نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 19 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 19 صبحی صالح

19- و من كلام له ( عليه‏ السلام  ) قاله للأشعث بن قيس و هو على منبر الكوفة يخطب،

فمضى في بعض كلامه شي‏ء اعترضه الأشعث فيه،

فقال يا أمير المؤمنين، هذه عليك لا لك،

فخفض ( عليه‏السلام  ) إليه بصره ثم قال:

مَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي

عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ لَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ

حَائِكٌ ابْنُ حَائِكٍ

مُنَافِقٌ ابْنُ كَافِرٍ

وَ اللَّهِ لَقَدْ أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةً وَ الْإِسْلَامُ‏

أُخْرَى

فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَ لَا حَسَبُكَ

وَ إِنَّ امْرَأً دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ

وَ سَاقَ إِلَيْهِمُ الْحَتْفَ

لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ الْأَقْرَبُ

وَ لَا يَأْمَنَهُ الْأَبْعَدُ

قال السيد الشريف يريد ( عليه‏السلام  ) أنه أسر في الكفر مرة و في الإسلام مرة.

و أما قوله دل على قومه السيف

فأراد به حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة

غر فيه قومه و مكر بهم حتى أوقع بهم خالد

و كان قومه بعد ذلك يسمونه عرف النار

و هو اسم للغادر عندهم

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من كلام له عليه السّلام و هو التاسع عشر من المختار في باب الخطب الجارى مجراها

قاله للأشعث بن قيس و هو على منبر الكوفة يخطب فمضى في بعض كلامه عليه السّلام شي‏ء اعترضه الأشعث فقال يا أمير المؤمنين: هذه عليك لا لك، فخفض عليه السّلام إليه بصره ثمّ قال عليه السّلام له: و ما يدريك ما عليّ و مالي عليك لعنة اللّه و لعنة الّلاعنين، حائك بن حائك، منافق بن كافر، و اللّه لقد أسرك الكفر مرّة و الإسلام أخرى، فما فداك منهما مالك و لا حسبك، و إنّ امرء دلّ على قومه السّيف، و ساق إليهم الحتف، لحرىّ أن يمقته الأقرب، و لا يأمنه الأبعد. أقول: يريد أنّه اسر في الكفر مرّة و في الاسلام مرّة و أمّا قوله: دلّ على قومه السّيف فأراد به حديثا كان للاشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غرّ فيه قومه و مكر بهم حتّى أوقع بهم خالد، و كان قومه بعد ذلك يسمّونه عرف النّار، و هو اسم للغادر عندهم.

اللغة

(خفض إليه بصره) طأطأه و (الحائك) بالهمزة النّاسج و (الفداء) ما يفديه الأسير لفكّ رقبته و (الحتف) الموت و (العرف) الرمل و المكان المرتفعان قال الشّارح البحراني و أمّا استعارتهم له عرف النّار فلأنّ العرف عبارة عن كلّ عال مرتفع، و الأعراف في القرآن الكريم سور بين الجنّة و النّار، و لمّا كان من شأن كلّ عال مرتفع أن يستر ما ورائه و كان الغادر يستر بمكره و حيلته اموراكثيرة و كان هو قد غرّ قومه بالباطل و غدر بهم، صدق عليه بوجه الاستعارة لفظ عرف النار لستره عليهم لما ورائه من نار الحرب أو نار الآخرة إذ حملهم على الباطل.

أقول: روى في المجلّد التّاسع من البحار في الباب المأة و الثلاثة عشر المتضمّن للأخبار الغيبيّة لأمير المؤمنين عليه السّلام عن الحسن بن عليّ عليهما السّلام في خبر أنّ الأشعث ابن قيس الكندي بنى في داره ميذنة و كان يرقى إليها إذا سمع الأذان في أوقات الصّلاة في مسجد جامع الكوفة فيصيح من أعلى ميذنته: يا رجل إنّك لكذّاب ساحر، و كان أبي يسميّه عنق النّار و في رواية عرف النّار، فسئل عن ذلك فقال إنّ الاشعث إذا حضرته الوفاة دخل عليه عنق من النّار ممدودة من السّماء فتحرقه فلا يدفن إلّا و هو فحمة سوداء، فلمّا توفّى نظر ساير من حضر إلى النّار و قد دخلت عليه كالعنق الممدود حتّى أحرقته و هو يصيح و يدعو بالويل و الثبور.

و الميذنة بالكسر موضع الأذان و المنارة، و قد ظهر من هذه الرّواية سبب تسميته بعرف النّار، و أنّه ليس سببها ما توهّمه البحراني ره

الاعراب

كلمة ما مرفوع المحلّ على الابتداء، و يدريك خبره، و ماء الثّانية في موضع رفع على الابتداء، و يدريك معلّق لتضمّنه معنى الاستفهام و على خبره و الجملة متعلّقة بيدريك في موضع المفعول الثّاني على حدّ قوله سبحانه: و ما أدريك ما الحاقّة قال الثّوري: يقال: للمعلوم ما أدريك و لما ليس بمعلوم ما يدريك في جميع القرآن و حائك مرفوع على أنّه خبر لمبتدأ محذوف، أى أنت حائك، أو على النّداء بحذف حرف النّداء، أو منصوب بتقدير الفعل المحذوف أى أذمّ حائك بن حائك على حدّ قوله: و امرأته حمّالة الحطب فتأمّل.

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام (قاله عليه السّلام للأشعث بن قيس) الأشجّ لأنّه شجّ في بعض حروبه و هو من بني كندة و اسمه معدي كرب و كان أشعث الرأس أبدا فغلب الأشعث عليه حتّى‏نسي اسمه و كيف كان فقد قاله (و هو على منبر الكوفة يخطب) خطبة يذكر فيها أمر الحكمين و ذلك بعد ما انقضى أمر الخوارج (فمضى في بعض كلامه شي‏ء) و هو أنّه قام إليه رجل من أصحابه و قال له: نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا بها فما ندري أىّ الأمرين أرشد فصفق عليه السّلام باحدى يديه على الاخرى و قال: هذا جزاء من ترك العقدة أى جزاى حيث وافقتكم على ما الزمتموني به من أمر التحكيم و ترك الحزم فلمّا قال ذلك (اعترضه الأشعث) لشبهة وجدها في نفسه من تركه عليه السّلام وجه المصلحة و اتباع الآراء الباطلة و أراد إفحامه (فقال يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك) و جهل أو تجاهل أنّ وجه المصلحة قد يترك محافظة على أمر أعظم منه و مصلحته أهمّ فانّه عليه السّلام لم يترك العقدة إلّا خوفا من أصحابه أن يقتلوه كما ستطلع عليه في قصّتهم هذا و قال الشّارح المعتزلي: إنّ الشي‏ء الذي اعترضه الأشعث في كلامه هو أنّه كان مقصوده بقوله: هذا جزاء من ترك العقدة هذا جزاؤكم إذ تركتم الرّأى و الحزم و أصررتم على إجابة القوم إلى التحكيم، فظنّ الاشعث أنّه أراد هذا جزاى حيث تركت الرّأى و الحزم و حكمت لأنّ هذه اللفظة محتملة ألا ترى أنّ الرّئيس إذا شغب عليه جنده و طلبوا منه اعتماد أمر ليس بصواب فوافقهم تسكينا لشغبهم لا استصلاحا لرأيهم ثمّ ندموا بعد ذلك، قد يقول هذا«» جزاء من ترك الرأى و خالف وجه الحزم، و يعني بذلك أصحابه و قد يقوله يعني به نفسه حيث وافقهم أمير المؤمنين عليه السّلام إنّما عنى ما ذكرناه دون ما خطر للأشعث.

(ف) لمّا قال له هذه عليك لا لك (خفض عليه السّلام إليه بصره) و طأطأه (ثمّ قال له: و ما يدريك ما علىّ ممّا لي) إشارة إلى جهله و عدم جواز الاعتراض من مثله عليه سلام اللّه عليه، ثمّ اتبعه بالطرد و الابعاد عن رحمة اللّه سبحانه و قال (عليك لعنة اللّه و لعنة اللّاعنين) و استحقاقه بذلك من حيث كونه من المنافقين في خلافته عليه السّلام و هو في أصحابه كعبد اللّه بن أبي سلول في أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كلّ واحد منهما رأس النّفاق في زمانه كما يدلّ عليه اعتراضه عليه عليه السّلام و يشهد به شهادته عليه السّلام بأنّه منافق‏ابن كافر، و لا شكّ أنّ المنافق مستحقّ للّعن و الطرد لقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» و يدلّ على كفره و نفاقه صريحا ما رواه الشّارح المعتزلي عن أبي الفرج الاصبهاني في شرح كلام الخامس و السّتين في ذكر كيفيّة شهادة أمير المؤمنين عليه السّلام، قال: قال أبو الفرج: و قد كان ابن ملجم لعنه اللّه أتى الأشعث بن قيس في هذه اللّيلة فخلا به في بعض نواحي المسجد و مرّ بهما حجر بن عديّ فسمع الأشعث و هو قول: ابن ملجم النّجا النّجا بحاجتك فقد فضحك الصّبح، قال له حجر: قتلته يا أعور، و خرج مبادرا إلى عليّ عليه السّلام و قد سبقه ابن ملجم و ضربه، و أقبل حجر و النّاس يقولون: قتل أمير المؤمنين عليه السّلام.

قال أبو الفرج: و للأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين عليه السّلام أخبار يطول شرحها.

منها أنّه جاء الأشعث إلى عليّ عليه السّلام يستأذن عليه فردّه قنبر فأدمى الأشعث أنفه فخرج عليّ عليه السّلام و هو يقول: مالي و لك يا أشعث أما و اللّه لو لعبد ثقيف تمرست لا قشعرت شعيراتك، قيل يا أمير المؤمنين من عبد ثقيف قال غلام لهم لا يبقى أهل من العرب الّا أدخلهم ذلّا، قيل يا أمير المؤمنين كم يلي أو كم يمكث قال: عشرين إن بلغها.

و قال أبو الفرج: إنّ الأشعث دخل على عليّ عليه السّلام فكلّمه فأغلظ عليّ عليه السّلام له فعرض له الأشعث ان سبقتك به فقال له عليّ عليه السّلام: أ بالموت تخوّفني أو تهدّدني فو اللّه ما ابالي وقعت على الموت أو وقع الموت علىّ أقول: و أشار بعبد ثقيف إلى حجّاج بن يوسف الثّقفي و المستفاد من رواية أبي مخنف المروية في البحار أنّ حضور الأشعث تلك الليلة في المسجد إنّما كان‏لمعونة ابن ملجم لعنه اللّه على قتله عليه السّلام، و في الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ الاشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين، و ابنته جعدة سمّت الحسن، و ابنه محمّد شرك في دم الحسين عليهم السّلام.

ثمّ عيّره عليه السّلام بأنّه (حائك بن حائك) و المراد بهما إمّا معناهما الحقيقي لما روى أنّه كان هو و أبوه ينسجان برود اليمن و ليس هذا ممّا يخصّ بالأشعث بل أهل اليمن كلهم يعيّرون بذلك كما قال خالد بن صفوان: ما أقول في قوم ليس فيهم إلّا حائك برد، أو دابغ جلد، أو سايس قرد، ملكتهم امرأة، و أغرقتهم فارة، و دلّ عليهم هدهد و إمّا معناهما المجازي، و هو حائك الكذب على اللّه و رسوله و وليّه كما هو شأن المنافق و الكافر.

و من ذلك ما رواه في الوسائل مرفوعا إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام قال ذكر الحائك عند أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه ملعون، فقال: إنّما ذلك الذي يحوك الكذب على اللّه و رسوله و على هذا المعنى فارداف اللعن به يكون إشارة إلى علّة الاستحقاق له هذا.

و الأظهر أنّه وارد على سبيل الاستعارة إشارة إلى نقصان عقله و قلّة تدبيره و استعداده، كما أنّ الحائك ناقص العقل، إمّا من حيث كون معاملته و معاشرته غالبا مع النّساء و الصّبيان كالمعلّمين، و لا شكّ أنّ المخالطة مؤثّرة و لذلك قال الصّادق عليه السّلام لا تستشيروا المعلّمين و لا الحوكة فإنّ اللّه قد سلبهم عقولهم مبالغة في قصور عقلهم.

و في حديث آخر عنه عليه السّلام أنّه قال: عقل أربعين معلّما عقل حائك، و عقل أربعين حائكا عقل امرأة، و المرأة لا عقل لها.

و إمّا من حيث إنّ ذهنه عامّة وقته مصروف إلى جهة صنعته مصبوب الفكر إلى أوضاع الخيوط المتفرّقة و ترتيبها و نظامها محتاجا إلى حركة يديه و رجليه كما أنّ الشّاهد له يعلم من حاله أنّه مشغول الفكر عمّا وراء ما هو فيه غافل عمّا عداه.

و يمكن أن يكون المقصود بالاستعارة الاشارة إلى دنائة النّفس و رذالة الطبع‏ و البعد عن مكارم الأخلاق و محاسن الآداب و التخلّق بالأوصاف الذّميمة و الأخلاق الدّنيّة، لاتّصاف الحائك بذلك كلّه، و لذلك ورد في بعض الأخبار النّهى عن الصّلاة خلفه، بل ورد أنّ ولده لا ينجب إلى سبعة أبطن نحو ما ورد في ولد الزّنا و روى القميّ في تفسير قوله سبحانه: «وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» انّه كان ذلك اليوم يوم سوق فاستقبلها الحاكة و كانت الحياكة أنبل صناعة في ذلك الزّمان، فأقبلوا على بغال شهب فقالت لهم مريم: أين النخلة اليابسة فاستهزءوا بها و زجروها، فقالت لهم: جعل اللّه كسبكم بورا و جعلكم في النّاس عارا، ثمّ استقبلها جمع من التّجار فدلّوها على النخلة اليابسة فقالت لهم: جعل اللّه البركة في كسبكم و أحوج النّاس إليكم الحديث.

و روى المحدّث الجزايري ره في كتاب زهر الرّبيع عن شيخنا بهاء الملّة و الدّين أنّه دخل رجل إلى مسجد الكوفة و كان ابن عبّاس مع أمير المؤمنين عليه السّلام يتذاكران العلم، فدخل الرّجل و لم يسلّم و كان أصلع«» الرّأس من أوحش ما خلق اللّه تعالى و خرج أيضا و لم يسلّم.

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: يا بن عبّاس اتّبع هذا الرّجل و اسأله ما حاجته و من أين و إلى أين فأتى و سأله فقال: أنا من خراسان و أبي من القيروان و امّي من اصفهان قال: و إلى أين تطلب قال: البصرة في طلب العلم، قال ابن عباس: فضحكت من كلامه فقلت له: يا هذا تترك عليّا جالسا في المجسد و تذهب إلى البصرة في طلب العلم و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: أنا مدينة العلم و عليّ بابها فمن أراد العلم فليأت المدينة من بابها، فسمعني عليّ عليه السّلام و أنا أقول له ذلك، فقال: يا ابن عبّاس اسأله ما تكون صنعته، فسألته فقال: إنّي رجل حائك، فقال عليه السّلام: صدق و اللّه حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قال: يا عليّ إيّاك و الحائك، فانّ اللّه نزع البركة من أرزاقهم في الدّنيا و هم الأرذلون.

ثمّ قال عليه السّلام: يا ابن عبّاس أ تدري ما فعل الحيّاك في الأنبياء و الأوصياء من عهد آدم إلى يومنا هذا، فقال: اللّه و رسوله و ابن عمّ رسوله أعلم، فقال عليه السّلام معاشر النّاس من أراد أن يسمع حديث الحائك فعليه بمعاشرة الديلم، ألا و من مشى مع الحائك قتر عليه رزقه، و من أصبح به جفى، فقلت: يا أمير المؤمنين و لم ذلك قال عليه السّلام: لأنّهم سرقوا ذخيرة نوح، و قدر شعيب، و نعلي شيث، و جبّة آدم، و قميص حوّاء، و درع داود، و قميص هود، و رداء صالح، و شملة إبراهيم، و نخوت اسحاق، و قدر يعقوب، و منطقة يوشع، و سروال زليخا، و ازار أيوب، و حديد داود، و خاتم سليمان، و عمّامة إسماعيل، و غزل سارة، و مغزل هاجر، و فصيل ناقة صالح، و اطفاء سراج لوط، و القوا الرّمل في دقيق شعيب، و سرقوا حمار العزير و علّقوه في السقف و حلفوا أنّه لا في الأرض و لا في السّماء، و سرقوا مردد «مرود ظ» الخضر، و مصلّى زكريّا، و قلنسوة يحيى، و فوطة يونس، و شاة إسماعيل و سيف ذي القرنين و منطقة أحمد، و عصا موسى، و برد هارون، و قصعة لقمان، و دلو المسيح، و استر شدتهم مريم فدلوها على غير الطريق، و سرقوا ركاب النبيّ، و حطام النّاقة و لجام فرسي، و قرط خديجة، و قرطي فاطمة، و نعل الحسن، و منديل الحسين، و قماط إبراهيم، و خمار فاطمة، و سراويل أبي طالب، و قميص العبّاس، و حصير حمزة، و مصحف ذي النّون، و مقراض إدريس، و بصقوا في الكعبة، و بالوا في زمزم، و طرحوا الشّوك و العثار في طريق المسلمين.

و هم شعبة البلاء، و سلاح الفتنة، و نسّاج الغيبة، و أنصار الخوارج، و اللّه تعالى نزع البركة من بين أيديهم بسوء أعمالهم، و هم الذين ذكرهم في محكم كتابه العزيز بقوله «وَ كانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ» و هم الحاكة و الحجّام فلا تخالطوهم و لا تشاركوهم، فقد نهى اللّه عنهم.

و يناسب هذه الرّواية الشّعر المنسوب إليه عليه السّلام و إن لم أجده في الدّيوان‏

المعروف نسبته إليه و هو:

لعن الحائك في عشر خصال فعلوها
بشلنك لنك لنك و مكوك ترحوها

و برجلين تطق طق و برأس حركوها
و بكرّ كرّ فرّ هاء هوء نسجوها

سرقوا قدر شعيب و حريص أكلوها
قتلوا ناقة صالح ثمّ جاءوا قسموها

و مناديل رسول سرقوها حرقوها
و بسبعين نبيّا كلّهم قد لعنوها

و بالجملة فقد تحصّل ممّا ذكرناه أنّ تعريضه عليه السّلام على الأشعث الملعون بأنّه حائك بن حائك دلالة على كمال القدح و الطعن و أكّده بقوله (منافق بن كافر) بحذف حرف العطف إشارة إلى كمال الاتّصال المعنوي ثمّ أتبعه بقوله: (و اللّه لقد أسرك الكفر مرّة و الاسلام أخرى) تأكيدا لنقصان عقله و إشارة إلي أنّه لو كان له عقل لما حصل له في الأسر مرّتين.

أمّا اسره الواقع في الكفر فهو على ما رواه الشّارح المعتزلي عن ابن الكلبي أنّه لمّا قتلت مراد أباه قيسا الأشجّ خرج الأشعث طالبا بثاره، فخرجت كندة متساندين على ثلاثة ألوية، على أحد الألوية كبش بن هاني بن شرجيل، و على أحدها القشعم، و على أحدها الأشعث فأخطئوا مرادا و لم يقعوا عليهم و وقعوا على بني الحارث بن كعب، فقتل كبش و القشعم و اسر الأشعث ففدى بثلاثة آلاف بعير لم يفد بها عربيّ قبله و لا بعده، فقال في ذلك عمرو بن معديكرب الزّبيدي فكان فداؤه ألفي بعير و ألف من طريفات و تله و أمّا اسره الواقع في الاسلام فهو أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما قدمت كندة حجاجا عرض نفسه عليهم كما كان يعرض نفسه على احياء العرب، فدفعه بنو وليعة من بني عمرو بن معاوية و لم يقبلوه فلمّا هاجر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تمهّدت دعوته و جائته و فود العرب جاءه و تد كندة و فيهم الأشعث و بنو وليعة، فأسلموا فأطعم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بني وليعة من صدقات حضرموت، و كان قد استعمل على حضرموت زياد بن لبيد البياضي الانصاري فدفعها زياد إليهم فأبوا أخذها و قالوا: لا ظهر لنا فابعث بها إلى بلادنا على ظهرمن عندك، فأبي زياد و حدث بينهم و بين زياد شرّ كاد يكون حربا، فرجع منهم قوم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كتب زياد إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يشكوهم قال الشّارح المعتزلي و في هذه الواقعة كان الخبر المشهور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لبني وليعة: لتنتهنّ يا بني وليعة أو لأبعثنّ إليكم رجلا عديل نفسي يقتل مقاتليكم و يسبي ذراريكم، قال عمر بن الخطاب: فما تمنّيت الامارة إلّا يومئذ و جعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول: هو هذا، فأخذ بيد عليّ و قال: هو هذا.

ثمّ كتب لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى زياد فوصلوا إليه الكتاب و قد توفّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و طار الخبر بموته إلى قبائل العرب فارتدّت بنو وليعة و غنّت بغاياهم و خضبن له أيديهنّ، فأمّر أبو بكر زيادا على حضرموت و أمره بأخذ البيعة على أهلها و استيفاء صدقاتهم فبايعوه إلّا بني وليعة فلمّا خرج ليقبض الصّدقات من بني عمرو بن معاوية أخذ ناقة لغلام منهم يعرف بشيطان بن حجر و كانت صفيّة نفيسة اسمها شذرة، فمنعه الغلام عنها، و قال خذ غيرها فأبى زياد ذلك و لجّ فاستغاث الشّيطان بأخيه الغداء بن حجر، فقال لزياد دعها و خذ غيرها، فأبي زياد ذلك و لجّ الغلامان في أخذها و لجّ زياد فهتف الغلامان مسروق بن معدي كرب، فقال مسروق لزياد: أطلقها، فأبي ثمّ قام فأطلقها فاجتمع إلى زياد بن لبيد أصحابه و اجتمع بنو وليعة و أظهروا أمرهم فتبينهم زيادوهم غارون فقتل منهم جمعا كثيرا و نهب و سبى و لحق فلهم ودّ بالأشعث بن قيس اللّعين فاستنصروه فقال لا أنصركم حتّى تملكوني عليكم، فملكوه و توّجوه كما يتوّج الملك من قحطان فخرج إلى زياد في جمع كثيف.

و كتب أبو بكر إلى مهاجر بن أبي أميّة و هو على صنعاء أن يسير بمن معه إلى زياد، فاستخلف على صنعاء و سار إلى زياد، فلقوا الأشعث فهزموه و قتل مسروق و لجأ الأشعث و الباقون إلى الحصن المعروف بالبخير، فحاصرهم المسلمون حصارا شديدا حتّى ضعفوا، و نزل الأشعث ليلا إلى مهاجر و زياد فسألهما الأمان على نفسه حتّى يقدما به على أبي بكر فيرى فيه رأيه على أن يفتح لهم الحصن و يسلم إليهم من فيه‏ و قيل بل كان في الأمان عشرة من أهل الأشعث فآمناه و أمضيا شرطه، ففتح لهم الحصن فدخلوه و استنزلوا كل من فيه و أخذوا أسلحتهم و قالوا للأشعث: اعزل العشرة، فعزلهم فتركوهم و قتلوا الباقين و كانوا ثمانمائة، و قطعوا أيدي النّساء اللواتي شمتن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاسروا الأشعث و حملوه إلى أبي بكر موثقا في الحديد هو و العشرة.

و قيل: إنّه لمّا حاصره المسلمون و قومه بعث إلى زياد يطلب منه الأمان لأهله و لبعض قومه، و كان من غفلته أنّه لم يطلب لنفسه بالتعيين فلمّا نزل أسره زياد و بعث به إلى أبي بكر فسأل أبا بكر أن يستبقيه لحربه فعفا عنه و زوّجه اخته أمّ فروة بنت أبي قحافة.

و كان من جهالته أنّه بعد خروجه من مجلس عقد امّ فروة أصلت سيفه في أزقّة المدينة و عقر كلّ بعير رآه و ذبح كلّ شاة استقبلها للنّاس و التجأ إلى دار من دور الأنصار، فصاح به النّاس من كلّ جانب و قالوا: قد ارتدّ الأشعث مرّة ثانية فأشرف عليهم من السّطح و قال يا أهل المدينة إنّي غريب ببلدكم قد أولمت بما نحرت و ذبحت فليأكل كلّ إنسان منكم ما وجد و ليغد إلىّ من كان له على حقّ حتّى ارضيه فدفع أثمانها إلى أربابها فضرب أهل المدينة به المثل و قالوا أو لم من الأشعث و فيه قال الشّاعر:

لقد أولم الكنديّ يوم ملاكه            وليمة حمّال لثقل العظائم‏

فإن قلت: المستفاد ممّا ذكرته أخيرا مضافا إلى ما ذكرته سابقا من أنّه فدى عند اسره في الكفر بثلاثة آلاف بعير أنّه كان ذا مال و ثروة فكيف يجتمع ذلك مع قوله عليه السّلام: (فما فداك من واحدة منهما مالك و لا حسبك) قلت: لم يرد عليه السّلام به الفداء الحقيقي و إنّما أراد به ما دفع عنك الاسر مالك و لا حسبك و ما نجاك من الوقوع فيه شي‏ء منهما.

ثمّ أردف عليه السّلام ذلك كلّه بالاشارة إلى صفة رذيلة أخرى له أعنى صفة الغدر الذي هو مقابل فضيلة الوفاء و قال: (و انّ امرء دلّ على قومه السّيف و قاد إليهم الحتف‏ لحريّ بأن يمقته الأقرب و) حقيق بأن (لا يأمنه الأبعد) و المراد به الاشارة إلى ما سبق ذكره منّا أنّه طلب الأمان لنفسه أو له مع عشرة من قومه ففتح لزياد و مهاجر باب الحصن و عزل العشرة و أسلم الباقين للقتل فقتلوا صبرا، و لا شكّ أنّ من كان كذلك لجدير أن يمقته قومه و لا يأمنه غيرهم، و أمّا ما قاله السّيد رضي اللّه عنه من أنّه أراد به حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة إلى آخر ما مرّ ذكره، فأنكره الشّارحان الّا أنّ البحراني قال: و حسن الظنّ بالسّيد يقتضي تصحيح نقل السّيد ره.

الترجمة

از جمله كلام آن عالى مقام است كه گفته است آن را با شعث بن قيس عليه اللعنة و العذاب در حالتى كه بر بالاى منبر كوفه خطبه مى‏فرمود پس گذشت در اثناى كلام آن حضرت چيزى كه اشعث بآن اعتراض نمود پس گفت اى أمير مؤمنان اين كلمه كه فرمودى بر ضرر تو است نه بر نفع تو پس فرود آورد بسوى اشعث چشم خود را بعد از آن فرمود: و چه دانا گردانيد تو را بر آنچه بر من مضرّ است از آنچه بر من نفع دارد بر تو باد لعنت خدا و لعنت جميع لعن كنندگان اى جولاه پسر جولاه و منافق پسر كافر، قسم بخدا كه اسير نمودند تو را أهل كفر يك بار و اهل اسلام يك بار ديگر، پس نجات نداد از افتادن تو در دست هر يك از أهل كفر و اسلام مال تو و نه حسب تو، و بدرستى مردى را كه راهنمائى كند بر قوم خود شمشير برنده را و بكشد بسوى ايشان مرگ و هلاك را هر آينه سزاوار است باين كه دشمن دارد او را نزديكتر او و خاطر جمع نباشد باو دورتر او، يعني كسى كه متّصف باشد بصفت غدر لايق است باين كه قوم و بيگانه از او ايمن نشود و باين كه او را دشمن بدارند

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 18 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

 خطبه 18 صبحی صالح

18- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في ذم اختلاف العلماء في الفتيا

و فيه يذم أهل الرأي و يكل أمر الحكم في أمور الدين للقرآن

ذم أهل الرأي‏

تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ فِي حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ

ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ

ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ الَّذِي اسْتَقْضَاهُمْ

فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً

وَ إِلَهُهُمْ وَاحِدٌ

وَ نَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ

وَ كِتَابُهُمْ وَاحِدٌ

أَ فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالِاخْتِلَافِ فَأَطَاعُوهُ

أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ

الحكم للقرآن‏

أَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ

أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى

أَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تَامّاً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ ( صلى‏الله‏عليه‏وسلم  )عَنْ تَبْلِيغِهِ وَ أَدَائِهِ

وَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ

وَ فِيهِ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ

وَ ذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ

فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً

وَ إِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ

لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ

وَ لَا تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ

وَ لَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِهِ

 شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من كلام له عليه السّلام فى ذم اختلاف العلماء في الفتيا و هو الثامن عشر من المختار فى باب الخطب الجارى مجراها

و قد رواه الطبرسيّ في الاحتجاج مرسلا عنه كالكتاب ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف غيره «قوله خ»ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الّذي استقضاهم فيصوّب آرائهم جميعا، و إلههم واحد، و نبيّهم واحد، و كتابهم واحد، أ فأمرهم اللّه بالإختلاف فأطاعوه أم نهيهم عنه فعصوه أم أنزل اللّه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه أم كانوا شركائه فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى أم أنزل اللّه دينا تآمّا فقصّر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن تبليغه و أدائه و اللّه سبحانه يقول: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ» و قال: «فيهِ تِبْيانُ كلِّ شَىْ‏ءٍ» و ذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا، و أنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» و إنّ القرآن ظاهره أنيق، و باطنه عميق، لا تفنى عجائبه «و لا تنقضي عجائبه خ» و لا تكشف الظّلمات إلّا به.

اللغة

(الفتيا) بالضّم الفتوى و (استقضى) فلانا طلب إليه أن يقضيه و استقضى صير قاضيا و (التّبيان) بالكسر و قد يفتح من المصادر الشاذة إذ المصادر على وزن التفعال لم تجى‏ء إلّا بالفتح كالتكرار و التّذكار و (الأنيق) كأمير الحسن المعجب.

الاعراب

الضّمير في غيره الثاني راجع إلى غيره الأوّل، و في بعض النّسخ كالاحتجاج فيحكم فيها بخلاف قوله، فيكون مرجع الضّمير فيه و في غيره الأوّل واحدا و هو أحدهم، و الواو في قوله و الههم واحد حاليّة كاللّتين بعدها، و الهمزة في قوله‏أ فأمرهم للاستفهام على سبيل الانكار الابطالي على حدّ قوله: «أ فأصفاكم ربّكم بالبنين» و كلمة من في قوله: من شي‏ء، زائدة في المفعول، و قوله و انّ القرآن اه جملة استينافية

المعنى

اعلم انّه لا بدّ قبل الخوض في شرح كلامه عليه السّلام من تمهيد مقدّمة

و هي أنّه وقع الخلاف بين العامّة و الخاصّة في التخطئة و التّصويب، و قد عنونه أصحابنا رضى اللّه عنهم في كتبهم الأصوليّة و حقّقوا الكلام فيه بما لا مزيد عليه، و محصّل ما ذكروه أنّ الكلام يقع فيه في مقامات أربعة.

الاول اصول العقائد

و قد نقل غير واحد من الأصحاب إجماع الكلّ على أنّ المصيب فيها واحد و على أنّ المخطي فيها آثم كافر إن كان نافيا للاسلام، و لم يخالف فيه إلّا أبو عبد اللّه الحسين العنبري و الجاحظ فذهبا إلى أنّ الكل مصيب، قال العلامة ليس مرادهما الاصابة من حيث المطابقة في نفس الأمر، بل المراد زوال الحرج و الاثم عن المخطي باعتقاد خلاف الواقع و خروجه عن عهدة التّكليف باجتهاده، و ربّما عزى الخلاف إلى الأوّل في أصل الاصابة و إلى الثّاني في تحقّق الاثم على ما ذكره العلّامة.

و على اىّ تقدير فهو شاذّ ضعيف لا يلتفت إليه، ضرورة بطلان الاصابة و استحالتها ببديهة العقل، و إلّا لزم اجتماع النّقيضين في مثل قدم العالم و حدوثه، و عصمة الامام و عدمها، و وجود المعاد الجسماني و عدمه.

و أمّا من حيث الاثم فالحقّ فيه التفصيل بين القصور و التّقصير فالمقصّر آثم دون القاصر، و إلّا لزم التكليف بما لا يطاق، و هو ظاهر إلّا أنّ الكلام في تحقّق الصغرى و أنّ القصور هل هو ممكن موجود و تفصيل الكلام في الاصول، و لا يخفى أنّ ما ذكرناه من أنّه لا إثم على الكافر القاصر فانّما هو في الآخرة، و أمّا في الدّنيا فلا يبعد القول باجراء أحكام الكفر عليه.

الثاني الفرعيّات التي استقلّ العقل بحكمها

فالحقّ فيها أيضا من حيث الاصابة هو العدم كما عليه الجمهور حذرا من اجتماع النّقيضين في مثل قبح الظلم‏ و العدوان، و من حيث الاثم و عدم التّفصيل بين التقصير و القصور على ما سبق، و لا خفاء في امكان القصور هنا بل تحقّقه غالبا في مطلق النّاس، و أمّا المجتهد فلا يبعد في حقّهم دعوى امكان الوصول إلى الواقع دائما.

الثالث الفرعيات العملية التي قام الدّليل القطعي عليها كالضّروريّات من العبادات و المعاملات

فالحقّ فيها أيضا أنّ المصيب واحد و أمّا من حيث الاثم ففيه ما مرّ من التّفصيل، قال بعض الأصحاب: أمّا إمكان الخفاء و العدم ففيه في هذا المقام خفاء لكن بعد التأمل يظهر الامكان نادرا في غير المجتهدين، و أمّا المجتهدون المتفحّصون ففي إمكان الخفاء عليهم لأجل عروض الشّبهات إشكال لكن لو رأينا أحدا أنكر و احتمل في حقّه الشّبهة أجرينا عليه أحكام المقصّر لغلبة التّقصير في المنكرين، و هذه الغلبة معتبرة عندهم في هذا المقام.

الرابع الفرعيّات التي لم يستقلّ العقل بحكمها و لم يقم عليها دليل قطعيّ

و هذه هي التي صارت معركة للآراء بينهم، فذهب أصحابنا إلى أنّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكما واحدا معيّنا، و المصيب واحد و من أخطأ فهو معذور فلا اثم عليه.

و ذهب جمهور المخالفين إلى أنّه لا حكم معيّن للّه تعالى فيها بل حكمه تابع لظنّ المجتهد و ظنّ كل مجتهد فيها حكم اللّه في حقّه و حقّ مقلّده، و كلّ مجتهد مصيب لحكم اللّه غير آثم و تصوير الاصابة فيها بوجوه.

أحدها أنّ الحكم تابع للحسن و القبح و أنّهما يختلفان بالوجوه و الاعتبارات فحدوث العلم و الجهل محدث للصّفة و الصّفة يتبعها الحكم فرأى المجتهد محدث للحكم، و يكون الأحكام متعلّقة على آرائهم.

الثّاني أنّه تعالى أوجد أحكاما مقصودة بالأصالة و يطابقها آراء المجتهدين قهرا عليهم.

الثّالث أنّه تعالى أوجد أحكاما واقعيّة و يطابقها آراء المجتهدين من باب الاتفاق لا محالة.

الرّابع أنّه تعالى لمّا علم أنّ الآراء يتعلّق بالأحكام المخصوصة فجعل لأجل علمه بذلك أحكاما فيطابقها، و بعبارة اخرى أنّه تعالى جعل أحكاما مختلفة في الواقع بحسب اختلاف آراء المجتهدين على ما يعلمه من أن كلّ واحد منهم لدى التّشبث بالأمارة يؤدّي ظنّه إليه حتّى أنّه ربّما يكون في حقّ الشّخص الواحد أحكاما مختلفة بحسب الواقع باختلاف الأمارات المتعدّدة في الأزمنة المتدرّجة فضلا عن اختلاف الواقعيّات في حقّ الأشخاص و يجمعه و سابقه انتفاء الحكم الواقعي المشترك فيه الكلّ و إن كان في الوجه الأوّل بانتفاء المقيّد و في الثلاثة الأخيرة بانتفاء القيد و كيف كان و التّصويب بجميع تصويراته باطل عند أصحابنا نوّر اللّه مضاجعهم و قد أقاموا على بطلانه الأدلّة القاطعة و البراهين السّاطعة في كتبهم الاصوليّة و دلّت نصوصهم المتواترة عن أئمّتهم سلام اللّه عليهم على أنّ حكم اللّه سبحانه في الوقايع واحد بحسب الواقع و أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما مخزونا عند أهله أصابه من أصابه، و أخطأه من أخطاه، و من جملة تلك النّصوص كلامه عليه السّلام الذي نحن بصدد شرحه حسبما تعرفه إن شاء اللّه.

لا يقال: المستفاد من كلامه عليه السّلام و ما ضاهاه هو اتّحاد الحكم بقول مطلق، و هو ينافي بناء الأصحاب على آرائهم و عملهم بما أدّى إليه ظنونهم و تعبّدهم بالعمل بذلك بناء على أنّه حكم اللّه في حقّ المجتهد و حقّ مقلّده، ضرورة أنّ الآراء مختلفة فيختلف باختلافها الأحكام جدّا.

لأنّا نقول: أوّلا إنّ كلامه عليه السّلام ناظر إلى العاملين بالقياس و الرّأى لا بالكتاب و السنّة كما صرّح به الفاضل القمّي في القوانين.

و أشار إليه الشّارح المعتزلي حيث قال: و المراد الردّ على أهل الاجتهاد في الأحكام الشّرعية و إفساد قول من قال: كلّ مجتهد مصيب، و تلخيص الاحتجاج من وجوه خمسة ثمّ ذكر الوجوه الخمسة ثمّ قال: و اعلم أنّ هذه الوجوه هي التي يتعلّق بها الاماميّة و نفاة القياس و الاجتهاد في الشّرعيّات.

و ثانيا أنّ كلامه عليه السّلام و إن كان مطلقا إلّا أنّه لا بدّ أن يراد به اتّحاد الأحكام الواقعية لقيام الاجماع على تعدّد الأحكام الظاهريّة و على أنّ المجتهد متعبّد بظنّه و تكليفه العمل بما أدّى إليه ظنّه الحاصل من الأمارات الشّرعيّة كظواهر الكتاب و السنّة و أخبار الآحاد و غيرها.

فإن قلت: إذا كان تكليف المجتهد التعبّد بظنه و العمل بمودّيات الظنونات و اختلفت الأحكام باختلافها فلا فرق حينئذ بين المصوبة و المخطئة إذ مآل القولين كليهما إلى تعدّد الأحكام بتعدّد الظنونات فيكون الحكم الشّرعيّ تبعا للظنّ قلت: الفرق بينهما واضح، ضرورة أنّ القائلين بالتّصويب يقولون بتبعيّة الأحكام الواقعيّة لعلم المجتهد أو ظنّه و أنّ العلم أو الظنّ يوجب جعل الحكم في حقّه في الواقع، فما لم يحصل له علم أو ظن لا يكون في حقّه حكم واقعا و أمّا القائلون بالتخطئة فيقولون: إنّ للّه سبحانه حكمين واقعيّ و هو الذي كلّفنا به أوّلا لو لا جهل المكلّف المانع من تعلّق التكليف به، و حكم ظاهرىّ و هو الذي يجب علينا البناء عليه و التعبد به في ظاهر الشّرع بمقتضى الأمارات الشّرعيّة، سواء علمنا مطابقته للأوّل، أو ظنّناه، أو شككناه، أو ظنّنا مخالفته، أو علمنا بالمخالفة كما هو في بعض الفروض.

و بعبارة اخرى مقتضى القول بالتّصويب هو كون الحكم من أصله تابعا للأمارة بحيث لا يكون في حقّ الجاهل مع قطع النّظر عن وجود الأمارة و عدمها حكم، فيكون الأحكام مختصّة في الواقع بالعالمين بها، و الجاهل مع قطع النّظر عن قيام أمارة عنده على حكم العالمين لا حكم له أو محكوم بما يعلم اللّه أنّ الأمارة تؤدّى إليه.

و مقتضى القول بالتخطئة هو أنّ في الواقع حكما مشتركا بين الكلّ، و عليه فإن حصل للمكلّف علم به أو ظنّ مطابق له فهو، و إلّا فتكليفه العمل بما أدّى إليه ظنّه في ظاهر الشّرع و يكون ذلك واقعيّا ثانويّا في حقّه.

فان قلت: إذا كان تكليفه عند عدم حصول العلم بالواقع هو العمل بالظنّ فلاتفاوت بين أن نقول: إنّ هناك حكما واقعيّا وراء المظنون كما يقوله المخطئة، و بين أن نقول: بأن لا حكم هنا وراء المظنون، و محصّله عدم ثمرة عملية بين القولين و عدم فايدة تترتّب على الخلاف في مقام العمل.

قلنا: الثّمرة إنّما تظهر إذا انكشف له الحال بعد العمل بالظنّ بأن حصل له العلم بالواقع و كان ظنّه الذي عمل به مخالفا للواقع فيلزمه الاتيان به ثانيا على القول بالتخطئة لأنّ مطلوب الشّارع في المقام حقيقة هو الواقع و إنّما تعلق التّكليف بالظاهر نظرا إلى اشتباه المكلف و عجزه عن الوصول إلى الواقع.

و تحقيق ذلك أنّ مؤدّيات الطرق الشّرعيّة على القول بالتّصويب مجعولات في الواقع ليس للمكلف في الواقع تكليف ورائها، فحالها مثل حال الأوامر الواقعيّة الاختياريّة لا إشكال في إجزائها بل لا يتصوّر انكشاف الخلاف فيها أصلا، و أمّا على القول بالتخطئة فإنّما يترتّب عليها الآثار الشّرعيّة مع عدم حصول العلم بخلافها، و مع قصور المكلّف عن الوصول إلى الواقع و أمّا بعد انكشاف الخلاف و حصول علمه بالواقع فيكون مكلّفا به و يرجع الأمر إلى التكليف الأوّل، فإن كان الوقت باقيا وجب الاعادة بمقتضى الأصل لبقاء التكليف و وجوب الامتثال، و إن كان فايتا وجب القضاء لو دلّ دليل على وجوب القضاء لصدق الفوات.

ثمّ إنّ هذا كله مبنىّ على ما ذهب إليه غير واحد من متأخّرى أصحابنا من جعلهم مسألة الاجزاء من متفرّعات مسألة التخطئة و التصويب و بنوا الاجزاء على التّصويب و عدمه على التخطئة إلا أنّ الشأن عدم تماميّة التفريع في الطرفين لعدم الملازمة بين التخطئة و عدم الاجزاء بل مع القول بها مجال للاجزاء و عدمه، و تفصيل الكلام في ذلك موكول إلى الاصول فليرجع إليه.

و إذا تمهّد لك هذه المقدّمة فلنرجع إلى شرح كلامه عليه السّلام فنقول: إنّه صدر كلامه بيان حال العلماء السّوء العاملين بالآراء تعريضا عليهم ببطلان عملهم بالرّأى و توبيخا لهم على ذلك ثمّ أردفه بالاشارة على بنائهم عليه من القول بالتّصويب في‏الأحكام المختلفة المنشعبة عن الآراء المتشتّتة، و نبّه على بطلان ذلك البناء و فساد هذا القول بالوجوه الآتية فقال: (ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام) الشّرعيّة (فيحكم فيها برأيه) أى بظنونه المأخوذة لا من الأدلة الشّرعيّة و المآخذ المنتهية إلى الشّارع بل من الاستحسانات العقليّة و القياسات الفقهيّة (ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره) اى على غير القاضي الأوّل (فيحكم فيها بخلاف قوله) أى قول الأوّل استنادا إلى رأيه الفاسد و نظره الكاسد أيضا، كما كان استناد الأوّل في حكمه إليه.

(ثمّ يجتمع القضاة بذلك) الحكم المختلف (عند الامام) الضّالّ و رئيسهم المضلّ (الذى استقضاهم) و صيّرهم قاضيا (فيصوّب آرائهم جميعا) و يحكم بكون الأحكام المختلفة الصّادرة عنهم في قضيّة شخصية كلّها صوابا مطابقا للواقع (و) هو باطل بالضّرورة، لأنّ (الههم واحد و نبيّهم واحد و كتابهم واحد) و ليس لكلّ منهم اله يحكم بحكم مخالف لحكم اله الآخر و يرسل على ذلك رسولا و ينزل على ذلك كتابا حتّى يسند كلّ منهم حكمه المخالف لحكم الآخر إلى إلهه، و إذا ثبت وحدة الاله سبحانه فلا بدّ أن يكون الحكم الواقعي واحدا إذ الوجوه المتصوّرة لاستناد تعدّد الاحكام و اختلافها حينئذ«» إليها امور كلّها باطلة بحكم العقل و النّقل كما أشار إليها بقوله: (أ فأمرهم اللّه بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه) مفاد همزة الاستفهام المفيدة للانكار على سبيل الابطال مع أم المنقطعة المفيدة للاضراب مفادها في قوله تعالى: «قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ» فيدلّ الكلام على ذلك، على أنّ اختلافهم ليس مأمورا به بل منهيّ عنه فيكونون عاصين فيه، أمّا أنّه ليس مأمورا به فلعدم ورود أمر بذلك في الكتاب و السّنة، و أمّا أنّه منهيّ عنه فلدلالة العقل و النّقل على ذلك، أمّا العقل فلتقبيح العقلاءمن يتكلّف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده عن المولى فضلا عمّا علم بعدم وروده و أمّا النّقل فمن الكتاب الآية السّابقة حيث دلّت على أنّ ما ليس باذن من اللّه فهو افتراء له و من المعلوم أنّ الافتراء حرام و منهيّ عنه و قوله: «إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ» و قوله: «وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» و قوله: «وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ مَنْ» فانّ الحكم بالرّأى الذي هو منشأ للاختلاف حكم بغير ما نزل من اللّه سبحانه إذ العمل بالرّأى و القياس إنّما هو فيما لم يتبيّن حكمه في الكتاب و السنّة كما هو ظاهر.

و من السّنة ما رواه محمّد بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: القضاة أربعة ثلاثة في النّار و واحد في الجنّة: رجل قضى بالجور و هو يعلم فهو في النّار، و رجل قضى بالجور و هو لا يعلم فهو في النّار، و رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم فهو في النّار، و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة.

و وجه الدّلالة غير خفيّ حيث إنّ المستفاد منه أنّ القضاء بما لا يعلم سواء كان حقّا أو جورا موجب لدخول النّار فيكون محرّما منهيّا عنه، و من المعلوم أنّ القضاء بالآراء المختلفة قضاء بما لا يعلم فيكون منهيّا عنه و ستعرف توضيح ذلك بما لا مزيد عليه في التّنبيه الآتي، و كيف كان فقد تحصّل ممّا ذكرناه أنّ الاختلاف ليس مأمورا به بل منهيّ عنه هذا.

