدير فرموده نه كوچ كردن، پس در آن تنت و ستورانت را آسايش ده تا به پهن شدن آثار سحر، و پيدايش سپيده صبح آگاه شدى، با درخواست بركت از خداى سير ميكن، و چون دشمن را ديدى در ميان لشكر قرار گير، و بدشمن چندان نزديك مشو چون نزديك شدن كسى كه آهنگ در گرفتن آتش جنگ دارد، و چندان از آنان دور مشو چون دور شدن كسى كه از جنگ هراس دارد، تا فرمان من در رسد، و مبادا كه دشمنى آنان، شما را پيش از آنكه با آنان اتمام حجت كنيد، و مر ايشان را براه حق بخوانيد، و عذر خود را بديشان تمام گردانيد بجنگ وا دارد.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

_________________________________________________________________

2] ( 1) المصراع الاول قد يروى هكذا: و لما تبدت لنا سدفة، و قد يروى: و لما أضاءت لنا سدفة، و في بعض النسخ ظلمة مكان غدوة، و السدفة: الضياء المخلوط بالظلام. منه.

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 11 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 11 صبحی صالح

11- و من وصية له ( عليه‏ السلام  ) وصى بها جيشا بعثه إلى العدو

فَإِذَا نَزَلْتُمْ بِعَدُوٍّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ الْأَشْرَافِ أَوْ سِفَاحِ الْجِبَالِ أَوْ أَثْنَاءِ الْأَنْهَارِ كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً وَ دُونَكُمْ مَرَدّاً

وَ لْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ وَ اجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي الْجِبَالِ وَ مَنَاكِبِ الْهِضَابِ لِئَلَّا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ وَ اعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَوْمِ عُيُونُهُمْ وَ عُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَلَائِعُهُمْ

وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّفَرُّقَ فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً وَ إِذَا ارْتَحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً وَ إِذَا غَشِيَكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كِفَّةً وَ لَا تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلَّا غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج18  

و من وصية له عليه السلام وصى بها جيشا بعثه الى العدو و كلامه هذا هو المختار الحادى عشر من باب الكتب و الرسائل‏

فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبل الأشراف أو سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار كيما يكون لكم ردءا و دونكم مردا. و لتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين. و اجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال، و مناكب الهضاب؛ لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن.

و اعلموا أن مقدمة القوم عيونهم، و عيون المقدمة طلائعهم. و إياكم و التفرق فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، و إذا ارتحلتم فارتحلوا جميعا، و إذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة؛ و لا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة.

سندها و نقلها على صورتها الكاملة على رواية نصرفى صفين، و الحسن بن على بن شعبة في تحف العقول‏ قد روى كلامه هذا نصر بن مزاحم المنقري الكوفي في كتابه في صفين مسندا (ص 66 من الطبع الناصري) و ما أتى به الرضي في النهج فملتقط مما أتى به نصر في صفين و أشرنا غير مرة إلى أن عادة الرضي التقاط الفصيح و البليغ من كلامه عليه السلام و إن كان هذا الكتاب على صورته الكاملة من محاسن كتبه عليه السلام. و قد دريت في شروح الكتب السالفة أن نضرا في نفسه ثقة، و في نقله ثبت؛ و أنه كان يعيش قبل الرضي بمائتي سنة تقريبا؛ فدونك الوصية على ما رواها نصر:

نصر: عمر بن سعد، حدثني يزيد بن خالد بن قطن أن عليا عليه السلام حين أراد المسير إلى النخيلة دعا زياد بن النضر و شريح بن هاني و كانا على مذحج و الأشعريين فقال: يا زياد اتق الله في كل ممسى و مصبح و خفف على نفسك الدنيا الغرور و لا تأمنها على حال من البلاء. و اعلم أنك إن لم ترع نفسك عن كثير مما يجب مخافة مكروهة سمت بك الأهواء إلى كثير من الضر فكن لنفسك مانعا و ادعا من البغى و الظلم و العدوان فإني قد وليتك هذا الجند فلا تستطيلن عليهم و إن خيركم عند الله أتقيكم، و تعلم من عاملهم [علم‏] جاهلهم و احلم عن سفيههم فإنك إنما تدرك الخير بالحلم و كف الأذى و الجهد.