و لمّا نبّه عليه السّلام على بطلان كون الاختلاف بأمر منه سبحانه أردفه بساير الوجوه التي يحتمل كونه بسببها ممّا هو ضروري البطلان، و هى بحسب الاستقراء منحصرة في ثلاثة اذ اختلافهم في دينه و شرعه و حاجتهم إلى ذلك إمّا أن يكون مع نقصانه أو مع تمامه و تقصير الرّسول في أدائه، و على الوجه الأوّل فذلك الاختلاف إنّما يكون‏على أحد وجهين، أحدهما أن يكون اتماما لذلك النّقصان أو على وجه أعمّ من ذلك و هو كونهم شركاءه في الدّين و قد أشار عليه السّلام إلى الوجه الأوّل بقوله: (أم أنزل اللّه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه) و إلى الثّاني بقوله: (أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى) و إلى الثّالث بقوله: (أم أنزل اللّه دينا تامّا فقصّر الرّسول عن تبليغه و أدائه) ثمّ استدل على بطلان الوجوه الثلاثة بقوله: (و اللّه سبحانه يقول) في سورة الانعام (ما فرّطنا في الكتاب من شي‏ء) (و قال) (فيه تبيان كلّ شي‏ء) و هذا مضمون آية في سورة النّحل و هو قوله تعالى: «وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً» و مثلها قوله سبحانه في سورة الانعام: «وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» فانّ دلالة هذه الآيات على بطلان الوجهين الأوّلين واضحة، ضرورة انّ الكتاب الحكيم إذا لم يترك فيه شي‏ء و لم يفرط فيه من شي‏ء بل كان فيه بيان كلّ شي‏ء و كل رطب و يابس فلا بدّ أن يكون الدّين بتمامه منزلا فيه و حينئذ فلا يكون فيه نقصان حتّى يستعان بهم على إتمامه أو يأخذهم شركاء له في أحكامه، فالقول بكون الدّين ناقصا باطل بنصّ القرآن و حسبان الاستعانة و الافتقار بهم على الاتمام أو كونهم مشاركين له في الاحكام كفر و زندقة بالبديهة و العيان و أمّا دلالتها على بطلان الوجه الثّالث فهي أيضا ظاهرة بعد ثبوت عصمة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عدم إمكان تصوير التّقصير منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في التّبليغ و قد قال تعالى: «قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ»

روى الصّدوق في العيون عن الرضا عليه السّلام أنّه سئل يوما و قد اجتمع عنده قوم من أصحابه و قد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الشي‏ء الواحد فقال عليه السّلام: إنّ اللّه عزّ و جلّ حرّم حراما و أحلّ حلالا و فرض فرايض فما جاء في تحليل ما حرّم اللّه أو تحريم ما أحلّ اللّه أو رفع فريضة في كتاب اللّه رسمها قائم بلا نسخ نسخ ذلك فذلك شي‏ء لا يسع الأخذ به، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن ليحرّم ما أحلّ اللّه و لا ليحلّل ما حرّم اللّه و لا ليغيّر فرائض اللّه و أحكامه و كان في ذلك كلّه متّبعا مسلّما مؤيدا عن اللّه عزّ و جلّ و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: إن أتّبع إلّا ما يوحى إلىّ فكان متّبعا مؤدّيا عن اللّه ما امر به من تبليغ الرّسالة.

ثمّ إنّه بعد ما تحصّل من كلامه بطلان كون الاختلاف جائزا و مأذونا فيه و بأمر من اللّه سبحانه، أكّد ذلك بالتّصريح على دليل ذلك بقوله: (و ذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا و أنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه) في سورة النّساء أفلا يتدبّرون القرآن (و لو كان من عند غير اللّه) اى من كلام غيره سبحانه (لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) و تقريب الاستدلال بها أنّ القرآن مدرك الدّين و مشتمل على الاحكام الشّرعية و قد أخبر اللّه سبحانه بأنّه لا يوجد فيه اختلاف، لكونه من عنده فلا يوجد فيه أحكام مختلفة من حيث إنّ نفى العامّ مستلزم لنفى الخاصّ فاذن لا يكون الاختلاف في الاحكام من عنده سبحانه و مأذونا فيه و هو واضح.

قال الطبرسيّ في مجمع البيان و هذه الآية تضمّنت الدّلالة على أنّ التّناقض من الكلام لا يكون من فعل اللّه، لانّه لو كان من فعله لكان من عنده لا من عند غيره و الاختلاف في الكلام يكون على ثلاثة أضرب: اختلاف تناقض، و اختلاف تفاوت و اختلاف تلاوة، و اختلاف التفاوت يكون في الحسن و القبح و الخطاء و الصّواب ممّا تدعو إليه الحكمة و تصرف عنه، و هذا الجنس من الاختلاف لا يوجد في القرآن كما لا يوجد اختلاف التناقض، و أمّا اختلاف التلاوة فهو كاختلاف وجوه القرآن و اختلاف مقادير الآيات و السّور و اختلاف الاحكام في النّاسخ و المنسوخ فذلك موجود في القرآن و كلّه حقّ و صواب.

ثمّ إنّه عليه السّلام أردف كلامه بالتنبيه على أنّ الكتاب العزيز واف بجميع المطالب إذا تدبّروا معناه و لا حظوا أسراره فقال: (و إنّ القرآن ظاهره أنيق) أى حسن معجب بانواع البيان و أصنافه و غرابة الاسلوب و حسنه و ايتلاف النّظم و انساقه (و باطنه عميق) لاشتماله على أنواع الحكم من أمر بحسن و نهي عن قبيح و خبر عن مخبر صدق و دعاء إلى مكارم الأخلاق و حثّ على الخير و الزّهد و اشتماله على تبيان كلّ شي‏ء و على ما كان و ما يكون و ما هو كائن.

كما قال الصّادق عليه السّلام في رواية العيّاشي: نحن و اللّه نعلم ما في السّماوات و ما في الأرض و ما في الجنّة و ما في النّار و ما بين ذلك، ثمّ قال: إنّ ذلك في كتاب اللّه ثمّ تلا قوله تعالى: «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ» و في الكافي عنه عليه السّلام إنّي لأعلم ما في السّماوات و ما في الأرض و أعلم ما في الجنّة و أعلم ما في النّار و أعلم ما كان و ما يكون ثمّ سكت هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب اللّه عزّ و جلّ إنّ اللّه يقول: فيه تبيان كلّ شي‏ء (و لا تفنى عجائبه) أى الأمور المعجبة منه (و لا تنقضي غرائبه) أى النّكت الغريبة فيه (و لا تكشف الظلمات) أى ظلمات الشّبهات (إلّا به) أى بسواطع أنواره و لوامع أسراره

تنبيه

قد تحصّل ممّا ذكرنا كلّه أنّ مقصود الامام عليه السّلام بهذا الكلام من أوّله إلى آخره هو المنع عن العمل بالرّأى و إبطال الاختلاف في الأحكام المنشعب عن الآراء المختلفة و إفساد القول بالتّصويب فيها، و هذا كلّه موافق لاصول الاماميّة رضوان اللّه عليهم و مطابق لأخبارهم المتواترة المأثورة عن العترة الطاهرة، و لا بأس بالاشارة الى بعض تلك الاخبار تثبيتا للمرام و توضيحا لكلام الامام عليه السّلام.

فمنها ما رواه ثقة الاسلام محمّد بن يعقوب الكلينيّ قدّس اللّه روحه في الكافي عن‏محمّد بن أبي عبد اللّه رفعه عن يونس بن عبد الرّحمن قال: قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السّلام«» فقال: يا يونس لا تكوننّ مبتدعا من نظر برأيه هلك، و من ترك أهل بيت نبيّه ضلّ، و من ترك كتاب اللّه و قول نبيّه كفر.«» و عن عليّ بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: حدّثني جعفر عليه السّلام عن أبيه أنّ عليّا عليه السّلام قال: من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس و من دان اللّه بالرّأى لم يزل دهره في ارتماس، قال: و قال أبو جعفر عليه السّلام: من أفتى النّاس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم و من دان اللّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللّه، حيث أحلّ و حرّم فيما لا يعلم و الظاهر أنّ المراد بالالتباس هو التخليط بين الحقّ و الباطل، و بالارتماس الانغماس في ظلمات الشّبهة و الضّلالة، فالالتباس باعتبار استخراج الاحكام بالرّأى و القياس، لأنّه يلتبس عليه الامور و يشتبه عليه الحقّ و الباطل، و الارتماس باعتبار العمل بتلك الاحكام، قال المجلسيّ (قده) في قوله فقد ضادّ اللّه: أى جعل نفسه شريكا للّه.

و عن عليّ بن محمّد بن عيسى عن يونس عن قتيبة قال سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن مسألة فأجابه فيها فقال الرّجل أرأيت إن كان كذا و كذا ما يكون القول فيها فقال له: مه ما أجبتك فيه من شي‏ء فهو عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لسنا من رأيت في شي‏ء قال المجلسيّ: لمّا كان مراده أخبرني عن رأيك الذي تختاره بالظنّ و الاجتهاد نهاه عليه السّلام عن هذا الشي‏ء من الظنّ و بيّن انّهم لا يقولون شيئا إلّا بالجزم و اليقين و بما وصل إليهم من سيد المرسلين صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين.

و منها ما في الوسائل عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي في المحاسن عن أبيه عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في رسالته إلى أصحاب الرّأى و القياس: أمّا بعد فإنّ‏من دعا غيره إلى دينه بالارتيآء و المقائيس لم ينصف و لم يصب حظّه، لأنّ المدعوّ إلى ذلك أيضا لا يخلو من الارتياء و المقائيس، و متى لم يكن بالدّاعي قوّة في دعائه على المدعوّ لم يؤمن على الدّاعي أن يحتاج إلى المدعوّ بعد قليل، لأنّا قد رأينا المتعلّم الطالب ربّما كان فائقا لمعلّمه و لو بعد حين، و رأينا المعلّم الدّاعي ربّما احتاج في رأيه إلى رأى من يدعو، و في ذلك تحير الجاهلون و شكّ المرتابون و ظنّ الظانون و لو كان ذلك عند اللّه جائزا لم يبعث اللّه الرّسل بما فيه الفصل و لم ينه عن الهزل و لم يعب الجهل و لكن النّاس لمّا سفهوا الحقّ و غمطوا النّعمة و استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم اللّه و اكتفوا بذلك عن رسله و القوّام بأمره و قالوا لا شي‏ء إلّا ما أدركته عقولنا و عرفته ألبابنا فولّاهم اللّه ما تولّوا و أهملهم و خذلهم حتّى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون و لو كان اللّه رضي منهم اجتهادهم و ارتيائهم فيما ادّعوا من ذلك لم يبعث إليهم فاصلا لما بينهم و لا زاجرا عن وصفهم.

و إنّما استدللنا أنّ رضاء اللّه غير ذلك ببعثة الرّسل بالامور القيمة الصّحيحة و التّحذير من الامور المشكلة المفسدة ثمّ جعلهم أبوابه و صراطه و الأدلّاء عليهم بامور محجوبة عن الرّأى و القياس فمن طلب ما عند اللّه بقياس و رأى لم يزدد من اللّه الّا بعدا، و لم يبعث رسولا قط و إن طال عمره قائلا من النّاس خلاف ما جاء به حتّى يكون متبوعا مرّة و تابعا اخرى و لم ير أيضا فيما جاء به استعمل رأيا و لا مقياسا حتّى يكون ذلك واضحا عند اللّه كالوحى من اللّه و في ذلك دليل لكلّ ذي لبّ و حجى أنّ أصحاب الرأى و القياس مخطئون مدحضون.

و الأخبار في هذا المعنى فوق حدّ الاحصاء و قد عقد في الوسائل كالكافي بابا لعدم جواز القضاء و الحكم بالرأى و الاجتهاد و المقائيس و نحوها من الاستنباطات الظنّيّة في الأحكام الشّرعيّة من أراد الاطلاع فليراجع إلى الكتابين، و اللّه الهادي

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام عالميان است در مذّمت اختلاف علماء در فتواها كه استغنا ورزيده ‏اند بجهة عمل بآراء از أئمه هدى سلام اللّه عليهم: وارد مى‏ شود بر يكى از آنها قضيّه در حكمى از حكمها پس حكم مى ‏كند در آن قضيّه برأى فاسد و نظر كاسد خودش كه مستند است باستحسانات عقليّه و قياسات ظنّيه، بعد از آن وارد مى‏ شود همين قضيّه شخصيّه بر غير آن حاكم پس حكم مى‏ كند آن حاكم ثاني در همان قضيّه بخلاف قول حاكم أوّل، بعد از آن جمع مى ‏شوند قاضيان بآن أحكام نزد پيشواى خودشان كه آنها را قاضى نموده است، پس حكم مى‏ كند بصواب بودن رأى‏هاى همه ايشان و حال آنكه اين تصويب فاسد است، بجهة اين كه خداى ايشان يكى است و پيغمبر ايشان يكى است و كتاب ايشان يكى است.

پس آيا امر نموده است خداوند ايشان را باختلاف پس اطاعت كرده ‏اند او را يا اين كه نهى فرموده است ايشان را از آن اختلاف پس معصيت كرده ‏اند ايشان باو يا آنكه خداوند فرو فرستاده دين ناقصى پس يارى خواسته بايشان در اتمام آن يا اين كه بوده ‏اند ايشان شريكان خداوند رحمن، پس ايشان راست اين كه بگويند و مر او راست اين كه راضى بشود بگفتار ايشان چنانكه شأن شريكان با همديگر اين است يا اين كه فرو فرستاده خداوند دين تمامى پس تقصير كرده حضرت رسالت مآب صلّى اللّه عليه و آله از رسانيدن و ادا نمودن آن بر انام.

و حال آنكه حق تعالى فرموده در كتاب مجيد خود: كه ما تقصير نكرده ‏ايم در كتاب خود از هيچ چيز در هيچ باب و در آن كتاب است بيان هر چيزى، و ذكر فرموده اين كه بدرستى كه قرآن تصديق كننده است بعضى از آن مر بعض ديگر را، و بدرستى كه بوجه من الوجوه در آن اختلاف نيست، پس فرموده است: كه اگر بودى اين كتاب عزيز از نزد غير پروردگار هر آينه يافتندى در آن اختلاف بسيار و بدرستى كه ظاهر قرآن حسن است و معجب و باطن آن عميق است و بى پايان، فاني نمى‏ شود سخنان عجيبه آن و بنهايت نمى ‏رسد نكته ‏هاى غريبه آن و زايل نمى ‏شود ظلمات شبهات مگر بانوار آيات باهرات آن

 منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 17 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 17 صبحی صالح

17- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة و ليس لذلك بأهل

و فيها أبغض الخلائق إلى اللّه صنفان‏

الصنف الأول‏

إنَّ أَبْغَضَ الْخَلَائِقِ إِلَى اللَّهِ رَجُلَانِ

رَجُلٌ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ

فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ

مَشْغُوفٌ بِكَلَامِ بِدْعَةٍ وَ دُعَاءِ ضَلَالَةٍ

فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ

ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ

مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ وَفَاتِهِ

حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ

رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ

الصنف الثاني‏

وَ رَجُلٌ قَمَشَ جَهْلًا

مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ الْأُمَّةِ

عَادٍ فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ

عَمٍ بِمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ

قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ

بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ

حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ مَاءٍ آجِنٍ وَ اكْتَثَرَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ

جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ

فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثًّا مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ بِهِ

فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ

لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ

فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ

وَ إِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ

جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالَاتٍ

عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ

لَمْ يَعَضَّ عَلَى الْعِلْمِ‏

بِضِرْسٍ قَاطِعٍ

يَذْرُو الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ

لَا مَلِيٌّ وَ اللَّهِ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ

وَ لَا أَهْلٌ لِمَا قُرِّظَ بِهِ

لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْ‏ءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ

وَ لَا يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ

وَ إِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ

تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ

وَ تَعَجُّ مِنْهُ الْمَوَارِيثُ

إِلَى اللَّهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالًا وَ يَمُوتُونَ ضُلَّالًا

لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ

وَ لَا سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً وَ لَا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ

وَ لَا عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَ لَا أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْكَرِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من كلام له عليه السّلام فى صفة من يتصدى للحكم بين الامة و ليس لذلك باهل و هو السابع عشر من المختار في باب الخطب الجارى مجراها

هذا الكلام الشّريف رواه المفيد في الارشاد من ثقات أهل النقل عند الخاصّةو العامّة، و الطبرسيّ أيضا في الاحتجاج مرسلا عنه عليه السّلام كالكتاب، و ثقة الاسلام الكليني قدّس اللّه روحه في باب البدع و الرّأى و المقاييس من اصول الكافي مسندا تارة و مرفوعا اخرى حسبما تعرفه، و أمّا ما ذكره الرّضيّ قدّس سرّه فهو أنّه قال: إنّ أبغض الخلق الى اللّه رجلان: رجل و كله اللّه إلى نفسه، جائر عن قصد السّبيل مشغوف بكلام بدعة، و دعاء ضلالة فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته و بعد وفاته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته، و رجل قمش جهلا موضع في جهّال الامة، غارّ في أغباش الفتنة، عم بما في عقد الهدنة، قد سمّاه أشباه النّاس عالما و ليس به، بكّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر، حتّى إذا ارتوى من آجن، و اكتنز من غير طائل، جلس بين النّاس قاضيا، ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، فإن نزلت به إحدى المبهمات هيّألها حشوا رثّا من رأيه، ثمّ قطع به، فهو من لبس الشّبهات مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، و إن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خبّاط جهالات، عاش ركّاب عشوات، لم يعضّ على العلم بضرس قاطع، يذري الرّوايات إذ راء الرّيح الهشيم، لا ملي و اللّه بإصدار ما ورد عليه، و لا هو أهل لما فوّض إليه، لايحسب العلم في شي‏ء ممّا أنكره، و لا يرى أنّ من وراء ما بلغ منه مذهبا لغيره، و إن أظلم عليه أمر اكتتم به، لما يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدّماء، و تعجّ منه المواريث، إلى اللّه أشكو من معشر يعيشون جهّالا، و يموتون ضلّالا، ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلى حقّ تلاوته، و لا سلعة أنفق بيعا، و لا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه، و لا عندهم أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر.

اللغة

(وكله) إلى نفسه بالتخفيف يكله و كلا و وكولا تركه و نفسه و (الجائر) باعجام الأوّل أو باعجامهما و في بعض نسخ الكافي بالمهملتين و المعاني متقاربة أى عادل أو متجاوز أو حيران (عن قصد السبيل مشغوف) بالغين المعجمة و في بعض النّسخ بالمهملة و بهما قرء قوله تعالى: قد شغفها حبّا و على الأوّل فهو مأخوذ من شغاف القلب أى حجابه أو سويداه، و على الثّاني من الشّعف و هو شدّة الحبّ و إحراقه القلب و (البدعة) اسم من ابتدع الأمر إذا أحدثه كالرّفعة من الارتفاع و الخلفة من الاختلاف و (الهدى) بفتح الأوّل و سكون الثّاني الطريقة و السّيرة أو بالضمّ و القصر و هو الرّشاد و (رهن) و في بعض النّسخ رهين أى مأخوذ و (القمش) جمع الشي‏ء من ههنا و ههنا و (موضع) بضمّ الميم و كسر الضاد مسرع من وضع البعير أسرع و أوضعه راكبه فهو موضع به أى أسرع به و (غار) بالغين المعجمة و الرّاء المهملة المشدّدة أى غافل و في بعض النّسخ عاد بالعين و الدّال المهملتين من العدو بمعنى السّعى أو من العدوان، و في أكثر نسخ الكافي عان بالعين و النّون من‏قولهم عنى فيهم اسيرا أى أقام فيهم على اسارة و احتبس و عناه غيره حبسه، و العاني الأسير او من عنى بالكسر بمعنى تعب أو من عني به فهو عان اشتغل و اهتمّ به، و (الأغباش) جمع غبش كسبب و أسباب و هو ظلمة آخر اللّيل، و في بعض النّسخ أغطاش الفتنة، و الغطش أيضا الظلمه.

و عمى عما كرضى ذهب بصره كلّه فهو أعمى و (عم) و هي عمياء و عمية و العمى أيضا ذهاب بصر القلب و البكرة و البكور هو الصّباح و (بكّر) و بكر بالتّشديد و التّخفيف إذا دخل فيه و كثيرا ما يستعملان في المبادرة و الاسراع إلى شي‏ء في أىّ وقت كان، و منه الحديث بكّروا بصلاة المغرب أى صلّوها عند سقوط القرص و روى من الماء بالكسر و (ارتوى) امتلا من شربه و الماء (الآجن) المتغيّر الطعم و اللّون و (اكتنز) من الاكتناز و هو الاجتماع و في بعض النّسخ و أكثر و هو الظاهر.

و (التخليص) التّبيين و هو قريب من التّلخيص أو هما واحد و (الحشو) فضل الكلام و (الرّث) بفتح الرّاء و التّشديد الخلق ضدّ الجديد و (عاش) خابط في ظلام و (العشوة) بتثليث الأوّل الأمر الملتبس الذي لا يعرف وجهه مأخوذة من عشوة الليل أى ظلمته (و ذرت) الريح الشي‏ء ذروا و أذرته إذ راء أطارته و قلبته و (الهشيم) النّبت اليابس المنكسر و في بعض الرّوايات يذر و الرّوايات ذرو الريح و في بعضها يذري الرّوايات ذرو الرّيح الهشيم، و توجيهه مع كون الذّرو مصدر يذر و لا يذري هو كونهما بمعنى واحد حسبما عرفت فصحّ إقامة مصدر المجرّد مقام مصدر المزيد (و الملي‏ء) بالهمزة الثقة الغني قال الجزري: قد أولع النّاس بحذف الهمزة و تشديد الياء و (يحسب) إمّا بكسر السّين من الحسبان، و إمّا بالضمّ من الحساب و (العجّ) رفع الصّوت و (السّلعة) بالكسر المتاع و (أبور) أفعل من البور و هو الفاسد و بار الشّي‏ء فسد و بارت السّلعة كسدت و لم ينفق، و هو المراد ههنا و أصله الفساد أيضا و (نفق) البيع إذا راج.

الاعراب

قوله بكّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر روى من جمع منوّنا و بغير تنوين أمّا بالتّنوين فيحتمل كونه بمعنى المفعول أى من مجموع و كونه على معناه الحقيقي المصدرى و على كلّ تقدير فما موصولة مبتداء و خير خبره و قلّ صلتها و فاعل قلّ ضمير مستكن عايد إلى الاستكثار المفهوم من استكثر و ضمير منه عايد إلى الموصول و الجملة مجرورة المحلّ لكونها بدلا للجمع، و أمّا بدون التّنوين فالموصوف محذوف و هو المضاف إليه أى من جمع شي‏ء الذي قلّ منه خير، فما على ذلك موصولة و يحتمل كونها مصدرية أى من جمع شي‏ء قلّته خير من كثرته.

و قيل إنّ جمع مضاف إلى ما و المحذوف هو ان المصدريّة بعدها، و قلّ مبتداء بتقديرها على حدّ و تسمع بالمعيدى خير من أن تراه، أى من جمع ما أن أقلّ منه أى قلّته خير، و في رواية الكافي بكّر فاستكثر ما قلّ منه خير، و قوله: و اكتنز من غير طائل اسناد اكتنز إلى فاعله و هو الرّجل الموصوف إمّا على سبيل المجاز أو في الكلام تقدير أى اكتنز له العلوم الباطلة، و على ما في بعض النّسخ من قوله: فاكثر من غير طائل لا يحتاج إلى تكلّف، و ضامنا إمّا صفة لقاضيا أو حال بعد حال.

المعنى

اعلم أنّ البغض كالحبّ الذي هو ضدّه لمّا كان من صفات النّفس أعني نفار النّفس عن الشي‏ء و كان إسناده إليه سبحانه محالا لا جرم ينبغي أن يراد به حيثما اسند إليه معناه المجازي أعني سلب الفيض و الاحسان و هذا المعنى هو المراد بقوله عليه السّلام: (انّ أبغض الخلائق إلى اللّه رجلان) مما ز جان بين الحقّ و الباطل متشبّثان بذيل الشّبهات و الجهالات يحسبان أنّها من علوم الدّين و مراتب اليقين.

و إنّما كانا أبغض الخلايق باعتبار أنّ ضررهما النّاشي من جهالتهما بأمر الدّين لم يكن راجعا إلى أنفسهما فقط، بل متعدّيا إلى الغير و ساريا إلى الأتباع و باقيا في الأعقاب إلى يوم القيامة فكانا مع ضلالتهما في نفسهما مضلّين لغيرهما عن‏ سلوك جادّة اليقين و تحصيل معارف الدّين، فلذلك كانا أبغض الخلائق.

و كيف كان فأحمد الرّجلين (رجل و كله اللّه إلى نفسه) أى فوّض إليه أمره و خلاه و نفسه و جعل و كوله و اعتماده عليها لظنّه الاستقلال في نفسه على القيام بمصالحه و زعمه القدرة على تحصيل المراد و الوصول إليه بالرأى و القياس و الاستحسانات الفاسدة التي لا أصل لها، و الرّوايات التي لم تؤخذ من مأخذها فلا جرم أفاض اللّه عليه صورة الاعتماد على نفسه فيما يريده من امور الدّين و قوانين الشّرع المبين فلم يدر أنّه هلك في أىّ واد: «وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» و حيث إنّه كان اعتماده عليه (فهو جائر عن قصد السّبيل) و مائل عن طريق الحقّ و ضالّ عن الصّراط المستقيم و واقع في طرف الافراط من فضيلة العدل قريب من الشّر بعيد عن الخير كما ورد في بعض الأدعية: و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، فانك ان وكلتني إلى نفسى تقربني من الشرّ و تباعدني من الخير.

و سرّ ذلك أنّ النّفس بالذّات مايلة إلى الشرّ فاذا سلبت عنها أسباب التوفيق و الهداية تاهت في طريق الضلالة و الغواية (مشغوف بكلام بدعة و دعاء ضلالة) أى دخل حبّ كلام البدعة و دعوته النّاس إلى الضلالة شغاف قلبه أى حجابه أو سويداه و على كونه بالعين المهملة فالمعنى أنّه غشى حبّها قلبه من فوقه إذ الشّعفة من القلب رأسه عند معلّق النّياط، و هو عرق علق به القلب إذا انقطع مات صاحبه، و على أىّ تقدير فالمقصود به كونه أشدّ حبّا و أفرط ميلا إلى كلامه الذي لا أصل له في الدّين و دعوته المضلّة عن نهج اليقين، فهو من الأخسرين أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحيوة الدّنيا فهم يحسبون أنّهم بحسنون صنعا.

كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النّار و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أيضا في رواية الكافي: أبى اللّه لصاحب البدعة بالتّوبة، قيل: يا رسول اللّه و كيف ذلك قال: إنّه قد اشرب قلبه حبّهاو لا بأس بتحقيق الكلام في معنى البدعة و قد عرفت معناها اللغوي و غلبت في العرف على ما هو زيادة في الدّين أو نقصان منه، و قيل: كلّ ما لم يكن في زمن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهو بدعة.

و ردّه الأردبيلي بمنع الشّرطيّة و قال: البدعة هي كلّ عبادة لم تكن مشروعة ثمّ أحدثت بغير دليل شرعي أو دلّ دليل شرعيّ على نفيها فلو صلّى أو دعى أو فعل غير ذلك من العبادات مع عدم وجودها في زمانه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فانّه ليس بحرام لأنّ الأصل كونها عبادة و لغير ذلك مثل الصّلاة خير موضوع و الدّعاء حسن انتهى، و أنت خبير بما في تخصيصها بالعبادات لظهور عمومها لها و لغيرها.

و التّحقيق فيها ما ذكره الشّهيد قده في القواعد قال في محكي كلامه: و محدثات الامور بعد عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تنقسم أقساما لا يطلق اسم البدعة عندنا إلّا ما هو محرّم عندنا أوّلها الواجب كتدوين القرآن و السنّة إذا خيف عليها التفلّت من الصّدور فانّ التّبليغ للقرون الآتية واجب إجماعا و لا يتمّ إلّا بالحفظ، و هذا في زمن الغيبة واجب، و أمّا في زمان ظهور الامام عليه السّلام لأنّه الحافظ لها حفظا لا يتطرّق إليه خلل و ثانيها المحرّم و هو كلّ بدعة تناولها قواعد التّحريم و أدلّته من الشريعة كتقديم غير المعصومين عليهم و أخذهم مناصبهم و استيثار ولاة الجور بالأموال و منعها مستحقّها و قتال أهل الحقّ و تشريدهم و إبعادهم و القتل على الظنّة و الالزام ببيعة الفسّاق و المقام عليها و تحريم مخالفتها و الغسل في المسح و المسح على غير القدم، و شرب كثير من الأشربة، و الجماعة في النّوافل و الأذان الثّاني يوم الجمعة، و تحريم المتعتين، و البغى على الامام و توريث الأباعد و منع الأقارب، و منع الخمس أهله و الافطار في غير وقته إلى غير ذلك من المحدثات المشهورات، و منها تولية المناصب غير الصّالح لها ببذل أو إرث أو غير ذلك.

و ثالثها المستحبّ و هو ما تناولته أدلّة النّدب كبناء المدارس و الرّبط، و ليس منه اتخاذ الملوك الاهبة ليعظموا في النّفوس اللّهمّ إلّا أن يكون مرهبا للعدوّ.

و رابعها المكروه، و هو ما شملته أدلّة الكراهة كالزّيادة في تسبيح الزّهراءعليها السّلام و ساير الموظّفات أو النقيصة منها و التنعّم في الملابس و المآكل بحيث يبلغ الاسراف بالنّسبة إلى الفاعل و ربّما أدّى إلى التّحريم إذا استضرّبه هو و عياله و خامسها المباح، و هو الدّاخل تحت الأدلّة المباحة كنخل الدّقيق فقد ورد أوّل شي‏ء أحدثه النّاس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اتّخاذ المناخل لأنّ لين العيش و الرّفاهية من المباحات فوسيلته مباحة انتهى كلامه رفع مقامه.

و قد تحصّل من ذلك أنّ البدعة عبارة عن محدثات الامور المحرّمة و أنّ الرّجل الموكول إلى نفسه الجائر عن قصد السّبيل قد شغف بها و بدعوته إلى الضلالة و من أجل ذلك كان سببا لضلالة من أجاب دعوته (فهو فتنة لمن افتتن به) و بلاء لمن اتبع له (ضالّ عن هدى من كان قبله) أى عن سيرة أئمة الدّين و طريقة أعلام اليقين الذين أخذوا العلوم الحقيقية و المعارف اليقينية بالهام الهيّ و إرشاد نبويّ، و ذلك من حيث اغتراره بنفسه و اعجابه بكلامه و استقلاله برأيه و استغنائه بما اخترعه فهمه و ما ابتدعه و همه عن الرّجوع إليهم و العكوف عليهم.

كما قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام«» لعن اللّه أبا حنيفة كان يقول: قال عليّ و قلت أنا، و قالت الصّحابة و قلت هذا و على كون هدى في كلامه عليه السّلام بضمّ الهاء و الألف المقصورة فالمراد به كونه ضالّا عن الصّراط المستقيم مع وجود هدى قبله مأمور باتّباعه و هو كتاب اللّه و سنّة رسوله و أعلام هداه الحاملون لدينه، لما أشرنا اليه من استبداده برأيه الفاسد و نظره الكاسد نظير ما صدر عن أبي حنيفة و نظرائه.

كما حكاه الزّمخشري في ربيع الأبرار قال: قال يوسف بن أسباط: ردّ أبو حنيفة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أربعمائة حديث أو أكثر قيل: مثل ما ذا قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: للفرس سهمان، و قال أبو حنيفة: لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن و أشعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصحابه البدن، و قال أبو حنيفة: الاشعار مثلة، و قال‏ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، و قال أبو حنيفة اذا وجب البيع فقد لزم، و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقرع بين نسائه إذا أراد سفرا، و قال أبو حنيفة: القرعة قمار انتهى (مضلّ لمن اقتدى به في حياته و بعد موته) و ذلك لأنّ من كان ضالّا في نفسه و مشعوفا بكلامه البدعة و دعاته الضّالّة لا بدّ أن يكون مضلّا و سببا لا ضلال غيره في حال حياته و هو ظاهر، و بعد مماته أيضا من حيث بقاء العقائد الباطلة و المذاهب الفاسدة المكتسبة عنه بعده، ألا ترى كيف بقي مذهب أبي حنيفة و الشّافعي و أحمد بن حنبل و مالك و غيرها من المذاهب المبتدعة و الآراء المخترعة المضلّة إلى الآن و تبقى إلى ظهور صاحب الزّمان فتبعها جمع كثير و تضلّ بها جمّ غفير و لذلك صار هذا الرّجل المضلّ (حمّال خطايا غيره) كحمله خطايا نفسه حيث كان سببا لضلالته فهو (رهن بخطيئته) كما أنّه رهين بخطيئة غيره مأخوذ بها و معاقب عليها كما قال سبحانه: «لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ» قال الفخر الرّازي: إنّه يحصل للرّؤسآء مثل أوزار الأتباع، و السّبب فيه ما روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: أيّما داع دعا إلى الهدى فاتّبع كان له مثل أجر من اتّبعه لا ينقص من أجورهم شي‏ء، و أيّما داع دعا إلى ضلالة فاتّبع كان عليه مثل وزر من اتّبعه لا ينقص من آثامهم شي‏ء.

و اعلم أنّه ليس المراد أنّه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقّه الأتباع إلى الرّؤساء، لأنّ هذا لا يليق بعدل اللّه و الدّليل عليه قوله تعالى: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏» و قوله: «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏» بل المعنى أنّ الرّئيس إذا وضع سنّة قبيحة عظم عقابه حتّى أنّ ذلك العقاب‏ يكون مساويا لكلّ ما يستحقّه كلّ واحد من الأتباع.

قال الواحدى: لفظة من في قوله: و من أوزار الذين يضلّونهم، ليست للتّبعيض لأنّها لو كانت للتّبعيض لخفف عن الأتباع بعض أوزارهم و ذلك غير جايز لقوله عليه السّلام من غير أن ينقص من أوزارهم شي‏ء، و لكنّها للجنس أى ليحملوا من جنس أوزار الأتباع هذا.

و لمّا فرغ من أوصاف أوّل الرّجلين أشار إلى ثانيهما و ذكر له أحدا و عشرين وصفا.

الأوّل ما أشار إليه بقوله: (و رجل قمش جهلا) أى جمعه من أفواه الرّجال أو من الرّوايات الغير الثّابتة عن الحجّة أو ممّا اخترعه و همه بالقياس و الاستحسان و استعار لفظ الجمع المحسوس للمعقول بقصد الايضاح.

الثّاني أنّه (موضع في جهّال الامّة) يعنى أنّه مسرع بين الجهّال أو أنّه مطرح فيهم وضيع ليس من أشراف النّاس على ما ذكره البحراني من كون وضع بفتح الضّاد، و قال إنّه يفهم منه أنّه خرج في حقّ شخص معيّن و إن عمّه و غيره.

الثّالث أنّه (غار في أغباش الفتنة) أى غافل في ظلمات الخصومات لا يهتدي إلى قطعها سبيلا، و قد مرّ فيه وجوه أخر في بيان اللّغة.

الرّابع أنّه (عم بما في عقد الهدنة) يعني أنّه عميت بصيرته عن ادراك مصالح المصالحة بين النّاس فهو جاهل بالمصالح مثير للفتن.

الخامس أنّه (قد سمّاه أشباه النّاس عالما و ليس به) و المراد بأسباه النّاس العوام و الجهّال لخلوّهم عن معنى الانسانية و حقيقتها و هم يشبهون النّاس في الصّورة الظاهرة الحسية التي بها يقع التمايز على ساير الصّور البهيمية، و لا يشبهون في الصّور الباطنية العقلية التي هي معيار المعارف اليقينية و العلوم الحقيقيّة، فهؤلاء الأشباه لفقد بصائرهم و نقصان كمالاتهم ينخدعون بتمويه ذلك الرّجل و يزعمون من تلبّسه بزيّ العلماء أنّه عالم مع أنّه ليس بعالم‏

السّادس أنّه (بكّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر) يعني أنّه أسرع و بادر في كلّ صباح، و هو كناية من شدة اهتمامه و طلبه في كلّ يوم أو في أوّل العمر إلى جمع شي‏ء فاستكثر منه ما قليله خير من كثيره، أو قلّته خير من كثرته، و المراد بذلك الشي‏ء إمّا زهرات«» الدّنيا و أسبابها، و يؤيّده مناسبته لما قبله يعني أنّه لم يطلب العلم و لكن طلب أسباب الدّنيا التي قليلها خير من كثيرها، هذا إن كان جمعها على وجه الحلال و إلّا فلا خير فيه أصلا، و إمّا الشبهات المضلّة و الآراء الفاسدة و العقائد الباطلة و يؤيّده زيادة ارتباط ذلك بما بعده، و على التّقديرين فيه تنبيه على غاية بعده عن الحقّ و العلم لرسوخ الباطل في طبعه و ثبوته في ذهنه.

السّابع ما يترتّب على بكوره و استكثاره من جمع الشّبهات، و هو ما أشار إليه بقوله: (حتّى إذا ارتوى من آجن) يعني حصل له الامتلاء من شرب الماء الآجن المتعفّن (و اكتنز) أى اجتمع له العلوم الباطلة (من غير طائل) و لا فائدة يتصوّر فيها (جلس بين النّاس قاضيا) استعار الآجن للشّبهات الفاسدة و الأفكار الباطلة و العلوم الحاصلة له من الاستحسانات و الاقيسة، كما يستعار عن العلوم الحقيقية و المعارف اليقينية بالماء الصّافي الزّلال، ثمّ و شح تلك الاستعارة بذكر الارتواء و جعل غايته المشار إليها من ذلك الاستكثار جلوسه بين النّاس قاضيا.

الثّامن كونه (ضامنا لتخليص ما التبس على غيره) لوثوقه من نفسه بفصل ما بين النّاس من الخصومات و المرافعات و ظنّه القابليّة لقطع المنازعات، و منشأ ذلك الوثوق و الاطمينان هو زعمه أن العلوم الحاصلة له من آرائه الفاسدة و أقيسته الباطلة علوم كاملة كافية في تخليص الملتبسات و تخليص المشكلات مع أنّها ليست بذلك.

التّاسع ما أشار إليه بقوله: (فان نزلت به إحدى المبهمات هيّألها حشوا رثّا من رأيه ثمّ جزم به) يعني أنّه إذا نزلت به إحدى المسائل المبهمة المشكلة الملتبس عليه وجه فصلها و طريق حلّها هيّأ لها كلاما لا طائل تحته و لا غناء فيه و أعدّ لحلّها وجها ضعيفا من رأيه ثمّ قطع به كما هو شأن أصحاب الجهل المركب.

العاشر ما نبّه عليه بقوله: (فهو من لبس الشّبهات في مثل نسج العنكبوت) نسج العنكبوت مثل للامور الواهية كما قال سبحانه: «وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» قال الشّارح البحراني: و وجه هذا التّمثيل أنّ الشّبهات التي تقع على ذهن مثل هذا الموصوف إذا قصد حلّ قضيّة تكثر فيلتبس على ذهنه وجه الحقّ منها فلا يهتدي له لضعف ذهنه، فتلك الشبهات في الوها تشبه نسج العنكبوت، و ذهنه فيها يشبه ذهن الذّباب الواقع فيه، فكما لا يتمكّن الذّباب من خلاص نفسه من شباك العنكبوت لضعفه، فكذا ذهن هذا الرّجل لا يقدر على التخلّص من تلك الشّبهات، و قال المحدّث المجلسيّ بعد نقله كلام البحراني هذا: أقول: و يحتمل أيضا أن يكون المراد تشبيه ما يلبّس على النّاس من الشّبهات بنسج العنكبوت لضعفها و ظهور بطلانها لكن تقع فيها ضعفاء العقول فلا يقدرون على التّخلّص منها لجهلهم و ضعف يقينهم، و الأوّل أنسب بما بعده.

الحادي عشر أنّه (لا يدري أصاب) فيما حكم به (أم أخطأ فان أصاب خاف أن يكون قد أخطأ و إن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب) و خوف الخطاء مع الاصابة و رجاء الاصابة مع الخطاء من لوازم عدم الدّراية في الحكم و الافتاء.

الثّاني عشر أنّه (جاهل خبّاط جهالات) أراد به أنّه جاهل بالأحكام كثيرا لخبط في جهلاته، كنّى به عن كثرة أغلاطه التي يقع فيها في القضايا و الأحكام فيمشي فيها على غير طريق الحقّ من القوانين، و ذلك معنى خبطه مأخوذ من خبط العشواء و هي النّاقة التي في بصرها ضعف تخبط بيدها كلّ شي‏ء إذا مشت.

الثّالث عشر أنّه (عاش ركّاب عشوات) يعني أنّ به عشاوة و سوء بصر بالليل‏ و النّهار و أنّه كثير الرّكوب على الامور الملتبسة المظلمة، قال الشّارح البحرانيّ ره و هي إشارة إلى أنّه لا يستنتج نور الحقّ في ظلمات الشّبهات الّا على ضعف و نقصان في نور بصيرته، فهو يمشي فيها على ما يتخيّله دون ما يتحقّقه من الصّفة هذه، أى و كثيرا ما يكون حاله كذلك و لمّا كان من شأن العاشي إلى الضّوء في الطرق المظلمة تارة يلوح له فيمشي عليه و تارة يخفى عنه فيضلّ عن القصد و يمشي على الوهم و الخيال كذلك حال السّالك في طرق الدّين من غير أن يستكمل نور بصيرته بقواعد الدّين و يعلم كيفيّة سلوك طرقه، فانّه تارة يكون نور الحقّ في المسألة ظاهرا فيدركه و تارة يغلب عليه ظلمات الشّبهات فتعمى عليه الموارد و المصادر فيبقى في الظلمة خابطا و عن القصد جائرا.

الرّابع عشر أنّه (لم يعضّ على العلم بضرس قاطع) و هو كناية عن عدم نفاذ بصيرته في العلوم و عدم اتقانه للقوانين الشّرعية لينتفع بها انتفاعا تامّا، يقال فلان لم يعضّ على العلم بضرس قاطع إذا لم يحكمها و لم يتقنها، و أصله أن الانسان يمضغ الطعام الذي هو غذاؤه ثمّ لا يجيّد مضغه لينتفع به البدن انتفاعا تامّا فمثل به من لم يحكم و لم يتقن ما يدخل فيه من المعقولات التي هو غذاء الرّوح لينتفع به الرّوح انتفاعا كاملا.

الخامس عشر أنّه (يذرى الرّوايات إذ راء الرّيح الهشيم) اليابس من النّبات المنكسر و فيه تشبيه تمثيلي و وجه الشّبه صدور فعل بلا رويّة من غير أن يعود إلى الفاعل نفع و فائدة، فانّ هذا الرّجل المتصفّح للرّوايات ليس له بصيرة بها و لا شعور بوجه العمل عليها بل هو يمرّ على رواية بعد اخرى و يمشى عليها من غير فائدة، كما أنّ الرّيح التي تذري الهشيم لا شعور لها بفعلها و لا يعود إليها من ذلك نفع.

السّادس عشر أنّه (لاملي‏ء و اللّه باصدار ما ورد عليه) أى ليس له من العلم و الثّقة قدر ما يمكنه أن يصدر عنه انحلال ما ورد عليه من الشّبهات و الاشكالات.

السّابع عشر ما في بعض نسخ الكتاب من قوله: (و لا هو أهل لما فوّض إليه) أى ليس هو بأهل لما فوّضه إليه النّاس من امور دينهم، و أكثر النسخ خال من‏ ذكر هذا الوصف و في رواية الكافي الآتية و لا هو أهل لما منه فرط بالتخفيف بمعنى سبق و تقدّم أى ليس هو أهل لما ادّعاه من علم الحقّ الذي من أجله سبق النّاس و تقدّم عليهم بالرّياسة و الحكومة، و ربّما يقرأ بالتشديد أى ليس هو من أهل العلم كما يدّعيه لما فرّط فيه و قصّر عنه، و عن الارشاد و لا يندم على ما منه فرط، و قال الشّارح المعتزلي: و في كتاب ابن قتيبة و لا أهل لما فرّط به قال: أى ليس بمستحقّ للمدح الذي مدح به.

الثّامن عشر أنّه (لا يحسب العلم في شي‏ء ممّا أنكره) و لم يعرفه يعني أنّ ذلك الرّجل يعتقد أنّ ماله من العلم المغشوش المدلس بالشّبهات الذي يكون الجهل خيرا منه بمراتب هو العلم و لا يظنّ لغاية جهله وجود العلم لأحد في شي‏ء ممّا جهله لاعتقاده أنّه أعلم العلماء و أنّ كلّ ما هو مجهول له مجهول لغيره بالطريق الأولى، و على احتمال كون يحسب من الحساب على ما مرّت إليه الاشارة فالمعنى أنّه لا يعدّ ما ينكره علما و لا يدخله تحت الحساب و الاعتبار بل ينكره كساير ما أنكره.

التّاسع عشر ما أشار إليه بقوله: (و لا يرى أنّ من وراء ما بلغ منه مذهبا لغيره) يعني أنّه لوفور جهله يظنّ أنّه بلغ غاية العلم فليس بعد ما بلغ إليه فكره لأحد موضع تفكر و مذهب صحيح.

العشرون ما نبّه عليه بقوله: (و إن أظلم عليه أمرا كتتم به) أى إن صار عليه أمر من امور الدّين مظلما مشتبها لا يدري وجه الحقّ فيه و لا وجه الشّبهة أيضا اكتتم به و ستره من غيره من أهل العلم و غيرهم و ذلك (لما يعلم من جهل نفسه) بذلك الأمر و عدم معرفته به حتّى من وجه الشّبهة و الرّأى فيستره و يخفيه و لا يسأله من غيره و لا يصغى إلى غيره حتّى يستفيده، و ذلك لئلّا يقال: إنّه لا يعلمه فيحفظ بذلك علوّ منزلته بين النّاس كما هو المشاهد من قضاة السّوء، فانّهم كثيرا ما يشكل عليهم الأمر في القضايا و الأحكام فيكتتمون ما أشكل عليهم و لا يسألون أهل العلم عنه لئلا يظهر جهلهم بين أهل الفضل مراعاة لحفظ المنزلة و المناصب.

الحادي و العشرون أنّه (تصرخ من جور قضائه الدّماء و تعجّ منه المواريث) و يستحلّ بقضائه الفرج الحرام و يحرم بقضائه الفرج الحلال، كما في رواية الكافي الآتية و نسبة الصّراخ إلى الدّماء و العجيج إلى المواريث إمّا من قبيل الحذف و الايصال، أى تصرخ أولياء الدّماء و تعجّ مستحقّوا المواريث، أو من قبيل المجاز في الاسناد على نحو صام نهاره مبالغة على سبيل التّمثيل و التّخييل بتشبيه الدّماء و المواريث بالانسان الباكي من جهة الظلم و الجور و إثبات الصّراخ و العجيج لهما، أو من قبيل الاستعارة التحقيقيّة التبعيّة باستعارة لفظ الصّراخ و العجيج لنطق الدّماء و المواريث بلسان حالها المفصح عن مقالها، و وجه المشابهة أنّ الصّراخ و العجّ لما كانا يصدران من ظلم و جور و كانت الدّماء المهراقة و المواريث المستباحة بالأحكام الباطلة ناطقة بلسان حالها مفصحة بالتظلم و الشّكاية، لا جرم حسن تشبيه نطقها بالصّراخ و العجّ و استعارتهما له، فالمعنى أنّه تنطق الدّماء و المواريث بالشّكاية و التظلّم من جور قضاياه و أحكامه.

و أمّا استحلال الفرج الحرام بقضائه و تحريم الفرج الحلال فامّا من أجل جهله بالحكم أو لخطائه و سهوه في موضع الحكم لعدم مراعاة الاحتياط أو لوقوع ذلك منه عمدا لغرض دنيوي كالتقرّب بالجاير أو أخذ الرّشوة أو نحو ذلك.

ثمّ انّه عليه السّلام بعد أن خصّ الرجلين المذكورين بما ذكر فيهما من الاوصاف المنفرة على سبيل التفصيل، أردف ذلك بالتنفير عنهما على الاجمال بما يعمّهما و غيرهما من ساير الجهال و الضلال فقال: (إلى اللّه أشكو من معشر يعيشون جهّالا و يموتون ضلّالا) و الثّاني مسبّب عن الأوّل إذ العيش على الجهالة يؤدّي إلى الموت على الضّلالة (ليس فيهم سلعة) و متاع (أبور من الكتاب إذا تلى حقّ تلاوته) يعني إذا فسّر الكتاب و حمل على الوجه الذي انزل عليه و على المعنى الذي اريد منه اعتقدوه فاسدا و طرحوه لمنافاة ذلك الوجه و المعنى لأغراضهم (و لا سلعة أنفق بيعا) اى أكثر رواجا (و لا أغلى ثمنا إذا حرّف عن مواضعه) و مقاصده الأصليّة و نزل على حسب أغراضهم و مقاصدهم و منشأ كلّ ذلك و أصله هو الجهل (و لا عندهم أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر) و ذلك لأنّ المعروف لما خالف أغراضهم و مقاصدهم طرحوه‏ حتّى صار منكرا بينهم يستقبحون فعله و المنكر لما وافق دواعيهم و لائم طباعهم لزموه حتّى صار معروفا بينهم يستحسنون إتيانه هذا.

و ينبغي الاشارة إلى الفرق بين الرّجلين الموصوفين فأقول: قال الشّارح المعتزلي: فان قيل: بيّنوا الفرق بين الرّجلين اللّذين أحدهما وكله اللّه إلى نفسه و الآخر رجل قمش جهلا قيل: أمّا الرّجل الأوّل فهو الضّال في اصول العقائد كالمشبّه و المجبّر و نحوهما، ألا تراه كيف قال: مشغوف بكلام بدعة و دعاء ضلالة، و هذا يشعر بما قلناه من أنّ مراده به المتكلّم في أصول الدّين و هو ضالّ عن الحقّ، و لهذا قال: إنّه فتنة لمن افتتن به ضالّ عن هدى من قبله مضلّ لمن يجي‏ء بعده، و أمّا الرّجل الثّاني فهو المتفقّه في فروع الشّرعيّات و ليس بأهل لذلك كفقهاء السّوء ألا تراه كيف يقول: جالس بين النّاس قاضيا، و قال أيضا: تصرخ من جور قضائه الدّماء و تعجّ منه المواريث.

و قال المحدّث المجلسيّ قده في كتاب مرآة العقول بعد حكاية كلام الشّارح على ما حكيناه: أقول: و يمكن الفرق بأن يكون المراد بالأوّل من نصب نفسه لمناصب الافادة و الارشاد، و بالثّاني من تعرّض للقضاء و الحكم بين النّاس و لعلّه أظهر.

و يحتمل أيضا أن يكون المراد بالأوّل العبّاد المبتدعين في العمل و العبادة كالمتصوّفة و المرتاضين بالرّياضات الغير المشروعة، و بالثّاني علماء المخالفين و من يحذو حذوهم حيث يفتون النّاس بالقياسات الفاسدة و الآراء الواهية و في الارشاد و أنّ أبغض الخلق عند اللّه عزّ و جلّ رجل و كله اللّه إلى نفسه إلى قوله: رهن بخطيئته و قد قمش جهلا، فالكلّ صفة لصنف واحد.

تكملة استبصارية

اعلم انّك قد عرفت الاشارة إلى أنّ هذا الكلام له عليه السّلام ممّا رواه ثقة الاسلام الكلينيّ في الكافي و صاحب الاحتجاج عطر اللّه مضجعهما فأحببت أن أذكر ما في الكتابين اعتضادا لما أورده الرّضيّ (ره) في الكتاب و معرفة لك بمواقع الاختلاف بين الرّوايات فأقول:

روى في الكافي عن محمّد بن يحيى عن بعض أصحابه و عليّ بن إبراهيم عن هارون ابن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام و عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب رفعه عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال: من أبغض الخلق إلى اللّه تعالى لرجلين: رجل و كله اللّه تعالى إلى نفسه فهو جائر عن قصد السّبيل مشعوف بكلام بدعة قد لهج«» بالصّوم و الصّلاة فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته و بعد موته حمّال خطايا غيره رهن بخطيئته.

و رجل قمش جهلا في جهّال النّاس عان بأغباش الفتنة قد سمّاه أشباه الناس عالما و لم يغن«» فيه يوما سالما، بكّر فاستكثر ما قلّمنه خير ممّا كثر حتّى إذا ارتوى من آجن و اكتنز من غير طائل جلس بين النّاس قاضيا ضامنا لتلخيص (لتخليص خ) ما التبس على غيره، و إن خالف قاضيا سبقه لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله، و إن نزلت به احدى المبهمات المعضلات هيّألها حشوا من رأيه ثمّ قطع.«» فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ لا يحسب العلم في شي‏ء ممّا أنكر و لا يرى أنّ وراء ما بلغ فيه مذهبا، إن قاس شيئا بشي‏ء لم يكذب نظره، و إن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه لكيلا يقال له: لا يعلم، ثمّ جسر فقضى فهو مفاتيح«» (مفتاح خ ل) عشوات ركّاب شبهات خبّاط جهالات لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم، و لا يعضّ في العلم بضرس قاطع فيغنم يذري‏ الرّوايات ذرو الرّيح الهشيم تبكى منه المواريث و تصرخ منه الدّماء و يستحلّ بقضائه الفرج الحرام، و يحرم بقضائه الفرج الحلال لا ملي‏ء باصدار ما عليه ورد، و لا هو أهل لما منه فرط، من ادعائه علم الحقّ.

و في الاحتجاج و روى أنّه عليه السّلام قال: إنّ أبغض الخلائق إلى اللّه رجلان: رجل وكله اللّه إلى نفسه فهو جاير عن قصد السّبيل ساير بغير علم و لا دليل، مشعوف بكلام بدعة و دعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته و بعد وفاته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته.

و رجل قمش جهلا فوضع في جهلة الامة، عان باغباش فتنة، قد لهج منها بالصّوم و الصّلاة، عم بما في عقد الهدنة قد سمّاه اللّه عاريا منسلخا و قد سمّاه أشباه الناس (الرجال خ ل) عالما، و لما يغن في العلم يوما سالما، بكّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر حتّى إذا ارتوى من آجن، و أكثر من غير طائل جلس بين النّاس مفتيا قاضيا ضامنا لتخليص (تلخيص خ ل) ما التبس على غيره.

إن خالف من سبقه لم يأمن من نقض حكمه من يأتي من بعده كفعله بمن كان قبله، فان نزلت به إحدى المبهمات (المعضلات خ ل) هيألها حشوا من رأيه ثمّ قطع به، فهو من لبس الشّبهات في مثل نسج العنكبوت خبّاط جهالات، و ركّاب عشوات، و مفتاح شبهات، فهو و إن أصاب أخطاء لا يدري أصاب الحقّ أم أخطأ، إن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، و إن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب.

فهو من رأيه مثل نسج (غزل خ ل) العنكبوت الذي إذا مرّت به النّار لم يعلم بها، لم يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الرّوايات إذ راء الرّيح الهشيم لا ملي‏ء و اللّه باصدار ما ورد عليه، لا يحسب العلم في شي‏ء ممّا أنكره، و لا يرى أن من وراء ما ذهب فيه مذهب ناطق، و إن قاس شيئا بشي‏ء لم يكذّب رأيه كيلا يقال له لا يعلم شيئا و إن خالف قاضيا سبقه لم يأمن في صحّته حين خالفه و إن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم.

من معشر«» يعيشون جهّالا و يموتون ضلّالا لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم، تصرخ منه الدّماء، و تولول منه الفتياء و تبكي منه المواريث، و يحلّل بقضائه الفرج الحرام، و يحرّم بقضائه الفرج الحلال و يأخذ المال من أهله فيدفعه إلى غير أهله.

و روى الطبرسيّ و المفيد في الارشاد بعد رواية هذا الكلام نحوا ممّا تقدّم أنّه عليه السّلام قال بعد ذلك: أيّها النّاس عليكم بالطاعة و المعرفة بمن لا تعذرون بجهالة، فإنّ العلم الذي هبط به آدم عليه السّلام و جميع ما فضّلت به النبيّون إلى خاتم النّبيّين في عترة نبيّكم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فانّي يتاه بكم بل أين تذهبون يا من نسخ من أصلاب أصحاب السّفينة، هذه مثلها فيكم فاركبوها، فكما نجا في هاتيك من نجا فكذلك ينجو في هذه من دخلها أنا رهين بذلك قسما حقا و ما أنا من المتكلّفين، و الويل لمن تخلّف ثمّ الويل لمن تخلّف.

أما بغلكم ما قال فيكم نبيّكم حيث يقول في حجّة الوادع: إنّي تاركم فيكم الثّقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي و انّهما لم يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، ألا هذا عذب فرات فاشربوا، و هذا ملح اجاج فاجتنبوا.

الترجمة

از جمله كلام آن عالى مقام است در صفت كسى كه متصدّى شود بحكم كردن ميان امّة محمّديه و حال اين كه اهليّت نداشته باشد، بتحقيق كه دشمن‏ترين خلق بسوى خدا دو مردند يكى از اين دو نفر مردى است كه باز گذاشته باشد حق تعالى او را بنفس خودش، و الطاف خفيّه خود را از او سلب نموده باشد پس آن بد روزگار تبه كار ميل كننده است از ميانه راه راست‏ بميان دل او رسانيده شده است سخنان بدعة و جهالت با اين كه دل‏سوخته شده است از فرط محبت باين كلام بدعة، و بخواندن مردم بگمراهي و ضلالت، پس آن مرد فتنه و بلا است مر آن كسى را كه در فتنه و بلا افتاده باشد بواسطه او گمراه است از راه راست و طريقه مستقيم آن كسيكه بوده است پيش او گمراه كننده است مر كسى را كه اقتدا نمايد او را در حال حيات او و بعد از وفات او، بردارنده است بار گناهان غير خود را، در گرو است بگناه خود و گرفتار است بكار تباه خود.

و دومي از اين دو نفر مردى است كه جمع ‏كرده جهالت را سرعة كننده است باين كه وضيع و پست گردانيده شده در ميان جاهلان امة، غافل است در ظلمات خصومات بى بصيرت است به آن چه در عقد صلحست از مصالح مصالحه، بتحقيق كه نام نهاده ‏اند او را جهّال مردمان كه در صورت انسان و در معنى حيوان مى‏باشند عالم بعلوم شريعت و حال آنكه عالم نيست، بامداد كرد پس بسيار نمود از جمع آوردن چيزى كه اندكى آن از او بهتر است از آنچه بسيار است، يا آنكه از جمع آوردن چيزى كه كمى او بهتر است از زياده آن، مراد فكرهاى فاسده و رأيهاى باطله است تا اين كه چون سيراب شد از آب متعفن گنديده، و پر شد از مسايل بى فايده ناپسنديده نشست در ميان مردم در حالتى كه حكم كننده است ميان ايشان، ضامن است از براى خالص كردن آن چيزى كه مشتبه است حل آن بر غير او، پس اگر نازل بشود بر او يكى از قضاياى مشكله مهيّا ميكند از براى آن سخنان بى فايده ضعيف و سست از رأى باطله خود، پس از آن جزم و قطع كند بآن كلام، پس او از پوشيدگى و التباس شبه‏ها افتاده است در امور واهيه كه مثل تار عنكبوت است، نمى‏داند به صواب حكم ميكند يا بخطاء، پس اگر بصواب حكم ميكند مى‏ترسد از آنكه خطا كرده باشد و اگر بخطا حكم نمايد اميد مى‏دارد كه صواب گفته باشد.

نادانست بسيار خبط كننده در نادانيها ضعيف البصر است در ظلمات جهل سواره شبهات، نگزيده علم و دانش بدندان برنده و اين كنايه است از عدم ايقان بر قوانين شرعيه و عدم اتقان مسائل دينيّه، منتشر مى‏سازد و مى‏پراند روايات را مثل‏ پراندن و منتشر كردن باد گياه خشك را، بخدا سوگند كه نيست قادر و توانا بباز گردانيدن و جواب دادن آنچه وارد شده است بر او از مسائل، گمان نمى‏برد كه علمى كه و راى اعتقاد اوست فضيلتي داشته باشد، و گمان نمى‏كند اين كه از وراى آنچه رسيده است باو مذهبى بوده باشد مر غير او را.

و اگر پوشيده و پنهان باشد بر او كارى پنهان مى‏كند آن را بجهة آنكه مى‏داند از جهل نفس خود به مسائل و مى‏خواهد كه آشكار نشود حال او بارباب فضائل فرياد مى‏كند از جور حكم او خونهاى ناحق ريخته، و مى‏نالد از ستم او ميراثهاى مأخوذه با حكمهاى باطله.

بسوى خداوند شكايت مى‏كنم از جماعتى كه زندگانى مى‏كنند در حالتى كه جاهلانند، و مى‏ميرند در حالتى كه گمراهانند، نيست در ميان ايشان هيچ متاعى كه كاسدتر باشد از كتاب اللّه وقتى كه خوانده شود حق خواندن بدون تحريف و تغيير، و نيست هيچ متاعى كه رواج‏تر باشد از روى فروختن و نه پر بها باشد از كتاب خدا وقتى كه تحريف و تغيير داده شود از مواضع خود، و نيست نزد ايشان زشت‏تر از معروف و نه نيكوتر از منكر، و اللّه العالم.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 16 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 16 صبحی صالح

16- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) لما بويع في المدينة و فيها يخبر الناس بعلمه بما تئول إليه أحوالهم و فيها يقسمهم إلى أقسام‏

ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ

 وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ‏

إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمَثُلَاتِ حَجَزَتْهُ التَّقْوَى عَنْ تَقَحُّمِ الشُّبُهَاتِ

أَلَا وَ إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ( صلى‏ الله ‏عليه ‏وسلم  )

وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً

وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً

وَ لَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ

حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ وَ أَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ

وَ لَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا وَ لَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا

وَ اللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً وَ لَا كَذَبْتُ كِذْبَةً

وَ لَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ وَ هَذَا الْيَوْمِ

أَلَا وَ إِنَّ الْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ

حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَ خُلِعَتْ لُجُمُهَا

فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ

أَلَا وَ إِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ

حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا

وَ أُعْطُوا أَزِمَّتَهَا

فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ

حَقٌّ وَ بَاطِلٌ وَ لِكُلٍّ أَهْلٌ

فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ

وَ لَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ فَلَرُبَّمَا وَ لَعَلَّ

وَ لَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْ‏ءٌ فَأَقْبَلَ

قال السيد الشريف و أقول إن في هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان

و إن حظ العجب منه أكثر من حظ العجب به

و فيه مع الحال التي وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان و لا يطلع فجها إنسان

و لا يعرف ما أقول إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق

و جرى فيها على عرق

 وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ

و من هذه الخطبة و فيها يقسم الناس إلى ثلاثة أصناف‏

شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ أَمَامَهُ

سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا

وَ طَالِبٌ بَطِي‏ءٌ رَجَا

وَ مُقَصِّرٌ فِي النَّارِ هَوَى

الْيَمِينُ وَ الشِّمَالُ مَضَلَّةٌ

وَ الطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ

عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ وَ آثَارُ النُّبُوَّةِ

وَ مِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ

وَ إِلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ

هَلَكَ مَنِ ادَّعَى

وَ خابَ مَنِ افْتَرى‏

مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ

وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ

لَا يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ

وَ لَا يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمٍ

فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ

 وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ‏

وَ التَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ

وَ لَا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلَّا رَبَّهُ

وَ لَا يَلُمْ لَائِمٌ إِلَّا نَفْسَهُ

  شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من كلام له عليه السّلام لما بويع بالمدينة و هو السادس عشر من المختار في باب الخطب الجارى مجراها

و الأولى العنوان بمن خطبة له عليه السّلام كما في بعض النّسخ لأنّ هذه من جلائل خطبها و من مشهوراتها و هو أوّل خطبة خطبها بالمدينة بعد ما نهض بالخلافة و قد رواها جمع منّا و من العامة كالكليني في روضة الكافي و المفيد في الارشاد و المحدّث‏ المجلسي و الشارح البحراني و الشارح المعتزلي من كتاب البيان و التبيين للجاحظ عن أبي عبيدة معمّر بن المثنى و غير هؤلاء إلّا أنّ فيها على اختلاف طرقها زيادة و نقصانا و تغييرا كثيرا و نحن نوردها بتمامها بعد الفراغ من شرح ما أورده الرّضيّ قدّس سرّه بطريق الكليني توضيحا لما أورده و تثبيتا لما ذكره مع الاشارة إلى تفسير بعض ما رواه الكليني أيضا و شرح ما أورده الرّضيّ ره في ضمن فصلين.

الفصل الاول

ذمّتي بما أقول رهينة و أنا به زعيم، إنّ من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات، حجزه التّقوى عن التّقحّم في الشّبهات، ألا و إنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و الّذي بعثه بالحقّ، لتبلبلنّ بلبلة، و لتغربلنّ غربلة، و لتساطنّ سوط القدر، حتّى يعود أسفلكم أعلاكم، و أعلاكم أسفلكم، و ليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا، و ليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا، و اللّه ما كتمت وسمة، و لا كذبت كذبة، و لقد نبّئت بهذا المقام، و هذا اليوم ألا و إنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها، و خلعت لجمها، فتقحّمت بهم في النّار، ألا و إنّ التّقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها، و أعطوا إزمّتها، فأوردتهم الجنّة حقّ و باطل، و لكلّ أهل فلئن أمر الباطل لقديما فعل، و لئن قلّ الحقّ فلربّما و لعلّ، و لقلّما أدبر شي‏ء فأقبل.

قال الرّضيّ ره أقول: إنّ في هذا الكلام أدنى من مواقع الاحسان«» ما تبلغه مواضع الاستحسان، و إنّ حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به، و فيه مع الحال الّتي وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان، و لا يطلع فجّها إنسان، و لا يعرف ما أقول إلّا من ضرب في هذه الصّناعة بحقّ، و جرى فيها على عرق، و ما يعقلها إلّا العالمون

اللغة

(الرهينة) الوثيقة و (الزّعيم) الكفيل و (صرحت) كشفت و (العبر) جمع العبرة و (المثلات) العقوبات و (الحجز) الحجب و المنع و (تقحّم) فلان ألقى نفسه في المهلكة، و تقحّم الانسان في الأمر دخل فيه من غير رويّة و (تبلبلت) الألسن اى اختلطت، و في النّهاية البلابل الهموم و الأحزان و بلبلة الصّدر وسوسته و منه حديث عليّ عليه السّلام لتبلبلنّ بلبلة و (تغربلنّ) من غربل الدّقيق أى نخله أو من غربلت اللحم أى قطعته و (ساط) القدر يسوطه سوطا قلب ما فيها من الطعام بالمحراك و أداره حتّى اختلط أجزائه و (السباق) كشدّاد و (الوشمة) بالشين المعجمة الكلمة و بالمهمله الأثر و العلامة و (شمس) الفرس شموسا و شماسا منع ظهره من الرّكوب فهو شموس و الجمع شمس كرسل و (اللجم) بضمّتين جمع لجام و (ذلل) جمع ذلول كرسل و رسول و هو المنقاد قال سبحانه: «فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا» و (امر) الباطل بالكسر إذا كثر و تمّ

الاعراب

من المثلات بيان لما، و جملة حجزه اه مرفوعة المحلّ على كونها خبر انّ، و تبلبلنّ و تعزبلنّ و تساطنّ كلّها بالبناء على المفعول، و كتمت بالبناء على المفعول أو على‏المعلوم و كلاهما صحيحان محتملان، و فاعل خلعت ضمير مستتر راجع إلى الخيل و لجمها منصوب على المفعوليّة، أو خلعت بصيغة المجهول، و لجمها نايب عن الفاعل و حقّ و باطل خبران لمبتدأ محذوف بقرينة المقام أى الامور كلها إمّا حقّ أو باطل أو أنّ التّقوى حقّ و الخطاء باطل على ما سبق التّصريح اليهما.

و قوله لقديما فعل فاعل الفعل عايد إلى الباطل و المفعول محذوف أى قديما فعل الباطل ذلك و إسناده إليه مجاز و المراد به أهله أو أنّ فعل بمعنى افعل كما في قوله قد جبر الدّين الا له فجبر أى فانجبر، و قوله: فلربّما و لعلّ كلمة ما كافّة مهيئة لدخول ربّ على الفعل المحذوف بعدها بقرينة المقام، و لعلّ للترجّي و المعمول محذوف و تقدير الكلام و لئن قلّ الحقّ فلربّما يكون غالبا و لعلّه ينتصر أهله.

المعنى

اعلم أنّه عليه السّلام صدّر كلامه بما يكون مرغّبا لهم في الاستماع بما يقوله بقوله: (ذمّتي بما أقول) ه (رهينة) أى وثيقة (و أنا به) أى بكونه صدقا مطابقا للواقع (زعيم) و كفيل ثمّ أشار عليه السّلام إلى وجوب الاعتبار بالعبر النّافعة من حيث كونها وسيلة إلى التقوى الحاجز عن الاقتحام في الشّبهة و قال (إنّ من صرّحت له العبر) أى كشفت (عمّا بين يديه من المثلات) و العقوبات الواقعة على الامم السّابقة و الجارية في القرون الخالية يكون انكشاف تلك العبر و اعتباره بها مؤدّيا إلى الخشية من اللّه سبحانه و (حجزه التّقوى عن التقحّم في الشّبهات) و الاقتحام في الهلكات من غير رويّة.

و المراد بالشّبهات الامور الباطلة الشّبيهة بالحقّ و حاجزيّة التقوى منها من حيث إنّه لمّا كان عبارة عن اتيان الأوامر و ترك النّواهي كما قال الصّادق عليه السّلام في تفسيره بعد ما سئل عنه: أن لا يفقدك اللّه حيث أمرك و لا يراك حيث نهاك، لا بدّ و أن يكون المتّصف به مجتنبا من الشّبهات كيلا يقع في المناهي و المحرّمات، فانّ الأخذ بها و التّقحّم فيها مظنّة الوقوع في الحرام من حيث لا يعلم و قد وقع الاشارة إلى ذلك في عدّة روايات‏مثل ما رواه في الوسائل بإسناده عن فضيل بن عيّاض عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: من الورع من النّاس قال: الذي يتورّع من محارم اللّه و يجتنب هؤلاء فاذا لم يتّق الشّبهات وقع في الحرام و هو لا يعرفه.

و عن عمر بن حنظلة عنه عليه السّلام أيضا في حديث قال: و إنّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمر بيّن فيجتنب، و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه سبحانه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن ترك الشّبهات نجا من المحرّمات و من أخذ بالشّبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم، ثمّ قال في آخر الحديث: فإنّ الوقوف عند الشّبهات خير من الاقتحام في الهلكات.

و عن النّعمان بن بشير قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: إنّ لكلّ ملك حمى و إنّ حمى اللّه حلاله و حرامه و المشتبهات بين ذلك، كما لو أنّ راعيا رعى إلى جانب الحمى لم يثبت غنمه أن تقع في وسطه، فدعوا المشتبهات.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه عليه السّلام لمّا نبّههم على لزوم التّقوى و أنّه مانع من تقحّم الشّبهات نبّههم بعده على أنّهم في الشّبهات مغمورون بقوله: (ألا و إنّ بليّتكم هذه قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أشار عليه السّلام ببليّتهم هذه إلى ما هم عليه من تشتّت الآراء و تفرّق الأهواء و عدم الالفة و الاجتماع في نصرة اللّه عن شبهات يلقيها الشّيطان على الأذهان القابلة لوسوسته المقهورة في يده، و ذلك من أعظم الفتن التي بها يبتلي اللّه عباده كما قال: «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ» و هي امور تشبه ما كان عليه النّاس حال بعثة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لأنّهم كانوا يومئذ مللا متفرّقة و أهواء منتشرة و طرائق متشتّتة، و فيه تنبيه لهم على أنّهم ليسوا من تقوى اللّه في شي‏ء، و لا على دين الحقّ أيّام خلافة الثلاثة كما أنّهم لم يكونوا من أهل الدّيانة في أيّام الفترة و يوم بعثة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و إشارة إلى أنّهم كما كانوا يومئذ مأمورين بالتمسّك بأذيال النّبوّة كي يخلصوا من الكفر و الضّلالة فكذلك هؤلاءاليوم مأمورون باتباعه و الاقتباس من أنواره عليه السّلام ليهتدوا بها في ظلمات الشّبهات و مدلهمّات الجهالة.

كما قال الرّضا عليه السّلام في حديث عبد اللّه بن جندب المرويّ في الوسائل من تفسير العيّاشي: إنّ هؤلاء القوم سنح لهم الشّيطان اغترّهم بالشّبهة و لبّس عليهم أمر دينهم و أرادوا الهدى من تلقاء أنفسهم فقالوا لم و متى و كيف فأتاهم الهلك من مأمن احتياطهم و ذلك بما كسبت أيديهم و ما ربّك بظلّام للعبيد، و لم يكن ذلك لهم و عليهم بل كان الفرض عليهم و الواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحير و ردّ ما جهلوه من ذلك إلى عامله «عالمه ظ» و مستنبطه لأنّ اللّه يقول في كتابه: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» يعني آل محمّد عليهم السّلام و هم الذين يستنبطون من القرآن و يعرفون الحلال و الحرام و هم الحجّة للّه على خلقه و قد مضى في شرح الفصل الرّابع من فصول الخطبة الثانية.

ثمّ إنّه عليه السّلام لمّا ذكر وقوعهم في البليّة و قابل يوم بيعته بيوم البعثة أشار إلى مآل ذلك الابتداء و ما يؤل إليه آخر أمر المبايعين من خلوص بعضهم و ارتداد الآخرين فقال: (و الذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة) أى لتخلطنّ بعضكم ببعض و تقعنّ في الهموم و الأحزان و وساوس الصّدور (و لتغربلنّ غربلة) أى ليتميزنّ جيّدكم من رديّكم تميز نخالة الدّقيق من خالصه بالغربال.

كما قال الصّادق عليه السّلام في رواية ابن أبي يعفور المروية في الكافي في باب التمحيص و الامتحان: لا بدّ للنّاس من أن يمحّصوا و يميّزوا و يغربلوا و يستخرج في الغربال خلق كثير (و لتساطنّ سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم) لتصريف أئمة الجور إيّاكم و تقليبكم من حال إلى حال و إهانتكم و تغييركم من وضع إلى وضع و من دين إلى دين، و يحتمل أن يكون المراد به أنّه يصير عزيزكم ذليلا و ذليلكم عزيزا و يرفع أراذلكم و يحطّ أكابركم (و ليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا) و هم‏المقصّرون عن نصرته في مبدء الأمر بعد وفاة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم النّاصرون للّه في ولايته المقاتلون معه في ساير حروبه (و ليقصّرن سبّاقون كانوا سبقوا) و هم الذين كانت لهم سابقة في الاسلام ثمّ خذلوه و انحرفوا عنه و قاتلوه كأصحاب الجمل و الشام و أهل النّهروان قال الشّارح البحراني: و يشبه أن يكون مراده عليه السّلام أعمّ من ذلك، فالمقصّرون الذين يسبقون كلّ من أخذت العناية الالهيّة بيده و قاده زمام التّوفيق إلى الجدّ في طاعة اللّه و اتّباع ساير أوامره و الوقوف عند نواهيه و زواجره بعد تقصير في ذلك، و عكس هؤلاء من كان في مبدء الأمر مستمرّا في سلوك سبيل اللّه ثمّ جذبه هواه إلى غير ما كان عليه و سلك به الشّيطان مسالكه فاستبدل بسبقه في الدّين تقصيرا و انحرافا عنه.

ثمّ إنّه عليه السّلام لمّا أخبرهم بعواقب امورهم و مآل حالهم أكّد ذلك بالقسم البارّ تحقيقا لوقوع المخبر به لا محالة، و نبّه عليه السّلام على أنّه ما ينطق عن الهوى في هذه الأخبار و أمثالها و إنّما تلقّاها من مصدر النّبوّة و دوحة الرّسالة فقال: (و اللّه ما كتمت و شمة) على البناء للمفعول أى لم يكتم منّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كلمة أو علامة ممّا يجب عليه إظهاره، أو بالبناء على المعلوم أى لم أكتم شيئا ممّا يتعيّن علىّ الاباحة«» به من كلمة أو أثر و علامة (و لا كذبت كذبة) في شي‏ء ممّا اخبرت به (و لقد نبّئت) أى أنبئني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (بهذا المقام) و هو مقام اجتماع الخلق عليه (و هذا اليوم) أى يوم بيعتهم له.

ثمّ إنّه عليه السّلام أردف كلامه بالتّرهيب عن الخطاء و التّرغيب في التّقوى بالتنبيه على ما يقود إليه كلّ منهما و قال: (ألا و إنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها و خلعت لجمها فتقحّمت بهم في النّار) و هو من لطيف التّشبيه و من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، و وجه الشّبه أنّ الفرس الشّموس التي خلعت لجامها كما أنّها تجري على غير نظام و تتقحّم بصاحبها في المعاطب و المهالك، فكذلك الخطيئة يجري راكبها بركوبه عليها على غير نظام الشّريعة فتورده أعظم موارد الهلكة، و هي نارالجحيم المعدّة للعاصين و الخاطئين (ألا و إنّ التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها و اعطوا أزمّتها فأوردتهم الجنّة) و التّشبيه فيه كما في سابقه، و وجه الشّبه أنّ المطية الذّلول التي زمامها بيد راكبها كما أنّ من شأنها أن تتحرّك براكبها على رفق و نظام و يصرفها الرّاكب من أجل كون زمامها بيده عن المهالك و يسير بها إلى المقاصد، فكذلك التّقوى، فإنّ صاحبه الذي زمامه بيده و هى الحدود الشّرعيّة التي بها يملكه و يستقرّ عليه يسهل«» له سلوك الصّراط المستقيم و العطف عن الشّمال و اليمين، و يتمكّن من الفوز بالسّعادة الأبديّة و من الوصول إلى أسنى المطالب السّنية و هي الجنّة التي عرضها السّماوات و الأرض أعدّت للمتّقين.

ثمّ إنّه عليه السّلام لمّا أشار إلى أنّ هاهنا طريقين مسلوكين أحدهما طريق الخطاء و الآخر طريق التّقوى ذكر بعدهما أنّهما (حقّ و باطل) يعني أنّ التّقوى حقّ و الخطاء باطل أو أنّ الأمور كلّها إمّا حقّ أو باطل (و لكلّ) منهما (أهل) أى سالك يسلكه و طالب يطلبه بمقتضى طيب الطينة و خبثها (فلئن امر الباطل) و كثر (لقديما فعل) الباطل أى أهله ذلك (و لئن قلّ الحق فلربّما) يكون غالبا مع قلّته على الباطل (و لعلّه) ينتصر أهله (و لقلّما أدبر شي‏ء فأقبل) قال الشّارح البحراني: استبعاد لرجوع الحقّ الى الكثرة و القوّة بعد قلّته و ضعفه على وجه كلّي فإنّ زوال الاستعداد للأمر مستلزم لزوال صورته و صورة الحقّ إنّما افيضت على قلوب صفت و استعدت لقبوله فإذا اخذ ذلك الاستعداد في النقصان بموت أهله أو بموت قلوبهم، و تسوّد ألواح نفوسهم بشبه الباطل، فلا بدّ أن ينقص نور الحقّ و تكثر ظلمة بسبب قوّة الاستعداد لها، و ظاهر أنّ عود الحقّ و إضاءة نوره بعد ادباره و إقبال ظلمة الباطل أمر بعيد و قلّما يعود مثل ذلك الاستعداد لقبول مثل تلك الصّورة للحقّ و لعلّه يعود بقوّة فيصبح ألواح النّفوس و أرضها مشرقة بأنوار الحقّ و يكرّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق و ما ذلك على اللّه بعزيز، و في ذلك تنبيه لهم على لزوم الحقّ و بعث على القيام به كيلا يضمحلّ بتخاذلهم عنه فلا يمكنهم تداركه انتهى كلامه هذا.

و لعلّ الظاهر المناسب في شرح الفقرات الأخيرة أعني قوله: حقّ و باطل إلى آخر كلامه عليه السّلام ما ذكره بعض الأخبار بين«» حيث قال حقّ و باطل خبران لمبتدأ محذوف أى الامام حقّ و باطل و هو تقسيم للامام على قسمين، أحدهما الامام بالحقّ و إليه اشير في قوله تعالى: «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» و في قوله: «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا» و الثّاني الامام بالباطل و إليه الاشارة في قوله: «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ» و أمر الباطل من باب نصر و علم و حسن من الامارة بمعنى الولاية، و لقديما منصوب على الظرفيّة، و عامله فعل بعده على البناء للمجهول و ضميره عايد إلى المصدر المفهوم من أمر و حذف فاء الجزاء مع كون الشّرط و الجزاء ماضيين لفظا و معنى اكتفاء بذكرها في الجملة التّالية، و لئن قلّ الحقّ بضمّ القاف على البناء للمفعول من باب نصر من القلّ و هو الرّفع، قال في القاموس استقلّه حمله و رفعه كقلّه و اقلّه، فلربّما و لعلّ للتقليل و ندرة الوقوع و التّقدير ربّما كان كذلك و لعله كان كذلك.

و هو إشارة إلى أنّ الحقّ قد يكون غالبا كما في زمن سليمان عليه السّلام و ذي القرنين و المقصود بذلك الاشارة إلى كون الحقّ غالبا في زمن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و مغلوبا في أزمنة الخلفاء الثّلاثة و غالبا في زمنه عليه السّلام أيضا و هو نادر و على هذا فمعنى كلامه عليه السّلام أنّ الامام حقّ و باطل و لكلّ منهما أهله فان صار الباطل أميرا بعد الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلقد فعل ذلك أى امرة الباطل في قديم الزّمان و ليس بأمر حادث يتعجّب منه، و لئن ارتفع الامام بالحقّ بعد خلافة الثلاثة فلربّما كان كذلك و لعلّه كان كذلك و لقلّماأدبر شي‏ء من الحقّ فأقبل إليه انتهى كلامه و اللّه العالم.

تكملة

قد أشرنا في صدر الكلام أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام كالفصل الآتي من كلامه ممّا رواه العامّة و الخاصّة و وعدناك هناك أن نذكر تمام الخطبة و نفسّر بعض فقراتها المحتاجة إلى التّفسير و البيان فأقول و باللّه التكلان: روى ثقة الاسلام محمّد بن يعقوب الكلينيّ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن عليّ بن رئاب و يعقوب السّراج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال: الحمد للّه الّذي علا فاستعلى، و دنا فتعالى و ارتفع فوق كلّ منظر، و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا (عبده و رسوله خ ل) رسول اللّه خاتم النّبيّين، و حجّة اللّه على العالمين، مصدّقا للرّسل الأوّلين، و كان بالمؤمنين رءوفا رحيما، و صلّى اللّه و ملائكته عليه و على آله. أمّا بعد أيّها النّاس فإنّ البغي يقود أصحابه إلى النّار، و إنّ أوّل من بغى على اللّه جلّ ذكره عناق بنت آدم، و أوّل قتيل قتله اللّه عناق، و كان مجلسها جريبا من الأرض في جريب، و كان لها عشرون إصبعا، في كلّ إصبع ظفران مثل المنجلين، فسلّط اللّه عليها أسدا كالفيل، و ذئبا كالبعير، و نسرا مثل البغل، فقتلوها، و قد قتل اللّه الجبابرة على أفضل أحوالهم، و آمن ما كانوا عليه، و أمات هامان و أهلك فرعون، و قد قتل عثمان، ألّا و إنّ بليّتكم قد عادت‏كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّه.

و الّذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة، و لتغربلنّ غربلة، و لتساطنّ سوط القدر، حتّى يعود أسفلكم أعلاكم، و أعلاكم أسفلكم، و ليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا، و ليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا، و اللّه ما كتمت وسمة، و لا كذبت كذبة، و لقد نبّئت بهذا المقام، و هذا اليوم.

ألا و إنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها، و خلعت لجمها، فتقحّمت بهم في النّار.

ألا و إنّ التّقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها، و أعطوا أزمّتها، فأوردتهم الجنّة، و فتحت لهم أبوابها، و وجدوا ريحها و طيبها، و قيل لهم أدخلوها بسلام آمنين.

ألا و قد سبقني إلى هذا الأمر من لم أشركه فيه، و من لم أهبه له، و من ليست له توبة إلّا بنبيّ يبعث.

ألا و لا نبيّ بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أشرف منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم، حقّ و باطل و لكلّ أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل، و لئن قلّ الحقّ لربّما و لعلّ، و لقلّما أدبر شي‏ء فأقبل، و لئن ردّ عليكم أمركم إنّكم سعداء، و ما عليّ إلّا الجهد، و إنّي لأخشى أن تكونوا على فترة ملتم عنّي ميلة كنتم فيها عندي غيرمحمودي الرّأي، و لو أشاء لقلت عفا اللّه عمّا سلف.

سبق فيه الرّجلان و قام الثّالث كالغراب، همّته بطنه، ويله لو قصّ جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا له، شغل عن الجنّة و النّار أمامه ثلثة و إثنان، خمسة ليس لهم سادس ملك يطير بجناحيه، و نبيّ أخذ اللّه بضبعيه، و ساع مجتهد، و طالب يرجو، و مقصّر في النّار.

أليمين و الشّمال مضلّة، و الطّريق الوسطى هي الجادّة، عليها باقي الكتاب و آثار النّبوّة، هلك من ادّعى، و خاب من افترى، إنّ اللّه أدّب هذه الأمّة بالسّيف و السّوط، و ليس لأحد عند الإمام فيهما هوادة، فاستتروا في بيوتكم، و أصلحوا ذات بينكم، و التّوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحقّ هلك.

و في مرويّ البحراني بعد قوله عليه السّلام: من أبدى صفحته للحقّ هلك: ألا و إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان و ما أخذه من بيت «مال ظ» المسلمين فهو مردود عليهم في بيت مالهم و لو وجدته قد تزوّج به النّساء و فرّق في البلد، فإنّه إن لم يسعه الحقّ فالباطل أضيق عنه.

بيان

(الجريب) الوادي استعير للقطعة المتميّزة من الأرض و في المصباح للفيومي من كتاب المساحة للسّمؤال ما محصّله أنّه عشرة آلاف ذراع و عن قدامة الكاتب ما محصّله أنّه ثلاثة آلاف ذراع و ستّمأة ذراع، و (المنجل) كمنبر حديدة يقضب بها الزّرع و الواسع الجرح من الاسنة (و أمات هامان و أهلك فرعون) كناية عن الأوّل و الثّاني كما في قوله تعالى: «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ» (من لم اشرك فيه) كما أشرك موسى هارون على ما اشير إليه في قوله سبحانه: «و أشركه في أمرى» و هو نصّ صريح في عدم رضائه بخلافة من سبق إليه (و من لم أهبه له) اللّام للانتفاع (و من ليست له توبة الّا بنبيّ يبعث) استثناء مفرّغ و المقصود أنّه لا يتصوّر للثلاثة توبة بسبب من الاسباب إلّا أن يبعث اللّه نبيّا بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، دون فصل يكون شرعه ناسخا لشرع محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و رافعا لما أوجبه من خلافته عليه السّلام و وجوب اتّباعه و ما حكم به من بطلان خلافة الثّلاثة (أشرف منه) قيل: الضّمير في أشرف عايد إلى من و في منه راجع إلى مصدر سبقني و كلمة من للتّعليل و الجملة استينافيّة بيانيّة و المعنى أنّه أشرف من لم اشركه فيه من أجل سبقته إلى هذا الأمر (على شفا جرف هار) اى على قاعدة هى أضعف القواعد و هو الباطل و النّفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلّة الثبات (فانهار به في نار جهنّم) أى فهو الباطل به في نار جهنّم و هذا مأخوذ من قوله سبحانه في سورة البراءة: «أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى‏ تَقْوى‏ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ‏ بُنْيانَهُ عَلى‏ شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»«» (لئن ردّ عليكم أمركم) الذي يلزمكم القيام به و هو امتثالهم لأمره و تصديقهم بامامته عليه السّلام (انّكم) تكونون حينئذ (سعداء و ما عليّ إلّا الجهد) بفتح الجيم اى الجدّ و الاجتهاد يعني أنا أعمل على ما يجب عليّ القيام به من أمر الشريعة و عزل ولاة السّوء و امراء الفساد عن المسلمين فان تمّ ما اريده فذاك، و إلّا كنت قد أعذرت نظير قوله سبحانه: «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ» قوله: (كالغراب همّته بطنه) حيث يقع على الجيفة و على الثّمرة و على الحبّة و في المثل أحرص من غراب و أجشع من غراب (ويله) منصوب على النداء و حرف النّداء محذوف (لو قصّ جناحاه) أى قطع بالمقراض و نحوه كان خيرا له و المقصود أنّه لو كان قتل قبل تلبّسه بالخلافة كان خيرا له من تقحّمه فيه و قوله (ثلاثة و اثنان) مرفوعان على الابتداء و (خمسة) خبر لهما و هو فذلكة العدد كما في قوله سبحانه: «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ» و المقصود أنّ المكلفين على خمسة أقسام منشعبة من قسمين لأنّه إمّا معصوم أو غير معصوم، و المعصوم على ثلاثة أقسام (ملك يطير بجناحيه) حامل للوحى و نحوه (و نبيّ أخذ اللّه بضبعيه) و عضده و وصيّ (ساع) في الدّين (مجتهد) في الشّرع أى متحمّل للجهد و المشقّة (و) غير المعصوم على قسمين أحدهما (طالب) للجنّة (يرجو) رحمة ربّه (و) الثّاني (مقصّر) في الدّين هالك (في النّار) قوله: (إنّ اللّه أدّب) اه‏إشارة إلى بعض مطاعن الثّلاثة من تعطيلهم حدود اللّه سبحانه لملاحظة القرابة او لأغراض أخر و (الهوادة) إشارة إلى بعض مطاعن الثّلاثة من تعطيلهم حدود اللّه سبحانه لملاحظة القرابة او لأغراض أخر و (الهوادة) اللّين و ما يرجى به الصّلاح و قيل هو الشّفاعة لترك الانتقام من مرتكب العصيان هذا.

و غير ما ذكرته ممّا يحتاج من كلامه عليه السّلام إلى التّفسير يأتي في شرح الفصل الآتي بيانه، و اللّه الهادي.

الترجمة

و از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرت است: عهد و پيمان من بصحت آنچه مى‏ گويم در گرو است و من بصدق و صواب بودن آن كفيل و ضامنم، بدرستى كه كشف نمود از براى او عبرتها از آنچه در پيش او گذشته از عقوبات مانع مى‏شود او را پرهيزكارى از انداختن نفس خود در شبهه ‏ها، آگاه باشيد بتحقيق كه بليّه كه عبارت است از اختلاف آراء و تفرّق اهواء رجوع نموده بر مثال و هيئت آن در آن روز كه خداوند سبحانه پيغمبر خود را مبعوث فرمود.

قسم بآن كسى كه برانگيخت پيغمبر خود را بحقّ هر آينه مخلوط مى ‏شويد بهم ديگر مخلوط شدني، و البتّه بيخته مى ‏شويد بغربال بيختنى كه خوب و بد از همديگر تميز مى‏ يابد، و البتّه بر هم زده مى‏ شويد مثل بر هم زدن آنچه در ديكست از طعام با قاشق و نحو آن تا باز برگردد پست‏ترين شما بر بلندترين شما و بلندترين شما بر پست‏ترين شما، يعنى زير و بالا مى‏ شويد، و البته پيشى مى‏ گيرند پيش افتاده‏گانى كه بودند باز پس مانده، و البته مقصر ميشوند پيش گيرندگانى كه بودند پيش افتاده مراد از طايفه اولى اشخاصى بودند كه بعد از وفات حضرت رسالت مآب صلوات اللّه عليه و آله از نصرت آن حضرت قصور ورزيدند و در زمان خلافت آن بزرگوار با جان و دل بيعت نموده و شيعه خالص وى شدند.

و مراد از طايفه دوم اشخاصى هستند كه ايشان را در اسلام سابقه بود و در زمان امامت آن امام عالي مقام انحراف ورزيده و با او بمقام مقاتله و محاربه بر آمدند مثل طلحه و زبير و ساير اصحاب جمل و نهروان.

بعد از آن اشاره مى‏ فرمايد باين كه اين اخبار غيبيه از منبع نبوّت و مهبط وحى و رسالت مأخوذ گرديده و احتمال خلاف در آن بوجه نمى ‏باشد، و فرمود بخدا سوگند پنهان داشته نشده ‏ام از هيچ كلمه، يعنى حضرت رسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جميع مطالب را بمن اطلاع داد، يا اين كه پنهان نداشتم هيچ كلمه را كه لازم بود اظهار آن و دروغ نگفته ‏ام هيچ دروغى، و بتحقيق كه خبر داده شده ‏ام باين مقام كه مقام اجتماعى خلق است بر من و بر اين روز كه روز بيعت مردمان است با من.

آگاه باشيد كه بتحقيق خطاها اسبانى هستند سركش كه سوار شده باشند بر آن صاحبان آن و بر كنده باشند لجام هاى خود را، پس انداخته باشند در مهالك آتش راكبان خود را، آگاه باشيد بدرستى كه تقوى و پرهيزكارى شترانى هستند رام كه سوار شده باشند بر آن صاحبان آن، و داده شده باشند بدستهاى ايشان افسارهاى ايشان، پس وارد سازند در بهشت عنبر سرشت سواران خود را، پرهيزكارى راهى است راست و خطاها راهى است باطل و هر يكى را از اين دو راه اهلى است، پس اگر بسيار شود باطل هر آينه در قديم الزّمان كرده است آن را اهل آن و در آن زمان بهمان قرار، و اگر كم شده است حقّ در آن زمان پس بسا كه غالب شود آن و اميد هست كه منصور باشد اهل آن و هر آينه كم است كه پشت كرده باشد چيزى پس روى آورد.

سيّد رضى رضى اللّه عنه بعد از اداء خطبه فرموده كه مى‏گويم من بدرستى در اين كلام امام عليه السّلام كه كوتاه‏ترين لفظ است از موارد حسن چيزى هست كه نمى‏رسد بآن مواضع وقوع تحسين، يعنى فكرها كه ادراك حسن كلام را ميكنند و تعداد محاسن آن را مى‏نمايند و بدرستى كه بهره تعجب از اين كلام بيشتر است از بهره خود پسندى، يعنى تعجب فصحا از بدايع حسن او بيشتر است از بهره عجب بسبب استخراج نكات رائقه و لطائف فايقه آن، بجهة اين كه بسا بدايعى در آن هست كه عقل آن را بنور بصيرت ادراك مى‏نمايد، ولى زبان بيان از تعبير و تقريرش عاجز و قاصر است.

و در اين كلام بلاغت نظام با وجود حالتى كه وصف كردم زيادتهاست از صناعت فصاحت كه قايم نمى‏ شود بأداى آن هيچ زبان، و اطلاع نمى ‏يابد بعمق آن هيچ انسان، و نمى‏ شناسد آن چيزى را كه من گفتم از اين اوصاف مگر كسى كه عمر خود را مصروف بدارد در اين صناعت فصاحت براستى، و جارى شود اين صناعت بر عروق و اعصاب آن، و آن را كما هو حقّه دانسته باشد، و تعقل نمى‏كند آن را مگر عالمان كاملان.

الفصل الثاني

شغل من الجنّة و النّار أمامه، ساع سريع نجا، و طالب بطي‏ء رجا، و مقصّر في النّار هوى، اليمين و الشّمال مضلّة، و الطّريق الوسطى هي الجادّة، عليها باقي الكتاب و آثار النّبوّة، و منها منفذ السّنّة، و إليها مصير العاقبة، هلك من ادّعى، و خاب من افترى، من أبدى صفحته للحقّ هلك عند جهلة النّاس، و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره، لا يهلك على التّقوى سنخ أصل، و لا يظمأ عليه زرع قوم، فاستتروا بيوتكم، و أصلحوا ذات بينكم، و التّوبة من ورائكم، و لا يحمد حامد إلّا ربّه، و لا يلم لاءم إلّا نفسه.

اللغة

(الطريق) يذكّر في لغة نجد و به جاء القرآن في قوله تعالى: «فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً» و يؤنّث في لغة الحجاز و عليه جرى قوله عليه السّلام و (الجادّة) معظم الطريق و (الصّفحة)من كلّ شي‏ء كالصّفح جانبه و (السّنخ) من كلّ شي‏ء أصله و (البين) بالفتح من الأضداد يطلق على الوصل و على الفرقة، و منه ذات البين للعداوة و البغضاء، و قولهم لاصلاح ذات البين أى لاصلاح الفساد بين القوم، و المراد اسكان النّائرة.