أقول: كلامه هذا مذكور في النهج المعنون بقول الرضي: و من وصية له عليه السلام وصى به شريح بن هاني لما جعله على مقدمته إلى الشام: اتق الله في كل صباح و مساء و خف على نفسك الدنيا- إلخ. و هو المختار 56 من باب الكتب و الرسائل و بين النسختين أعني بين ما في النهج و كتاب صفين لنصر اختلاف في الجملة و سيأتي شرحها و تحقيقها في محلها إن شاء الله تعالى، فلنرجع إلى ما أتى به نصر في كتاب صفين.

فقال زياد: أوصيت يا أمير المؤمنين حافظا لوصيتك مؤدبا بأدبك، يرى الرشد في نفاذ امرك، و الغي في تضييع عهدك.

فأمرهما أن يأخذا في طريق واحد و لا يختلفا. و بعثهما في اثنى عشر ألفا، على مقدمته شريح بن هاني على طائفة من الجند و زياد على جماعة. فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة و لا يقرب بزياد بن النضر. فكتب زياد مع غلام له أو مولى يقال له شوذب:

كتاب زياد بن النضر الى أمير المؤمنين على عليه السلام‏

لعبد الله علي أمير المؤمنين من زياد بن النضر سلام عليك فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فانك وليتني أمر الناس و ان شريحا لا يرى لي عليه طاعة و لا حقا و ذلك من فعله بي استخفافا بأمرك و تركا لعهدك.

كتاب شريح بن هانى اليه عليه السلام‏

و كتب شريح بن هاني- إليه عليه السلام- سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فان زياد بن النضر حين أشركته في أمرك و وليته جندا من جنودك تنكر و استكبر و مال به العجب و الخيلاء و الزهو إلى ما لا يرضاه الرب تبارك و تعالى من القول و الفعل فان رأى أمير المؤمنين أن يعزله عنا و يبعث مكانه من يحب فليفعل فإنا له كارهون و السلام.

كتابه عليه السلام الى زياد بن النضر و شريح بن هانى في جواب كتابهما

و هذا الكتاب هو الذى أتى به الرضى في النهج و عنونه بقوله و من وصية له عليه السلام وصى بها جيشا بعثه الى العدو أعنى تلك الوصية التي نحن بصدد شرحها الان على صورته الكاملة على رواية نصر فكتب إليهما علي عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر و شريح بن هاني، سلام عليكما فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فاني قد وليت مقدمتى زياد بن النضر و أمرته عليها و شريح على طائفة منها أمير، فان أنتما جمعكهما بأس فزياد بن النضر على الناس، و إن افترقتما فكل واحد منكما أمير على الطائفة التي وليناه أمرها.

فاعلما أن مقدمة القوم عيونهم، و عيون المقدمة طلائعهم. فإذا أنتما خرجتما من بلاد كما فلا تسأما من توجيه الطلائع، من نقض (نفض- ظ) الشعاب و الشجر و الخمر في كل جانب كيلا يغتر كما عدو، أو يكون لهم كمين.

و لا تسيرن الكتائب إلا من لدن الصباح إلى المساء إلا على تعبية؛ فإن دهمكم دهم، أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبية.

و إذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكر كم في قبل الأشراف أو سفاح الجبال أو أثناء الأنهار كي ما يكون ذلك لكم ردءا، و تكون مقاتلتكم من وجه أو اثنين.

و اجعلوا رقباءكم في صياصي الجبال، و بأعالى الأشراف، و مناكب الأنهار يرون لكم لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن.

و إياكم و التفرق فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، و إذا رحلتم فارحلوا جميعا و إذا غشيكم ليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح و الأترسة (و الترسة)؛ و رماتكم يلون ترستكم و رماحكم و ما أقمتم فكذلك فافعلوا كيلا تصاب لكم غفلة، و لا تلفى لكم‏ غرة؛ فما قوم حفوا عسكرهم برماحهم و ترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون.

و احرسا عسكر كما بأنفسكما، و إياكما أن تذوقا نوما