الاعراب

شغل على البناء للمفعول، و من الموصولة نائب عن الفاعل و الجنّة و النّار مرفوعان على الابتداء، و أمامه خبر و الجملة صلة لمن، و قيل: إنّ شغل مسند إلى الضّمير المستتر العايد إلى الثّالث السّابق في كلامه عليه السّلام حسبما حكيناه من الكافي، و من الجنّة بكسر الميم جار و مجرور، و النّار أمامه مبتدأ و خبر.

و يؤيد ذلك ما في رواية الكافي من تبديل كلمة من بكلمة عن، و عليه فالمعنى شغل الثالث يعني عثمان عن الجنّة و الحال أنّ النار أمامه، و ساع و طالب و مقصّر مرفوعات على الخبرية من محذوف بقرينة المقام، و إضافة الباقي إلى الكتاب إمّا من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أى الكتاب الباقي بين الأمّة، أو بمعنى من، ففيها إشارة إلى وقوع التحريف في القرآن و النقصان فيه، و كفى بالمرء الباء زائدة في المفعول، و إضافة السّنخ إلى أصل من قبيل سعيد كرز و كرى القوم، و استتروا بيوتكم أى في بيوتكم منصوب بنزع الخافض، و التّوبة من ورائكم كلمة من بمعنى في و هو واضح.

المعنى

قد عرفت في شرح الفصل السابق أنّ هذا الفصل من الخطبة التي ذكرناها هناك و قوله عليه السّلام (شغل من الجنّة و النّار امامه) جملة خبرية في معنى الانشاء، يعني من كان الجنّة و النّار أمامه يجب أن يكون مشغولا بهما عن جميع ما يشغل عنهما من زبرج الدّنيا و زخارفها و لذّاتها و شهواتها، و المراد بالاشتغال بهما الاشتغال بما يؤدّيه إلى الجنّة و ينجيه من النّار، و من كونهما أمامه كونهما نصب قلبه و خياله بمرئى و مسمع منه غير غافل عنها متذكّرا لهما مدّة عمره، فيشغل بهما عن غيرهما.

و يحتمل أن يكون المراد أنّ الانسان لما كان من بدو نشأته و عمره إلى منتهاه بمنزلة المسافر إلى اللّه، و كان دائما في قطع مسافة و الانتقال من نشأة إلى نشأة، و التبدّل من طور الى طور من أطوار العالم الجسماني و أطوار نشأة الآخرة من حين الموت إلى حين البعث من حيث إن الموت ليس عبارة عن عدم الانسان، بل من بطلان قالبه لخروج روح منه قائما بذاتها دون افتقارها بهذا البدن فله بعد هذه النشأة نشآت كثيرة في القبر و البرزخ و عند العرض و الحساب و الميزان إلى أن يدخل الجنّة أو النّار، لا جرم«» كان المنزل لذلك المسافر إحداهما فكأنّما أمامه في ذلك السفر و غايتين يؤمّهما الانسان من مبدء خلقته إلى أن ينزل إلى إحداهما و من كان أبدا في السّفر إلى غاية معيّنة فيجب أن يكون مشغولا بمهمات تلك الغاية.

و لمّا نبّه عليه السّلام على وجوب الاشتغال بهما قسّم النّاس باعتبار ذلك الاشتغال إلى أقسام ثلاثة أحدها (ساع) إلى رضوان اللّه (سريع) في عدوه (نجا) برحمة ربّه (و) الثّاني (طالب) للرّضوان (بطي‏ء) في سيره (رجا) للغفران (و) الثّالث (مقصّر) في طاعة الرّحمن سالك سبيل الشّيطان مخلّد (في النّار هوى) إلى الجحيم و استحقّ العذاب الأليم و قد أشير إلى الأقسام الثلاثة في قوله سبحانه: «وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً، فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ، وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ، وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» فأصحاب الميمنة هم المؤمنون من أهل التّبعات يوقفون للحساب، و أصحاب المشئمة هم المقصّرون الظالمون الذين سلك بهم الشّيطان سبله فأوردهم النّار و هم مهانون و أمّا السّابقون فهم الفائزون الحائزون لقصب السّبق يسبقون الخلق إلى الجنّة من غير حساب، و يشمل هذا القسم الأنبياء و الأولياء كشمول قوله عليه السّلام: ساع‏ سريع نجا، لهم.

و يشهد به ما في غاية المرام من تفسير الثّعلبي باسناده عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قسم اللّه الخلق قسمين، فجعلني في خيرها قسما فذلك قوله تعالى: «وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ» فأنا خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلاثا، فذلك قوله تعالى: «فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ… وَ السَّابِقُونَ» و أنا من خير السّابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها بيتا فذلك قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» هذا و الأظهر بمقتضى الحال و المقام و بملاحظة إقراره الأنبياء في قسم رابع مستقلّ كما سبق ذكره في شرح الفصل السّابق، خروج الأنبياء من هذا القسم و إرادته بالسّاع السّريع نفسه الشّريف و النّقباء من شيعته كسلمان و أبي ذر و المقداد، و بالطالب البطي‏ء سائر الشّيعة، و بالمقصّر الجاحد لولايته، و قد فسّر السّابقون في الآية بذلك أيضا.

كما رواه في غاية المرام من أمالي الشّيخ باسناده عن ابن عبّاس قال: سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ» فقال لي جبرائيل: ذلك عليّ و شيعته هم السّابقون إلى الجنّة المقرّبون من اللّه بكرامة لهم.

و يؤيّده«» ما رواه عليّ بن إبراهيم في تفسير قوله:

 «وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ» قال: و هم النّقباء: أبو ذر و المقداد و سلمان و عمّار و من آمن و صدّق و ثبت على ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام.

و لمّا قسم النّاس إلى السّابقين و اللّاحقين و المقصّرين، أشار عليه السّلام لهم إلى الطريق التي يجب سلوكها و نصب عليها أعلام الهدى ليوصل إلى حضرة الحقّ سبحانه و تعالى فقال: (اليمين و الشّمال مضلّة و الطريق الوسطى هي الجادّة) الموصلة لسالكها إلى المطلوب و هي حظيرة القدس، و ذلك لأنّ طريق السّالكين إلى اللّه إمّا العلم أو العمل، فالعلم طريق القوّة النّظرية، و العمل طريق القوّة العمليّة، و كلّ منهما محتو برذيلتين هما طرفا التّفريط و الافراط، و الوسط منهما هو العدل و الطريق الوسطى هي الجادّة الواضحة لمن اهتدى.

أقول: و لعلّه كنّى باليمين و الشّمال عن طريق الجبت و الطاغوت، و بالطريق الوسطى عن طريق الولاية له عليه السّلام، و أشار بقوله مضلّة إلى كونهما في ضلالة فيضلّان سالكي طريقهما البتّة، و بقوله هي الجادّة إلى وجوب سلوك الطريق الوسطى، و هي ولايته لكونها سالمة و محفوظة من الضلالة منصوبة عليها أعلام الهداية فهو عليه السّلام السّبيل الأعظم و الصّراط الأقوم و ولايته الطريق الوسطى و الجادّة العظمى لأنّ جميع العباد إنّما يصلون إلى اللّه تعالى إلى محبّته و جنّته و قربه و الفوز لديه بما أعدّه لمن أطاعه بولايته و محبّته و طاعته، و إنّما تصعد أعمال الخلق إلى اللّه إذا كانت جارية على سنّته و طريقته و كانت مأخوذة عنه بالتسليم له و الردّ إليه و بالولاية له و البراءة من أعدائه و هو قول اللّه عزّ و جلّ: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» يعني أنّ اللّه لا يقبل من أحد عمله إلّا من المتّقي، و هو الذى أحبّ اللّه و رسوله و ائتمر بأمره و انتهى عن نهيه و والى وليّ اللّه و عادى عدوّ اللّه، و معنى المتّقين في الباطن المتّقون من ولاية أعدائه عليه السّلام و هم أهل الشّمال و اليمين، فمن اتّقى سنّة أعدائه‏ فهو المتّقي، فكان عليه السّلام هو الطريق إلى اللّه و ولايته أيضا طريق صعود الأعمال إليه تعالى و قد اشير إلى هذه الطرق الثّلاث أعني اليمين و الشّمال و الوسطى، و إلى التّحذير من الأوّلين و وجوب سلوك الأخيرة في غير واحد من الآيات و الأخبار مثل ما رواه في غاية المرام من الكافي باسناده عن بريد العجلي قال سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» فكان جوابه: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى‏ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا» يقول الأئمّة الضّلال و الدّعاة إلى النّار هؤلاء أهدى من آل محمّد سبيلا «أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» و فيه من تفسير العياشي باسناده عن بريد العجلي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» قال: تدري ما يعني بصراطي مستقيما قلت: لا، قال: ولاية عليّ و الأوصياء، قال: و تدري ما يعني فاتّبعوه قلت: لا، قال: يعني عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، قال: و تدرى ما يعني بقوله: و لا تتّبعوا السّبل قلت: لا، قال: ولاية فلان و فلان و اللّه، قال: و تدري ما يعني فتفرّق بكم عن سبيله قال: قلت: لا، قال: يعني سبيل عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.

و فيه عن الكلينيّ باسناده عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي عليه السّلام قال: قلت:

 «أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى‏ وَجْهِهِ أَهْدى‏ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» قال: إنّ اللّه ضرب مثل من حاد عن ولاية عليّ عليه السّلام كمن يمشي مكبّا على وجهه لا يهتدى لأمره، و جعل من تبعه سويّا على صراط مستقيم و الصّراط المستقيم أمير المؤمنين عليه السّلام.

و فيه عن ابن شهر آشوب عن ابن عبّاس كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يحكم و عليّ بين يديه مقابله، و رجل عن يمينه، و رجل عن شماله، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اليمين و الشّمال مضلّة، و الطريق السّوى الجادّة، ثمّ أشار صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيده إنّ هذا صراط عليّ مستقيم فاتّبعوه الآية.

و فيه عن عليّ بن إبراهيم في تفسيره قال: حدّثني أبي عن الحسن بن محبوب عن عليّ بن رئاب قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: نحن و اللّه سبيل اللّه الذي أمركم اللّه باتّباعه، و نحن و اللّه الصّراط المستقيم، و نحن و اللّه الذين أمر اللّه بطاعتهم، فمن شاء فليأخذ من هنا، و من شاء فليأخذ من هناك، لا تجدون «عنّا و اللّه محيصا خ ل» عنها محيصا.

و فيه عن سعد بن عبد اللّه في كتاب بصائر الدّرجات بإسناده عن زرّ بن حبيش عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: سمعته يقول: إذا دخل الرّجل حفرته أتاه ملكان اسمهما منكر و نكير فأوّل ما يسألانه عن ربّه ثمّ عن نبيّه ثمّ عن وليّه فان أجاب نجا، و إن تحيّر عذّباه، فقال رجل: فما حال من عرف ربّه و لم يعرف وليّه قال: مذبذب لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلا و من يضلل اللّه فلن تجد له سبيلا، فذلك لا سبيل له، و قد قيل للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من وليّنا يا نبيّ اللّه فقال: وليّكم في هذا الزّمان عليّ و من بعده وصيّه لكلّ زمان عالم يحتجّ اللّه به لئن يكون كما قال الضّلال قبلهم حين فارقتهم أنبياؤهم‏ «لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏» فما كان من ضلالتهم و هي جهالتهم بالآيات و هم الأوصياء فأجابهم اللّه عزّ و جلّ: «قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدى‏» و إنّما كان تربّصهم أن قالوا: نحن في سعة من معرفة الأوصياء حتّى نعرف إماما فعيّرهم اللّه بذلك، و الأوصياء هم أصحاب الصّراط وقوفا عليه لا يدخل الجنّة إلّا من عرفهم عند أخذه المواثيق عليهم و وصفهم في كتابه، فقال عزّ و جلّ: «وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ» و هم الشّهداء على أوليائهم و النّبيّ الشّهيد عليهم أخذ لهم مواثيق العباد بالطاعة و أخذ النبيّ الميثاق بالطاعة فجرت نبوّته عليهم ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً» و فيه عن محمّد بن العبّاس معنعنا عن الحضرمي عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى: «فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدى‏» قال: عليّ صاحب الصّراط السّوى و من اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت.

و إذا أحطت خبرا بما ذكرنا و ظهر لك أنّ المراد بالطريق الوسطى هي ولايته عليه السّلام المعبّر عنه تارة بالصراط السّوىّ، و اخرى بالصراط المستقيم، و ثالثة بالطريق السّوىّ، و رابعة بسبيل اللّه الذي أمر اللّه باتّباعه، ظهر لك معنى قوله: (عليها باقي الكتاب) أى على الطريق الوسطى الباقي من الكتاب بعد وقوع التّحريف فيه أو عليها الكتاب الباقي بين الأمّة و الثقل الأكبر الذي خلّفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيهم.

و على أىّ تقدير فالمراد به أنّ من سلك طريق الولاية يحصل له العلم بالكتاب و يتيسّر له أخذه من قيّمه و العالم به و هو صاحب الولاية المطلقة، لما قد عرفت التلازم و عدم الافتراق بين الثقلين الأكبر و الأصغر في الفصل السّابع عشر من فصول الخطبة الاولى و عرفت تفصيلا في التّذييل الثّالث من تذييلات ذلك الفصل أنّ أمير المؤمنين و الطيّبين من آله عليهم السّلام هم العالمون بتنزيل الكتاب و تأويله و عامّه و خاصّه و مرسله و محدوده و مجمله و مبيّنه و ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه و ظاهره و باطنه، و أنّ علمه منحصر فيهم عليهم السلام و أنّ من ادّعى حمله و حفظه على ما انزل و العلم بما فيه غير العترة الطاهرة فهو كذّاب، و في بعض النّسخ عليها ما في الكتاب يعني مدار ما في الكتاب و قوامه على تلك الطريقة هذا.

و يحتمل أن يكون المراد من كون باقي الكتاب أو ما في الكتاب عليها كونه منصوبا عليها و علما يهتدى به اليها، إذ فيه دلالة على هذه الطريقة كما أنّ في الباقي منه على تقدير النقصان ما فيه كفاية لوجوب سلوكها و لزوم متابعتها كالآيات السّالفة و غيرها من الآيات النّازلة في شأنه عليه السّلام و المشيرة إلى ولايته.

و هذان الاحتمالان جاريان في قوله عليه السّلام: (و آثار النّبوة) أى على هذه الطريقة أعلام النّبوّة و أماراتها، من سلكها يظهر له تلك الأعلام لكون الولاية مظهر النّبوة، و على الاحتمال الثّاني فالمعنى أنّ آثار النبوّة منصوبة على تلك الطريق بتلك الآثار يهتدى إليها و يستدلّ عليها، و لا يبعد أن يكون المراد بالآثار على هذا الاحتمال هو الأخبار النبوّية و الرّوايات المنقولة عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (و منها منفذ السّنة) النبويّة و مخرج الشريعة المحمّدية عليه و آله آلاف الثّناء و التّحية، إذ به و بالطيّبين من اولاده سلام اللّه عليهم انتشر الشّرايع و الأحكام و عرف الحلال و الحرام، و استقامت الشّريعة الطاهرة و استحكمت السنة الباهرة.

(و اليها مصير العاقبة) أى عاقبة الخلق في الدّنيا و الآخرة، أمّا في الدّنيا فلأنّ نظام امورهم في حركاتهم و سكناتهم مبنيّ على القوانين الشّرعيّة المأخوذة من هذه الطريقة، و إلى تلك القوانين ترد عواقب امورهم، و عليها يحملون، و أمّا في الآخرة فواضح لأنّ إياب الخلق إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و إلى أولاده الطاهرين، و حسابهم عليهم و إليه الاشارة في قوله سبحانه: «إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ» أى إلى أوليائنا رجوعهم و مصيرهم بعد الموت، و عليهم جزاؤهم على أعمالهم، و يشهد بما ذكرته صريحا ما ورد في فقرات الزّيارة الجامعة الكبيرة: و إياب الخلق إليكم و حسابهم عليكم.

قال المحدّث المجلسيّ في شرح هذه الفقرة: أى رجوعهم في الدّنيا لأجل المسائل و الزّيارات، و في الآخرة لأجل الحساب، كما روى عنهم عليهم السّلام أنّهم الميزان أى الحقيقي و الواقعي، أو في الآخرة بقرينة و حسابهم عليكم كما قال تعالى أى إنّ إلينا أى إلى أوليائنا بقرينة إيابهم ثمّ إنّ علينا حسابهم.

و روى في الأخبار الكثيرة أنّ حساب الخلايق يوم القيامة إليهم و لا استبعاد في ذلك كما أنّ اللّه تعالى قرّر الشهود عليهم من الملائكة و الأنبياء و الأوصياء و الجوارح مع أنّه تعالى قال: «وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً» و هو القادر الدّيان يوم القيامة و يمكن أن يكون مجازا باعتبار حضورهم مع الأنبياء عند محاسبة اللّه إيّاهم انتهى.

أقول: و ما ذكره أولا هو الأظهر إذ المصير إلى المجاز إنّما هو مع تعذّر إرادة المعنى الحقيقي، و أمّا مع الامكان فلا، و قد دلّت الأخبار الكثيرة كما اعترف (ره) به أيضا على أنّ المحاسب هم عليهم السّلام فيتعيّن إرادة الحقيقة.

و من هذه الأخبار ما في الكافي عن الباقر عليه السّلام إذا كان يوم القيامة و جمع اللّه‏الأوّلين و الآخرين لفصل الخطاب دعى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و دعى أمير المؤمنين فيكسى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حلّة خضراء تضي‏ء ما بين المشرق و المغرب و يكسى أمير المؤمنين عليه السّلام مثلها و يكسى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ردية يضي‏ء لها ما بين المشرق و المغرب و يكسى عليّ عليه السّلام مثلها، ثمّ يصعدان عندها، ثمّ يدعى بنا فيدفع إلينا حساب النّاس، فنحن و اللّه مدخل أهل الجنّة الجنّة و أهل النّار النّار.

و عن الكاظم عليه السّلام و إلينا إياب هذا الخلق و علينا حسابهم، فما كان لهم من ذنب بينهم و بين اللّه عزّ و جلّ حتمنا على اللّه في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك، و ما كان بينهم و بين النّاس استوهبناه منهم و أجابوا إلى ذلك و عوّضهم اللّه عزّ و جلّ هذا.

و يحتمل أن يكون المراد من قوله عليه السّلام: و إليها مصير العاقبة، كون مدار عاقبة الخلق و خاتمتهم خيرا و شرّا على الولاية، فان كان العبد مذعنا بالولاية كان عاقبته عاقبة خير، و إن كان منكرا لها كان عاقبته عاقبة شرّ، كما دلّت عليه الأخبار المتواترة و المستفيضة الواردة في تفسير قوله سبحانه: «وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» مثل ما روى في غاية المرام عن الشّيخ في مصباح الأنوار بإسناده عن عبد اللّه بن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إذا كان يوم القيامة أقف أنا و عليّ على الصّراط بيد كلّ واحد منّا سيف فلا يمرّ أحد من خلق اللّه إلّا سألناه عن ولاية عليّ عليه السّلام فمن معه شي‏ء منها نجا و إلّا ضربنا عنقه و ألقيناه في النّار ثمّ تلا.

 «وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ» و الأخبار في هذا المعنى كثيرة لا حاجة إلى الاطالة (هلك من ادّعى) الامامة من غير استحقاق لها (و خاب من افترى) على اللّه و على رسوله في دعواه لها، و الجملتان تحتملان الدّعاء و الاخبار، و المراد بالهلاك الهلاك الاخروى و بالخيبة الحرمان و الخسران كما أشير إليه في قوله تعالى:

 «وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ» قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في مرويّ البحار من غيبة النّعماني بإسناده عن ابن ظبيان عنه في تفسيره: من زعم أنّه إمام و ليس بإمام.

و في البحار أيضا من تفسير العيّاشي عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السّلام: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ» قال: من ادّعى الامامة دون الامام.

و عن عليّ بن ميمون الصّايغ عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم: من ادّعى امامة من اللّه ليست له، و من جحد إماما من اللّه، و من قال: إنّ لفلان و لفلان نصيبا في الإسلام.

و من المحاسن بإسناده عن العلا عن محمّد قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: إنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّه و الحقّ قد ضلّوا بأعمالهم التي يعملونها.

 «كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى‏ شَيْ‏ءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» (و من أبدى صفحته للحقّ هلك عند جهلة النّاس) أراد به نفسه و نبه به على أنّ المتجرّد لاظهار الحقّ في مقابلة كلّ باطل و ردّ الجهّال من جهالاتهم و حملهم على مرّ الحقّ و صعبه في كلّ وقت يكون في معرض الهلاك بأيديهم و ألسنتهم، إذ لا يعدم منهم من يوليه المكروه و يسعى في دمه.

و يشهد بذلك ما رواه السّيد المحدّث الجزائري ره مرفوعا في كتابه المسمّى‏ بزهر الرّبيع أنّ الصّادق عليه السّلام سئل عن الخلفاء الأربعة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما بال الشّيخين قد انتظمت لهما أمور الخلافة و جرت على أيديهم فتوح البلاد من غير معارضة أحد من المسلمين و ما بال عثمان و أمير المؤمنين عليه السّلام لم تنتظم لهما امور الخلافة بل قامت المسلمون على عثمان و حصروه في داره و قتلوه وسط بيته، و أمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فثارت الفتن في زمن خلافته حتّى قتل النّاكثين و القاسطين و المارقين فأجاب عليه السّلام أنّ أمور تلك الدّنيا و الخلافة فيها لا يجرى بباطل بحت و لا بحقّ خالص، بل تجري بحقّ و بباطل ممزوجين، فأمّا عثمان فأراد أن يجري امور الخلافة بمحض الباطل فلم يتمّ له الامر، و أمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فأراد أن يجري أحكامها على الطريقة المستقيمة و السّنن النّبويّة فلم يحصل له ما أراد، و أمّا الشّيخان فأخذا قبضة من الحقّ و قبضة من الباطل فجرت لهما الامور كما أرادا.

و لمّا نبّه عليه السّلام على معاندة الجهال للحقّ و أهله أشار إلى ما يتّرتب على صفة الجهالة و ما هي ثمرة لها بقوله: (و كفى بالمرء جهلا ان لا يعرف قدره) و يتعدى طوره و يجهل رتبته و لا يتصوّر نفسه كآحاد النّاس، و هذا من أعظم المهلكات لكونه منشأ العجب و الكبر و الغرور و الانّية و ادّعاء ما ليس له بأهل كما في معاوية عليه الهاوية حيث لم يعرف رتبته و قدره و ادّعى الخلافة و سعى في إهلاكه عليه السّلام و إفساد الأمر عليه لابداء صفحته للحقّ، و حمله النّاس على الطريقة المستقيمة و المحجّة البيضاء التي كانت مكروهة لذلك اللّعين بمقتضى طينته الخبيثة.

ثمّ نبّه عليه السّلام على لزوم التّقوى بقوله: (و لا يهلك على التّقوى سنخ أصل) كان بناؤه عليه إذ الأصل الذي كان بنيانه على التّقوى محال أن يهلك و يلحق بانيه خسران كما قال سبحانه: «أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى‏ تَقْوى‏ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى‏ شَفا جُرُفٍ هارٍ» (و لا يظمأ عليه زرع قوم) لأنّ من زرع في أرض قلبه زرعا أخرويّا كالمعارف الالهيّة و العقائد الحقّة و سقاها ماء التقوى و جعله مادّتها فلا يلحق ذلك الزّرع ظماء، بل عليه ينشأ بأقوى ساق و أزكى ثمرة و قوله: (فاستتروا بيوتكم) قد عرفت في شرح الفصل السّابق أنّ هذا الكلام مسبوق بقوله عليه السّلام: إنّ اللّه أدّب هذه الامّة بالسّيف و السّوط و ليس لأحد عند الامام فيهما هوادة، أى شفاعة في تأخير التعزير أو تركه و هو وارد في مقام التّهديد و التّوعيد و إشارة إلى أنّه عليه السّلام لا يأخذه في اللّه لومة لائم و أنّه لا يشفع عنده في إقامة الحدود و السّياسات و لا يعطل الأحكام بالشّفاعة كما عطلها من تقدّم عليه عليه السّلام.

و لمّا نبّههم على ذلك أمرهم بالاستتار في بيوتهم كيلا يجتمعوا على المنافرات و المفاخرات و المشاجرات فيحصل من اجتماعهم ما يوجب الحدّ و التعزير و لا يمكن له إسقاطه بالشّفاعة و الهوادة، فالاستتار في البيوت كناية عن الاعتزال حسما لمادة الفتن و لمّا كان قطع مادّة الفتنة سببا لاصلاح ذات البين أردفه بقوله: (و أصلحوا ذات بينكم) ثمّ نبّه العصاة على استدراك عصيانهم بالرّجوع إلى التّوبة بقوله: (و التّوبة من ورائكم) قال الشّارح البحراني: و كونها وراء لأنّ الجواذب الالهية إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصية حتّى أعرض عنها و التفت بوجه نفسه إلى ما كان معرضا عنه من النّدم على المعصية و التّوجّه إلى القبلة الحقيقة فانّه يصدق عليه اذن أنّ التّوبة وراء أى وراء عقليّا و هو أولى من قول من قال من المفسّرين أنّ ورائكم بمعنى أمامكم (و لا يحمد حامد إلّا ربّه و لا يلم لائم إلا نفسه) جملتان خبريّتان في معنى الانشاء يعني أنّه يجب أن يكون حمد كلّ حامد للّه سبحانه لكونه مبدء جميع المحامد و الخيرات، و يجب أن يكون لوم كلّ لائم على نفسه لكونها منشأ الشّرور و الخطيئات كما قال تعالى: «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» و الحمد للّه و الصّلاة على نبيّه و وليّه و آله.

الترجمة

مشغول گرديد آن كسى كه بهشت و دوزخ در پيش اوست باينها از غير اينها و مكلفين باعتبار اشتغال باينها سه فرقه ‏اند يكى سعى نماينده برضاى خداوند شتابنده در سعى خود و نجات يافت برحمت پروردگار، دومي طلب كننده خيرات كه كامل است در آن طلب اميدوار است بمغفرت كردگار، سوّمى تقصير كننده در طاعات كه فرود آمده است در جهنّم، جانب راست و جانب چپ محلّ ضلالت و گمراهي است و راه ميانه آن جادّه است درست، و بر اوست باقي كتاب واجب التّكريم و علامت نبوّة واجب التعظيم، و از اوست مخرج سنّة مطهّرة و باوست بازگشت عاقبت خلق در دنيا و آخرت، هلاك شد كسى كه دعوى امامت نمود بباطل، و فضول و نوميد گرديد كسى كه افترا بست بخداوند و رسول، كسى كه ظاهر گردانيد روى خود را از براى حقّ در مقابل باطل هلاك شد نزد مردمان نادان و جاهل، و كفايت ميكند مر او را از حيث جهالت اين كه قدر خود را نشناسد و رتبه و شان خود را نداند، و هلاك نمى ‏شود أصلي كه بناء آن پرهيزكاري بوده باشد، و تشنه نمى ‏باشد زراعت هيچ گروهى كه آبيارى آن از پرهيزكارى گردد، پس پنهان شويد در خانه‏ هاى خودتان و اصلاح كنيد در ميان مردمان و توبه و پشيماني در پيش شما است، و بايد كه حمد و ثنا نكند هيچ ستايش كننده در روزگار مگر بپروردگار خود، بجهة اين كه اوست منعم على الاطلاق و سزاوار تعظيم و اجلال، و بايد كه ملامت نكند هيچ ملامت كننده مگر نفس خود را كه منشأ شرّ است و فساد.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 15 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

 خطبه 15 صبحی صالح

15- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان رضي الله عنه‏

وَ اللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ وَ مُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ

فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً

وَ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ

 شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من كلام له عليه السّلام فيما رده على المسلمين من قطايع عثمان و هو الخامس عشر من المختار فى باب الخطب الجارى مجراها

و اللّه لو وجدته قد تزوّج به النّساء، و ملك به الإماء، لرددته فإنّ في العدل سعة، و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق.

اللغة

(القطايع) اسم لما لا ينقل من المال كالاراضى و الحصون و يقابله الصّفايا و هو اسم للمنقول و في شرح المعتزلي القطايع ما يقطعه الامام لبعض الرّعية من أرض بيت المال ذات الخراج و يسقط عنه خراجه و يجعل عليه ضريبة يسيرة عوضا عن الخراج

الاعراب

اسناد تزوّج و ملك إلى النّساء و الاماء مع خلوهما من علامة التأنيث على حدّ قوله تعالى: وَ قالَ نِسْوَةٌ.

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام مع الخطبة الآتية من فصول خطبة خطب عليه السّلام بها بعد قتل عثمان، و قد رويت بزيادة و نقصان و نحن نوردها بتمامها في شرح الخطبة الاتية و نقول هنا مضافا إلى ما سيأتي أنّه قد رواه الشّارح المعتزلي عن الكلبي مرفوعا إلى أبي صالح عن ابن عباس (رض) قال: إنّ عليّا عليه السّلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال: ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان و كلّ مال أعطاه من مال اللّه فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شي‏ء، و لو وجدته قد تزوّج به النسّاء و فرق في البلدان لرددته إلى حاله فإنّ في العدل سعة و من ضاق عنه العدل فالجور عنه أضيق إذا أحطت خبرا بذلك فلنعد إلى شرح كلامه عليه السّلام على ما أورده الرّضيّ ره.

فنقول: إنّ عثمان كان أقطع كثيرا من بني اميّة و غيرهم من أصحابه و أتباعه قطايع من أرض الخراج كما عرفته في شرح الفصل الرّابع من فصول الخطبة الشقشقية و قد كان عمر أقطعها أيضا إلّا أنّه أقطعها لأرباب الجهد و العناء و ذوى الوقايع المشهورة في الحروب، ترغيبا في الجهاد، و لمّا كان قطايعه لغرض صحيح لم يتعرّض عليه السّلام له بعد نهوضه بالخلافة، و إنّما تعرض لقطايع عثمان التي أقطعها لمجرّد هوى نفسه و ميلا إلى أصحابه من غير عناء في الحرب فقال عليه السّلام (و اللّه لو وجدته) أى ما بذله عثمان من تلك القطايع (قد تزوّج به النّساء و ملك به الاماء) أى صار مهرا للحرائر و ثمنا للاماء (لرددته) إلى حاله و إلى بيت مال المسلمين.

ثمّ علل ذلك بقوله: (فإنّ في العدل سعة) يعني أنّ وجوب الردّ بمقتضى العدل و فيه وسعة للنّاس إذ به نظامهم و قوام امورهم، و لولاه لاختلّ النّظام و ضاع القوام.

ثمّ أكّد ذلك بقوله: (و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق) يعني من ضاق عليه القيام بالحكم الذي اقتضاه العدل فالجور الذي أقدم عليه بمقتضى هوى نفسه و ميل طبعه أضيق عليه في الدّنيا و الآخرة، و ذلك توعيد لهم و إشارة إلى أنّ ردّ القطايع التي أقطعها عثمان لهم و إن كان ضيقا عليهم و شاقا في أنفسهم، لكنّه عدل و القيام به سهل بالنّسبة إلى عدم الرّدّ و الامتناع منه، لأنّه جور و هو أضيق عليهم منه في الدّنيا و الآخرة، أمّا في الدّنيا فلأنّها ربّما انتزعت منهم قهرا و يكون‏ جورهم سببا للتحريج و التّضييق، و أمّا الآخرة فلكونها موجبة للسّخطة و العقوبة هذا.

و ذكر شارحوا الكتاب في تفسير كلامه عليه السّلام ذلك وجوها يأبى عنها الذّوق السّليم و الطبع المستقيم من أراد الاطلاع عليها فليرجع إليها.

قال الكلبيّ بعد روايته ما روينا عنه سابقا: ثمّ أمر عليه السّلام بكلّ سلاح وجد لعثمان في داره ممّا تقوى بها«» على المسلمين فقبض و أمر بقبض نجائب كانت في داره من ابل الصّدقة فقبضت و أمر بقبض سيفه و درعه و أمر أن لا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمون و بالكفّ عن جميع أمواله التي وجدت في داره و غير داره، و أمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان و حيث اصيبت أو اصيبت أصحابها فبلغ ذلك عمرو بن العاص و كان بايلة من أرض الشّام أتاها حيث دئب النّاس على عثمان فنزلها، فكتب إلى معاوية ما كنت صانعا فاصنع اذا قشرك ابن أبي طالب من كلّ مال تملكه كما تقشر عن العصا لحائها«» قال الشّارح المعتزلي: و قال الوليد بن عقبة و هو أخو عثمان من امّه يذكر قبض عليّ عليه السّلام نجائب عثمان و سيفه و صلاحه:.«»

بني هاشم ردّوا سلاح ابن اختكم
و لا تنهبوه لا تحلّ مناهبه‏

بني هاشم كيف الهوادة بيننا
و عند عليّ درعه و نجائبه‏

بني هاشم كيف التّودّد منكم«»
و بز ابن اردى«» فيكم و حرائبه‏

بني هاشم إلا تردّوا فانّنا
سواء علينا قاتلاه و سالبه‏

بني هاشم إنّا و ما كان منكم
كصدع الصّفا لا يشعب الصّدع شاعبه‏

قتلتم أخي كى ما تكونوا مكانه
كما غدرت يوما بكسرى مراز به‏

فأجابه عبد اللّه بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب بأبيات طويلة من جملتها:

فلا تسألونا سيفكم إنّ سيفكم
اضيع و القاه لدى الرّوع صاحبه‏

سلوا أهل مصر عن سلاح ابن اختنا
فهم سلبوه سيفه و حرائبه‏

و كان وليّ الأمر بعد محمّد
عليّ و في كلّ المواطن صاحبه‏

عليّ إلى أن أظهر اللّه دينه‏
و أنت مع الاشقين فيمن يحاربه‏

و أنت امرؤ من أهل صفّور نارخ
فما لك فينا من حميم يغائبه‏

و قد أنزل الرحمن إنّك فاسق‏
و ما لك في الاسلام سهم تطالبه‏

و شبّهته كسرى و قد كان مثله
شبيها بكسرى هديه و ضرائبه‏

 أى كان كافرا كما كان كسرى كافرا قال الشّارح: و كان المنصور إذا أنشد هذا البيت يقول لعن اللّه الوليد هو الذي فرّق بين بني عبد مناف بهذا الشّعر.

الترجمة

از جمله كلام آن حضرت است در خصوص چيزى كه ردّ فرموده بود آن را بر مسلمانان از قطيعه‏ هاى عثمان كه بر بني اميّه و ساير اعوان خود بخشش كرده بود و آن كلام عدل نظام اينست كه فرمود: بخداوند سوگند اگر بيابم آن مال را كه تزويج شده باشند بآن زنان و ملك شده باشند بآن كنيزان هر آينه بر مى‏ گردانم آن را، از جهة اين كه در عدل وسعت است و هر كه تنك آيد بر او عدل پس جور و ستم بر او تنك‏تر است.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 14 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 14 صبحی صالح

14- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في مثل ذلك‏

أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَاءِ بَعِيدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ

خَفَّتْ عُقُولُكُمْ وَ سَفِهَتْ حُلُومُكُمْ

فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِلٍ

وَ أُكْلَةٌ لِآكِلٍ

وَ فَرِيسَةٌ لِصَائِلٍ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من كلام له عليه السّلام فى مثل ذلك و هو الرابع عشر من المختار فى باب الخطب الجارى مجراها

أرضكم قريبة من الماء، بعيدة من السّماء، خفّت عقولكم، و سفهت حلومكم، فأنتم غرض لنابل، و أكلة لآكل، و فريسة لصائل.

اللغة

(سفه) سفها من باب تعب و سفه بالضمّ سفاهة فهو سفيه و السّفه النّقص في العقل و أصله الخفّة و سفه الحقّ جهله قال سبحانه: «وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ» قال الطبرسيّ صاحب التّفسير: أى جهل قدره و (الحلم) العقل و الجمع حلوم و أحلام و (الغرض) ما ينصب ليرمى بالسّهام و (النّابل) ذو النّبل و (الاكلة) بضمّ الهمزة اسم للمأكول و (فريسة) الأسد ما يفرسه و (صول) البعير و الأسد ككرم صالة واثب النّاس أو صار يقتل النّاس و يعد و عليهم فهو صائل و صؤل.

الاعراب

العطف في قوله عليه السّلام: و سفهت حلومكم للتّفسير و التوكيد إن كان المراد بالسّفه المعنى الأوّل، و إلّا فللتأسيس و الفاء في قوله: فأنتم، فصيحة و هو ظاهر.

المعنى

قد عرفت في شرح الخطبة السّابقة أنّ قوله عليه السّلام (أرضكم قريبة من الماء بعيدة من السّماء) ممّا حكاه عليه السّلام عن النّبيّ و المراد بقرب أرضهم من الماء إمّا كون موضع البصرة منخفضا قريبا من البحر كما يشاهد من دخول الماء حدايقهم و مزارعهم كلّ يوم مرّة أو مرّتين، أو كونها قريبة من الغرق بالماء فيكون قوله عليه السّلام: من الماء من قبيل الحذف و الايصال، و أمّا بعد أرضهم من السماء فامّا من حيث انخفاضها عن غيرها من الأرض، أو من حيث بعدها عن دائرة المعدّل.

قال الشّارح المعتزلي: إنّ أرباب علم الهيئة و أهل صناعة التنجيم يذكرون إنّ أبعد موضع في الأرض من السّماء الابلة، و ذلك موافق لقوله عليه السّلام و معنى البعد عن السّماء هاهنا هو بعد تلك الأرض المخصوصة عن دائرة معدّل النّهار، و البقاع و البلاد تختلف في ذلك، و قد دلّت الارصاد و الآلات النّجوميّة على أنّ أبعد موضع في المعمورة عن دائرة معدّل النّهار هو الابلة، و الابلة هي قصبة البصرة انتهى.

و فيه أنّ كونها أبعد بلاد العرب من المعدّل مسلّم و أما كونها أبعد موضع منه في المعمورة ممنوع قطعا و فاسد حسّا إلّا أن يكون مراده به ما ذكرناه و يكون التّسامح في العبارة هذا.

و يحتمل أن يكون المراد ببعدها من السّماء البعد من سماء الرّحمة و الاستعداد لنزول العذاب و قوله: (خفّت عقولكم و سفهت حلومكم) وصف لهم بقلّة العقل و السّفاهة الموجبة لانحطاط الرّتبة و الدّرجة في العقائد الدّينيّة و العبادات البدنيّة و إشارة إلى قلّة استعدادهم لدرك وجوه المصالح الواقعيّة كما يشهد به متابعتهم للمرأة و إجابتهم للبهيمة، و تنبيه على جهالتهم و عدم تفكّرهم في عواقب الامور و غفلتهم عن اصلاح أحوالهم و على تسرّعهم إلى ما لا ينبغي و لأجل ذلك حسن التّفريع بقوله: (فأنتم غرض لنا بل) أى هدف لمن يريد أذاكم (واكلة لآكل) أى عرضة لأن يطمع في أموالكم و يأكلها من يريد أكلها و (فريسة لصائل) أى في‏ معرض أن يفترسكم من يريد قتلكم و هلاككم، و هذا كلّه من لوازم خفّة العقل و السّفاهة و قلّة الفهم و الغباوة.

الترجمة

از جمله كلام آن امام انام است در مثل همين مقام: زمين شما نزديك است بآب و دور است از آسمان خفيف است عقلهاى شما و سفيه است حلمهاى شما، پس شما بواسطه نقصان عقل و قلة تدبير نشانه‏ ايد از براى هر تير اندازنده، و طعمه ‏ايد از براى هر خورنده، و شكاريد از براى هر حمله كننده، و هجوم آورنده، و اللّه اعلم بالصّواب.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 13 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 13 صبحی صالح

13- و من كلام له ( عليه‏السلام  ) في ذم أهل البصرة بعد وقعة الجمل‏

كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ

وَ أَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ

رَغَا فَأَجَبْتُمْ

وَ عُقِرَ فَهَرَبْتُمْ

أَخْلَاقُكُمْ دِقَاقٌ

وَ عَهْدُكُمْ شِقَاقٌ

وَ دِينُكُمْ نِفَاقٌ

وَ مَاؤُكُمْ زُعَاقٌ

وَ الْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ

وَ الشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ

كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُؤْجُؤِ

سَفِينَةٍ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا وَ مِنْ تَحْتِهَا وَ غَرِقَ مَنْ فِي ضِمْنِهَا

وَ فِي رِوَايَةٍ وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ

وَ فِي رِوَايَةٍ كَجُؤْجُؤِ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِلَادُكُمْ أَنْتَنُ بِلَادِ اللَّهِ تُرْبَةً

أَقْرَبُهَا مِنَ الْمَاءِ وَ أَبْعَدُهَا مِنَ السَّمَاءِ

وَ بِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الشَّرِّ

الْمُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ

وَ الْخَارِجُ بِعَفْوِ اللَّهِ

كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَّقَهَا الْمَاءُ

حَتَّى مَا يُرَى مِنْهَا إِلَّا شُرَفُ الْمَسْجِدِ كَأَنَّهُ جُؤْجُؤُ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من كلام له عليه السّلام في ذم أهل البصرة و هو الثالث عشر من المختار فى باب الخطب

تكلّم بذلك بعد الفراغ من قتال أهلها و قد رواه الطبرسي في الاحتجاج و عليّ ابن إبراهيم القمي و المحدّث البحراني بزيادة و نقصان يعرف تفصيل ذلك في أوّل التنبيهات إنشاء اللّه.

كنتم جند المرأة و أتباع البهيمة، رغا فأجبتم، و عقر فهربتم، أخلاقكم دقاق، و عهدكم شقاق، و دينكم نفاق، و ماؤكم زعاق، المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه، و الشّاخص عنكم متدارك برحمة من ربّه، كأنّي بمسجدكم كجؤجؤ سفينة، قد بعث اللّه عليها العذاب من فوقها و من تحتها، و غرق من في ضمنها. و في رواية و أيم اللّه لتغرقنّ بلدتكم حتّى كأنّي أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة. و في رواية كجؤجؤ طير في لجّة بحر.

اللغة

(الرّغاء) وزان غراب صوت البعير و رغت النّاقة ترغو صوتت فهي راغية و (الدّقيق) خلاف الجليل و (شاقّه) مشاقة و شقاقا خالفه و حقيقته ان يأتي كلّ منهما ما يشقّ على صاحبه فيكون كلّ منهما في شقّ غير شقّ صاحبه و (نافق) الرّجل نفاقا إذا أظهر الاسلام لأهله و أضمر غير الاسلام و (الزّعاق) بضمّ الزّاء المعجمة المالح و (بين أظهر) النّاس و بين ظهريهم و بين ظهرانيهم بفتح النّون كلها بمعنى بينهم، و فائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم و الاستناد إليهم و كان المعنى أنّ ظهرا منه قدامه و ظهرا ورائه فكانّه مكنوف من جانبيه هذا أصله، ثمّ كثر حتّى استعمل في الاقامة بين القوم و إن كان غير مكنوف بينهم و (الجؤجؤ) كهدهد من الطير و السّفينة صدرهما و قيل عظام الصّدر و (جثم) الطائر و الارنب يجثم من باب ضرب جثوما و هو كالبروك من البعير.

الاعراب

الفاء في قوله: فاجبتم، و قوله: فهربتم، فصيحة، و قوله كأنّي بمسجدكم اه كان للتّقريب و الباء زائدة و الأصل كأنّي أبصر مسجدكم ثمّ حذف الفعل و زيدت الباء كما ذكره المطرزى في شرح قول الحريري: كأنّي بك تنحط، من أنّ الأصل كأنّى ابصرك تنحط حذف الفعل و زيدت الباء و قال ابن عصفور: الباء و الكاف في كأنّي بك تنحط، و كانّك بالدّنيا لم تكن، كافتان لكأنّ عن العمل، و الباء زائدة في المبتدأ و على ذلك فيكون قوله عليه السّلام بمسجدكم مبتداء و كجؤجؤ سفينة خبره و جملة قد بعث حال متمّمة لمعنى الكلام كالحال في قوله تعالى: «فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ» و قال نجم الأئمة الرّضيّ فى المثال الثاني: الأولى أن تبقى كأنّ على معنى التشبيه و لا تحكم بزيادة شي‏ء و تقول التّقدير كأنّك تبصر بالدّنيا أى تشاهدها من قوله تعالى: «فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ» و الجملة بعد المجرور بالباء حال أى كأنّك تبصر بالدّنيا و تشاهدها غير كاينة.

المعنى

اعلم أنّه عليه السّلام ذكر فى كلامه ذلك امورا سبعة نبّه فيها على ذمّهم و توبيخهم

الاول ما أشار عليه السّلام إليه بقوله: (كنتم جند المرأة)

و أراد بها عايشة حيث جعلوها عقد نظامهم و مدار قوامهم، و من المعلوم أنّ النّساء على نقصان عقولهنّ‏ و حظوظهنّ و ايمانهنّ على ما ستعرفها تفصيلا في محلّها مذمومة عند العرب و ساير العقلاء، فالتّابع لها و الجاعل زمام أمره إليها لا بدّ و أن يكون أنقص عقلا منهنّ و حرّ يا بالذّم و التّوبيخ.

روى في البحار من كنز جامع الفوائد و تأويل الآيات عن محمّد البرقي عن الحسين ابن سيف عن أخيه عن أبيه عن سالم بن مكرم عن أبيه قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول في قوله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ» قال: هي الحميراء قال مؤلّف الكتاب: إنّما كنّى عنها بالعنكبوت لأنّه حيوان ضعيف اتّخذت بيتا ضعيفا أو هن البيوت، و كذلك الحميراء حيوان ضعيف لقلة عقلها و حظها و دينها اتّخذت من رأيها الضّعيف و عقلها السّخيف في مخالفتها و عداوتها لمولاها بيتا مثل بيت العنكبوت في الوهن و الضعف و سيأتي بعض الأخبار فيها في التّنبيه الثّاني إنشاء اللّه.

الثاني ما نبّه عليه السّلام عليه بقوله: (و أتباع البهيمة)

و أراد بها الجمل.

قال في البحار: و أعطى يعلى بن منبه عايشة جملا اسمه عسكر اشتراه بمأتي دينار و قيل بثمانين دينارا فركبته و قيل: كان جملها لرجل من عرنية قال العرني بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب قال اتبيع جملك قلت: نعم، قال: بكم قلت: بألف درهم قال: أ مجنون أنت قلت: و لم و اللّه ما طلبت عليه أحدا إلّا أدركته و لا طلبني و أنا عليه أحد إلّا فتّه، قال: لو تعلم لمن نريده إنّما نريده لأمّ المؤمنين عايشة، فقلت: خذه بغير ثمن قال: بل ارجع معنا إلى الرّحل فنعطيك ناقة و دراهم قال: فرجعت فأعطوني ناقة مهريّة و أربعمائة درهم أو ستمائة.

و في شرح المعتزلي لمّا عزمت عايشة على الخروج إلى البصرة طلبوا لها بعيرا ايّدا يحمل هودجها فجاءهم يعلى بن اميّة ببعير المسمّى عسكرا و كان عظم الخلق‏ شديدا، فلمّا رأته أعجبها و أنشأ الجمال يحدثها بقوّته و شدّته و يقول في أثناء كلامه عسكر، فلمّا سمعت هذه اللفظة استرجعت و قالت ردّوه لا حاجة لي فيه و ذكرت حيث سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذكر لها هذا الاسم و نهاها عن ركوبه و أمرت أن يطلب لها غيره فلم يوجد لها ما يشبهه فغير لها بجلال غير جلاله، و قيل لها قد أصبنا لك أعظم منه خلقا و أشدّ قوّة و اتيت به فرضيت.

ثمّ إنّه عليه السّلام أوضح متابعتهم للبهيمة بقوله: (رغا فأجبتم) فانّ كونهم مجيبين لرغائه شاهد صدق على المتابعة و قد كان الجمل راية أهل البصرة قتلوا دونه كما يقتل الرّجال تحت الرّايات، و كان كلّ من أراد الجد في الحرب و قاتل قتال مستميت يتقدّم الجمل و يأخذ بخطامه و روى أنّه اخذ الخطام سبعون رجلا من قريش قتلوا كلهم و كان أكثر النّاس حماية له و ذبّا عنه بنى ضبّة و الأزد.

و في شرح المعتزلي عن المدايني و الواقدي أنّه ما حفظ رجز قط أكثر من رجز قيل يوم الجمل، و أكثره لبني ضبّة و الأزد الذين كانوا حول الجمل يحامون عنه و لقد كانت الرءوس تندر عن الكواهل، و الأيدى تطيح من المعاصم، و أقتاب البطن تندلق من الأجواف، و هم حول الجمل كالجراد الثابتة لا تزلزل و لا تتحلحل«» حتّى لقد صرخ بأعلى صوته ويلكم: اعقروا الجمل فانّه شيطان، ثمّ قال عليه السّلام اعقروه و إلّا فنيت العرب لا يزال السّيف قائما و راكعا حتّى يهوى البعير إلى الأرض فعمدوا له حتّى عقروه فسقط و له رغاء شديد فلمّا برك كانت الهزيمة و إليه أشار عليه السّلام بقوله: (و عقر فهربتم).

قال أبو مخنف حدّثنا مسلم الأعور عن حبّة العرنيّ قال: فلمّا رأى عليّ عليه السّلام أنّ الموت عند الجمل و أنّه ما دام قائما فالحرب لا يطفأ وضع سيفه على عاتقه و عطف نحوه و أمر أصحابه بذلك و مشى نحوه و الخطام مع بني ضبّة فاقتتلوا قتالا شديدا و استحرّ القتل في بني ضبّة فقتل منهم مقتلة عظيمة و خلص عليّ عليه السّلام في جماعة من النخع و همدان إلى الجمل.

فقال لرجل من النخع اسمه بحير: دونك الجمل يا بحير فضرب عجز الجمل بسيفه فوقع لجنبه و ضرب بجرانه الأرض و عج عجا شديدا لم يسمع بأشدّ منه فما هو إلّا أن صرع الجمل حتّى فرّت الرّجال كما يطير الجراد في الرّيح الشّديدة الهبوب و احتملت عايشة بهودجها فحملت إلى دار عبد اللّه بن خلف و أمر عليّ عليه السّلام بالجمل أن يحرق ثمّ يذرى بالرّيح، و قال: لعنة اللّه من دابّة فما أشبهه بعجل بني إسرائيل ثمّ قرء: «وَ انْظُرْ إِلى‏ إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً» و في الاحتجاج أنّ محمّد بن أبي بكر و عمّار بن ياسر توليا عقره بعد طول دمائه، و روي أنّه كلما قطعت قائمة من قوائمه ثبت على اخرى حتّى قتل.

الثالث ما ذكره بقوله عليه السّلام (أخلاقكم دقاق)

أى رذيلة حقيرة قال الشّارح المعتزلي: في الحديث انّ رجلا قال له: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّي أحبّ أن انكح فلانة إلّا أنّ في أخلاق أهلها دقة فقال له: إيّاك و خضراء الدّمن إيّاك و المرأة الحسناء في منبت السّوء و علّل البحراني دقّة أخلاقهم بأنّ أصول الفضائل الخلقيّة لما كانت ثلاثة: الحكمة و العفّة و الشّجاعة و كانوا على طرف الجهل لوجوه الآراء المصلحيّة و هو طرف التّفريط من الحكمة العلميّة و على طرف الجبن و هو التّفريط من الشّجاعة و على طرف الفجور و هو طرف الافراط من ملكة العفّة و العدالة لا جرم صدق أنّهم على رذايل الأخلاق و دقاقها.

أقول: و يشهد على جهلهم اتباعهم للمرأة و متابعتهم للبهيمة، و على جبنهم ما مر في الخطب السّابقة من قوله عليه السّلام: و قد أرعدوا و أبرقوا و مع هذين الأمرين الفشل، و على فجورهم خروجهم على الامام العادل و محاربتهم معه.

الرابع ما نبّه عليه السّلام عليه بقوله: (و عهدكم شقاق)

يعني معاهدتكم لا يمكن الاعتماد عليها و الوثوق بها، لأنّها صوريّة و ظاهريّة و في المعنى و الحقيقة مخالفة و عداوة يشهد بذلك نكثهم لبيعته بعد عقدهم إيّاه.

الخامس ما أشار عليه السّلام إليه بقوله: (و دينكم نفاق)

و ذلك أنّهم أظهروا الاسلام أى الايمان بألسنتهم و خالفوا بقلوبهم كما حكى عليه السّلام فيما سبق عن الزّبير أنّه: يزعم أنّه بايع بيده و لم يبايع بقلبه فقد أقرّ بالبيعة و ادّعى الوليجة.

السادس ملوحة مائهم المشار إليه بقوله: (و ماؤكم زعاق)

أى مالح بسبب قربه من البحر يوجب أمراضا كثيرة كسوء المزاج و البلادة و فساد الطحال و نحوها و هذا و إن لم يكن من افعالهم الاختيارية إلّا أنّه ممّا يذّم به البلد فيستحقّون بذلك المذمة لسوء اختيارهم ذلك المكان قال الشّاعر:

بلاد بها الحمّى و اسد عرينة
و فيها المعلّى يعتدي و يجور

فانّى لمن قد حلّ فيها لراحم‏
و إنّي لمن لم يأتها لنذير

(و) السابع أنّ (المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه)

لأنّه إمّا أن يشاركهم في الذّنوب أو يراها فلا ينكرها، و قد ورد الاخبار عن أئمتنا الأطهار سلام اللّه عليهم على تحريم مجاورة أهل المعاصي و مخالطتهم اختيارا و المجالسة معهم و كون المجاور و المجالس مستحقا بذلك للعقوبة.

مثل ما رواه في الوسائل باسناده عن مهاجر الأسدي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: مرّ عيسى بن مريم عليه السّلام على قرية قد مات أهلها و طيرها و دوابها فقال: أمّا أنّهم لم يموتوا إلّا لسخطة و لو ماتوا متفرّقين لتدافنوا، فقال الحواريون: يا روح اللّه و كلمته ادع اللّه أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنتجنّبها، قال: فدعا عيسى عليه السّلام فنودي من الجوّ أن نادهم فقام عيسى بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل القرية، فأجابه مجيب منهم لبيك، فقال: و يحكم ما كانت أعمالكم قال: عبادة الطاغوت و حبّ الدّنيا مع خوف قليل و أمل بعيد و غفلة في لهو و لعب إلى أن قال: و كيف عبادتكم للطاغوت قال: الطاعة لأهل المعاصي قال: كيف كان عاقبة أمركم قال: بتنافي عافية و أصبحنا في الهاوية، فقال: و ما الهاوية قال: سجّين، قال: و ما سجّين قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة إلى أن قال، قال: ويحك كيف لم يكلّمني غيرك من بينهم قال: يا روح اللّه إنّهم ملجمون بلجم من نار: بأيدي ملائكة غلاظ شداد و إنّي كنت فيهم و لم أكن منهم فلمّا نزل العذاب أعمّنى معهم و أنا معلّق بشعرة على شفير جهنّم لا أدرى أكبكب فيها أم أنجو منها، فالتفت عيسى عليه السّلام إلى الحواريين فقال: يا أولياء اللّه أكل الخبز اليابس بالملح الجريش و النّوم على المزابل خير كثير مع عافية الدّنيا و الآخرة.

و عن أبي حمزة عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السّلام قال: سمعته يقول: أما أنّه ليس من سنة أقلّ مطرا من سنة و لكن اللّه يضعه حيث يشاء إنّ اللّه جلّ جلاله إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر في تلك السّنة إلى غيرهم و إلى الفيافي و البحار و الجبال، و إنّ اللّه ليعذّب الجعل في جحرتها بحبس المطر عن الأرض التي هي بمحلّتها لخطايا من بحضرتها، و قد جعل اللّه لها السّبيل إلى مسلك سوى محلة أهل المعاصي قال: ثمّ قال أبو جعفر عليه السّلام: فاعتبروا يا اولى الأبصار.

و عن أبي حمزة عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام في حديث طويل قال: ايّاكم و صحبة العاصين و معونة الظالمين و مجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم و تباعدوا من ساحتهم.

و في الفقيه عن محمّد بن مسلم قال: مرّ بي أبو جعفر عليه السّلام و أنا جالس عند قاض بالمدينة فدخلت عليه من الغد فقال عليه السّلام: ما مجلس رأيتك فيه أمس قال: قلت له: جعلت فداك إنّ هذا القاضي لي مكرم فربّما جلست إليه فقال: و ما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعمّك معه، و روي في خبر آخر فتعمّ من في المجلس.

و في الكافي عن الجعفري قال: سمعت أبا الحسن عليه السّلام يقول: مالي رأيتك عند عبد الرّحمن بن يعقوب فقال: إنّه خالي، فقال عليه السّلام: إنّه يقول في اللّه قولا عظيما يصف اللّه و لا يوصف فإمّا جلست معه و تركتنا، و إمّا جلست معنا و تركته فقلت:

هو يقول ما شاء أىّ شي‏ء عليّ منه إذا لم أقل ما يقول فقال أبو الحسن عليه السّلام: أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعا، أما علمت بالذي كان من أصحاب موسى عليه السّلام و كان أبوه من أصحاب فرعون فلمّا لحقت خيل فرعون موسى تخلّف عنه ليعظ أباه فيلحقه بموسى فمضى أبوه و هو يراغمه حتى بلغ طرفا من البحر فغرقا جميعا فأتى موسى الخبر فقال: هو في رحمة اللّه و لكن النّقمة إذا نزلت ليس لها عمّن قارب المذنب دفاع.

و قوله عليه السّلام: (و الشّاخص عنكم متدارك برحمة من ربّه) و ذلك لأنّ المقيم بينهم و المخالط معهم إذا كان رهينا بذنبه يلزمه كون الشّاخص عنهم و المتباعد من ساحتهم متداركا برحمة اللّه لسلامته من عقوبة المجاورة و المجالسة.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى ابتلائهم بالعقوبة الدّنيوية قبل عذاب الآخرة و قال: (كأنّي بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد) برز من الماء حين (بعث اللّه عليها) أى على البصرة (العذاب من فوقها و من تحتها و غرق من في ضمنها) قال الرّضي (و في رواية) اخرى (و أيم اللّه لتغرقنّ بلدتكم حتّى كأنّى أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة) أى باركة متلبّدة بالأرض قال: (و في رواية) ثالثة (كجؤجؤ طير في لجّة بحر).

قال الشّارح المعتزلي: أمّا إخباره عليه السّلام أنّ البصرة تغرق عدا المسجد الجامع فقد رأيت من يذكر أنّ كتب الملاحم تدلّ على أنّ البصرة يهلك بالماء الأسود ينفجر من أرضها فتغرق و يبقى مسجدها، و الصّحيح أنّ المخبر به قد وقع فانّ البصرة غرقت مرّتين مرّة في أيّام القادر باللّه و مرّة في أيّام القائم بأمر اللّه غرقت بأجمعها و لم يبق منها إلّا مسجدها الجامع مبارزا بعضه كجؤجؤ الطائر حسب ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السّلام: جاءها الماء من بحر الفارس من جهة الموضع المعروف الآن بجزيرة الفرس و من جهة الجبل المعروف الآن بجزيرة السنّام، و خربت دورها و غرق كلّ ما في ضمنها و هلك كثير من أهلها، و أخبار هذين الغرقين عند أهل البصرة يتناقله خلفهم عن سلفهم.

أقول: و لا بأس بما ذكره إلّا أنّ المستفاد من ذيل هذه الخطبة على ما رواهاالشّارح البحراني حسبما تعرفه في أوّل التنبيهات أنّ الماء الذي يغرق به البصرة ينفجر من الأرض كما قال عليه السّلام: و إنّي لأعرف موضع منفجره من قريتكم هذه و ظاهر ذلك أنّه لا يكون من ناحية اخرى، و اللّه العالم بحقايق الامور

و ينبغي التنبيه على امور

الاول اعلم أنّ هذه الخطبة رويت بطرق مختلفة

قد رواها جماعة من الأصحاب بزيادة و نقصان و لا بأس بالاشارة إليها تكثيرا للفائدة.

فمنها ما في الاحتجاج عن ابن عباس (رض) قال: لمّا فرغ أمير المؤمنين عليه السّلام من قتال أهل البصرة وضع قتبا على قتب فحمد اللّه و أثنى عليه فقال: يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة يا أهل الدّاء«» العضال يا أتباع البهيمة يا جند المرأة رغا فأجبتم و عقر فهربتم، ماؤكم زعاق، و دينكم نفاق، و أحلامكم دقاق، ثمّ نزل عليه السّلام يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا معه فمرّ بالحسن البصري و هو يتوضّأ فقال: يا حسن أسبغ الوضوء فقال: يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناسا يشهدون أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و يصلّون الخمس و يسبغون الوضوء، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدوّنا فقال: و اللّه لاصدقنك يا أمير المؤمنين لقد خرجت في أوّل يوم فاغتسلت و تحنّطت و صببت علىّ سلاحي و أنا لا أشكّ في أنّ التّخلّف عن أمّ المؤمنين عايشة كفر، فلمّا انتهيت إلى موضع من الخريبة«» نادى مناد يا حسن إلى أين ارجع فانّ القاتل و المقتول في النّار، فرجعت ذاعرا و جلست في بيتي.

فلمّا كان في اليوم الثّاني لم أشكّ أنّ التّخلّف عن أمّ المؤمنين هو الكفر فتحنّطت و صببت علىّ سلاحي و خرجت اريد القتال حتّى انتهيت إلى موضع من الخريبة فنادى مناد من خلفي يا حسن إلى أين مرّة بعد اخرى فانّ القاتل و المقتول في النّار.

قال عليّ عليه السّلام: صدقت أ فتدرى من ذلك المنادي قال: لا، قال عليه السّلام: أخوك إبليس و صدقك أنّ القاتل و المقتول منهم في النّار، فقال الحسن البصري: الآن عرفت يا أمير المؤمنين أنّ القوم هلكى.

و منها ما في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسير قوله: «وَ الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى‏» قال: المؤتفكة«» البصرة، و الدّليل على ذلك قول أمير المؤمنين عليه السّلام: يا أهل البصرة و يا أهل المؤتفكة يا جند المرأة و أتباع البهيمة رغا فأجبتم و عقر فهربتم ماؤكم زعاق و اخلاقكم دقاق «و أحلامكم رقاق خ ل» و فيكم ختم النّفاق و لعنتم على لسان سبعين نبيّا إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخبرني أنّ جبرئيل عليه السّلام أخبره أنّه طوى له الأرض فرأى البصرة أقرب الأرضين من الماء و أبعدها من السّماء، و فيها تسعة أعشار الشرّ و الدّاء العضال، المقيم فيها مذنب و الخارج عنها برحمة و قد ائتفكت بأهلها مرّتين و على اللّه تمام الثّالثة، و تمام الثّالثة في الرّجعة.

أقول: قال في مجمع البيان: المؤتفكة المنقلبة و هي التي صار أعلاها أسفلها و أسفلها أعلاها، و أهوى أى انزل بها في الهواء قال: و المؤتفكة قرى قوم لوط المخسوفة أهوى أى اسقط أهواها جبرئيل بعد أن رفعها و هذا تنزيلها و ما رواه القمّي رحمه اللّه تأويلها، و قال القميّ في تفسير قوله سبحانه: «وَ جاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ» المؤتفكات البصرة، و الخاطئة فلانة و في نسخة حميراء، و في البحار و أمّا التأويل الذي«» ذكره عليّ بن إبراهيم فقد رواه مؤلف تأويل الآيات الباهرة عن محمّد البرقي عن سيف بن عميرة عن أخيه عن منصور بن حازم عن حمران قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: و جاء فرعون يعني الثّالث، و من قبله يعني الأوّلين، و المؤتفكات أهل‏ البصرة، بالخاطئة الحميراء، فالمراد بمجي‏ء الأوّلين و الثّالث بعايشة أنّهم أسّسوا لها بما فعلوا من الجور على أهل البيت عليهم السّلام أساسا به تيسّر لها الخروج و لو لا ما فعلوا لم تكن تجتري على ما فعلت، و المراد بالمؤتفكات أهل المؤتفكات و الجمع باعتبار البقاع و القرى و المحلات.

و منها ما في شرح البحراني متفرّقة إلّا أنّ المحدّث العلّامة المجلسي (ره) جمع ما وجد منها في البحار و ألف شتاتها و نحن نرويها من البحار من الشرح.

قال (قدّه): روى الشّيخ كمال الدّين بن ميثم البحراني مرسلا أنّه لمّا فرغ أمير المؤمنين عليه السّلام من أمر الحرب لأهل الجمل أمر مناديا ينادي في أهل البصرة أن الصّلاة الجامعة لثلاثة«» أيّام من غد إنشاء اللّه و لا عذر لمن تخلّف إلّا من حجّة أو علة فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا فلمّا كان اليوم الذي اجتمعوا فيه خرج عليه السّلام فصلى بالنّاس الغداة في المسجد الجامع فلمّا قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلّى فخطب النّاس و أثنى عليه بما هو أهله و صلّى على النّبي و آله و استغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات ثمّ قال: يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة ائتفكت«» بأهلها ثلاثا و على اللّه تمام الرّابعة، يا جند المراة و اعوان البهيمة رغا فأجبتم و عقر فانهزمتم اخلاقكم دقاق و دينكم نفاق و ماؤكم زعاق، و بلادكم انتن بلاد اللّه تربة و ابعدها من السّماء، بها تسعة اعشار الشر المحتبس فيها بذنبه و الخارج منها بعفو اللّه، كأنّى انظر إلى قريتكم هذه و قد طبقها الماء حتّى ما يرى منها الّا شرف المسجد كأنّه جؤجؤ طير في لجّة بحر فقام إليه الأحنف«» بن قيس فقال له: يا أمير المؤمنين متى يكون ذلك‏ قال: يا أبا بحر إنك لن تدرك ذلك الزّمان و انّ بينك و بينه لقرونا و لكن ليبلغ الشّاهد منكم الغائب عنكم لكي يبلغوا إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحوّلت أخصاصها«» دورا و آجامها قصورا فالهرب الهرب فانّه لا بصرة لكم يومئذ.

ثمّ التفت عن يمينه فقال: كم بينكم و بين الأبلّة«» فقال له المنذر بن الجارود فداك أبي و امّي أربعة فراسخ قال له: صدقت فو الذي بعث محمّدا و آله و أكرمه بالنّبوّة و خصّه بالرّسالة و عجّل بروحه إلى الجنّة لقد سمعت منه كما تسمعون منى أن قال لي: يا عليّ هل علمت أنّ بين التي تسمى البصرة و تسمى الابلّة أربعة فراسخ و سيكون في التي تسمّى الابلة موضع أصحاب العشور يقتل في ذلك الموضع من امّتي سبعون ألفا شهيدهم يومئذ بمنزلة شهداء بدر.

فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين و من يقتلهم فداك أبي و أمّي قال: يقتلهم اخوان الجنّ و هم جيل«» كأنّهم الشّياطين سود ألوانهم منتنة أرياحهم«» شديد كلبهم«» قليل سلبهم طوبى لمن قتلهم و طوبى لمن قتلوه، ينفر لجهادهم في ذلك الزّمان«» قوم هم أذلة عند المتكبرين من أهل ذلك الزّمان، مجهولون في الأرض معروفون في السّماء تبكى السّماء عليهم و سكانها و الأرض و سكانها.

ثمّ هملت«» عيناه بالبكاء ثمّ قال: ويحك يا بصرة ويلك يا بصرة لا رهج«» له و لا حس«» فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين و ما الذي يصيبهم من قبل الغرق ممّا ذكرت و ما الويح و ما الويل فقال: هما بابان فالويح باب رحمة و الويل باب عذاب يابن الجارود نعم تارات«» عظيمة.

منها عصبة يقتل بعضها بعضا، و منها فتنة يكون بها خراب منازل و خراب ديار و انتهاك أموال«» و قتل رجال و سباء نساء يذبحن و نجايا ويل امرهن حديث عجيب منها أن يستحل«» بها الدّجال الأكبر الأعور«» الممسوح العين اليمنى و الاخرى كأنّها ممزوجة بالدّم لكأنّها في الحمرة علقة ناتى«» الحدقة كهيئة حبّة العنب الطافية«» على الماء فيتبعه من أهلها عدّة من قتل بالابلة من الشهداء اناجيلهم في صدورهم يقتل من يقتل و يهرب من يهرب ثمّ رجف«» ثمّ قذف«» ثمّ خسف«» ثمّ مسخ ثمّ الجوع الأغبر ثمّ الموت الأحمر و هو الغرق.

يا منذر إنّ للبصرة ثلاثة أسماء سوى البصرة في الزّبر الأوّل لا يعلمها الّا العلماء منها الخريبة و منها تدمر«» و منها المؤتفكة، يا منذر و الذي فلق الحبّة و برء النسمة لو أشاء لأخبرتكم بخراب العرصات عرصة عرصة متى تخرب و متى تعمر بعد خرابها إلى يوم القيامة و انّ عندي من ذلك علما جمّا«» و ان تسألوني تجدوني به عالما لا اخطى منه علما«» و لا دار فناء و لقد استودعت علم القرون الاولى و ما هو كائن إلى يوم القيامة.

ثمّ قال: يا أهل البصرة إنّ اللّه لم يجعل لأحد من أمصار المسلمين خطة شرف و لا كرم إلّا و قد جعل فيكم أفضل ذلك و زادكم من فضله بمنّه ما ليس لهم أنتم أقوم النّاس قبلة قبلتكم على المقام حيث يقوم الامام بمكّة، و قارئكم أقرء النّاس، و زاهدكم أزهد النّاس، و عابدكم أعبد النّاس، و تاجركم انجر النّاس و أصدقهم في تجارته، و متصدّقكم أكرم النّاس صدقة، و غنيّكم أشدّ النّاس بذلا و تواضعا، و شريفكم أحسن النّاس خلقا، و أنتم أكرم النّاس جوارا و أقلّهم تكلفا لما لا يعنيه و أحرصهم على الصلاة في جماعة، ثمرتكم أكثر الثّمار، و أموالكم أكثر الأموال و صغاركم أكيس«» الاولاد، نساؤكم أقنع النساء و أحسنهن تبعلا«» سخر لكم الماء يغدو«» عليكم و يروح، صلاحا لمعاشكم و البحر سببا لكثرة أموالكم فلو صبرتم‏ و استقمتم لكانت لكم شجرة طوبى مقيلا ظلّا ظليلا«» غير أنّ حكم اللّه فيكم ماض و قضاؤه نافذ لا معقّب لحكمه و هو سريع الحساب يقول اللّه: «وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً» و اقسم لكم يا أهل البصرة ما الذي ابتدأتكم به من التّوبيخ إلّا تذكيرا و موعظة لما بعد لكيلا تسرعوا إلى الوثوب في مثل الذي و ثبتم و قد قال اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» و لا الذي ذكرت فيكم من المدح و التطرية«» بعد التّذكير و الموعظة رهبة منّي لكم و لا رغبة في شي‏ء ممّا قبلكم فانّي لا اريد المقام بين أظهركم إنشاء اللّه لامور تحضرني قد يلزمني المقام بها فيما بيني و بين اللّه لا عذر لي في تركها و لا علم لكم بشي‏ء منها حتّى يقع ممّا اريد أن أخوضها«» مقبلا و مدبرا.

فمن أراد أن يأخذ بنصيبه منها فليفعل، فلعمري إنّه للجهاد الصّافي صفاه«» لنا كتاب اللّه و لا الذي أردت به من ذكر بلادكم موجدة«» منّى عليكم لما شاققتموني‏ غير أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لي يوما و ليس معه غيري: إنّ جبرئيل الرّوح الأمين حملني على منكبه الأيمن حتى أراني الأرض و من عليها و أعطاني أقاليدها«» و لم يكبر ذلك علىّ كما لم يكبر على أبى آدم علمه الاسماء و لم يعلمه الملائكة المقرّبون.

و إنّي رأيت بقعة على شاطي البحر تسمّى البصرة، فاذا هى أبعد الأرض من السّماء و أقربها من الماء و أنّها لأسرع الأرض خرابا و أخشنها (اخشبها خ) ترابا و أشدّها عذابا، و لقد خسف بها في القرون الخالية مرارا و ليأتين«» عليها زمان و إنّ لكم يا أهل البصرة و ما حولكم من القرى من الماء ليوما عظيما بلاؤه و إني لأعرف موضع منفجره من قريتكم هذه، ثمّ امور قبل ذلك تدهمكم«» اخفيت عليكم و علمناه فمن خرج عند دنوّ غرقها فبرحمة من اللّه سبقت له، و من بقي فيها غير مرابط بها فبذنبه و ما اللّه بظلّام للعبيد.

فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة و من أهل الفرقة و من أهل البدعة و من أهل السنّة فقال عليه السّلام: إذا سألتني فافهم عنّي و لا عليك أن لا تسأل أحدا بعدي، أمّا أهل الجماعة فأنا و من اتّبعني و إن قلّوا، فذلك الحقّ عن أمر اللّه و أمر رسوله، و أمّا أهل الفرقة فالمخالفون لي و لمن اتّبعني و إن كثروا، و أمّا أهل السّنة فالمستمسكون بما سنّه اللّه و رسوله و إن قلّوا و أمّا أهل البدعة فالمخالفون لأمر اللّه و لكتابه و لرسوله العالمون «العاملون ظ» برأيهم و هوائهم و إن كثروا قد مضى منهم الفوج«» الأوّل و بقيت أفواج و على اللّه قصمها«» و استيصالها عن جدد الأرض«» و باللّه التّوفيق‏

أقول: و لعلّ تمام الخطبة ما رواه في الاحتجاج عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن عن أبيه عبد اللّه بن الحسن، قال: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يخطب بالبصرة بعد دخولها بأيّام، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة و من أهل الفرقة و ساق إلى قوله و استيصالها عن جدد الأرض و بعده فقام إليه عمّار و قال: يا أمير المؤمنين إنّ النّاس يذكرون الفي‏ء و يزعمون أنّ من قاتلنا فهو و ماله و ولده في‏ء لنا.

فقام إليه رجل من بكر بن وائل يدعى عباد بن قيس و كان ذا عارضة و لسان شديد فقال يا أمير المؤمنين و اللّه ما قسمت بالسّوية و لا عدلت في الرّعية فقال: عليه السّلام و لم ويحك قال: لأنّك قسمت ما في العسكر و تركت الأموال و النّساء و الذّرية فقال: أيّها النّاس من كان له جراحة فليداوها بالسّمن، فقال عباد: جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالتّرّهات.

فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: إن كنت كاذبا فلا أماتك اللّه حتّى يدركك غلام ثقيف، قيل: و من غلام ثيقف فقال رجل لا يدع للّه حرمة إلّا انتهكها فقيل أ فيموت أو يقتل فقال عليه السّلام يقصه قاصم الجبّارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه.

يا أخا بكر انت امرء ضعيف الرأى أو ما علمت أنّا لا نأخذ الصّغير بذنب الكبير، و أنّ الأموال كانت لهم قبل الفرقة و تزوّجوا على رشدة و ولد و اعلى فطرة و إنّما لكم ما حوى عسكرهم و ما كان في دورهم فهو ميراث فان عدا أحد منهم أخذنا بذنبه و إن كفّ عنّا لم نحمل عليه ذنب غيره.

يا أخا بكر لقد حكمت فيهم بحكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أهل مكّة، فقسّم ما حوى العسكر و لم يتعرّض لما سوى ذلك. و إنّما اتبعت أثره حذ و النّعل بالنّعل.

يا أخا بكر أما علمت أنّ دار الحرب يحلّ ما فيها و أنّ دار الهجرة لا يحلّ ما فيها إلّا بحقّ فمهلا مهلا رحمكم اللّه فان لم تصدّقوني و أكثرتم عليّ و ذلك«»أنّه تكلم في هذا غير واحد فأيّكم يأخذ عايشة بسهمه فقالوا: يا أمير المؤمنين أصبت و أخطأنا و علمت و جهلنا فنحن نستغفر اللّه و نادى النّاس من كل جانب أصبت يا أمير المؤمنين أصاب اللّه بك الرّشاد و السّداد.

فقام عباد (عمار خ) فقال: أيّها النّاس إنّكم و اللّه ان اتّبعتموه و أطعتموه لن يضلّ بكم عن منهل نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى قيس«» شعرة كيف و لا يكون ذلك و قد استودعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علم المنايا و القضايا (و الوصايا خ ل) و فصل الخطاب على منهاج هارون عليه السّلام و قال له أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي، فضلا خصّه اللّه به و إكراما منه لنبيّه حيث أعطاه ما لم يعط أحدا من خلقه.

ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السّلام: انظروا رحمكم اللّه ما تؤمرون به فامضوا له فان العالم أعلم بما يأتي به من الجاهل الخسيس الأخسّ فانّي حاملكم إنشاء اللّه إن أطعتموني على سبيل النّجاة و إن كان فيه مشقّة شديدة و مرارة عتيدة«» و الدّنيا حلوة و الحلاوة لمن اغترّ بها من الشّقوة و النّدامة عمّا قليل.

ثمّ إنّي اخبركم أنّ جيلا من بني إسرائيل أمرهم نبيّهم أن لا يشربوا من النّهر فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلّا قليلا منهم، فكونوا رحمكم اللّه من أولئك الذين أطاعوا نبيّهم و لم يعصوا ربّهم و أمّا عايشة فأدركها رأى النّساء و لها بعد ذلك حرمتها الاولى و الحساب على اللّه، يعفو عمّن يشاء و يعذّب من يشاء.

الثاني في الاشارة إلى جملة من الآيات و الأخبار الواردة في نهى عايشة عن الخروج إلى القتال

و ما فيها الاشارة إلى تعدّيها عن حدود اللّه و عمّا أوجباه في حقّها فنقول قال تعالى: «يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ‏ ضِعْفَيْنِ وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً» روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره باسناده عن حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: الفاحشة الخروج بالسّيف، و قال تعالى: «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏» روى في الصّافي من الاكمال عن ابن مسعود عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث انّ يوشع ابن نون وصيّ موسى عاش بعد موسى ثلاثين سنة و خرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى فقالت: أنا أحقّ منك بال. مر فقاتلها فقتل مقاتليها و أحسن اسرها، و إنّ ابنة أبي بكر ستخرج على عليّ عليه السّلام في كذا و كذا ألف من امّتي فيقاتلها فيقتل مقاتليها و يأسرها فيحسن اسرها، و فيها أنزل اللّه تعالى: «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏» يعني صفراء بنت شعيب، و روى القمّي عن الصّادق عن أبيه عليهما السّلام في هذه الآية قال: أى سيكون جاهليّة اخرى، و في البحار من الكافية من تفسير الكلبي عن ابن عبّاس لمّا علم اللّه أنّه سيجرى حرب الجمل قال لأزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و قرن في بيوتكن و لا تبرّجن تبرّج الجاهليّة الاولى و قال: «يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ» في حربها مع عليّ عليه السّلام و في الاحتجاج روى الشّعبي عن عبد الرّحمان بن مسعود العبدي قال: كنت بمكة مع عبد اللّه بن الزّبير و طلحة و الزبير فارسلا إلى عبد اللّه بن الزّبير و أنا معه فقالا له: إنّ عثمان قتل مظلوما و إنّا نخاف أمر أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يختلّ بهم، فان رأت عايشة أن تخرج معنا لعل اللّه أن يرتق بها فتقا و يشعب بها صدعا.

قال: فخرجنا نمشي حتّى انتهينا إليها فدخل عبد اللّه بن الزّبير معها في سترها و جلست على الباب فأبلغها ما ارسلا به إليها، فقالت: سبحان اللّه، و اللّه ما امرت بالخروج و ما تحضرني من أمّهات المؤمنين إلّا امّ سلمة فان خرجت خرجت معها فرجع إليها فبلّغهما ذلك فقالا ارجع فلتأتها فهي أثقل عليها منّا فرجع إليها فبلغها فأقبلت حتّى دخلت على امّ سلمة فقالت أمّ سلمة: مرحبا بعايشة و اللّه ما كنت لي بزوّارة فما بدا لك قال: قدم طلحة و الزّبير فخبّرا أنّ أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما، فصرخت أمّ سلمة صرخة أسمعت من في الدّار، فقالت: يا عايشة أنت بالامس تشهدين عليه بالكفر و هو اليوم أمير المؤمنين قتل مظلوما. فما تريدين قالت: تخرجين معنا فلعلّ اللّه أن يصلح بخروجنا أمر امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قالت: يا عايشة اخرجي و قد سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما سمعنا.

نشدتك باللّه يا عايشة الذي يعلم صدقك إن صدقت أ تذكرين يوما كان نوبتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فصنعت حريرة في بيتي فأتيت بها و هو يقول: و اللّه لا تذهب الليالي و الأيام حتّى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له: الحوأب امرأة من نسائي في فئة باغية فسقط الاناء من يدي فرفع رأسه إلىّ و قال: ما لك يا أمّ سلمة فقلت: يا رسول اللّه ألا يسقط الاناء من يدي و أنت تقول ما تقول ما يؤمنني أن أكون أناهي فضحكت أنت فالتفت إليك فقال: ممّ تضحكين يا حميراء السّاقين إنّي أحسبك هيه.

و نشدتك باللّه يا عايشة أ تذكرين ليلة أسرى بنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من مكان كذا و كذا و هو بيني و بين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يحدّثنا فادخلت جملك فحال بينه و بين عليّ فرفع مقرعة كانت معه فضرب بها وجه جملك و قال: أما و اللّه ما يومه منك بواحد و لا بليته منك بواحدة إنّه لا يبغضه إلّا منافق كذّاب.

و انشدك باللّه أ تذكرين مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي قبض فيه فأتاه أبوك يعوده و معه عمر و قد كان عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يتعاهد ثوب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نعله و خفّه و يصلح ما دهى«» منها، فدخل قبل ذلك فأخذ نعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هي حضرمية و هو يخصفها خلف البيت فاستأذنا عليه فأذن لهما فقالا: يا رسول اللّه كيف أصبحت قال: أحمد اللّه، قالا: لا بدّ من الموت، قال: صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أجل لا بدّ من الموت: قالا يا رسول اللّه فهل استخلفت أحدا قال: ما خليفتي فيكم إلّا خاصف النّعل فمرّا على عليّ عليه السّلام و هو يخصف نعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كلّ ذلك تعرفيه يا عايشة و تشهدين عليه ثمّ قالت امّ سلمة: يا عايشة أنا أخرج على عليّ عليه السّلام بعد الذي سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فرجعت إلى منزلها و قالت: يابن الزّبير ابلغهما إنّي لست بخارجة من بعد الذي سمعته من أمّ سلمة فرجع فبلغهما قال: فما انتصف الليل حتّى سمعنا رغاء إبلها ترتحل فارتحلت معهما.

و فيه عن جعفر بن محمّد الصّادق عن أبيه عن آبائه عن عليّ عليهم السّلام قال: كنت أنا و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المسجد بعد أن صلّى الفجر ثمّ نهض و نهضت معه و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا أراد أن يتجه إليّ أعلمني بذلك و كان إذا أبطأ في ذلك الموضع صرت إليه لأعرف خبره لأنّه لا يتصابر قلبي على فراقه ساعة واحدة، فقال لي: أنا متّجه إلى بيت عايشة فمضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و مضيت إلى بيت فاطمة الزّهراء عليها السّلام فلم أزل مع الحسن و الحسين فأنا و هي مسروران بهما.

ثمّ إنّي نهضت و صرت إلى باب عايشة فطرقت الباب فقالت لي عايشة: من هذا فقلت لها: أنا عليّ فقالت: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم راقد فانصرفت، ثمّ قلت: رسول اللّه راقد و عايشة في الدّار فرجعت و طرقت الباب فقالت لي عايشة: من هذا فقلت لها: أنا عليّ، فقالت: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على حاجة فانثنيت مستحييا من دقّي الباب و وجدت في صدري ما لا أستطيع عليه صبرا، فرجعت مسرعا فدققت الباب دقا عنيفا، فقالت لي عايشة من هذا فقلت لها: أنا عليّ فسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول لها: افتحي البابا، ففتحت و دخلت فقال لي: اقعد يا أبا الحسن احدّثك بما أنا فيه أو تحدّثني بابطائك عني فقلت: يا رسول اللّه حدّثني فانّ حديثك أحسن.

فقال: يا أبا الحسن كنت في أمر كتمته من ألم الجوع فلمّا دخلت بيت عايشة و أطلت القعود ليس عندها شي‏ء تأتي به فمددت يدي و سألت اللّه القريب المجيب فهبط عليّ حبيبي جبرئيل و معه هذا الطير و وضع اصبعه على طاير بين يديه فقال: إنّ اللّه تعالى أوحى إليّ أن آخذ هذا الطير و هو أطيب طعام في الجنّة فأتيتك به يا محمّد،فحمدت اللّه عزّ و جلّ كثيرا و عرج جبرئيل فرفعت يدي إلى السّماء فقلت: اللهمّ يسّر عبدا يحبّك و يحبّني يأكل معي هذا الطير، فمكثت مليّا فلم أر أحدا يطرق الباب فرفعت يدي إلى السّماء فقلت: اللّهم يسّر عبدا يحبّك و يحبّني أن يأكل معي هذا الطير فمكثت مليّا فلم أر أحدا يطرق الباب فرفعت يدي إلى السماء فقلت: اللّهمّ يسّر عبدا يحبّك و يحبّني و تحبّه و أحبّه يأكل معي هذا الطير، فسمعت طرقك الباب و ارتفاع صوتك فقلت لعايشة: ادخلي عليّا، فدخلت.

فلم أزل حامدا للّه حتّى بلغت إليّ إذ كنت تحبّ اللّه و تحبّني و يحبّك اللّه و احبّك، فكل يا عليّ فلما أكلت أنا و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الطائر قال لي: يا عليّ حدّثني فقلت: يا رسول اللّه لم أزل منذ فارقتك أنا و فاطمة و الحسن و الحسين مسرورين جميعا ثمّ نهضت اريدك فجئت فطرقت الباب فقالت لي عايشة: من هذا فقلت: أنا عليّ، فقالت: إنّ رسول اللّه راقد، فانصرفت فلمّا أن صرت إلى بعض الطريق الذي سلكته رجعت فقلت: إنّ رسول اللّه راقد و عايشة في الدار لا يكون هذا، فجئت فطرقت الباب فقالت لي: من هذا فقلت لها أنا عليّ فقالت إنّ رسول اللّه على حاجة فانصرفت مستحييا، فلمّا انتهيت إلى الموضع الذي رجعت منه أوّل مرة وجدت في قلبي ما لم أستطع عليه صبرا، فقلت: النّبيّ عليه السّلام على حاجة و عايشة في الدار، فرجعت فدققت الباب الدقّ الذي سمعته يا رسول اللّه فسمعتك يا رسول اللّه و أنت تقول لها: ادخلى عليا فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أبيت«» إلّا أن يكون الأمر هكذا يا حميرا ما حملك على هذا قالت: يا رسول اللّه اشتهيت أن يكون أبي يأكل من الطير، فقال لها: ما هو أوّل ضغن بينك و بين عليّ عليه السّلام و قد وقفت على ما في قلبك إنشاء اللّه لتقاتلينه فقالت: يا رسول اللّه و تكون النّساء يقاتلن الرّجال فقال لها: يا عايشة إنّك لتقاتلين عليّا و يصحبك و يدعوك إلى هذا نفر من أهل بيتي و أصحابي فيحملونك عليه‏ و ليكونن في قتالك أمر يتحدّث به الأوّلون و الآخرون و علامة ذلك أنّك تركبين الشّيطان ثمّ تبتلين قبل أن تبلغي إلى الموضع الذي يقصد بك إليه فتنبح عليك كلاب الحوأب فتسألين الرّجوع فتشهد عندك قسامة أربعين رجلا ما هي كلاب الحوأب فتصيرين إلى بلد أهله أنصارك، و هو أبعد بلاد على الأرض من السّماء و أقربها إلى الماء، و لترجعن و أنت صاغرة غير بالغة ما تريدين، و يكون هذا الذي يردّك مع من يثق به من أصحابه و أنّه لك خير منك له و لينذرنك ما يكون الفراق بيني و بينك في الآخرة و كلّ من فرق عليّ بيني و بينه بعد وفاتي ففراقه جايز.

فقالت يا رسول اللّه: ليتني متّ قبل أن يكون ما تعدني فقال: هيهات هيهات و الذي نفسي بيده ليكونن ما قلت حتّى كأنّي أراه، ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لي: قم يا عليّ فقد وجبت صلاة الظهر حتّى أمر بلالا بالأذان فأذّن بلال و أقام و صلّى و صلّيت معه و لم نزل في المسجد.

و فيه عن الباقر عليه السّلام أنّه قال: لمّا كان يوم الجمل و قد رشق«» هودج عايشة بالنّبل قال أمير المؤمنين عليه السّلام: و اللّه ما أراني إلّا مطلّقها فانشد اللّه رجلا سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: يا عليّ أمر نسائي بيدك من بعدي لما قام فشهد قال: فقام ثلاثة عشر رجلا فيهم بدريّان فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللّه يقول يا عليّ أمر نسائي بيدك من بعدي، قال: فبكت عايشة عند ذلك حتّى سمعوا بكائها.

و في البحار من كتاب الكافية لابطال توبة الخاطئة عن الحسن بن حماد عن زياد بن المنذر عن الأصبغ بن نباتة قال: لمّا عقر الجمل وقف عليّ عليه السّلام على عايشة فقال و ما حملك على ما صنعت قالت ذيت«» و ذيت، فقال: أما و الذي فلق الحبّة و برء النّسمة لقد ملأت اذنيك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يلعن أصحاب الجمل و أصحاب النّهروان أمّا أحياؤهم فيقتلون في الفتنة و أمّا أمواتهم ففي النّار على ملّة اليهود،إلى غير ذلك ممّا رواها الأصحاب و تركنا روايتها مخافة الاطناب.

الثالث

قال العلامة الحلّي طاب ثراه في كتاب كشف الحقّ و نهج الصّدق: خرجت عايشة إلى قتال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و معلوم أنّها عاصية بذلك.

أمّا أوّلا فلأنّ اللّه قد نهاها عن الخروج و أمرها بالاستقرار في منزلها فهتكت حجاب اللّه و رسوله و تبرّجت و سافرت في محفل عظيم و جمّ غفير يزيد على ستّة عشر ألفا.

و أمّا ثانيا فلأنّها ليست وليّ الدّم حتّى تطالب به و لا لها حكم الخلافة فبأيّ وجه خرجت للطلب.

و أمّا ثالثا فلأنّها طلبته من غير من عليه الحقّ لأنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لم يحضر قتله و لا أمر به و لا واطأ عليه و قد ذكر ذلك كثيرا.

و أمّا رابعا فلأنّها كانت تحرّض على قتل عثمان و تقول: اقتلوا نعثلا قتل اللّه نعثلا فلمّا بلغها قتله فرحت بذلك، فلمّا قام أمير المؤمنين عليه السّلام بالخلافة اسندت القتل إليه و طالبته بدمه لبغضها له و عداوتها معه، ثمّ مع ذلك تبعها خلق عظيم و ساعدها عليه جماعة كثيرة الوفا مضاعفة، و فاطمة سلام اللّه عليها لمّا جاءت تطالب بحقّ ارثها الذي جعله اللّه لها في كتابه العزيز و هي محقّة فيه لم يتبعها مخلوق و لم يساعدها بشر انتهى كلامه.

الترجمة

از جمله كلام فصاحت نظام آن امام عالي مقام است كه در مذمت بصره و أهل آن فرموده: بوديد شما لشكر زن كه عايشه است و تابعان بهيمة كه جمل او بود آواز كرد آن جمل، پس جواب داديد آن را و پى كرده شد پس گريختيد، خلقهاى شما رذيل و حقير است و عهد شما مخالفت است و شقاق، و دين شما دوروئى است و نفاق، و آب شما بى مزه است و شور، اقامت كننده در ميان شما رهين است بگناه خويش، و رحلت نماينده از شما دريافته شده است برحمة پروردگار خود، گويا من‏ نظر مي كنم بمسجد شما كه فرا گرفته است آن را آب بمرتبه كه ديده نمى‏ شود مگر كنگره‏هاى آن مسجد مانند سينه كشتى در دريا، بتحقيق كه فرو فرستاده خداوند سبحانه بر بصره كه شهر شما است عذاب را از بالاى آن، و غرق كرده شده كسى كه در ميان آن شهر بوده، و در روايت ديگر وارد شده كه فرمود قسم بذات خداوند هر آينه غرق كرده شود اين شهر شما تا اين كه گويا من نظر ميكنم بسوى مسجد آن شهر همچو سينه كشتى بر روى دريا يا شتر مرغ سينه خوابيده در دريا، و در روايت ديگر آمده كه همچو سينه مرغ در ميان دريا.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شمارهه 12 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 12 صبحی صالح

12- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) لما أظفره الله بأصحاب الجمل‏

وَ قَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَدِدْتُ أَنَّ أَخِي فُلَاناً كَانَ شَاهِدَنَا لِيَرَى مَا نَصَرَكَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَعْدَائِكَ فَقَالَ لَهُ ( عليه‏السلام  )أَ هَوَى أَخِيكَ مَعَنَا

فَقَالَ نَعَمْ

قَالَ فَقَدْ شَهِدَنَا

وَ لَقَدْ شَهِدَنَا فِي عَسْكَرِنَا هَذَا أَقْوَامٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ النِّسَاءِ

سَيَرْعَفُ بِهِمُ الزَّمَانُ

وَ يَقْوَى بِهِمُ الْإِيمَانُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من كلام له عليه السّلام لما اظفره اللّه باصحاب الجمل و هو الثاني عشر من المختار فى باب الخطب

و قد قال له بعض أصحابه وددت أنّ أخي فلانا كان شاهدنا ليرى ما نصرك اللّه به على أعدائك فقال عليه السّلام: أهوى أخيك معنا فقال: نعم، قال عليه السّلام: فقد شهدنا و لقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب‏ الرّجال و أرحام النّساء سيرعف بهم الزّمان، و يقوى بهم الإيمان.

اللغة

(يرعف) بهم الزّمان يوجدهم و يخرجهم كما يرعف الانسان بالدّم الذي يخرجه من انفه قال الشّاعر:

و ما رعف الزّمان بمثل عمرو            و لا تلد النّساء له ضريبا

الاعراب

هوى مرفوع المحلّ على الابتداء و معنا خبره و فاعل شهد الأوّل ضمير راجع إلى أخيك، و فاعل شهد الثّاني قوم و اسناد يرعف الى الزّمان مجاز عقليّ إذ الفاعل الحقيقي هو اللّه و هو من قبيل الاسناد إلى الظرف أو الشّرط و المعدّ لأنّ الزّمان من الاسباب المعدّة لقوابل وجودهم.

المعنى

لما كان بعض أصحابه عليه السّلام يحبّ حضور أخيه معهم في تلك الحرب حتّى يرى نصرة اللّه لأوليائه على أعدائه و يفرح بذلك قال عليه السّلام له: (أهوى أخيك معنا) يعني أنّ أخيك كان هواه معنا و كان إرادته و ميله أن يكون في حزبنا (فقال: نعم) هو من مواليك و كان هواه معك (قال عليه السّلام: فقد شهدنا) أخوك بالقوّة و إن لم يكن حاضرا بالفعل و حصل له من الأجر مثل ما حصل للحاضرين بمقتضى هواه و محبّته التي كانت له، ثمّ أكّد حضوره بقوله عليه السّلام: (و لقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرّجال و أرحام النّساء) من المحبين و الموالين و عباد اللّه الصالحين (سيرعف بهم الزّمان) و يخرجهم من العدم إلى الوجود (و يقوى بهم الإيمان).

اعلم أنّ الشّارح المعتزلي ذكر في شرح هذا الفصل نبذا من الوقايع التي صدرت منه عليه السّلام بعد ظفره على أصحاب الجمل و لامهم لنا في الاطالة بالاشارة إلى جميع ما ذكره هنا مع خلو أكثرها عن المناسبة للمقام، و إنّما ينبغي الاشارة إلى طوافه‏ عليه السّلام على القتلى بعد ما وضعت الحرب أوزارها، و ما قاله عليه السّلام لطلحة حين وقوفه عليه قصدا للتنبيه على خطاء الشّارح تبعا لأصحابه، و لنذكر أولا ما رواه أصحابنا رضى اللّه عنهم في هذا الباب، ثمّ نتبعها بما رواه الشّارح.

فاقول: روى الطبرسي في الاحتجاج أنّه عليه السّلام لما مرّ على طلحة بين القتلى قال اقعدوه، فاقعد فقال: إنّه كانت لك سابقة لكن الشّيطان دخل منخريك فأوردك النار و فيه أيضا روى أنّه عليه السّلام مرّ عليه فقال: هذا النّاكث بيعتي و المنشى‏ء للفتنة في الامة و المجلب علىّ و الداعي إلى قتلي و قتل عترتي اجلسوا طلحة، فأجلس فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: يا طلحة بن عبيد اللّه لقد وجدت ما وعدني ربّي حقّا فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا ثمّ قال: اضجعوا طلحة، و سار فقال بعض من كان معه: يا أمير المؤمنين تكلم طلحة بعد قتله فقال: و اللّه لقد سمع كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم بدر، و هكذا فعل عليه السّلام بكعب بن سور لمّا مرّ به قتيلا، و قال: هذا الذي خرج علينا في عنقه المصحف يزعم أنّه ناصر أمّه«» يدعو النّاس إلى ما فيه و هو لا يعلم ما فيه، ثم استفتح و خاب كلّ جبّار عنيد، أمّا انّه دعا اللّه أن يقتلني فقتله اللّه و في البحار من كتاب الكافية لابطال توبة الخاطئة روى خالد بن مخلد عن زياد بن المنذر عن أبي جعفر عن آبائه عليهم السّلام قال: مرّ أمير المؤمنين عليه السّلام على طلحة و هو صريع فقال: أجلسوه، فاجلس، فقال: ام و اللّه لقد كانت لك صحبة و لقد شهدت و سمعت و رأيت و لكن الشّيطان أزاغك و أمالك فأوردك جهنّم.

و روى الشّارح المعتزلي عن اصبغ بن نباتة أنه لمّا انهزم أهل البصرة ركب عليّ عليه السّلام بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الشّهباء و كانت باقية عنده و سار في القتلى ليستعرضهم فمرّ بكعب بن سور القاضي قاضي البصرة و هو قتيل فقال: أجلسوه، فاجلس، فقال: ويل امّك كعب بن سور لقد كان لك علم لو نفعك و لكن الشّيطان أضلك فأزلك فعجّلك إلى النّار أرسلوه، ثمّ مرّ بطلحة بن عبيد اللّه قتيلا فقال: أجلسوه فاجلس، ثمّ قال: قال أبو مخنف في كتابه: فقال له: ويل امّك طلحة لقد كان لك قدم لو نفعك‏ و لكنّ الشّيطان أضلّك فأزلّك فعجّلك إلى النّار.

قال الشّارح بعد ذكر ذلك و أمّا اصحابنا فيروون غير ذلك، يروون أنّه قال له لمّا أجلسوه: اعزز علىّ أبا محمّد أن أراك معفّرا تحت نجوم السّماء و في بطن هذا الوادي ابعد جهادك في اللّه و ذبّك عن رسول اللّه، فجاء إليه انسان فقال: اشهد يا أمير المؤمنين لقد مررت عليه بعد أن أصابه السّهم و هو صريع فصاح بي فقال: من أصحاب من أنت فقلت: من أصحاب أمير المؤمنين، فقال امدد يدك لابايع لأمير المؤمنين فمددت إليه يدي فبايعني لك فقال عليّ عليه السّلام: أبى اللّه أن يدخل طلحة الجنّة الا و بيعتي في عنقه، انتهى كلامه.

و أنت خبير بما فيه أمّا أو لا فلأنّ هذه الرّواية ممّا انفرد أصحابه بنقلها فهي غير مسموعة و المعروف بين الفريقين هو ما رواه أبو مخنف، و ثانيا أنّ الشّارح قال في أوائل شرحه عند الكلام على البغاة و الخوارج: أمّا أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا هالكون كلهم إلّا عايشة و طلحة و الزّبير، فانّهم تابوا و لو لا التّوبة لحكموا لهم بالنّار لاصرارهم على البغى فانّ هذا الكلام منهم صريح في استحقاقه للنّار لو لا التّوبة و لا بد لهم من إثبات التّوبة و أنّى لهم بذلك و مبايعته لمن يبايع أمير المؤمنين عليه السّلام في تلك الحال التي كان عليها صريعا بين القتلى آيسا من الحياة لا يكفي في رفع العقاب و استحقاق الثّواب قال سبحانه: «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً، وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً»

بل أقول: إنّ توبته في تلك الحال على تسليم كون تلك المبايعة منه توبة إنّما هي مثل توبة فرعون التي لم تنجه من عذاب ربّه كما قال تعالى: «فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» و حاصل ما ذكرته عدم ثبوت التّوبة أولا و عدم كفايتها في رفع العقوبة على تقدير ثبوتها ثانيا.

و هاهنا لطيفة

يعجبني ذكرها لمناسبته للمقام و هي انّ الشّيخ المحدّث الشّيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق ذكر في لؤلؤة البحرين عند التّعرّض لأحوال شيخ الطائفة محمّد بن محمّد بن النّعمان المفيد (قده) عن الشّيخ و رام بن أبي فراس في كتابه أنّ الشّيخ المفيد (ره) كان من أهل عكبرا ثمّ انحدر و هو صبيّ من أبيه إلى بغداد و اشتغل بالقرائة على الشّيخ أبي عبد اللّه المعروف بجعل، و كان منزله في درب رباح من بغداد و بعد ذلك اشتغل بالدّرس عند أبي ياسر في باب خراسان من البلدة المذكورة.

و لما كان أبو ياسر المذكور بما عجز عن البحث معه و الخروج عن عهدته أشار عليه بالمضيّ إلى عليّ بن عيسى الرّماني الذي هو من أعاظم علماء الكلام، فقال الشّيخ: إنّي لا أعرفه و لا أجد أحدا يدلّني عليه، فأرسل أبو ياسر معه بعض تلامذته و أصحابه فلمّا مضى و كان مجلس الرّماني مشحونا من الفضلاء جلس الشّيخ في صف النّعال و بقي يتدرّج في القرب كلما خلا المجلس شيئا فشيئا لاستفادة بعض المسائل من صاحب المجلس، فاتّفق أنّ رجلا من أهل البصرة دخل و سأل الرّماني فقال له: ما تقول في حديث الغدير و قصّة الغار فقال الرّماني: قصّة الغار دراية و خبر الغدير رواية و لا تعارض الرّواية الدّراية و لما كان ذلك الرّجل البصري ليس له قوّة المعارضة سكت و خرج.

فقال الشّيخ إنّي لم أجد صبرا عن السّكوت عن ذلك فقلت: أيّها الشّيخ عندي سؤال، فقال: قل، فقلت: ما تقول في من خرج على الامام العادل و حاربه فقال: كافر، ثمّ استدرك فقال: فاسق، فقلت ما تقول في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقال: إمام عادل، فقلت: ما تقول في حرب طلحة و الزّبير له في حرب الجمل فقال: انهم تابوا، فقلت له: خبر الحرب دراية و التّوبة رواية، فقال: أو كنت عند سؤال الرّجل البصري فقلت: نعم، فقال: رواية برواية و سؤالك متّجه وارد.

ثمّ إنّه سأله من أنت و عند من تقرء من علماء هذا البلد فقلت: عند الشّيخ أبي عبد اللّه جعل، ثمّ قال لي: مكانك و دخل منزله و بعد لحظة خرج و بيده رقعه ممهورة فدفعها إلىّ فقال: ادفعها إلى شيخك أبي عبد اللّه، فأخذت الرّقعة من يده و مضيت إلى مجلس الشّيخ المذكور و دفعت له الرّقعة ففتحها و بقي مشغولا بقراءتها و هو يضحك فلمّا فرغ من قراءتها قال: إنّ جميع ما جرى بينك و بينه قد كتب إلىّ و أوصاني بك و لقّبك المفيد، و اللّه الهادي.

الترجمة

از جمله كلام آن جناب ولايت‏ مآب است هنگامى كه مظفّر و منصور گردانيد خداوند سبحانه و تعالى او را باصحاب جمل و گفت او را بعض أصحاب او دوست داشتم كه برادر من فلان حاضر بود در اين حرب تا اين كه مى‏ ديد آن چيزى را كه نصرت داده تو را خداى تعالى بآن بر دشمنان تو، پس فرمود آن حضرت آيا ميل و محبّت برادر تو با ماست گفت بلي يا أمير المؤمنين، فرمود پس بتحقيق حاضر است با ما و بخدا سوگند البته حاضرند با ما در اين لشكرگاه ما جماعت محبان ما كه در پشتهاى پدرانند و در رحمهاى مادران، زود باشد كه بيرون آورد ايشان را زمان مانند بيرون آمدن خون از دماغ، و قوّت گيرد بسبب وجود ايشان ايمان و اهل طغيان مقهور شوند در دست ايشان.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 11 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 11 صبحی صالح

11- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) لابنه محمد ابن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل‏

تَزُولُ الْجِبَالُ وَ لَا تَزُلْ

عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ

أَعِرِ اللَّهَ جُمْجُمَتَكَ

تِدْ فِي الْأَرْضِ قَدَمَكَ

ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ

وَ غُضَّ بَصَرَكَ

وَ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من كلام له عليه السّلام لابنه محمد بن الحنفية لما اعطاه الراية يوم الجمل و هو الحادى عشر من المختار فى باب الخطب.

تزول الجبال و لا تزل، عضّ على ناجذك، أعر اللّه جمجمتك،تد في الأرض قدمك، إرم ببصرك أقصى القوم، و غضّ بصرك، و اعلم أنّ النّصر من عند اللّه سبحانه.

اللغة

(عضّ) أمر من عضضت اللّقمة و بها و عليها من باب تعب لكن بسكون المصدر و من باب منع أمسكتها (الناجذ) السنّ بين الضّرس و النّاب و ضحك حتّى بدت نواجذه، قال تغلب: المراد الأنياب، و قيل النّاجذ آخر الأضراس و هو ضرس الحلم لأنّه ينبت بعد البلوغ و كمال العقل و قيل: الأضراس كلّها نواجذ (و الجمجمة) عظم الرّأس المشتمل على الدّماغ و ربّما يعبّر بها عن الانسان كما يعبّر عنه بالرّأس و (تد) أمر من و تد قدمه في الأرض اى أثبتها فيها كالوتد.

الاعراب

متعلّق تزول و تزل محذوف أى تزل الجبال عن مكانها و لا تزل عن مقامك و موضعك، و الباء في قوله: ارم ببصرك زايدة، يقال: رميته و رميت به ألقيته، و سبحانه منصوب على المصدر بمحذوف من جنسه أى سبّحته سبحانا، و نقل عن سيبويه أنّ سبحان ليس بمصدر بل هو واقع موقع المصدر الذي هو التّسبيح، و الاضافة إلى المفعول لأنّه هو المسبّح بالفتح، و نقل عن أبي البقاء أنّه جوّز أن يكون الاضافة إلى الفاعل و قال: المعروف هو الأوّل و المعنى على ذلك اسبّح مثل ما سبّح اللّه به نفسه

المعنى

اعلم أنّه عليه السّلام أشار في كلامه هذا إلى أنواع آداب الحرب و كيفيّة القتال و علّم محمّدا ستّة امور منها.

الاوّل ما عليه مدار الظفر و الغلبة و هو الثّبات و الملازمة و إليه أشار بقوله: (تزول الجبال و لا تزل) و هو خبر في معنى الشرط اريد به المبالغة أى لو زالت الجبال عن مواضعها لا تزل و هو نهى عن الزّوال مطلقا لأنّ النّهى عنه على تقدير زوال الجبال الذي هو محال عادة مستلزم للنّهي عنه على تقدير العدم بالطريق الاولى.

الثّاني ما أشار إليه بقوله: (عضّ على ناجذك) فانّ عضّ النّواجذ ينبو السّيف عن الدّماغ من حيث إنّ عظام الرّأس تشتدّ و تصلب عند ذلك كما قال عليه السّلام في موضع آخر: و عضّوا على النّواجذ، فانّه أنبأ للصّوارم عن الهام مضافا إلى ما في عضّها من ربط الجاش«» عن الفشل و الخوف كما يشاهد في حال البرد و الخوف الموجب للرّعدة فانّه إذا عضّ على أضراسه تسكن رعدته و يتماسك الانسان بدنه.

الثالث ما أشار إليه بقوله: (أعر اللّه جمجمتك) و المراد به بذلها في طاعة اللّه لينتفع بها في دين اللّه كما ينتفع المستعير بالعارية، قال الشّارح المعتزلي: و يمكن أن يقال إنّ ذلك إشعار بانّه لا يقتل في تلك الحرب لأنّ العارية مردودة و لو قال له: بع اللّه جمجمتك لكان ذلك إشعارا له بالشّهادة فيها.

أقول: و ذلك لقوله سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ» الآية.

الرّابع ما أشار إليه بقوله: (تد في الأرض قدمك) و هو أمر بالزام قدمه في الأرض كالوتد لاستلزامه ربط الجاش و استصحاب العزم و كونه مظنّة الشّجاعة.

الخامس ما أشار إليه بقوله: (ارم ببصرك أقصى القوم) و هو الأمر بفتح عينيه و رفع طرفه و مدّ نظره إلى أقاصي القوم ليعلم على ما ذا يقدم فعل الشّجاع المقدام غير المبالي لأنّ الجبان تضعف نفسه و يضطرب قلبه فيكون غضيض الطرف ناكس الرأس لا يرتفع طرفه و لا يمتدّ عنقه.

السّادس ما أشار إليه بقوله: (و غضّ بصرك) و هو أمر بغضّ بصره بعد مدّه عن بريق سيوفهم و لمعان دروعهم، لأنّ مدّ النّظر إلى بريق السّيوف مظنّة الرّهبة و الدّهشة، ثمّ إنّه عليه السّلام بعد تعليمه آداب المحاربة و المقاتلة قال له: (و اعلم أنّ النّصر من عند اللّه سبحانه) ليتأكد ثباته بوتوقه باللّه سبحانه مع ملاحظة قوله تعالى:«إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ» هذا.

و ينبغي لنا أن نذكر هنا طرفا من وقايع الجمل ممّا يناسب المقام بما فيه من الاشارة إلى مورد ذلك الكلام منه عليه السّلام.

فاقول: في البحار من كتاب المناقب من كتاب جمل انساب الأشراف أنّه زحف عليّ عليه السّلام بالنّاس غداة يوم الجمعة لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ و ثلاثين و على ميمنته الأشتر و سعيد بن قيس و على ميسرته عمّار و شريح بن هاني و على القلب محمّد بن أبي بكر و عديّ بن حاتم و على الجناح زياد بن كعب و حجر ابن عديّ و على الكمين عمرو بن الحمق و جندب بن زهير و على الرّجالة أبو قتادة الأنصاري و أعطى رايته محمّد بن الحنفيّة ثمّ أوقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر يدعوهم و يناشدهم و يقول لعايشة إنّ اللّه أمرك أن تقرى في بيتك اتقي اللّه و ارجعي، و يقول لطلحة و الزّبير، خبأتما نسائكما و أبرزتما زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و استفززتماها فيقولان: إنّما جئنا للطلب بدم عثمان و أن يرد الامر شورى و البست عايشة درعا و ضربت على هودجها صفايح الحديد و ألبس الهودج درعا و كان الهودج لواء أهل البصرة و هو على جمل يدعى عسكرا.

ابن مردويه في كتاب الفضائل من ثمانية طرق أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال للزّبير: أما تذكر يوما كنت مقبلا بالمدينة تحدّثني إذ خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فرآك معي و أنت تبسم إليّ فقال لك: يا زبير أ تحب عليّا فقلت: و كيف لا احبّه و بيني و بينه من النّسب و المودّة في اللّه ما ليس لغيره، فقال: إنّك ستقاتله و أنت ظالم له فقلت: أعوذ باللّه من ذلك، و قد تظاهرت الرّوايات أنّه عليه السّلام قال: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لك: يا زبير تقاتله ظلما و ضرب كتفك قال: اللّهم نعم، قال: أفجئت تقاتلني فقال: أعوذ باللّه من ذلك، ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السّلام: دع هذا بايعتني طائعا ثمّ جئت محاربا فما عدا ممّا بدا، فقال: لا جرم و اللّه لا قاتلتك.

حلية الاولياء قال عبد الرّحمن بن أبي ليلي فلقاه عبد اللّه ابنه فقال: جبنا جبنا

فقال يا بنيّ: قد علم النّاس أنّي لست بجبان و لكن ذكرني عليّ شيئا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فحلفت أن لا اقاتل، فقال: دونك غلامك فلان اعتقه كفارة يمينك نزهة الابصار عن ابن مهدي أنّه قال همام الثقفي:

أ يعتق مكحولاو يعصي نبيّه
لقد تاه عن قصد الهدى ثمّ عوق‏

لشتّان ما بين الضّلالة و الهدى‏
و شتّان من يعصي الاله و يعتق‏

و في رواية قالت عايشة لا و اللّه بل خفت سيوف ابن أبي طالب أما أنّها طوال حداد تحملها سواعد أنجاد و لئن خفتها فلقد خافها الرّجال من قبلك، فرجع إلى القتال فقيل: لأمير المؤمنين عليه السّلام إنّه قد رجع، فقال دعوه إنّ الشّيخ محمول عليه، ثمّ قال عليه السّلام: أيّها النّاس غضّوا أبصارهم و عضّوا على نواجذكم و أكثروا من ذكر ربّكم و إيّاكم و كثرة الكلام فانّه فشل، و نظرت عايشة إليه و هو يجول بين الصّفين فقالت: انظروا إليه كان فعله فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم بدر، أما و اللّه ما ينتظر بك إلّا زوال الشّمس فقال عليّ عليه السّلام يا عايشة: «عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ» فجدّ النّاس في القتال فنهاهم أمير المؤمنين، و قال: اللّهم إنّي أعذرت و أنظرت فكن لي عليهم من الشّاهدين، ثمّ أخذ المصحف و طلب من يقرأ عليهم: «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما» الآية فقال مسلم المجاشعي: ها أناذا فخوّفه عليه السّلام بقطع يمينه و شماله و قتله فقال: لا عليك يا أمير المؤمنين فهذا قليل في ذات اللّه فأخذه و دعاهم إلى اللّه فقطعت يده اليمنى فأخذه بيده اليسرى فقطعت فأخذه بأسنانه فقتل فقالت امّه شعرا:

يا ربّ إنّ مسلما أتاهم
بمحكم التّنزيل إذ دعاهم‏

يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم
فرمّلوه«» رمّلت لحاهم‏

«» فقال عليّ عليه السّلام: الآن طاب الضّراب، و قال لمحمّد بن الحنفيّة و الرّاية في يده: يا بنيّ تزول الجبال و لا تزل إلى آخر ما مرّ ثمّ صبر سويعة فصاح النّاس عن كلّ جانب من وقع النّبال، فقال عليه السّلام: تقدّم يا بنيّ فنقدّم و طعن طعنا منكرا و قال عليه السّلام:

اطعن بها طعن أبيك تحمد
لا خير في الحرب إذا لم توقد

بالمشرفيّ«» و القنا المسدّد
و الضّرب بالخطي«» و المهنّد

فأمر الأشتر أن يحمل فحمل و قتل هلال بن وكيع صاحب ميمنة الجمل و كان زيد يرتجز و يقول: دينى دينى و بيعي بيعي و جعل مخنف بن مسلم يقول:

قد عشت يا نفس و قد غنيت
دهرا و قبل اليوم ما عييت‏

و بعد ذا لا شكّ قد فنيت‏
أما مللت طول ما حييت‏

فخرج عبد اللّه بن الثّيربي قائلا:

يا ربّ إنّي طالب أبا الحسن
ذاك الذي يفرق حقّا بالفتن‏

فبرز إليه عليّ عليه السّلام قائلا:

إن كنت تبغي أن ترى أبا الحسن
فاليوم تلقاه مليّا فاعلمن‏
فضربه ضربة مجرفة«» فخرج بنوضبّة و جعل يقول بعضهم:

نحن بنو ضبّة أعداء عليّ
ذاك الذي يعرف فيهم بالوصي‏

و كان عمر بن الثّيربي يقول:

إن تنكروني فانا ابن الثّيربي
قاتل علباء و هذا الجملي‏

ثمّ ابن صوحان على دين عليّ فبرز اليه عمار قائلا:

لا تبرح العرصة يابن الثيربي
اثبت اقاتلك على دين عليّ‏

و أرداه عن فرسه و جرّ برجله إلى عليّ عليه السّلام فقتله فخرج أخوه قائلا:

أضربكم و لو أرى عليّا
عمّمته أبيض مشرفيّا

و أسمرا عنطنطا«» خطيا
أبكي عليه الولد و الوليّا

فخرج عليّ عليه السّلام متنكرا و هو يقول:

يا طالبا في حربه عليّا
يمسخه ابيض مشرفيّا

اثبت ستلقاه بها مليّا
مهذّبا سميد«» عاكميّا

فضربه فرمى نصف رأسه فناداه عبد اللّه بن خلف الخزاعي صاحب منزل عايشة بالبصرة: أ تبارزني فقال عليه السّلام: ما أكره ذلك و لكن ويحك يا ابن خلف ما راحتك في القتل و قد علمت من أنا، فقال: ذرني من بذخك«» يابن أبي طالب ثم قال:

إن تدن منّي يا عليّ فترا«»            فإنّني دان إليك شبرا

بصارم يسقيك كاسا مرّا

ها إنّ في صدري عليك وترا«»

 

فبرز إليه عليّ عليه السّلام قائلا.

يا ذا الذي يطلب منّي الوترا            إن كنت تبغي أن تزور القبرا

حقّا و تصلى بعد ذلك جمرا

فادن تجدني أسدا هزبرا

اصعطك«» اليوم ذعاقا صبرا فضربه عليه السّلام فطيّر جمجمته فخرج ماذن الضّبي قائلا:

لا تطمعوا في جمعنا المكلل
الموت دون الجمل المجلّل‏

فبرز إليه عبد اللّه بن نهشل قائلا:

إن تنكروني فانا ابن نهشل
فارس هيجا و خطيب فيصل‏

فقتله و كان طلحة يحثّ النّاس و يقول عباد اللّه الصّبر الصّبر في كلام له، و عن البلادري أنّ مروان بن الحكم قال و اللّه ما أطلب ثاري بعثمان بعد اليوم أبدا فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته و التفت إلى أبان بن عثمان و قال لقد كفيتك أحد قتلة أبيك معارف القتيبى انّ مروان قتل طلحة يوم الجمل فاصاب ساقه الحميري:

و اختلّ«» من طلحة المزهو جنّته
سهم بكفّ قديم الكفر غدّار

في كفّ مروان اللّعين أرى‏
رهط الملوك ملوك غير أخيار

و له:

و اغترّ طلحة عند مختلف القنا
عبل«» الذراع شديد اصل المنكب‏

فاختلّ حبّة قلبه بمدلق«»
ريّان من دم جوفه المتصبّب‏

في مارقين من الجماعة فارقوا
باب الهدى و حيا«» الربيع المخصب‏

و حمل أمير المؤمنين عليه السّلام على بني ضبّة فما رأيتهم إلّا كرماد اشتدّت به الرّيح في يوم عاصف فانصرف الزبير فتبعه عمرو بن جرموز و جزّ رأسه و أنى به إلى أمير المؤمنين عليه السّلام القصّة فقالوا: يا عايشة قتل طلحة و الزّبير و جرح عبد اللّه بن عامر

من يدي عليّ فصالحي عليّا فقال كبر عمرو«» عن الطوق و جلّ أمر عن العتاب ثمّ تقدّمت فحزن عليّ عليه السّلام و قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فجعل يخرج واحد بعد واحد و يأخذ الزّمام حتّى قتل ثمان و تسعون رجلا ثمّ تقدّمهم كعب بن سورة الازدي و هو يقول:

يا معشر النّاس عليكم أمّكم
فإنّها صلاتكم و صومكم‏

و الحرمة العظمى التي تعمّكم‏
لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم‏

فقتله الاشتر فخرج ابن جفير الازدي و هو يقول:

قد وقع الأمر بما لم يحذر
و النّبل يأخذن وراء العسكر
و امّنا في حذرها المشمّر

فبرز إليه الأشتر قائلا:

اسمع و لا تعجل جواب الاشتر
و اقرب تلاق كأس موت أحمر
ينسيك ذكر الجمل المشمر

فقتله ثمّ قتل عمير الغنوي و عبد اللّه بن عتاب بن اسيد ثمّ جال في الميدان جولا و هو يقول:

نحن بنو الموت به غذّينا

فخرج إليه عبد اللّه بن الزّبير فطعنه الأشتر و أرداه و جلس على صدره ليقتله، فصاح عبد اللّه اقتلوني و مالكا و اقتلوا مالكا معي فقصد إليه من كلّ جانب فخلاه و ركب فرسه فلمّا رأوه راكبا تفرّقوا عنه و شدّ رجل من الأزد على محمّد بن الحنفية و هو يقول: يا معشر الأزد كرّوا فضربه ابن الحنفيّة فقطع يده و قال: يا معشر الأزد فرّوا فخرج الأسود بن البختري السّلمي قائلا:

ارحم إلهى الكلّ من سليم
و انظر إليه نظرة الرّحيم‏

فقتله عمرو بن الحمق فخرج جابر الأزدي قائلا

يا ليت أهلي من عمار حاضري
من سادة الأزد و كانوا ناصري‏

فقتله محمّد بن أبي بكر، و خرج عوف القيني قائلا:

يا أمّ يا أمّ خلا منّي الوطن
لا ابتغي القبر و لا أبغي الكفن‏

فقتله محمّد بن الحنفيّة، فخرج بشر الضّبي قائلا:

ضبّة أبدى للعراق عمعمة«»
و أضرم الحرب العوان«» المضرمة

فقتله عمّار و كانت عايشة تنادى بأرفع صوت أيّها النّاس عليكم بالصّبر و إنّما تصبر الأحرار فأجابها كوفيّ:

يا امّ يا امّ عققت فاعلموا
و الامّ تغذو ولدها و ترحم‏

أ ما ترى«» كم من شجاع يكلم‏
و تجتلي هامّته و المعصم‏

و قال آخر:

قلت لها و هى على مهوات
إنّ لنا سواك امّهات‏

في مسجد الرّسول ناديات فقال الحجّاج بن عمرو الأنصاري:

يا معشر الأنصار قد جاء الاجل
إنّي أرى الموت عيانا قد نزل‏

فبادروه نحو أصحاب الجمل‏
ما كان في الأنصار جبن و فشل‏
فكلّ شي‏ء ما خلا اللّه الجلل‏

«» و قال خزيمة بن ثابت:

لم يغضبوا للّه إلّا للجمل
و الموت خير من مقام في خمل‏

و الموت أجرى من فرار و فشل‏

و قال شريح بن هاني:

لا عيش إلّا ضرب أصحاب الجمل
و القول لا ينفع إلّا بالعمل‏
ما إن لنا بعد عليّ من بدل‏

و قال هاني بن عروة المذحجي:

يا لك حربا حشها جمالها
قائدة ينقصها ضلالها
هذا عليّ حوله أقيالها

و قال سعد بن قيس الهمداني:

قل للوصيّ اجتمعت قحطانها
إن يك حرب اضرمت نيرانها

و قال عمّار:

إنّي لعمّار و شيخي ياسر
صاح كلانا مؤمن مهاجر

طلحة فيها و الزّبير غادر
و الحقّ في كفّ عليّ ظاهر

و قال الأشتر:

هذا عليّ في الدّجى مصباح
نحن بذا في فضله فصاح‏

و قال عديّ بن حاتم:

أنا عديّ و يماني حاتم
هذا عليّ بالكتاب عالم‏
لم يعصه في النّاس إلّا ظالم‏

و قال عمرو بن الحمق:

هذا عليّ قائد يرضى به
أخو رسول اللّه في أصحابه‏
من عوده النّامي و من نصابه‏

و قال رفاعة بن شداد البجلي:

إنّ الذين قطعوا الوسيلة
و نازعوا على عليّ الفضيلة
في حربه كالنّعجة الأكيلة

و شكت«» السّهام الهودج حتّى كأنّه جناح نسر أو درع قنفذ، فقال أمير المؤمنين: ما أرى يقاتلكم غير هذا الهودج اعقروا الجمل. و في رواية عرقبوه، فانّه شيطان و قال لمحمّد بن أبي بكر: انظر انظر إذا عرقب الجمل فأدرك اختك فوارها فعرقب رجل منه فدخل تحته رجل ضبّي ثمّ عرقب اخرى عبد الرّحمن فوقع على جنبه فقطع عمّار نسعه فأتاه عليّ عليه السّلام و دقّ رمحه على الهودج و قال: يا عايشة أ هكذا أمرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن تفعلي فقالت: يا أبا الحسن ظفرت فأحسن و ملكت فأسجح فقال لمحمّد بن أبي بكر: شأنك بأختك فلا يدنو أحد منها سواك، فقال: فقلت لها: ما فعلت بنفسك عصيت ربّك و هتكت سترك ثمّ أبحت حرمتك و تعرّضت للقتل، فذهب بها إلى دار عبد اللّه بن خلف الخزاعي فقالت: أقسمت عليك ان تطلب عبد اللّه بن الزّبير جريحا كان أو قتيلا، فقال: إنّه كان هدفا للأشتر فانصرف محمّد إلى العسكر فوجده، فقال: اجلس يا ميشوم أهل بيته، فأتاها به فصاحت و بكت ثمّ قالت: يا أخي استأمن له من عليّ عليه السّلام، فأتى أمير المؤمنين عليه السّلام فاستأمن له منه فقال عليه السّلام: أمنته و أمنت جميع النّاس.

و كانت وقعة الجمل بالخريبة و وقع القتال بعد الظهر و انقضى عند المساء فكان مع أمير المؤمنين عشرون ألف رجل منهم البدريّون ثمانون رجلا و ممّن بايع تحت الشّجرة مائتان و خمسون و من الصّحابة ألف و خمسمائة رجل، و كانت عايشة في ثلاثين ألف أو يزيدون منها المكّيون ستّمائة رجل، قال قتادة: قتل يوم الجمل عشرون ألفا، و قال الكلبي قتل من أصحاب عليّ عليه السّلام ألف رجل و سبعون فارسا، منهم زيد بن صوحان و هند الجملي و أبو عبد اللّه العبدي و عبد اللّه بن رقية.

و قال أبو مخنف و الكلبي: قتل من أصحاب الجمل من الأزد خاصّة أربعة آلاف رجل، و من بني عديّ و مواليهم تسعون رجلا، و من بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل، و من بني حنظلة تسعمائة رجل، و من ناجية أربعمائة رجل و الباقي من أخلاط النّاس إلى تمام تسعة آلاف إلّا تسعين رجلا القرشيّون منهم طلحة و الزّبير و عبد اللّه ابن عتاب بن اسيد و عبد اللّه بن حكيم بن خرام و عبد اللّه بن شافع بن طلحة و محمّد بن طلحة و عبد اللّه بن ابيّ بن خلف الجمحي و عبد الرّحمن بن معد و عبد اللّه بن معد.

و عرقب الجمل أوّلا أمير المؤمنين عليه السّلام و يقال المسلم بن عدنان و يقال رجل من الانصار و يقال رجل ذهلي و قيل لعبد الرّحمن بن صرد الشّوخى لم عرقبت الجمل فقال:

عقرت و لم أعقربها لهوانها
عليّ و لكنّي رأيت المهالكا

إلى قوله فيا ليتني عرقبته قبل ذلكا

تبصرة

في ترجمة محمّد بن الحنفيّة و الاشارة إلى بعض أحواله و مناقبه.

أقول: اشتهاره بابن الحنفيّة لأنّ امّها خولة بنت جعفر بن قيس من قبيلة بني حنيفة و كنيته أبو القاسم برخصة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في ذلك و لم يرخّص في حقّ غيره أن يكنّى بأبي القاسم و الاسم محمّد ذكره ابن خلّكان في تاريخه.

قال الشّارح المعتزلي: امّ محمّد رضي اللّه عنه خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة ابن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدّؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، و اختلف في أمرها فقال قوم: إنّها سبية من سبايا الرّدة قوتل أهلها على يد خالد بن الوليد في أيّام أبي بكر لمّا منع كثير من العرب الزّكاة و ارتدّت بنو حنيفة و ادّعت نبوّة مسيلمة و أنّ أبا بكر دفعها إلى عليّ عليه السّلام من سهمه في المغنم و قال قوم منهم أبو الحسن عليّ بن محمّد بن سيف المدايني: هي سبية في أيّام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قالوا: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليّا عليه السّلام إلى اليمن فأصاب خولة لابني زبيد و قد ارتدّوا مع عمرو بن معدي كرب و كانت زبيد سبتها من بني حنيفة في غارة لهم عليهم فصارت في سهم عليّ عليه السّلام فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إن ولدت منك غلاما فسمّه باسمى و كنّه بكنيتي فولدت له بعد موت فاطمة عليها السّلام محمّدا فكنّاه أبا القاسم و قال قوم و هم المحقّقون و قولهم الأظهر: إنّ بني أسد أغارت على بني حنيفة في خلافة أبي بكر فسبّوا خولة بنت جعفر و قدموا بها المدينة فباعوها من عليّ عليه السّلام و بلغ قومها خبرها فقدموا المدينة على عليّ فعرفوها و أخبروه بموضعها منهم فأعتقها و مهرها و تزوّجها فولدت له محمّدا فكنّاه أبا القاسم و هذا القول خيار أحمد بن يحيى البلادري في كتابه المعروف بتاريخ الأشراف.

و قال: كان عليّ عليه السّلام يقذف لمحمّد في مهالك الحرب و يكفّ حسنا و حسينا عنها و قيل لمحمّد لم يغرر بك أبوك في الحرب و لا يغرر بالحسن و الحسين عليهما السّلام فقال: إنّهما عيناه و أنا يمينه فهو يدفع عن عينيه بيمينه.

أقول: هذا الجواب منه رضي اللّه عنه يكفي في جلالة قدره و سموّ مكانه و خلوص باطنه.

و قال: لمّا تقاعس محمّد يوم الجمل عن الحملة و حمل عليّ بالرّاية فضعضع أركان عسكر الجمل، دفع إليه الرّاية و قال: امح الاولى بالاخرى و هذه الأنصار معك و ضمّ إليه خزيمة بن ثابت ذا الشّهادتين في جمع الأنصار كثير منهم من أهل بدر حمل حملات كثيرة أزال بها القوم عن مواقفهم و أبلى بلاء حسنا فقال خزيمة بن ثابت لعلي عليه السّلام: أما أنّه لو كان غير محمّد اليوم لافتضح«» و لئن كنت خفت عليه الجبن و هو بينك و بين حمزة و جعفر لما خفناه عليه و ان كنت أردت أن تعلمه الطعان فطال ما علّمته الرّجال، و قالت الأنصار: يا أمير المؤمنين لو لا ما جعل اللّه تعالى لحسن و حسين عليهما السّلام لما قدمنا على محمّد أحدا من العرب فقال عليّ عليه السّلام: أين النّجم من الشّمس و القمر أمّا انّه قد اغني و أبلى و له فضله و لا ينقص فضل صاحبيه عليه و حسب صاحبكم ما انتهت به نعمة اللّه إليه فقالوا يا أمير المؤمنين: إنّا و اللّه ما نجعله كالحسن و الحسين و لا نظلمهما له و لا نظلمه لفضلهما عليه حقّه فقال عليّ عليه السّلام أين يقع ابني من ابني رسول اللّه‏ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال خزيمة بن ثابت فيه شعرا:

محمّد ما في عودك اليوم وصمة
و لا كنت في الحرب الضّروس معرّدا

أبوك الذي لم يركب الخيل مثله‏
عليّ و سمّاك النّبيّ محمّدا

فلو كان حقّا من أبيك خليفة
لكنت و لكن ذاك ما لا يرى له بدّا

و أنت بحمد اللّه أطول غالب‏
لسانا و أنداها بما ملكت يدا

و أقربها من كلّ خير تريده
قريش و أوفاها بما قال موعدا

و أطعنهم صدر الكمى برمحه‏
و أكساهم للهام غضبا مهنّدا

سوى أخويك السّيدين كلاهما
إمام الورى و الدّاعيان إلى الهدى‏

أبى اللّه أن يعطي عدوّك مقعدا
من الارض أو في اللّوح مرقى و مصعدا

و في البحار من المناقب دعا أمير المؤمنين عليه السّلام محمّد بن الحنفيّة يوم الجمل فأعطاه رمحه و قال له: اقصد بهذا الرّمح قصد الجمل فذهب فمنعوه بنو ضبّة فلمّا رجع إلى والده انتزع الحسن رمحه من يده و قصد قصد الجمل و طعنه برمحه و رجع إلى والده و على رمحه أثر الدّم فتمعّز وجه محمّد من ذلك فقال أمير المؤمنين عليه السّلام لا تأنف فانّه ابن النبيّ و أنت ابن عليّ.

أقول: هذا نبذ من مناقبه و فضائله في زمن أبيه سلام اللّه عليه و أمّا بعده فقد كان خالصا في التّشيع و مخلصا للولاية لأخويه عليهما السّلام و بعدهما لابن أخيه عليّ بن الحسين سلام اللّه عليه.

كما يوضحه ما رواه ثقة الاسلام الكليني عطر اللّه مضجعه في الكافي بإسناده عن المفضّل بن عمر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لمّا حضرت الحسن بن عليّ عليهما السّلام الوفاة قال: يا قنبر انظر هل ترى من وراء بابك مؤمنا من غير آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم منّي قال: ادع لي محمّد بن عليّ فأتيته فلمّا دخلت عليه قال: هل حدث الاخير قلت أجب أبا محمّد فعجل على شسع نعله فلم يسوّه و خرج معي يعدو فلمّا قام بين يديه سلم فقال له الحسن بن عليّ عليهما السّلام: اجلس فانّه ليس مثلك يغيب عن سماع كلام يحيى به الأموات و يموت به الأحياء كونوا وعية العلم و مصابيح‏ الهدى فإنّ ضوء النّهار بعضه أضوء من بعض، أما علمت أنّ اللّه تبارك و تعالى جعل ولد ابراهيم عليه السّلام أئمّة و فضل بعضهم على بعض و أتى داود عليه السّلام زبورا و قد علمت بما استأثر اللّه به محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يا محمّد بن عليّ إنّي أخاف عليك الحسد و إنّما وصف اللّه به الكافرين فقال اللّه عزّ و جل: «كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ» و لم يجعل اللّه للشّيطان عليك سلطانا يا محمّد بن عليّ ألا اخبرك بما سمعت من أبيك فيك قال: بلى، قال: سمعت أباك عليه السّلام يقوم يوم الظلة (البصرة خ) من أحبّ أن يبرّني في الدّنيا و الآخرة فليبرّ محمّدا ولدي، يا محمّد بن عليّ لو شئت أن اخبرك و أنت نطفة في ظهر أبيك لا خبرتك، يا محمّد بن عليّ أما علمت أنّ الحسين بن عليّ عليهما السّلام بعد وفاة نفسي و مفارقة روحي جسمى امام من بعدي و عند اللّه جلّ اسمه في الكتاب وراثة من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أضافها اللّه عزّ و جل له في وراثة أبيه و أمّه صلى اللّه عليهم، فعلم اللّه أنكم خيرة خلقه فاصطفى منكم محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اختار محمّد عليّا عليه السّلام و اختارني عليّ بالامامة و اخترت أنا الحسين عليه السّلام.

فقال له محمّد بن عليّ: أنت إمام و أنت وسيلتي إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اللّه لوددت أن نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام الاوان في رأسي كلاما لا تنزفه الدلاء و لا تغيّره نقمة الرّياح كالكتاب المعجم في الرّق المنمنم اهم بابدائه فاجدني سبقت اليه سبق الكتاب المنزل أو ما جاءت (خلت خ) به الرّسل و أنّه الكلام يكلّ به لسان الناطق و يد الكاتب حتّى لا يجد قلما و يؤتوا بالقرطاس جما فلا يبلغ فضلك و كذلك يجزي اللّه المحسنين و لا قوّة إلّا باللّه.

الحسين أعلمنا علما و أثقلنا حلما و أقربنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رحما كان فقيها قبل أن يخلق، و قرء الوحى قبل أن ينطق، و لو علم اللّه في أحد خيرا غير محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما اصطفى اللّه محمّدا فلمّا اختار اللّه محمّدا و اختار محمّد عليا و اختارك عليّ اماما و اخترت الحسين، سلمنا و رضينا من بغيره يرضى و من كنا نسلم به من مشكلات أمرنا.

و عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام يذكر فيه كيفيّة دفن الحسن عليه السّلام بعد ما ذكر منع عايشة من دفنه عند النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و احتجاج الحسين عليه السّلام عليها قال: ثمّ تكلّم محمّد بن الحنفيّة و قال لعايشة يوما على بغل و يوما على جمل فما تملكين نفسك و لا تملكين الأرض عداوة لبني هاشم، قال: فأقبلت عليه فقالت: يابن الحنفية هؤلاء الفواطم يتكلّمون فما كلامك فقال لها الحسين عليه السّلام: و انّي (أنت خ) تبعدين محمّدا من الفواطم فو اللّه لقد ولدته ثلاث فواطم فاطمة بنت عمران بن عائذ بن عمرو بن مخزوم و فاطمة بنت أسد بن هاشم، و فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد معيص (مقص خ) بن عامر الحديث.

و عن أبي عبيدة و زرارة جميعا عن أبي جعفر عليه السّلام قال: لمّا قتل الحسين عليه السّلام أرسل محمّد بن الحنفيّة إلى عليّ بن الحسين عليهما السّلام فخلى به فقال له: ابن أخي قد علمت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دفع الوصيّة و الامامة من بعده إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ثمّ الى الحسن ثمّ إلى الحسين عليهما السّلام و قد قتل أبوك رضي اللّه عنه و صلى على روحه و لم يوص و أنا عمك و صنو أبيك و ولادتي من عليّ عليه السّلام في سنّي و قدمي أحقّ بها في حداثتك فلا تنازعني في الوصيّة و الامامة و لا تحاجّني.

فقال له عليّ بن الحسين عليهما السّلام: اتّق اللّه و لا تدّع ما ليس لك بحقّ إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين إنّ أبي يا عمّ صلوات اللّه عليه أوصى إلىّ قبل أن يتوجّه إلى العراق و عهد إلىّ في ذلك قبل أن يشهد (يستشهد خ) بساعة و هذا سلاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عندي فلا تتعرّض لهذا فانّي أخاف عليك نقص العمر و تشتّت الحال، إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل الوصيّة و الامامة في عقب الحسين عليه السّلام فاذا أردت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر حتّى نتحاكم إليه و نسأله عن ذلك.

قال أبو جعفر عليه السّلام و كان الكلام بينهما بمكة فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود، فقال عليّ بن الحسين عليهما السّلام لمحمّد بن الحنفيّة: ابدء أنت فابتهل إلى اللّه عزّ و جلّ و اسأله أن ينطق لك الحجر ثمّ سأل فابتهل محمّد في الدّعاء و سال اللّه عزّ و جلّ ثم دعا الحجر فلم يجبه فقال عليّ بن الحسين عليهما السّلام يا عمّ لو كنت وصيّا و إماما لأجابك‏ قال له محمّد فادع اللّه أنت يا بن أخي و اسأله فدعا اللّه عليّ بن الحسين عليهما السّلام بما أراد ثمّ قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء و ميثاق الأوصياء و ميثاق النّاس أجمعين لما خبرتنا من الوصيّ و الإمام بعد الحسين بن عليّ عليهما السّلام قال: فتحرّك الحجر حتّى كاد أن يزول عن موضعه ثمّ أنطقه اللّه عزّ و جلّ بلسان عربي مبين فقال: اللّهمّ إنّ الوصيّة و الامامة بعد الحسين بن عليّ بن فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لك، قال فانصرف محمّد بن عليّ و هو يتولّى عليّ بن الحسين عليهما السّلام.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرتست كه فرمود پسر خود محمّد بن حنفيّه را هنگامى كه داد او را علم در روز حرب جمل: زايل مى‏ شوند كوهها از جاى خود و تو زايل مشو از جاى خودت، دندان بالاى دندان خود بگذار عاريه بده بخداوند تعالى كاسه سر خودت را، ميخ ساز بر زمين قدم خود را يعنى ثابت قدم باش و در مكان خود محكم بايست، بينداز چشم خود را بر نهايت قوم تا در كار قتال خود با بصيرت بوده باشى، و فرو خوابان چشم خود را از لمعان سيوف كه مظنّه خوف و خشيت است و بدان بدرستى كه نصرت از حقّ سبحانه و تعالى است.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 10 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 10 صبحی صالح

10- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) يريد الشيطان أو يكني به عن قوم‏

أَلَا وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ

وَ اسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَ رَجِلَهُ

وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي

مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي وَ لَا لُبِّسَ عَلَيَّ

وَ ايْمُ اللَّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ

لَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ وَ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من خطبة له عليه السّلام و هى الخطبة العاشرة

ألا و إنّ الشّيطان قد جمع حزبه، و استجلب خيله و رجله، و إنّ معي لبصيرتي، ما لبّست على نفسي و لا لبّس عليّ، و أيم اللّه لأفرطنّ لهم حوضا أنا ماتحه، لا يصدرون عنه، و لا يعودون إليه.

اللغة

(الخيل) الفرسان و (الرّجل) بالفتح جمع راجل كالرّكب جمع راكب و (أيم اللّه) مخفّف أيمن قال الفيومي أيمن اسم استعمل في القسم و التزم رفعه كما التزم رفع لعمرو اللّه، و همزته عند البصريّين وصل و اشتقاقه عندهم من اليمن و هو البركة، و عند الكوفيّين قطع لانّه جمع يمين عندهم و قد يختصر منه و يقال و أيم اللّه بحذف الهمزة و النّون ثم اختصر ثانيا فيقال م اللّه بضم الميم و كسرها و (افرطن) إمّا بفتح الهمزة و ضم الراء مضارع فرط زيد القوم كقعد أى سبقهم و تقدم عليهم، و فرط بفتحتين المتقدم في طلب الماء يهيئ الدلاء و الارشاء، و إمّا بضم الهمزة و كسر الراء من باب الافعال مأخوذ من أفرط المزادة أى ملأها و (الماتح) كالمايح و هو المستقى من البئر إلا أن الفرق بينهما كاعجامهما كما قاله أبو علي، يعني أنّ التاء بنقطتين من فوق و كذلك الماتح لأنّه المستقى فوق البئر و الياء بنقطتين من تحت و كذلك المايح لأنّه الذي ينزل إلى البئر فيملاء الدلو.

الاعراب

ألا حرف تنبيه تدلّ على تحقّق ما بعدها لتركبها من همزة الاستفهام و لاء النّفى، و همزة الاستفهام إذا دخلت على النّفى أفادت التحقيق نحو: «أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏» قال الزمخشري: و لكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقّى به القسم نحو: «أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» أقول: و كان ينبغي له أن يضيف إلى ذلك وقوع نفس القسم بعدها كما في كلامه عليه السّلام، و أيم اللّه مرفوع بالابتداء خبره محذوف أى أيم اللّه قسمي و قد يدخله اللام للتّوكيد فيقال ليمن اللّه قسمي، و افرطن إن كان من فعل فحوضا منصوب بنزع الخافض و اللام في لهم إمّا للتّقوية على حد قوله: يؤمن للمؤمنين، أو تعليليّة أى لاسبقنهم أو لاسبقن لأجلهم إلى حوض على حد قوله: و اختار موسى قومه، و إن كان من افعل فحوضا مفعول به و لهم مفعول لاجله أى لأملأن لأجلهم حوضا، و جملة لا يصدرون عنه و لا يعودون اليه حالية أو صفة للحوض.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة ملتقطة من خطبة طويلة له عليه السّلام لما بلغه أنّ طلحة و الزبير خلعا بيعته و هو غير منتظم، و قد أورد السّيد منها فصلا آخر و هي الخطبة الثّانية و العشرون و نورد تمام الخطبة هناك إنشاء اللّه و على ذلك فالمراد بقوله عليه السّلام: (الا إنّ الشيطان قد جمع حزبه) هو الشّيطان الحقيقي لا معاوية كما توهّمه الشّارح المعتزلي، و حزبه هو طلحة و الزبير و أتباعهما و هم المراد أيضا بقوله: (و استجلب خيله و رجله) و فيه إشارة إلى أنّ الشّيطان هو الباعث لهم على مخالفة الحقّ و الجامع لهم على الباطل بوسوسته و اغرائه و تزيينه الباطل في قلوبهم و أنّ هؤلاء أطاعوا له و أجابوا دعوته و شاركوه في الدعاء إلى الباطل فصاروا حزبه قال تعالى:

«وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ وَ عِدْهُمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً» أي استخف من استطعت منهم أن تستفزه بدعائك إلى الفساد قال ابن عبّاس: كل راكب أو راجل في معصية اللّه فهو من خيل إبليس و جنوده و يدخل فيه كلّ راكب و ماش في معصية اللّه فخيله و رجله كلّ من شاركه في الدّعاء إلى المعصية.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى كمال عقله و استعداده بقوله: (و انّ معي لبصيرتي) يريد أنّ البصيرة التي كانت معي في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم تتغير، و إلى هذه اشيرت في قوله تعالى: «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي» قال أبو جعفر عليه السّلام في رواية الكافي ذاك رسول اللّه و أمير المؤمنين و الأوصياء من بعدهما، يعني أنّ الدّاعي إلى اللّه مع البصيرة هو رسول اللّه و أمير المؤمنين و الأوصياء التّابعون له في الأقوال و الأفعال.

ثمّ أكد كمال عقله بالاشارة إلى عدم انخداعه بخدع الشّيطان و بتلبيسه الباطل بصورة الحقّ كما يلبس على ذوى البصائر الضّعيفة و اولى العقول السخيفة سواء كان مخادعته بغير واسطة و هو المشار إليه بقوله: (ما لبّست على نفسي) أى لا يتلبس على نفسى المطمئنة ما تلقيه إليها نفسي الأمّارة، أو بواسطة غيره و هو المشار إليه بقوله: (و لا لبّس علىّ) أى لم يحصل التّلبيس علىّ من الخارج من جنود إبليس و أتباعه الذين تلقفوا عنه الشّبه و صار في قوتهم أن يلبسوا الحقّ صورة الباطل (و أيم اللّه لأفرطنّ لهم حوضا أنا ماتحه) هذا الكلام منه عليه السّلام وارد مورد التّهديد و جار على سبيل الاستعارة، و معناه لاسبقنهم أو لاسبقنّ لأجلهم حياض الحرب التي أنا متدرّب بها، أو لأملئنّ لهم حياض الحرب التي هي عادتي و أنا خبير بها قال الشّارح البحراني: استعار إفراط الحوض لجمعه الجند و تهيئة أسباب الحرب و كنّى بقوله: أنا ماتحه، أنّه هو المتولي لذلك و في تخصيص نفسه بالمتح تأكيد تهديد لعلمهم بشجاعته و قد حذف المضاف إليه أى أنا ماتح مائه إذ الحوض لا يوصف بالمتح و قوله: (لا يصدرون عنه و لا يعودون إليه) يعني أنّ الوارد منهم إليه لا يصدر عنه و لا ينجو منه فهو بمنزلة من يغرق فيه و أنّ من نجا منهم لا يطمع في الحرب مرّة اخرى و لا يعود إليها ابدا.

الترجمة

آگاه باش قسم بخدا كه بتحقيق شيطان ملعون جمع كرده است حزب خود را از براى اغواء و اضلال و جمع نموده است سواران و پيادگان يعني أعوان و انصار خود را، و بدرستى بصيرتي كه داشتم در زمان حضرت رسالت مآب صلوات اللّه عليه و آله با من است، نپوشانيده ‏ام بر نفس خود باطل را بصورت حق، و پوشانيده نشده است بر من يعني بر ضلالت نيفتاده ‏ام نه از قبل نفس خود و نه بواسطه اضلال ديگرى قسم بخداوند هر آينه سبقت ميكنم ايشان را بسوى حوضهاى حرب يا پر ميكنم بجهة ايشان حوضهاى محاربه و مقاتله را كه من آب كشنده آن حوضها مى‏ باشم، يعنى خبير و بصير باشم به آنها چنان حوضهائى كه باز نگردد از آنها آنهائى كه آمده باشند و باز نيايند بسوى آنها آنهائى كه رهيده باشند، يعنى هر كه بسوى بحر حرب شتابد غرق شود و جان بمالك دوزخ بسپارد، و هر كه از آن درياى خونخوار نجات يابد ديگر باره طمع در جنگ نمى‏نمايد، و اللّه أعلم بالصّواب و إليه المرجع و المآب

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 9 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 9 صبحی صالح

9- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في صفته و صفة خصومه و يقال إنها في أصحاب الجمل‏

وَ قَدْ أَرْعَدُوا وَ أَبْرَقُوا

وَ مَعَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْفَشَلُ

وَ لَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ

وَ لَا نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

 و من كلام له عليه السّلام و هو تاسع المختار فى باب الخطب

و قد أرعدوا و أبرقوا، و مع هذين الأمرين الفشل، و لسنا نرعد حتّى نوقع، و لا نسيل حتّى نمطر.

اللغة

(أرعد) الرجل و (أبرق) أوعد و تهدّد قال الكميت:

أرعد و أبرق يا يزيد            فما وعيدك لي بضائر

و (الفشل) بفتحتين مصدر فشل إذا ضعف و جبن.

الاعراب

الفشل مرفوع على الابتداء قدم عليه خبره توسّعا، و الفعلان الواقعان بعد حتّى منصوبان إمّا بنفس حتّى كما يقوله الكوفيّون، أو بأن مضمرة نظرا إلى أنّ حتّى إنّما تخفض الأسماء و ما يعمل في الأسماء لا يعمل في الأفعال، و كيف كان فهي في الموضعين إمّا بمعنى إلى كما في قوله سبحانه: «حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى‏» أو بمعنى إلّا كما في قوله:

ليس العطاء من الفضول سماحة            حتّى تجود و ما لديك قليل‏

قال ابن هشام: و هذا المعنى«» ظاهر من قول سيبويه في تفسير قولهم: و اللّه لا أفعل إلّا أن تفعل، المعنى حتّى أن تفعل و الأظهر في كلامه عليه السّلام إرادة المعنى الثّاني فافهم.

المعنى

اعلم أنّ كلامه عليه السّلام في هذا المقام ناظر إلى طلحة و الزّبير و أتباعهما من أصحاب الجمل و وارد في توبيخهم و ذمّهم (و) ذلك لأنّهم (قد أرعدوا و أبرقوا) أى أوعدوا و تهدّدوا قبل ايقاع الحرب (و مع هذين الأمرين الفشل) إذ الوعيد و التّهديد و الضّوضاء قبل ايقاع الحرب و الظّفر على الخصم أمارة الضّعف و الجبن و علامة رذالة النّفس، كما أنّ الصّمت و السّكوت أمارة الشّجاعة و لذلك أنّه عليه السّلام قال لأصحابه في تعليم آداب الحرب في ضمن كلامه المأة و الرّابع و العشرين: و أميتوا أصواتكم فانّه أطرد للفشل، و قال لأصحابه في غزوة الجمل: إيّاكم و كثرة الكلام فانّه فشل ثمّ بعد الاشارة إلى ذمّهم و رذالة أنفسهم أشار عليه السّلام إلى علوّ همّته و فضيلة نفسه و أصحابه بقوله: (و لسنا نرعد حتّى نوقع و لا نسيل حتّى نمطر) يعني كما أنّ‏ فضيلة السّحاب اقتران وقوع المطر منه برعده و برقه و إسالته بامطاره فكذلك أقوالنا مقرونة بأفعالنا و إسالة عذابنا مقارنة بامطاره، و يحتمل أن يكون المعنى إنّا لا نهدّد إلّا أن نعلم أنّا سنوقع، و لا نوعد إلّا إذا أوقعنا بخصمنا، يعني إذا أوقعنا بخصمنا أوعدنا حينئذ بالايقاع به غيره من خصومنا و هكذا كان حال الشجعان في سالف الزّمان و غابره.

كما روي أنّ كاتب حدود الرّوم كتب إلى المعتصم أنّ أبا قيس الرّومي حاكم قلعة عمورية أمسك امرأة من المسلمين يعذّبها و هي تصيح وا محمّداه وا معتصماه و أبو قيس يستهزء بها و يقول: إنّ المعتصم يركب مع جنوده على خيل بلق يأتي إلي و يستخرجك من عذابي، فلمّا ورد عليه الكتاب كان خادمه معه قدح من ماء السّكر يشربه المعتصم فقال له احفظ هذا و لا تناولنيه إلّا في بيت المرأة المسلمة، فخرج من سرّ من رأى و أمر بعساكره أن لا يركب إلّا من عنده فرس أبلق فاجتمع عنده ثمانون ألفا يركبون خيلا بلقا، و كان المنجّمون أشاروا عليه بأن لا يسافر و أن قلعة عمورية لا تفتح على يديه.

فقال إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: من صدّق منجّما فقد كذب ما أنزل اللّه على محمّد فسار إلى القلعة و حصرها مدّة و كان الشّتاء في غاية البرد فخرج المعتصم يوما من خيمته و وجد العسكر واقفا من شدّة البرد لا يقدرون على رمى السّهام، فأمر بمأتي قوس و ركب إلى حصار القلعة بنفسه فلمّا رآه جنوده ركضوا على القلعة من أطرافها و فتحوها فسأل عن المرأة فدلوه عليها و اعتذر لديها، و قال: إنّك ندبتني من عمورية و سمعتك من سامرّا و قلت: لبّيك، فها أنا ركبت على الخيل البلق و اخذت بظلامتك، ثمّ أمر خادمه باحضار ماء السّكر فشربه و قال: الآن طاب الشّراب و احتوى على ما فيها من الأموال و قتل ثلاثين ألف أو أزيد هذا.

و في قوله عليه السّلام و لا نسيل حتّى نمطر تعريض على أصحاب الجمل و أنّهم في وعيدهم و اجلابهم بمنزلة من يدّعى أنّه يحدث السّيل قبل إحداث المطر و هذا محال لأنّ السّيل إنّما يكون من المطر فكيف يسبق المطر، و اللّه العالم بحقائق‏ كلام أوليائه.

الترجمة

يعني مانند رعد در تهديد مى‏ غرّند و مانند برق در توعيد مى‏ جهند و با اين دو امر ترس و جبن است، و نيستيم ما كه بترسانيم تا اين كه واقع گردانيم، و نه سيل روان نمائيم تا اين كه ببارانيم، و اللّه اعلم.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 8 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 8 صبحی صالح

8- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك و يدعوه للدخول في البيعة ثانية

يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ وَ لَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ

فَقَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعَةِ وَ ادَّعَى الْوَلِيجَةَ

فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْرٍ يُعْرَفُ

وَ إِلَّا فَلْيَدْخُلْ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من كلام له عليه السّلام يعني به الزبير فى حال اقتضت ذلك و هو ثامن المختار في باب الخطب

يزعم أنّه قد بايع بيده و لم يبايع بقلبه، فقد أقرّ بالبيعة، و ادّعى الوليجة، فليأت عليها بأمر يعرف، و إلّا فليدخل فيما خرج منه.

اللغة

(ولج) يلج ولوجا و لجة دخل، و الوليجة الدّخيلة و البطانة و خاصّتك من الرّجال و من تتّخذه معتمدا من غير أهلك، و هو وليجتهم اى لصيق بهم، و المراد هنا ما أضمره الإنسان في قلبه.

الاعراب

الفاء في قوله عليه السّلام: فقد أقرّ، و قوله: فليأت، فصيحة و في قوله: فليدخل جواب للشّرط

المعنى

اعلم أنّ الزّبير بعد نكثه بيعته عليه السّلام كان يعتذر عن ذلك، فيدّعي تارة أنّه اكره على البيعة و (يزعم) اخرى أنّه ورّى في ذلك تورية و نوى دخيلة و (أنّه قد بايع بيده و لم يبايع بقلبه) فأجاب عليه السّلام عنه و ردّ ادّعائه بأنّه (قد أقرّ بالبيعة) بتسليمه البيعة بيده ظاهرا و (ادّعى) أنّه أضمر في باطنه ما يفسد بيعته من (الوليجة) و البطانة و هذه دعوى لا تسمع منه و لا تقبل شرعا ما لم ينصب عليها دليلا و لم يقم عليها برهانا (فليأت) على اثباتها (بأمر يعرف) صحّته و دليل يتّضح دلالته (و إلّا) أى إن لم يقم عليها برهانا كما أنّ الشّأن ذلك (فليدخل فيما خرج منه) من طاعته عليه السّلام و انقياد حكمه و ليمض على بيعته.

قال الشّارح المعتزلي: لمّا خرج طلحة و الزّبير من المدينة إلى مكة لم يلقيا أحدا إلّا و قالا: ليس لعليّ في أعناقنا بيعة و إنّما بايعناه مكرهين فبلغ عليّا عليه السّلام قولهما فقال عليه السّلام: أبعدهما اللّه و أعزب دارهما و أنا و اللّه لقد علمت أنّهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل و يأتيان من وردا بأشام يوم و لقد أتياني بوجهي فاجرين و رجعا بوجهي غادرين ناكثين، و اللّه لا يلقيانني بعد هذا اليوم إلّا في كتيبة خشناء يقتتلان فيها أنفسهما فبعدا لهما و سحقا.

و في الاحتجاج عن نصر بن مزاحم أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام حين وقع القتال و قتل طلحة تقدم على بلغة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الشّهباء بين الصّفين، فدعا الزّبير، فدنا إليه حتّى إذا اختلفت أعناق دابتيهما، فقال: يا زبير انشدك أسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: إنّك ستقاتل عليّا و أنت له ظالم، قال، اللّهم نعم، قال: فلم جئت قال: جئت لا صلح بين النّاس فأدبر الزّبير و هو يقول:

ترك الامور التي يخشى عواقبها
للّه أجمل في الدّنيا و في الدّين‏

أتى عليّ بأمر كنت أعرفه‏
«» قد كان عمر أبيك الخير مذ حين‏

فقلت حسبك من عدل أبا حسن
فبعض ما قلته ذا اليوم يكفيني‏

فاخترت عارا على نار مؤجّجة
أنّى يقوم لها خلق من الطين‏

نبّئت طلحة وسط النّقع منجدلا
مأوى الضّيوف و مأوى كل مسكين‏

قد كنت أنصره أحيانا و ينصرني‏
في النّائبات و يرمى من يراميني‏

حتّى ابتلينا بأمر ضاق مصدره
فأصبح اليوم ما يعنيه يعنيني‏

قال: و أقبل الزّبير إلى عايشة فقال: يا أمّه و اللّه ما لي في هذا بصيرة و أنا منصرف، فقالت عايشة: يا أبا عبد اللّه أ فررت من سيوف ابن أبي طالب فقال: انّها و اللّه طوال حداد تحملها فتية أنجاد ثمّ خرج راجعا فمرّ بوادي السّباع و فيه الأحنف ابن قيس قد اعتزل في بني تميم فأخبر الأحنف بانصرافه فقال: ما أصنع به إن كان‏الزّبير قد القي (الف خ) بين غارين«» من المسلمين و قتل أحدهما بالآخر ثمّ هو يريد اللحاق بأهله فسمعه ابن جرموز فخرج هو و رجلان معه و قد كان لحق بالزبير رجل من كلب و معه غلامه.

فلمّا أشرف ابن جرموز و صاحباه على الزّبير فحرّك الرّجلان رواحلهما و خلّفا الزّبير وحده، فقال الزّبير: ما لكما هم ثلاثة و نحن ثلاثة فلمّا أقبل ابن جرموز قال له الزّبير: مالك إليك عنّي فقال ابن جرموز: يا أبا عبد اللّه إنّني جئتك لأسألك عن امور النّاس قال: تركت النّاس على الرّكب يضرب بعضهم وجوه بعض بالسّيف.

قال ابن جرموز: يا أبا عبد اللّه أخبرني عن أشياء أسألك عنها قال: هات، فقال أخبرني عن خذلك عثمان و عن بيعتك عليّا و عن نقضك بيعته و عن إخراجك عايشة أمّ المؤمنين و عن صلاتك خلف ابنك و عن هذه الحرب التي جئتها و عن لحوقك بأهلك فقال: أمّا خذلي عثمان فأمر قدّم اللّه فيه الخطيئة و أخّر فيه التّوبة، و أمّا بيعتي عليّا فلم أجد منها بدّا إذ بايعه المهاجرون و الأنصار، و أمّا نقضي بيعته فانّما بايعته بيدي دون قلبي، و أمّا إخراجي أمّ المؤمنين فأردنا أمرا و أراد اللّه غيره، و أمّا صلاتي خلف ابني فانّما خالته قد متني، فتنحّى ابن جرموز عنه، و قال قتلني اللّه إن لم أقتلك.

و في شرح المعتزلي بعد ما ذكر سؤال ابن جرموز و جواب الزّبير قال: فسار ابن جرموز معه و كلّ واحد منهما يتقي الآخر فلمّا حضرت الصّلاة فقال الزّبير يا هذا إنّا نريد أن نصلّي، فقال ابن جرموز: أنا اريد ذلك فقال الزّبير: فتؤمنّي و اؤمّك، قال: نعم فثنى الزّبير رجلا و أخذ وضوئه، فلمّا قام إلى الصّلاة شدّ ابن جرموز عليه فقتله و أخذ رأسه و خاتمه و سيفه و حثا عليه ترابا يسيرا و رجع إلى الأحنف فأخبره، فقال: و اللّه ما أدري أسأت أم أحسنت، اذهب إلى عليّ عليه السّلام فاخبره فجاء إلى عليّ فقال للآذن: قل له: عمرو بن جرموز بالباب و معه رأس الزّبير و سيفه فادخله.

و في كثير من الرّوايات أنّه لم يأت بالرّأس بل بالسّيف فقال له: أنت قتلته قال: نعم قال: و اللّه ما كان ابن صفيّة جبانا و لا لئيما و لكن الحين«» و مصارع السّوء، ثمّ قال ناولني سيفه فناوله فهزّه، و قال: سيف طال ما جلى به الكرب عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فقال ابن جرموز: الجائزة يا أمير المؤمنين، فقال عليه السّلام: أما انّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول بشّر قاتل ابن صفيّة بالنّار، فخرج ابن جرموز خائبا و قال:

أتيت عليّا برأس الزّبير
أبغي به عنده الزّلفة

فبشّر بالنّار يوم الحساب‏
فبئست بشارة ذي التّحفة

فقلت له إنّ قتل الزّبير
لو لا رضاك من الكلفة

فإن ترض ذاك فمنك الرّضا
و إلّا فدونك لي حلفة

و ربّ المحلّين و المحرمين
و ربّ الجماعة و الالفة

لسيّان عندي قتل الزّبير
و ضرطة عنز بذي الجحفة

ثمّ خرج ابن جرموز على عليّ عليه السّلام مع أهل النّهر، فقتله معهم فيمن قتل.

فان قيل: أليس ما رواه ذلك صريحا في توبة الزّبير حيث إنّه لو لم يكن تائبا لما استحقّ قاتله النّار بقتله، فيدل ذلك على صحة ما ذهب إليه الشّارح المعتزلي وفاقا لساير المعتزلة من صحّة توبة الزبير.

قلت: قد اجيب عنه تارة بأنّ بشارة القاتل بالنّار لا ينافي كون المقتول فيها أيضا، و لا يلازم توبته، و ذلك لأنّ ابن جرموز قتل الزّبير على وجه الغيلة و المكر و هذه منه معصية لا شبهة فيها فإنّما استحقّ ابن جرموز النّار بقتله ايّاه غدرا لا لأنّ‏ المقتول في الجنّة.

و اجيب اخرى بأنّ جرموز كان من جملة الخوارج كما ذكره الشّارح في آخر كلامه و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد كان خبّره بحالهم و دلّه على جماعة منهم بأعيانهم و أوصافهم، فلمّا جاءه ابن جرموز برأس الزّبير أشفق أمير المؤمنين عليه السّلام من أن يظنّ به لعظيم ما فعله الخير و يقطع له على سلامة العاقبة و يكون قتله الزّبير شبهة فيما يصير إليه من الخارجيّة قطع عليه بالنّار لتزول الشّبهة في أمره و ليعلم أنّ هذا الفعل الذي فعله لا يساوى شيئا مع ما يرتكبه في المستقبل.

و الذي يدلّ على أنّ بشارته بالنّار لم تكن لكون الزّبير تائبا بل لبعض ما ذكرناه هو أنّه لو كان الأمر كما ادّعوه لأقاده أمير المؤمنين عليه السّلام به ففى عدوله عليه السّلام من ذلك دلالة على ما ذكرنا كما هو واضح لا يخفى، مضافا إلى أنّه لو كان تائبا لم يكن مصرعه مصرع سوء لا سيّما و قد قتله غادرا، و يأتي إنشاء اللّه تحقيق هذا المعنى في شرح الكلام المأة و السّابعة و الثلاثين بما لا مزيد عليه فانتظر.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرتست كه اراده نموده بآن زبير را در حالى كه اقتضا مي كرد آن را ادّعا مي  كند زبير كه بيعت كرده بدست خود و بيعت ننموده بقلب خود، پس بتحقيق اقرار نمود ببيعت خود شرعا و ادّعا كرد پنهان داشتن خلاف آنرا در باطن، پس بايد كه بياورد بر آن دعوى يا دليلى كه شناخته مى‏ شود بآن دليل صحّت آن دعوى، و اگر اقامه دليل نتواند بكند بايد داخل شود بآن چيزى كه از آن خارج شده.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره 7 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 7 صبحی صالح

7- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) يذم فيها أتباع الشيطان‏

اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لِأَمْرِهِمْ مِلَاكاً

وَ اتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً

فَبَاضَ وَ فَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ

وَ دَبَّ وَ دَرَجَ فِي حُجُورِهِمْ

فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ وَ نَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ

فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ

وَ زَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ

فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ

وَ نَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3 

و من خطبة له عليه السّلام و هى الخطبة السابعة

إتّخذوا الشّيطان لأمرهم ملاكا، و اتّخذهم له أشراكا، فباض و فرّخ في صدورهم، و دبّ و درج في حجورهم، فنظر في أعينهم، و نطق بألسنتهم، فركب بهم الزّلل، و زيّن لهم الخطل، فعل من قد شرّكه الشّيطان في سلطانه، و نطق بالباطل على لسانه.

اللغة

(الشّيطان) فيعال من شطن إذا تباعد فكأنّه يتباعد عند ذكر اللّه تعالى، و قيل إنّه فعلان من شاط يشيط إذا احترق غضبا لأنّه يحترق و يغضب إذا أطاع العبد للّه سبحانه و (ملاك) الامر ما به قوامه و (الاشراك) إمّا جمع شريك كشريف و أشراف و هو الأظهر، أو جمع شرك و هو حبائل الصّيد و الغالب في جمعه شرك بضمّتين و قد يجمع على أشراك كجبل و أجبال و (باض) الطائر و نحوه يبيض بيضا فهو بائض و (فرّخ) من باب التّفعيل و (دبّ) الصّغير دبيبا من باب ضرب سار و (درج) الصّبي دروجا من باب قعد مشى قليلا، و قد يختصّ الدّبيب بالحركة الخفيّة و (الخطل) الكلام الفاسد يقال: أخطل في كلامه أى أخطأ.

الاعراب

فعل من قد شركه مفعول مطلق مجازى لقوله: اتّخذوا إذ العامل محذوف و التقدير فعلوا ذلك فعل من اه.

المعنى

اعلم أنّه عليه السّلام أشار في هذه الخطبة إلى ذمّ المنابذين و المخالفين له و المتمرّدين عن طاعته فقال: (اتّخذوا الشّيطان لأمرهم ملاكا) أى به قوام امورهم و نظام حالهم فجعلوه وليا لهم سلطانا عليهم متصرّفا فيهم بالأمر و النّهي كما قال سبحانه: «فَرِيقاً هَدى‏ وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ» و قال تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» أي حكمنا بذلك لأنّهم يتناصرون على الباطل يؤمنون به و يتولّون الشّيطان و يشركون بالرّحمن كما قال تعالى: «إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ» (و انّخذهم له أشراكا) يعني أنّهم بعد ما ملكوا الشّيطان امورهم فتصرّف فيهم بأن أخذهم شركاء له و جعلهم جنوده و أتباعه كما قال تعالى: «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ» و أمّا على جعل الاشراك جمعا لشرك فقد قال الشّارح البحراني أنّه استعارة حسنة، فإنّه لمّا كان فايدة الشّرك اصطياد ما يراد صيده و كان هؤلاء القوم بحسب ملك الشّيطان لآرائهم و تصرّفه فيهم على حسب حكمه أسبابا لدعوة الخلق إلى مخالفة الحقّ و منابذة إمام الوقت و خليفة اللّه في أرضه اشبهوا الأشراك لاصطيادهم الخلق بألسنتهم و أموالهم و جذبهم إلى الباطل بالأسباب الباطلة التي ألقاها إليهم الشّيطان و نطق بها على ألسنتهم فاستعار لهم لفظ الاشراك.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى ملازمة الشّيطان لهم بقوله (فباض و فرخ في صدورهم) كالطاير الذي يبيض و يفرخ و ذلك لا يكون إلّا بعد طول الملازمة و الاقامة، فشبّه‏ عليه السّلام صدورهم بعشّ الطائر و موطنه إذا البائض لا يبيض إلّا في مسكنه، و كنّى بالبيض و الفرخ عن إقامته عليهم و مكثه في قلوبهم لاغوائهم، و يمكن أن يكون المراد بهما معناهما الاصلي لأنّه لا نتاج له و إنّما يبيض و يفرخ بنفسه.

كما يدلّ عليه ما رواه في البحار من الخصال بإسناده عن أبي عبد الرّحمن عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: الآباء ثلاثة آدم ولد مؤمنا، و الجانّ ولد كافرا و إبليس ولد كافرا و ليس فيهم نتاج إنّما يبيض و يفرخ و ولده ذكور ليس فيهم اناث.

و فيه من العلل بإسناده عن عمرو بن خالد عن زيد بن عليّ عن آبائه عن عليّ عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ اللّه عزّ و جلّ حين أمر آدم أن يهبط، هبط آدم و زوجته و هبط إبليس و لا زوجة له و هبطت الحيّة و لا زوج لها فكان أوّل من يلوط بنفسه إبليس فكانت ذرّيته من نفسه، و كذلك الحيّة و كانت ذرّية آدم من زوجته فأخبرهما أنّهما عدوّ ان لهما هذا.

و لكنّ الأظهر هو المعنى الأوّل لأنّ الكناية أبلغ من الافصاح و أسدّ من التّصريح، فيكون ذلك نظير قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ الشّيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدّم، فإنّ المقصود به ليس أنّه يدخل عروقه و أوراده و تجاويف أعضائه بل المعنى أن الشّيطان لا يزال يراقب العبد و يوسوس إليه في نومه و يقظته، إذ هو جسم لطيف هوائيّ يمكنه أن يصل إلى ذلك الانسان فيوصل كلامه و وسواسه إلى باطن اذنه فيصير إلى قلبه، و اللّه العالم بكيفيّة ذلك.

و بالجملة كلام العرب إشارات و تلويحات و الكلام إذا ذهب عنه المجاز و الاستعارة و الكناية زالت براعته و فارقه رونقه و بقى مغسولا و صار عاميّا مرذولا و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كذلك سيّد الأوصياء عليه السّلام أفصح الفصحاء و أكمل البلغاء، فيكون فائدة كلامه صلوات اللّه عليه أنّ الشّيطان يلازمك و يراصدك من حيث لا تعلم فعليك بالاحتراز منه و التّوقّي من كيده و مكره، و فائدة كلامه عليه السّلام أنّ الشّيطان استوطن قلوبهم و لزم صدورهم لزوم الطير البائض على بيضته (و دبّ و درج في حجورهم) دبيب الولد في حجر والديه فهو معهم لا يفارقهم و لا يفارقونه، و على الوجه الآخر الذي ذكرناه من احتمال استعمال باض و فرّخ في معناهما الحقيقي فالأظهر رجوع الضّميرين في دبّ و درج إلى الفرخ المستفاد من فرخ.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى شدّة اتّحاده معهم بقوله (فنظر بأعينهم و نطق بألسنتهم) و ذلك لأنّ النّظر و النّطق و ساير أفعال الأعضاء و الجوارح بأسرها تابعة لارادة القلب، إذ القلب هو الحاكم عليها بالأمر و النهى و المتصرّف في مملكة البدن و الرّئيس على الجوارح و المشاعر الباطنة و الظاهرة.

و لمّا جعلوا هؤلاء قلوبهم عش الشّيطان و موطنه و ألقوا مقاليد امورهم إليه و عزلوا عقولهم عن التّصرف و التّدبير، كان إرادتهم القلبيّة التي هي منشأ الحركات و الأفعال للجوارح تبعا له و منبعثة من وسوسته و إغوائه، فيكون جميع الأفعال و الحركات و السّكنات لهم مستندة إليه و صادرة عن حكمه، فيكون نظرهم نظر الشّيطان و نطقهم نطق الشّيطان لا ينظرون إلّا إلى ما فيه رضاه، و لا ينطقون إلّا بما هو مطلوبه و مناه.

(ف) عند ذلك (ركب بهم الزّلل) و الضّلالة (و زيّن لهم الخطل) و الفكاهة و فعلوا ذلك مثل (فعل من قد شركه الشّيطان في سلطانه و نطق بالباطل على لسانه) يعني كما أنّ من جعله الشّيطان شريكا له في تسلطه و أمره و نهيه و كان ناطقا بالباطل على لسانه، يكون جميع أفعاله و أقواله في جميع أحواله تبعا لذلك اللعين، فكذلك هؤلاء المنافقين و المنابذين لعنة اللّه عليهم أجمعين.

الترجمة

أخذ نمودند منافقان شيطان را بجهة كارهاى خودشان محلّ اعتماد و ما به القوام، و اخذ نمود شيطان ايشان را بجهة خود شريكان، پس تخم شقاوت نهاد و جوجه در آورد و در سينه ايشان بحركت در آمد و با تدريج رفتار كرد در كنار ايشان، پس با چشم آنها نگاه نمود و با زبان ايشان گويا گرديد، پس سوار نمود ايشان را بر مركب لغزش و گناه و زينت داد بجهة ايشان قول فاسد و تباه را، مى‏ نمائيد كارها را مثل كردن كسى كه شريك نموده باشد او را شيطان در سلطان و طغيان خود، و همچو كردن كسى كه گويا باشد بامر باطل بر زبان او، يعني افعال و أقوال اينها مثل فعل و قول كسى است كه من جميع الوجوه مطيع شيطان بوده باشد و از غايت اختلاط و امتزاج با شيطان اثنينيت از ميانه برداشته شود.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 6 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 6 صبحی صالح

6- و من كلام له ( عليه‏ السلام  ) لما أشير عليه بألا يتبع طلحة و الزبير و لا يرصد لهما القتال و فيه يبين عن صفته بأنه ( عليه‏السلام  ) لا يخدع‏

وَ اللَّهِ لَا أَكُونُ كَالضَّبُعِ

تَنَامُ عَلَى طُولِ اللَّدْمِ

حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا

وَ يَخْتِلَهَا رَاصِدُهَا

وَ لَكِنِّي أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى الْحَقِّ الْمُدْبِرَ عَنْهُ وَ بِالسَّامِعِ الْمُطِيعِ الْعَاصِيَ الْمُرِيبَ أَبَداً حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي

فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ( صلى ‏الله‏ عليه ‏وسلم  )حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3 

و من كلام له عليه السّلام لما اشير اليه بان لا يتبع طلحة و الزبير و لا يرصد لهما القتال و هو سادس المختار فى باب الخطب الجارى مجراهاو رواه في البحار من الامالي بسند يأتي، في شرح البحراني عن أبي عبيد قال أقبل أمير المؤمنين عليه السّلام الطواف و قد عزم على اتباع طلحة و الزّبير و قتالهما فأشار إليه ابنه الحسن عليه السّلام أن لا يتبعهما و لا يرصد لهما القتال فقال عليه السّلام في جوابه: و اللّه لا أكون كالضّبع تنام على طول اللّدم حتّى يصل إليها طالبها و يختلها راصدها، و لكنّي أضرب بالمقبل إلى الحقّ المدبر عنه و بالسّامع المطيع العاصى المريب أبدا حتّى يأتي عليّ يومي، فو اللّه ما زلت مدفوعا عن حقّي مستأثرا عليّ منذ قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى يوم النّاس هذا.

اللغة

(الضّبع) بضمّ الباء حيوان معروف مؤنّثة، قال الفيروزآبادي و هي سبع كالذّئب إلّا أنّه إذا جرى كأنّه أعرج و لذلك سمّى السّبع العرجاء و (اللّدم) اللّطم و الضّرب بشي‏ء ثقيل يسمع وقعه و (ختله) يختله من باب نصر و ضرب خدعه و (استأثر) بالشي‏ء استبدّ به.

الاعراب

على في قوله: على طول اللدم، للاستعلاء المجازي على حدّ قوله تعالى: «و لهم عليّ ذنب»، و الباء في قوله: بالمقبل و بالسّامع، للاستعانة أو المصاحبة،و عليّ في قوله: يأتي عليّ، زائدة، و حتّى في قوله: حتّى يوم النّاس بمعنى إلى و الاتيان بها دون إلى للاشارة إلى دخول ما بعدها في حكم ما قبلها إذ الغالب في حتّى مع الخلوّ من القرينة هو الدّخول، كما أنّ الغالب في الى العكس صرّح به ابن هشام في المغنى.

المعنى

اعلم أنّ الضّبع حيوان معروف بالحمق و العرب تقول في أمثالها أحمق من الضّبع، و من حمقها أنّ الصّائد يأتي إلى باب مغارها فيضرب بعقبه الأرض عند الباب ضربا خفيفا، و ذلك هو اللدم و يقول خامرى ام عامر مرارا بصوت ليس بشديد فتنام على ذلك فيدخل إليها و يجعل الحبل في عرقوبها و يجرّها فيخرجها.

و في شرح المعتزلي و العرب يزعمون أنّ الصّائد يدخل عليها و جارها فيقول: اطرقى امّ طريق خامري أمّ عامر، و يكرّر ذلك مرارا فتلجأ إلى أقصى مغارها و تنقبض فيقول: امّ عامر ليست في وجارها أمّ عامر نائمة، فتمدّ يديها و رجليها و تستلقي فيدخل عليها و يوثقها.

أقول: عامر هو جر و الضّبع و امّ عامر كنية لها و معنى خامري امّ عامر استتري و الزمي مكانك من المخامرة و هو الاستتار و لزوم المكان، و امّ طريق كقبيط«» كنية لها أيضا و هو كثير الاطراق.

و في القاموس يقال: خامري حضاجر أتاك ما تجاوز هكذا وجدناه و الوجه خامر بحذف الياء أو تجاوزين باثباتها، و حضاجر علم جنس للضّبع غير منصرف لأنّه منقول عن الجمع و كان في الأصل حضجر بمعنى عظيم البطن سمّى به الضّبع مبالغة في عظم بطنها، كأن كلّ فرد منها جماعة من هذا الجنس، فهو علم للمفرد المؤنث و لذلك قال الفيروزآبادي: و الوجه أن يقال: تجاوزين، و أما الوجه الآخر الذي ذكره و هو حذف الياء في خامر فهو مبنيّ على كونه علما لجنس الضّبع الأعمّ الشامل‏ للذكر و الانثى على ما ذهب إليه البعض على ما حكاه الفيومي في المصباح.

و كيف كان فاذا عرفت ما مهّدناه و ضح لك معنى قوله عليه السّلام: (و اللّه لا أكون كالضّبع تنام على طول اللدم حتّى يصل إليها طالبها و يختلها) أى يخدعها (راصدها) و مترقّبها و المقصود إنى لا أقعد عن الحرب و لا اؤخّر القتال فيكون حالي مع القوم المشار إليهم حال الضّبع تنام على حيلة صائدها، فأكون قد أسلمت نفسي لهم و يكونون متمكّنين منّي تمكّن صائد النّمبع منها بختله و خديعته (و لكنّى أضرب) مصاحبا (بالمقبل إلى الحقّ) وجه (المدبر عنه و) احارب مستعينا (بالسّامع المطيع) لداعي الحقّ (العاصي المريب) في الحقّ الشّاك فيه (ابدا) أى ما دام العمر (حتّى يأتي علىّ يومي) الذي قدّر فيه موتي (فو اللّه ما زلت مدفوعا عن حقّي) الذي كنت أستحقّه بنصّ من اللّه و رسوله (مستأثرا علىّ) و مستبدا برأيي غير محتاج إلى مشاورة الغير (منذ قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إليه (حتّى يوم النّاس هذا) يعني أنّ التغلب عليّ و اندفاعي عن الخلافة شي‏ء لم يتجدد الآن بل كان منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى ذلك اليوم الذي خالفوني و نكثوا بيعتي.

و في الاحتجاج قال أمير المؤمنين عليه السّلام في أثناء كلام له: و هذا طلحة و الزّبير ليسا من أهل النّبوة و لا من ذريّة الرّسول حتّى رأيا أنّ اللّه قد ردّ علينا حقّنا بعد أعصر فلم يصبرا حولا كاملا و لا شهرا حتّى و ثبا علىّ دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقّي و يفرّقا جماعة المسلمين عنّي ثمّ دعا عليهما.

و ينبغي التنبيه على امور

الاول في ذكر نسب طلحة و الزّبير

أما طلحة فقد قال العلامة الحليّ قدّس اللّه روحه في كشف الحقّ و قد ذكر أبو المنذر هشام بن محمّد السّائب الكلبي من علماء الجمهور انّ من جملة البغايا و ذوي الرّايات صعبة بنت الحضرمي و كانت لها راية بمكة و استصفت بأبي سفيان فوقع عليها أبو سفيان و تزوّجها عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم فجاءت بطلحة بن عبيد اللّه لستّة أشهر، فاختصم أبو سفيان و عبيد اللّه في طلحة فجعلا أمرهما إلى صعبة فألحقته بعبيد اللّه فقيل لها: كيف تركت‏ أبا سفيان فقالت يد عبيد اللّه طلقة و يد أبي سفيان بكرة، و قال أيضا: و ممّن كان يلعب به و يتخنّث عبيد اللّه أبو طلحة.

و أمّا الزّبير فقد قال في البحار: قال مؤلف كتاب إلزام النّواصب و صاحب تحفة الطالب: قد ورد أنّ العوام كان عبدا لخويلد ثمّ اعتقه و تبنّأه«» و لم يكن من قريش و ذلك انّ العرب في الجاهليّة كان إذا كان لأحدهم عبد و أراد أن ينسبه إلى نفسه و يلحق به نسبه أعتقه و زوّجه كريمة من العرب فيلحقه بنسبه و كان هذا من سنن العرب و يصدّق ذلك شعر عدي بن حاتم في عبد اللّه بن الزّبير بحضرة معاوية و عنده جماعة من قريش و فيهم عبد اللّه بن الزّبير، فقال عبد اللّه لمعاوية يا أمير المؤمنين ذرنا نتكلم عديّا فقد زعموا أنّ عنده جوابا، فقال: إنّي أحذّركموه، فقال: لا عليك دعنا و إيّاه فقال يا أبا طريف متى فقئت عينك فقال: يوم فرّ أبوك و قتل شرّ قتلة و ضربك الاشتر على استك فوقعت هاربا من الزّحف و أنشد يقول شعرا.

أماد أبي يابن الزّبير لو اني
لقيتك يوم الزّحف رمت مدى سخطا

و كان أبي في طيّ و أبوابي‏
صحيحين لم ينزع عروقهما القبطا

قال معاوية: قد حذّرتكموه فأبيتم، و قوله: صحيحين اه تعريض بابن الزّبير بأنّ أباه و أبا أبيه ليسا بصحيحي النّسب و أنّهما من القبط و لم يستطع ابن الزّبير انكار ذلك في مجلس معاوية.

الثاني في سبب نقض طلحة و الزّبير بيعته عليه السّلام

قال الشّارح المعتزلي: لمّا بويع عليّ عليه السّلام كتب إلى معاوية: أمّا بعد فانّ النّاس قتلوا عثمان من غير مشورة منّي و بايعوني عن مشورة منهم و اجتماع فإذا أتاك كتابي فبايع و أوفد إلى أشراف أهل الشّام قبلك، فلمّا قدم رسوله على معاوية و قرء كتابه بعث رجلا من بني عيس و كتب معه كتابا إلى الزّبير بن العوام و فيه: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لعبد اللّه الزّبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان‏ سلام عليك، أمّا بعد فانّي قد بايعت لك أهل الشّام فأجابوا و استوسقوا«» كما يستوسق الحلب فدونك الكوفة و البصرة لا يسبقنّك إليهما ابن أبي طالب فانّه لا شي‏ء بعد هذين المصرين، و قد بايعت لطلحة بن عبيد اللّه بن بعدك فأظهرا الطلب بدم عثمان و ادعوا النّاس إلى ذلك و ليكن منكما الجدّ و التشمير أظفر كما اللّه و خذل مناديكما.

فلمّا وصل هذا الكتاب إلى الزّبير ستر به و أعلم به طلحة و أقرأه إيّاه فلم يشكا في النّصح لهما من قبل معاوية و أجمعا عند ذلك على خلاف عليّ عليه السّلام.

قال الشّارح: جاء الزّبير و طلحة إلى عليّ عليه السّلام بعد البيعة بأيّام فقالا: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كنا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلها و علمت رأى عثمان كان في بني اميّة و قد ولاك اللّه الخلافة من بعده فولنا بعض أعمالك، فقال عليه السّلام لهما: ارضيا بقسم اللّه لكما حتّى أرى رأيي و اعلما أنّي لا اشرك في أمانتي إلّا من أرضى بدينه و أمانته من أصحابي و من قد عرفت دخيلته فانصرفا عنه و قد دخلهما اليأس فاستأذناه في العمرة.

و في الاحتجاج عن ابن عبّاس أنّه قال: كنت قاعدا عند عليّ عليه السّلام حين دخل عليه طلحة و الزّبير فاستأذناه في العمرة فأبى أن يأذن لهما فقال: قد اعتمرتما، فعادا عليه الكلام فأذن لهما ثمّ التفت إلىّ فقال: و اللّه ما يريد ان العمرة، قلت: فلا تأذن لهما، فردّهما ثمّ قال لهما: و اللّه ما تريدان العمرة و ما تريدان إلّا نكثا لبيعتكما و إلّا فرقة لامّتكما فحلفا له فأذن لهما ثمّ التفت إليّ فقال: و اللّه ما يريدان العمرة، قلت: فلم أذنت لهما قال: حلفا لي باللّه، قال خرجا إلى مكة فدخلا على عايشة فلم يزالا بها حتّى أخرجاها.

و في شرح المعتزلي من كتاب الجمل لأبي مخنف أنّ عليّا عليه السّلام خطب لمّا سار الزّبير و طلحة من مكة و معهما عايشة يريدون البصرة فقال: أيّها النّاس إنّ عايشة سارت إلى البصرة و معها طلحة و الزّبير و كلّ منهما يرى‏الأمر له دون صاحبه أمّا طلحة فابن عمها و أمّا الزّبير فختنها، و اللّه لو ظفروا بما أرادوا و لن ينالوا ذلك أبدا ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد و اللّه إنّ راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة و لا تحلّ عقدة إلّا في معصية اللّه و سخطه حتّى تورد نفسها و من معها موارد الهلكة اى و اللّه ليقتلنّ ثلثهم و ليهربنّ ثلثهم و ليتوبنّ ثلثهم و أنّها التي تنبحها كلاب الحواب و أنّهما ليعلمان أنّهما مخطئان و ربّ عالم قتله جهله و معه علمه لا ينفعه و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية أين المحتسبون أين المؤمنون مالي و لقريش أما و اللّه لقد قتلتهم كافرين و لأقتلنّهم مفتونين، و ما لنا إلى عايشة من ذنب إلّا أنّا أدخلناها في حيزنا و اللّه لا يقرنّ الباطل حتّى يظهر الحقّ من خاصرته.

و رواه في البحار من كتاب الكافية لابطال توبة الخاطئة قريبا منه، و فيه بدل قوله: و ليتوبنّ ثلثهم و ليرجع ثلثهم و بدل قوله: و ما لنا إلى عايشة من ذنب و ما لنا اليها من ذنب غير أنّا خيرنا عليها فأدخلناها في حيزنا.

الثالث

روى المحدّث المجلسي (قده) في البحار من أمالي المفيد عن الكاتب عن الزّعفراني عن الثقفي عن الفضل بن دكين عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لمّا نزل عليّ عليه السّلام بالرّبذة سألت عن قدومه إليها فقيل: خالف عليه طلحة و الزّبير و عايشة و صاروا إلى البصرة فخرج يريدهم فصرت إليه فجلست إليه حتّى صلّى الظهر و العصر فلمّا فرغ من صلاته قام إليه ابنه الحسن عليهما السّلام فجلس بين يديه ثمّ بكى و قال: يا أمير المؤمنين إنّي لا أستطيع أن اكلّمك و بكى عليه السّلام، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: لاتبك يا بنيّ و تكلّم و لا تحنّ حنين الجارية.

فقال: يا أمير المؤمنين إنّ القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إمّا ظالمون أو مظلومون فسألتك أن تعتزل النّاس و تلحق بمكة حتى تئوب العرب و تعود إليها أحلامها و تأتيك وفودها فو اللّه لو كنت في جحر ضبّ لضربت إليك العرب آباط الابل حتّى تستخرجك منه ثمّ خالفك إلى الحقّ طلحة و الزّبير فسألتك أن لا تتبعهما و تدعهما فان اجتمعت الامّة فذاك و ان اختلفت رضيت بما قسم اللّه و أنا اليوم أسألك أن لا تقدم العراق و اذكرك باللّه أن لا تقتل بمضبعة.

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام أمّا قولك: إن عثمان حصر فما ذاك و ما علىّ منه و قد كنت بمعزل عن حصره، و أمّا قولك: ائت مكة فو اللّه ما كنت لأكون الرّجل يستحل به مكة، و أمّا قولك: اعتزل العراق و دع طلحة و الزّبير فو اللّه ما كنت لأكون كالضّبع ينتظر حتّى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتّى يقطع عرقوبها ثمّ يخرجها فيمزقها اربا اربا و لكن أباك يا بنيّ يضرب المقبل إلى الحقّ المدبر عنه و بالسّامع المطيع العاصي المخالف أبدا حتّى يأتي عليّ يومي فو اللّه ما زال أبوك مدفوعا عن حقّه مستأثرا عليه منذ قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى يوم النّاس هذا و كان طارق بن شهاب أيّ وقت حدث بهذا الحديث بكى هذا.

و المستفاد من هذه الرّواية أنّه عليه السّلام خطب بهذه الخطبة بالرّبذة، و المستفاد من رواية الشّارح البحراني السّالفة أنّه خطب بها بمكة، و اللّه العالم بحقايق الوقايع.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرتست كه فرمود در حينى كه اشاره كرده شد بسوى او كه نرود پى طلحه و زبير و مهيّا نسازد بجهة ايشان مقاتله و محاربه را و اشاره كننده حضرت امام حسن عليه السّلام بود كه بحضور پدر بزرگوار اين عرض را نمود پس آن امام عاليمقام جواب داد: بخدا سوگند كه من نمى ‏توانم مثل كفتار بشوم كه بخوابد بر درازى زدن صيد كننده او پاشنه خود را بسنك كه اين از جمله اسباب صيد اوست تا اين كه برسد باو طلب كننده و فريب دهد او را انتظار كشنده او، و لكن من مى‏ زنم باستعانت و مصاحبت كسى كه اقبال كننده حقّ است ادبار كننده از حق را و بيارى شنونده فرمان بردار گنه كار شك آورنده را در جميع حالات و در همه اوقات تا اين كه بيايد بسوى من روز موعود من.

پس بخداوند سوگند هميشه بوده ‏ام دفع كرده شده از حقّ خود ممنوع‏ گرديده از خلافت مستبدّ در امر و تنها ايستاده‏ ام بر كار خود و هيچ ناصر و معين من نبوده از آن زمان كه قبض فرمود حقّ سبحانه و تعالى روح پر فتوح پيغمبر خود را تا روز مردمان اين روزگار، يعنى اغتصاب خلافت و ممنوع شدن من از حقّ خود چيزى نيست كه تازگى داشته باشد و از آن استيحاش بكنم، بلكه امريست مستمرّ از روز وفات حضرت رسالت مآب سلام اللّه عليه تا امروز كه اين منافقين با من بمقام نقض عهد آمده و بنايشان دفع نمودن من است از حقّ خود، و اللّه أعلم بالصّواب.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 5 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 5 صبحی صالح

5- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) لما قبض رسول الله ( صلى‏ الله ‏عليه ‏وآله ‏وسلم  ) و خاطبه العباس و أبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة (و ذلك بعد أن تمت البيعة لأبي بكر في السقيفة، و فيها ينهى عن الفتنة و يبين عن خلقه و علمه)

النهي عن الفتنة

أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ

وَ عَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ

وَ ضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ

أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ

هَذَا مَاءٌ آجِنٌ وَ لُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا

وَ مُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ.

خلقه و علمه‏

فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ

وَ إِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ

هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي

وَ اللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ

بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمْ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3 

و من كلام له عليه السّلام لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خاطبه العباس و ابو سفيان بن حرب فى ان يبايعا له بالخلافة و هو الخامس من المختار فى باب الخطب

و رواه في البحار من مناقب ابن الجوزي بأدنى اختلاف تطّلع عليه: أيّها النّاس شقّوا أمواج الفتن بسفن النّجاة، و عرّجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح، ماء آجن و لقمة يغصّ بها آكلها، و مجتني الثّمرة لغير وقت إيناعها كالزّارع بغير أرضه، فإن أقل يقولوا حرص على الملك، و إن أسكت يقولوا جزع من الموت، هيهات بعد اللّتيّا و الّتي، و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطّفل بثدي أمّه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطّوي البعيدة.

اللغة

(عرّجوا) أى انحرفوا و اعدلوا يقال: عرجت عنه عدلت عنه و تركته و (تيجان) جمع تاج و هو الاكليل و (فاخره) مفاخرة و فخارا عارضه بالفخر، قال الشّارح‏ المعتزلي: المفاخرة هو أن يذكر كلّ من الرّجلين فضائله و مفاخره ثم يتحاكما إلى ثالث و (الماء الاجن) المتغيّر الطعم و اللّون و (غصص) بالكسر و الفتح و يغصّ بالفتح و هو غاصّ و (جنيت الثّمرة) و اجتنيتها و (ينعت) الثّمار من باب ضرب و منع أدركت و (اللتيّا) بفتح اللام و التّاء و تشديد الياء تصغير التي، و اللتيا و التي من أسماء الدّاهية يقال: وقع فلان في اللتيا و التي أى في الدّاهية، و قيل: يكنى بهذه اللفظة من كمال الشّدة و الخزن و بهذه المناسبة جعلت علما للدّاهية، و قيل: اللتيّا الدّاهية التي بلغت الغاية و التّصغير للتّعظيم أو بالعكس و التّصغير للتّحقير.

و في بعض كتب الأدبيّة على ما ببالي أنّه تزوّج رجل امرأة قصيرة سيّئة الخلق فقاسى منها شدائد فطلقّها، و تزوّج طويلة فقاسى منها أضعاف القصيرة فطلقها و قال بعد اللّتيا و التي لا أتزوّج فصار مثلا، و مثل ذلك ذكر الشّارح البحراني، و قال الحريريّ في المقامات: اللّتيا تصغير التي و هو على غير قياس التّصغير المطرد لأنّ القياس أن يضمّ أوّل الاسم إذا صغّر و قد أقرّ هذا الاسم على فتحه الأصليّة عند تصغيره إلّا أنّ العرب عوّضته من ضمّ أوّله بأن زادت في آخره الفا و أجرت أسماء الاشارة عند تصغيرها على حكمه فقال في تصغير الذي و التي: اللّذيا و اللتيا و في تصغير ذا و ذاك: ذيّا و ذيّاك، و قد اختلف في معنى قولهم بعد اللتيّا و التي و قيل: هما من أسماء الدّاهية، و قيل: المراد بهما صغير المكروه و كبيره انتهى.

و (اندمج) في الشي‏ء دخل فيه و تستر به و (باح) بسرّه أظهره كإباحة و (الارشية) جمع رشا ككساء و هو الحبل و (الطوى) كغنى اسم بئر بذي طوى على ما ذكره الفيروزآبادي، و لعل المراد هنا مطلق البئر كطوية.

الاعراب

ماء آجن مرفوع على الابتداء و الخبر محذوف و هو ما صرّح به في رواية ابن الجوزي أي أجدر بالعاقل اه، أو خبر محذوف المبتدأ أى ما تدعوني إليه ماء آجن و مجتنى الثّمر مبتدأ و كالزّارع خبره و على في قوله عليه السّلام على مكنون علم بمعنى في‏ على حدّ قوله: و دخل المدينة على حين غفلة، و البعيدة صفة و تأنيثها باعتبار أن الطوى اسم للبئر و هى انثى.

المعنى

اعلم أنّه قال الشّارح المعتزلي: لمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اشتغل عليّ عليه السّلام بغسله و دفنه و بويع أبو بكر خلا«» الزّبير و أبو سفيان و جماعة من المهاجرين بعبّاس و عليّ عليه السّلام لاجالة الرأى و تكلموا بكلام يقتضي الاستنهاض و التّهييج، فقال العبّاس رضي اللّه عنه، قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم و لا لظنّة نترك آرائكم فامهلونا نراجع الفكر فان لم يكن لنا من الاثم مخرج يصرّ«» بنا و بهم الحقّ صرير الجدجد و نبسط إلى المجد أكفّا لا نقبضها أو يبلغ بالمدى، و إن تكن الاخرى فلا لقلة في العدد و لا لوهن في الأيد و اللّه لو لا أن الاسلام قيّد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحلّ العلى، فحلّ عليه السّلام حبوته«» و قال: الصّبر حلم و التّقوى دين و الحجّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الطريق الصّراط، أيّها النّاس شقّوا أمواج الفتن الخطبة، ثمّ نهض إلى منزله و افترق القوم.

و قال البحراني روى أنّه لمّا تمّ في سقيفة بني ساعدة لأبي بكر أمر البيعة أراد أبو سفيان بن حرب أن يوقع الحرب بين المسلمين ليقتل بعضهم بعضا فيكون ذلك دمارا للدّين فمضى إلى العبّاس فقال له: يا أبا الفضل إنّ هؤلاء القوم قد ذهبوا بهذا الأمر من بني هاشم و جعلوه في بني تيم، و إنّه ليحكم فينا غدا هذا الفظّ الغليظ من بني عدي فقم بنا حتّى ندخل على عليّ عليه السّلام و نبايعه بالخلافة و أنت عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنا رجل مقبول القول في قريش، فإن دافعونا عن ذلك قاتلناهم و قتلناهم، فأتيا أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له أبو سفيان: يا أبا الحسن لا تغافل عن هذا الأمر متى كنّا لتيم الارذال و كان عليه السّلام يعلم من حاله أنّه لا يقول ذلك عصبة للدّين بل للفساد الذي‏ زواه في نفسه فأجابه عليه السّلام بقوله: (أيّها النّاس شقّوا أمواج الفتن بسفن النّجاة) شبّه الفتن بالبحر المتلاطم في كون كلّ منهما سبب هلاك الخائضين فيها، و قرن ذلك بالأمواج التي هي من لوازم البحر و كنّى بها عن هيجان الفتنة و ثورانها، و أتبعها بذكر سفينة النّجاة التي هى من ملايمات البحر، و لمّا كانت السّفن الحقيقة تنجي من أمواج البحر استعارها لكل ما يحصل به الخلاص من الفتن و وجه المشابهة كون كل منهما وسيلة إلى السّلامة (و عرّجوا) أى انحرفوا و اعدلوا (عن طريق المنافرة) إلى المتاركة و المسالمة (وضعوا تيجان المفاخرة) لما كان التّاج ممّا يعظم به قدر الانسان و هو أعظم ما يفتخر به استعاره لما كانوا يتعظمون به و يفتخرون و أمرهم بوضعه مريدا بذلك ترك التّفاخر الموجب لانبعاث الفتنة و هيجان العصبيّة، و لمّا أمر عليه السّلام بالعدول عن النّفار و الافتخار أشار إلى ما ينبغي أن يكون الانسان عليه في تلك الحالة التي هاجت فيها الفتن و عظمت فيها المحن بقوله: (أفلح من نهض بجناح أو استسلم فاراح) يعني أن الفلاح في تلك الحال بأحد الأمرين.

أحدهما النّهوص إلى الأمر و مطالبة الحقّ بوجود النّاصر و المعين اللذين هما بمنزلة الجناح للطير في كونها واسطة الظفر بالمطلوب و الفوز بالمقصود.

و ثانيهما التسليم و الانقياد و التّرك و السّلامة لمن لم يكن له جناح النجاح فيستسلم و ينقاد فيريح نفسه من تعب الطلب.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى أنّ ما كانوا يدعون إليه و يحملونه عليه (ماء آجن) يتغيّر اللون و الطعم (و لقمة يغص بها) أى بأكلها (آكلها) أى ينشب في حلق آكلها و يكون غاصّا لا يمكنه إساغتها، و تشبيه الخلافة في تلك الحالة بهما إشارة إلى نفرة النّفس عنها و عدم التذاذها بها مع وجود المنافسة التي كانت فيها، فهي في تلك الحال كانت لقمة منغصة و جرعة لا يسيغها شاربها و قد ذكر شارحو كلامه في هذا المقام وجوها أخر و ما ذكرناه أظهر، ثمّ إنّ هذا كله على جعل ماء آجن خبرا لمبتدأ محذوف على ما اشرنا إليه و أمّا على تقدير جعله مبتدأ حذف خبره مطابقا لما صرّح به في رواية ابن الجوزي التي تأتي في التّكملة الآتية، فالغرض أنّ التّحمل على المذلة و الصّبر على الشدّة أولى مع حسن العاقبة و أحسن من ارتكاب أمر يوجب اشتداد البليّة و سوء العاقبة.

ثمّ أخذ في الاعتذار عن الامساك و ترك المنازعة بقوله عليه السّلام: (و مجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزّارع بغير أرضه) يعني من احتنى الثمرة قبل أن تدرك لا ينتفع بها كما لا ينتفع الزّارع بغير أرضه من زرعه لعدم قدرته على الاقامة في محلّ زراعته و عدم امكان سعيه في إصلاحها بسقيها و حراستها و جبايتها و نحوها، و المقصود أنّ هذا الوقت ليس وقت طلب هذا الأمر و لا يسوغ لي المطالبة إمّا لعدم النّاصر أو لغير ذلك.

و قال المحدّث المجلسي طاب رمسه: و لعلّه شبّه عليه السّلام طلبه في هذا الوقت بمن يجتنى ثمرته مع عدم ايناعها، و شبّه اختيار الملعون الخلافة بمن زرع في غير أرضه فيفيد ما تقدّم أي عدم الانتفاع مع كمال التّشبيه في الفقرتين (فإن أقل) في باب الخلافة شيئا (يقولوا: حرص على الملك) كما قاله عمر في غير موضع واحد (و إن أسكت) من حيث اقتضاء المصلحة (يقولوا: جزع من الموت) و هذا كلّه إشارة إلى عدم أمنه عليه السّلام من حصائد الألسنة و غوائل الزّخرفة، حيث إنّهم مع التّكلم كانوا ينسبونه إلى الحرص و الاهتمام بأمر الدّنيا، و مع السّكوت كانوا ينسبونه إلى الجزع و العجز و الخوف من الموت كما هود أب المنافق الحاسد و الكافر الجاحد في كلّ عصر و زمان خصوصا في حقّ مثله عليه السّلام.

كما قال الصّادق عليه السّلام في رواية المجالس: إنّ رضا النّاس لا يملك و ألسنتهم لا تضبط، ألم ينسبوه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم بدر إلى أنّه أخذ من المغنم قطيفة حمراء حتّى أظهره اللّه على القطيفة، و برء نبيّه من الخيانة، و أنزل في كتابه: و ما كان لنبيّ أن يغلّ الآية.

و في الصّافي عن المجالس عن الصّادق عليه السّلام إنّ رضا النّاس لا يملك و ألسنتهم لا تضبط و كيف تسلمون ما لم يسلم منه أنبياء اللّه و رسله و حججه ألم ينسبوا نبيّنا محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى أنّه ينطق عن الهوى في ابن عمّه عليّ عليه السّلام حتّى كذّبهم اللّه فقال: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏» و قال الشّاعر و ربّما ينسب إليه عليه السّلام.

قيل إنّ الاله ذو ولد
و قيل إنّ الرّسول قد كهنا

ما نجا اللّه و الرّسول معا
من لسان الورى فكيف أنا

ثمّ إنّه عليه السّلام أشار إلى بطلان ما زعموا في حقّه و تكذيب ما قالوا فيه من جزعه من الموت على تقدير السّكوت بقوله: (هيهات) أي بعد ما يقولون (بعد اللّتيّا و التي) أى بعد هذه الدّاهية الكبرى و ملاقات كبار الشّدائد و صغارها (و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت) و أرغب فيه و أميل إليه (من) ميل (الطفل) و رغبته (بثدى امّه) و تفضيله عليه السّلام انسه بالموت على انس الطفل بالثّدى بملاحظة أن انس الطفل جبلّي و طبيعي في معرض الفناء و الزّوال و انسه عليه السّلام بالموت و لقاء ربّه عقليّ روحاني متّصف بالبقاء و الثبات فاين أحدهما من الآخر.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى سرّ سكوته عن طلب حقّه بقوله: (بل اندمجت) أى انطويت (على مكنون علم لو بحت به) و أظهرته (لاضطربتم اضطراب الأرشية) و الحبال (في الطوى البعيدة) و البئر العميقة، و اختلفوا في أنّ المراد بالعلم المكنون ما ذا فقيل: إنّه إشارة إلى الوصيّة التي اختصّ بها و قد كان من جملتها الأمر بترك النّزاع في مبدء الاختلاف.

و قيل إنّ المراد به علمه بعواقب الامور المانع من سرعته إلى ما فيه المفسدة و الموجب لتوقفه على ما اقتضته المصلحة.

و قيل: إنّه أراد به علمه بأحوال الآخرة و أهوالها، يعني أنّ الّذي يمنعني من المنافسة في هذا الأمر و القتال عليه اشتغالي بما انطويت عليه من علم الآخرة ممّا لو أظهرته لكم لاضطربتم اضطراب الحبال في الآبار خوفا من العقاب و شوقا إلى الثّواب و لذهلتم عمّا أنتم فيه من التنافس فما أمر الدّنيا.

 

أقول: و الأظهر عندي أنّ المراد به هو ما أعلمه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالوحي الالهي من جريان حكم القضاء اللّازم على دوران رحى الضلالة بعده صلوات اللّه عليه و آله على قطبها إلى رأس خمس و ثلاثين من الهجرة، ثمّ قيام دولة بني اميّة على ما يجري فيها على المسلمين و المؤمنين من العذاب الأليم و النّكال العظيم، ثمّ ملك الفراعنة أعنى بني العبّاس على ما يبتلى به النّاس فيه من الفتن و المحن، و لعلّ هذا الوجه أقرب، و محصّله أنّ القضاء الأزلى و القدر الحتمي قد جرى على وقوع هذه الامور و استيلاء الدولة الباطلة لا محالة، فلا يثمر النّهوض و لا ينفع إلّا السّكوت، و اللّه العالم بحقايق كلام وليّه صلوات اللّه عليه و آله.

تكملة

هذا الكلام رواه المجلسي في البحار بأدنى اختلاف، قال: مأخوذ من مناقب ابن الجوزي خطبة خطب بها أمير المؤمنين عليه السّلام بعد وفات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، روى مجاهد عن ابن عبّاس قال: لمّا دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاء العبّاس و أبو سفيان بن حرب و نفر من بني هاشم إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، فقالوا: مدّ يدك نبايعك و هذا اليوم الذي قال فيه أبو سفيان: إن شئت ملاءتها خيلا و رجلا، فخطب عليه السّلام و قال: أيّها النّاس شقّوا أمواج الفتن بسفن النّجاة، و عرّجوا عن طريق المنافرة وضعوا تيجان المفاخرة، فقد فاز من نهض بجناح، أو استسلم فارتاح، ماء آجن و لقمة يغصّ بها آكلها أجدر بالعاقل من لقمة تحشى بزنبور، و من شربة تلذّبها شاربها مع ترك النّظر في عواقب الامور، فان أقل يقولوا: حرص على الملك و إن أسكت يقولوا: جزع من الموت، هيهات هيهات بعد اللّتيّا و الّتي و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدى امّه، و من الرّجل بأخيه و عمّه، و لقد اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة.

الترجمة

از جمله كلام آن حضرتست در حينى كه پيغمبر خدا صلوات اللّه عليه و آله از دنيا احتجاب فرمود و خطاب نمودند به آن حضرت عباس بن عبد المطلب و أبو سفيان بن حرب در آنكه بيعت نمايند باو بخلافت، پس فرمود در جواب ايشان: اى مردمان بشكافيد موجهاى فتنه‏ ها را كه در تلاطم مانند بحار زخّار است بكشتي هاى راستكارى، و منحرف بشويد و عدول نمائيد از راه مخالفت بسوى استكانت و سلامت، و بگذاريد از سرها تاجهاى مكابرت و مفاخرت را، راستكار كرديد كسى كه برخاست بجناح اعوان و انصار يا اطاعت نمود و نفس خود را راحت كرد، چيزى كه مرا بسوى آن دعوت مى ‏كنيد از عقد بيعت همچو آبى است گنديده، و مانند لقمه‏ ايست كه بسبب خوردن آن گلو گير مى‏ شود خوردنده آن، و چيننده ميوه در غير وقت رسيدن آن بمنزله كسى است كه زراعت كننده است در غير زمين خود، پس اگر بگويم كه ميل دارم در خلافت مى‏ گويند كه حريص است در ملك و أمارت، و اگر ساكت شوم مى ‏گويند كه ترسيد از مقاتله و شهادت، چه دور است آنچه مى‏ گويند بعد از اين داهيه عظمى و مصيبت كبرى و تعاقب شدائد بسيار و ملاقات سختيهاى بى‏ شمار، بخدا قسم هر آينه پسر أبو طالب انس گيرنده ‏تر است بمرك از انس گرفتن طفل شيرخواره بپستان مادر خود، بلكه سبب سكوت و توقف من در اين باب آنست كه پيچيده شده ‏ام بعلم مخزون و سر مكنونى كه پنهان است كه اگر اظهار بدارم آن را بشما هر آينه مضطرب مى ‏شويد، و بلرزه مي افتيد مانند لرزيدن ريسمان در چاه دور و دراز، و اين اشاره است بقيام دولت أهل ضلالت و طغيان و امتداد زمان غصب خلافت ايشان.

 

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 4 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 4 صبحی صالح

4- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  )و هي من أفصح كلامه ( عليه‏ السلام  ) و فيها يعظ الناس و يهديهم من ضلالتهم و يقال إنه خطبها بعد قتل طلحة و الزبير

بِنَا اهْتَدَيْتُمْ فِي الظَّلْمَاءِ وَ تَسَنَّمْتُمْ ذُرْوَةَ الْعَلْيَاءِ

وَ بِنَا أَفْجَرْتُمْ عَنِ السِّرَارِ

وُقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَةَ

وَ كَيْفَ يُرَاعِي النَّبْأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ

رُبِطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ

مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ وَ أَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَرِّينَ

حَتَّى سَتَرَنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ وَ بَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّةِ

أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الْحَقِّ فِي جَوَادِّ الْمَضَلَّةِ حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَ لَا دَلِيلَ وَ تَحْتَفِرُونَ وَ لَا تُمِيهُونَ

الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ

عَزَبَ رَأْيُ امْرِئٍ تَخَلَّفَ عَنِّي

مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ

لَمْ يُوجِسْ مُوسَى ( عليه‏السلام  )خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ وَ دُوَلِ الضَّلَالِ

الْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ

مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأْ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3 

و من خطبة له عليه السلام (بعد مقتل طلحة و الزبير خ) و هى الخطبة الرابعة

خطب بها أمير المؤمنين عليه السّلام بعد قتل طلحة و الزّبير كما في شرح البحراني و المعتزلي و زاد في الأخير مخاطبا بها لهما و لغيرهما من أمثالهما و فيه أيضا هذه الكلمات و الأمثال ملتقطة من خطبة طويلة منسوبة إليه قد زاد فيها قوم أشياء حملتهم عليها أهوائهم لا يوافق ألفاظها طريقته عليه السّلام في الخطب و لا تناسب فصاحتها فصاحته و لا حاجة إلى ذكرها فهى شهيرة، و في البحار قال القطب الرّاوندي: أخبرنا بهذه جماعة عن جعفر الدّوريستي عن أبيه محمّد بن العباس عن محمّد بن عليّ بن موسى عن محمّد بن عليّ الاسترابادي عن عليّ بن محمّد بن سيار عن أبيه عن الحسن العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السّلام و هذا ما ظفرت بعد إلى تلك الخطبة التقطت هذه منها على ما ذكره الشّارح المعتزلي، نعم رواها في كتاب الارشاد للمفيد (ره) بادنى تغيير و اختلاف، قال: من كلامه عليه السّلام حين قتل طلحة و انقض أهل البصرة: بنا تسنّمتم الشّرف، و بنا انفجرتم عن السّرار، و بنا اهتديتم في الظلماء، و قر سمع لم يفقه الواعية، كيف يراعي النّبأة من أصمّته الصّيحة، ربط جنان لم يفارقه‏ الخفقان، ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر، و أتوسّمكم بحلية المغترين، سترني عنكم جلباب الدّين و بصرنيكم صدق النية أقمت لكم الحقّ حيث تعرفون و لا دليل و تحتقرون و لا تميهون، اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان، عزب فهم امرء تخلّف عنّي، ما شككت في الحقّ منذ رأيته، كان بنو يعقوب على المحجّة العظمى حتى عقّوا آبائهم و باعوا أخاهم، و بعد الاقرار كانت توبتهم، و باستغفار أبيهم و أخيهم غفر لهم هذا، و شرح ما ذكره الرضي قدّس سرّه في ضمن فصلين.

الفصل الاول

بنا اهتديتم في الظّلمآء، و تسنّمتم العلياء، و بنا انفجرتم عن السّرار، و قر سمع لم يفقه الواعية، و كيف يراعي النّبأة من أصمّته الصّيحة، ربط جنان لم يفارقه الخفقان، ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر، و أتوسّمكم بحلية المغترّين، سترني عنكم جلباب الدّين، و بصّرنيكم صدق النّيّة.

اللغة

(الظلماء) كصحراء الظلمة و قد تستعمل و صفا يقال ليلة ظلماء أي شديدة الظلمة و (التّسنّم) هو العلوّ و أصله ركوب السّنام و (العلياء) كصحراء أيضا السّماء و رأس الجبل و المكان العالي و كلّ ما علا من شي‏ء و الفعلة العالية المتضمنة للرفعة و الشّرف و (انفجرتم) أي دخلتم في الفجر و (السّرار) اللّيلة و اللّيلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشهر و روى أفجرتم قال الشّارح المعتزلي: و هو أفصح و أصحّ لان انفعل لا يكون إلّا لتطاوع فعل نحو كسرته فانكسر و حطمته فانحطم إلّا ما شذّ من قولهم: غلقت الباب فانغلق، و أزعجته فانزعج، و أيضا فانّه لا يكون إلّا حيث يكون علاج و تأثير نحو انكسروا نحطم و لهذا قالوا: إنّ قولهم: انعدم خطاء، و أمّا افعل فيجي‏ء لصيرورة الشي‏ء على حال و أمر نحو أغدّ البعير أى صار ذاغدّة و أجرب‏ الرّجل إذا صار ذا إبل جربي و غير ذلك و أفجرتم أى صرتم ذوي فجر و (الوقر) ثقل في الأذن أو ذهاب السّمع كله، و قد وقر كوعد و وجل و مصدره وقر بالسكون و القياس بالتّحريك و وقر كعنى أيضا و وقرها اللّه يقرها.

و (الواعية) الصّراخ و الصّوت كما في القاموس لا الصّارفة كما ذكره الشّارح البحراني و المعتزلي تبعا للجوهري، و في القاموس أنّه و هم، و عن الاساس ارتفعت الواعية أى الصّراخ و الصّوت، و في الاقيانوس سمعت واعية القوم أى أصواتهم و (النبأة) الصّوت الخفي و (خفقت) الرّاية كحسب خفقا و خفقانا محرّكة اضطربت و تحركت و (توسّم) الشي‏ء تفرسه و تخيّله و المتوسّم النّاظر في السّمة الدّالة و هي العلامة و توسم فيه الخير أو الشرّ أى عرف سمة ذلك و (الجلباب) بفتح الجيم و كسرها القميص و في المصباح ثوب أوسع من الخمار و دون الرّداء و قال ابن فارس: الجلباب ما يغطى به من ثوب و غيره و الجمع الجلابيب.

الاعراب

الباء في قوله عليه السّلام بنا للسّببية، و كلمة عن في قوله عن السرار على حقيقتها الأصليّة و هي المجاوزة أى منتقلين عن السّرار و متجاوزين له، و وقر بفتح الواو و ضمّها على صيغة المعلوم أو المجهول و سمع فاعله على الأوّل و على الثّاني الفاعل هو اللّه.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة من أفصح كلامه عليه السّلام و هي على و جازتها متضمّنة لمطالب شريفة و نكات لطيفة، و مشتملة على مقاصد عالية و إن لاحظتها بعين البصيرة و الاعتبار وجدت كلّ فقرة منها مفيدة بالاستقلال مطابقة لما اقتضاه المقام و الحال و سيجي‏ء الاشارة إلى بعض ذلك حسب ما ساعدته الوقت و المجال إنشاء اللّه.

فاقول قوله: (بنا اهتديتم في الظلماء) أى بآل محمّد عليهم السلام اهتديتم في ظلمات الجهل، و الخطاب لأهل البصرة و غيرهم من طلحة و زبير و ساير حاضري الوقت و هو جار في حقّ الجميع و فيه إشارة إلى كونهم عليهم السّلام سبب هداية الأنام في الغياهب و الظلام، و لمّا كان الظلمة عبارة عن عدم الضّوء عمّا من شأنه أن يكون‏ مضيئا فتقابل النّور تقابل العدم للملكة على ما ذهب إليه محقّقو المتكلّمين و الفلاسفة، أو عبارة عن كيفيّة وجوديّة تقابل التّضاد كما ذهب إليه آخرون و هو الأظهر نظرا إلى أنّها على الأوّل لا تكون شيئا لأنّها عدم و كيف ذلك و اللّه سبحانه خالقها، و على أيّ تقدير كان قوله دالّا بالمطابقة على كونهم الهداة إلى سبيل النجاة في المدلهمات و الظلمات، و بالالتزام على كونهم نورا مضيئا و قمرا منيرا إذ الاهتداء في الظلمة لا يكون إلّا بالنّور الظاهر في ذاته المظهر لغيره.

أمّا المدلول المطابقي فقد اشير إليه في غير واحدة من الآيات الكريمة و صرّح به في الأخبار البالغة حدّ التّظافر بل التّواتر.

منها ما رواه في الكافي باسناده عن عبد اللّه بن سنان قال سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ» قال: هم الأئمة صلوات اللّه عليهم.

و منها ما في تفسير عليّ بن إبراهيم في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» فأمّا من يهدي إلى الحقّ فهو محمّد صلّى اللّه عليه و آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من بعده، و أما من لا يهدي إلا أن يهدى فهو من خالف من قريش و غيرهم أهل بيته من بعده.

و منها ما في البحار من تفسير العيّاشيّ بإسناده عن المعلّى بن خنيس عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله تعالى: «وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ» قال عليه السّلام هو من يتّخذ دينه برأيه بغير هدى إمام من اللّه من أئمة الهدى.

 

و منها ما في البحار أيضا من كنز جامع الفوائد و تأويل الآيات بالاسناد عن عيسى بن داود النّجار عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام أنّه سأل أباه عن قول اللّه عزّ و جلّ: «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى‏» قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أيّها النّاس اتّبعوا هدى اللّه تهتدوا و ترشدوا و هو هدى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فمن اتّبع هداه في حياتي و بعد موتي فقد اتّبع هداى و من اتبع هداى فقد اتّبع هدى اللّه فلا يضلّ و لا يشقى، إلى غير هذه ممّا لا نطيل بذكرها.

و أما المدلول الالتزامي و هو كونهم عليهم السّلام أنوارا يستضاء بها في الليلة الظلماء و نجوما يهتدى بها في غياهب الدّجى فقد اشير إليه في قوله سبحانه و تعالى: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا» روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن عليّ بن الحسين عن البرقيّ عن ابن محبوب عن أبي أيّوب عن أبي خالد الكابلي قال سألت أبا جعفر عليه السّلام عن هذه الآية فقال: يا أبا خالد النّور و اللّه الأئمة من آل محمّد إلى يوم القيامة هم و اللّه نور اللّه الذي انزل و هم و اللّه نور اللّه في السّماوات و الأرض، و اللّه يا أبا خالد لنور الامام في قلوب المؤمنين أنور من الشّمس المضيئة بالنّهار و هم و اللّه ينوّرون قلوب المؤمنين و يحجب اللّه نورهم عمّن يشاء فتظلم قلوبهم، و اللّه يا أبا خالد لا يحبّنا عبد و يتولّانا حتّى يطهّر اللّه قلبه و لا يطهّر اللّه قلب عبد حتّى يسلم لنا و يكون سلما لنا فإذا كان سلما سلمه اللّه من شديد الحساب و آمنه من فزع يوم القيامة الأكبر.

و قال الصادق عليه السّلام في مرويّ العيّاشي إنّ اللّه قال في كتابه: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ» فالنّورهم آل محمّد عليهم السّلام و الظلمات عدوّهم.

 

و في البحار من تفسير فرات بن إبراهيم عن جعفر بن محمّد الفزاري معنعنا عن ابن عبّاس في قول اللّه تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ» قال: الحسن و الحسين عليهما السّلام «وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ» قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و في تفسير عليّ بن إبراهيم في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ» قال: النّجوم آل محمّد عليه و عليهم السّلام.

و فيه أيضا عن عبد الرّحمان بن محمّد العلوي بإسناده عن عكرمة، و سئل عن قول اللّه تعالى: «وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها» قال: الشّمس و ضحيها هو محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و القمر إذا تليها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و النّهار إذا جلّيها آل محمّد الحسن و الحسين عليهما السّلام، و الليل إذا يغشيها بنو اميّة.

و في البحار من تفسير العيّاشيّ عن معلّى بن خنيس عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله تعالى: «وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ»قال: هو أمير المؤمنين عليه السّلام، و فيه من المناقب لابن شهر آشوب عن أبي الورد عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله: «وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» قال: نحن النّجم إلى غير هذه ممّا يطلع عليها العارف الخبير و المتتبع المجدّ و بالجملة فقد ظهر و تحقق ممّا ذكرنا كله أنّهم عليهم السّلام نور اللّه في السّماوات و الأرض و النّجوم التي يهتدى بها في ظلمات البرّ و البحر و القمر الهادي في أجواز البلدان و القفار و غياهب الليالي و لجج البحار.

فإن قلت: سلمنا ذلك كله و لكنّك قد ذكرت أنّ الخطاب في قوله: بنا اهتديتم في الظلماء لطلحة و الزبير و نظرائهما من أهل الجمل، و من المعلوم أنّهم كانوا من المنافقين الناكثين فكيف يكونون من المهتدين مع أنّ اعتقادنا أنّهم مخلدون في النّار بخروجهم على الامام العادل و نقضهم بيعته، و المهتدون يسعى نورهم بين أيديهم و بأيمانهم يوم القيامة و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون كما قال تعالى: «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى‏»

قلت: أوّلا إن اهتديتم بصيغة الماضي دالة على اهتدائهم فيما مضى فهو لا ينافي بارتدادهم بعد الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ الاهتداء تارة يكون بالوصول إلى المطلوب و هو الموجب للأجر الجميل و هو الذي لا يتصوّر بعده الضلالة، و اخرى بالوصول إلى ما يوصل إلى المطلوب و هو لا يستلزم الوصول إليه ألبتّة و لا ينافي الخذلان و الضلالة قطعا و ثانيا إنّ المراد بالظلماء في قوله عليه السّلام هو ظلمة الكفر و بالاهتداء هو الاهتداء إلى الاسلام و هو بانفراده لا يكفي في استحقاق الثّواب، بل لا بدّ و أن ينضم إلى ذلك نور الولاية كما مرّ تحقيق ذلك و تفصيله في التّذنيب الثالث من تذنيبات الفصل الرّابع من فصول الخطبة الاولى، و يشهد بذلك و يوضحه مضافا إلى ما مرّ: ما رواه في البحار من كتاب غيبة النّعماني عن الكليني بإسناده عن ابن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام إنّي اخالط النّاس فيكثر عجبي من أقوام لا يتوالونكم‏ و يتوالون فلانا و فلانا لهم أمانة و صدق و وفاء، و أقوام يتوالونكم ليس لهم تلك الأمانة و لا الوفاء و لا الصّدق قال: فاستوى أبو عبد اللّه عليه السّلام جالسا و أقبل علىّ كالمغضب ثمّ قال: لا دين لمن دان بولاية إمام جائر ليس من اللّه، و لا عتب«» على من دان بولاية إمام عادل من اللّه، قلت: لا دين لاولئك و لا عتب على هؤلاء، ثمّ قال عليه السّلام: ألا تسمع قول اللّه عزّ و جلّ: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» من ظلمات الذّنوب إلى نور التوبة أو المغفرة لولايتهم كلّ إمام عادل من اللّه قال: «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ» فأيّ نور يكون للكافر فيخرج منه إنّما عنى بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام فلمّا تولوا كلّ إمام جائر ليس من اللّه خرجوا بولايتهم إيّاهم من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر فأوجب لهم النّار مع الكفّار فقال: «أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» و أوضح من هذه الرّواية دلالة ما في البحار من تفسير العياشي عن سعيد بن أبي الأصبغ قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام و هو يسأل عن مستقرّ و مستودع، قال: مستقرّ في الرّحم و مستودع في الصّلب، و قد يكون مستودع الايمان ثمّ ينزع منه و لقد مشى الزّبير في ضوء الايمان و نوره حتّى قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى مشى بالسّيف و هو يقول لا نبايع إلّا عليّا عليه السّلام و عن العيّاشي أيضا عن جعفر بن مروان قال: إنّ الزّبير اخترط سيفه يوم قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال لا أغمده حتّى ابايع لعليّ عليه السّلام ثمّ اخترط سيفه فضارب عليّا و كان ممن اعير الايمان فمشى في ضوء نوره ثمّ سلبه اللّه إيّاه.

(و تسنّمتم العلياء) أى بتلك الهداية و شرافة الاسلام ركبتم سنام العلياء و الرفعة علا ذكركم و رفع قدركم، شبّه عليه السّلام العلياء بالنّاقة و أثبت لها سنامها تخييلا و رشّح ذلك بذكر التّسنّم الذي هو ركوب السّنام (و بنا انفجرتم) أو أفجرتم (عن السّرار) أى انفجرتم انفجار العين من الأرض، أو دخلتم في الفجر، أو صرتم ذوى فجر منتقلين عن السّرار، و استعار عليه السّلام لفظ السّرار لما كانوا فيه من ليل الجهل و خمول الذّكر في الجاهلية و غيرها، و لفظ الانفجار عنه لخروجهم من ذلك إلى نور الإسلام و استضاءتهم بضياء صباح وجودهم عليهم السّلام كما قال عزّ من قائل: «وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» قال أمير المؤمنين عليه السّلام لابن الكوّا حين سأله عن ذلك: يعني ظلمة الليل و هذا ضربه اللّه مثلا لمن ادّعى الولاية لنفسه و عدل عن ولاة الأمر قال: فقوله و الصّبح إذا تنفّس قال: يعني بذلك الأوصياء يقول: إنّ علمهم أنور و أبين من الصّبح إذا تنفس هذا.

و لمّا ذكر فضله عليهم بكونه عليه السّلام سبب هدايتهم و علة لعلوّ مقامهم و سموّ مكانهم وجهة لشرافتهم و رفعة قدرهم و داعيا لصيرورتهم من ظلمة الغواية و الضلالة إلى فجر الهداية و الرّشاد مع مقابلتهم كلّ ذلك بالنّفاق و النّفار و العتوّ و الاستكبار، أردف ذلك بالدّعاء عليهم بقوله (و قر سمع لم يفقه الواعية) إشارة إلى أنّهم كيف لم يفقهوا بيانه بعد ما بيّنه و لم يقبلوه بعد ما سمعوه و لم يطيعوه بعد ما فهموه و جهلوا قدره بعد ما عرفوه.

قال البحراني: و هذا كما يقول أحد العلماء لبعض تلاميذه المعاند له المدّعي لمثل فضيلته: إنّك بي اهتديت من الجهل و علا قدرك في النّاس و أنا سبب لشرفك أ فتكبّر عليّ وقر سمعك لم لا تفقه قولي و تقبله هذا، و على ما ذكرناه من كون الواعية بمعنى الصّوت يكون معنى كلامه عليه السّلام ثقل سمع لم يفقه الصّوت بعد ما سمعه، و على قراءة و قر بصيغة المجهول يكون المعنى أثقل اللّه سمعا لم يفقه الصّراخ، و على ذلك فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض شارحي كلامه عليه السّلام تارة بجعل الواعية صفة لمحذوف مع حذف مفعول لم يفقه أى وقر سمع لم يفقه صاحبه بإذنه الواعية علم الشّريعة،و اخرى بجعل الفاعل بمعنى المفعول مع حذف الموصوف أيضا أى لم يفقه الأشياء الموعية، و ثالثة بجعلها بمعنى الصّارفة.

فإن قلت: ما السّر في وصفه السّمع بعدم الفقه لا بعدم السّماع و تعبيره بقوله: لم يفقه دون لم يسمع مع كون الواعية أيضا من قبيل المسموعات لا المفقوهات و الحال أنّ الموصوف و المتعلق كليهما مقتضيان للتعبير بالثّاني دون الأوّل.

قلت: بعد الغضّ عن عدم ملايمة الوصف بالثّاني للدّعاء بالوقر لاستلزامه تحصيل الحاصل أنّ السّر في ذلك هو أنّ المقصود بالسّمع ليس مجرّد السّماع و الاستماع بل الفقه و الفهم و الاتعاظ بالمواعظ و النّصايح بعد إدراك السّمع لها، فإذا أدركها و لم يفقهها و لم يقم بمقتضياتها فهو حريّ بالدّعاء عليه بكونه موقورا ثقيلا مع أنّ في التعبير بهذه اللفظة إشارة إلى غاية نفارهم و استكبارهم و شدّة لجاجهم و عنادهم و نهاية بغضهم و عداوتهم و منتهى نفرتهم عن قبول الحقّ كما قال عزّ من قائل: «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ» وصفهم بالصّمم مع إثبات الاستماع أوّلا من حيث عدم انتفاعهم بما يستمعون، فهم و الأصمّ على السّواء و ذلك فإنّ الانسان إذا قوى بغضه لانسان آخر و عظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجّهة إلى طلب مقابح كلامه معرضة عن جميع الجهات الحسن فيه، فالصّمم في الاذن معنى ينافي حصول إدراك الصّوت فكذلك حصول هذا البغض و الاستكبار و المنافرة كالمنافي للوقوف عن محاسن ذلك الكلام و الاطلاع بما اريد منه.

ثمّ كما أنّه لا يمكن جعل الأصمّ سميعا فكذلك لا يمكن جعل العدوّ البالغ إلى هذا الحدّ صديقا مطيعا، و لذلك اعتذر عليه السّلام من عدم تأثير كلامه فيهم بقوله: (و كيف يراعي النّبأة) أى الصّوت الخفي (من أصمّته الصيحة) إشارة إلى أنّ من لم يؤثّر فيه كلام اللّه و كلام رسوله الذي هو كالصّيحة المكرّرة عليهم حتّى جعلهم أصمّ من كثرة التكرار و شدّة الاصرار، كيف يؤثّر فيهم كلامه عليه السّلام الذي‏ نسبته إلى كلامهما نسبة النّبأة إلى الصّيحة، و من المعلوم أن الصوت الضّعيف لا يدرك عند الصّوت القوي أو الحواس لا تدرك الأضعف مع وجود الأقوى المماثل في كيفيّته، ففي هذه الفقرة من كلامه دلالة على عدم اختصاص تمرّدهم به عليه السّلام فقط، بل كانوا متمرّدين من أوّل الأمر مستكبرين عن طاعة اللّه و طاعة رسوله أيضا كما أنّ فيها و في سابقتها إشارة إلى تماديهم في الغفلة بما غشت قلوبهم من الظلمة و القسوة حيث لم يسمعوا داعي اللّه و لم يفقهوا كلام اللّه و لم يتدبّروا في القرآن و نكثوا بيعة ولي الرّحمان، قال سبحانه في الحديث القدسي: يا ابن آدم استقامة سماواتي في الهواء بلا عمد باسم من أسمائي و لا يستقيم قلوبكم بألف موعظة من كتابي، يا أيّها النّاس كما لا يلين الحجر في الماء كذلك لا يغني الموعظة للقلوب القاسية.

ثمّ إنّه عليه السّلام لمّا دعى بالوقر على الاذن الغير الواعية للواعية و أتبعه بالاشارة إلى عدم إمكان تأثير نبأته فيمن أصمّته الصّيحة لاستحالة تأثر القلوب القاسية بالموعظة و النّصيحة، أردف ذلك بالدّعاء للقلوب الوجلة الخائفة بقوله: (ربط جنان) أى سكن و ثبت (لم يفارقه) الاضطراب (و الخفقان) من خشية اللّه و الاشفاق من عذابه ثمّ خاطب عليه السّلام بقيّة أصحاب الجمل أو المقتولين أو هما معا و قال: (ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر) و الحيلة و أترقّب منكم المكر و الخديعة، و ذلك إمّا من أجل أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخبره بذلك و بأنّهم ينقضون بيعته بعد توكيدها، و إمّا من أجل استنباطه عليه السّلام ذلك من حركاتهم و وجنات أحوالهم كما يشعر به قوله: (و أتوسّمكم بحلية المغترين) و ذلك لأنّه عليه السّلام فهم أنّهم من أهل الغرّة و قبول الباطل عن أدنى شبهة بما لاح له من صفاتهم و سماتهم الدّالة على ذلك، و كان علمه عليه السّلام بذلك مستلزما لعلمه بغدرهم بعهده و نقضهم لبيعته فكان ينتظر ذلك منهم.

و لذلك إن طلحة و الزّبير لما دخلا عليه عليه السّلام يستأذنانه في العمرة قال: ما العمرة تريدان، فحلفا له باللّه إنّهما ما يريدان غير العمرة، فقال لهما: ما العمرة تريدان و إنّما تريدان الغدرة و نكث البيعة، فحلفا باللّه ما لخلاف عليه و لا نكث بيعته يريدان و ما رأيهما غير العمرة، قال لهما، فاعيدا البيعة لي ثانيا، فأعاداها بأشد ما يكون من الأيمان و المواثيق، فاذن لهما فلمّا خرجا من عنده قال لمن كان حاضرا: و اللّه لا ترونهما إلّا في فتنة يقتتلان فيها، قالوا: يا أمير المؤمنين فلم يردّهما عليك، قال: ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا.

و قوله: (سترني عنكم جلباب الدين) قال البحراني: وارد مورد الوعيد للقوم في قتالهم له و مخالفتهم لأمره، و المعنى انّ الدّين حال بينى و بينكم و سترنى عن أعين بصائركم أن تعرفوني بما أقوى عليكم من العنف بكم و الغلظة عليكم و ساير وجوه تقويكم و ردعكم عن الباطل وراء ما وقفني عليه الدّين من الرّفق و الشّفقة و شهب ذيل العفو عن الجرائم، فكان الدّين غطاء حال بينهم و بين معرفته فاستعار له لفظ الجلباب قال: و روي ستركم عنّي أي عصم الاسلام منّي دمائكم و اتباع مدبركم و أن اجهز على جريحكم و غير ذلك ممّا يفعل من الأحكام في حقّ الكفّار هذا.

و لما أشار عليه السّلام إلى عد معرفتهم له حقّ معرفته و غفلتهم عن مراتب شأنه و وظيفته أتبعه بقوله: (و بصّر نيكم صدق النيّة) و أشار بذلك إلى معرفته لهم حقّ المعرفة بعين اليقين و البصيرة من حيث صفاء نفسه و خلوص نيّته و نور باطنه كما قال عليه السّلام: اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللّه، و قال الرّضا عليه السّلام في رواية بصائر الدّرجات لنا أعين لا تشبه أعين النّاس و فيها نور ليس للشّيطان فيه شرك، و بذلك النّور يعرفون كلّ مؤمن و منافق و يعرفون صديقهم من عدوّهم كما يدلّ عليه أخبار كثيرة.

مثل ما رواه في البحار عن العيون عن تميم القرشي عن أبيه عن أحمد بن عليّ الأنصاري عن الحسن بن الجهم قال: سئل عن الرّضا عليه السّلام ما وجه إخباركم بما في قلوب النّاس قال: أما بلغك قول الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه قال: بلى، قال: فما من مؤمن إلّا و له فراسة ينظر بنور اللّه على قدر إيمانه و مبلغ استبصاره و علمه، و قد جمع اللّه للأئمّة منّا ما فرّقه في جميع المؤمنين و قال عزّ و جلّ في كتابه: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» فأوّل المتوسّمين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ثمّ أمير المؤمنين عليه السّلام من بعده، ثمّ الحسن و الحسين و الأئمّة من ولد الحسين سلام اللّه عليهم إلى يوم القيامة.

و من كتاب البصائر و الاختصاص عن السّندي بن الرّبيع عن ابن فضّال عن ابن رئاب عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ليس مخلوق إلّا و بين عينيه مكتوب انّه مؤمن أو كافر و ذلك محجوب عنكم و ليس بمحجوب من الأئمّة من آل محمّد عليهم السّلام ليس يدخل عليهم أحد إلا عرفوه هو مؤمن أو كافر، ثمّ تلا هذه الآية: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» فهم المتوسمون و من الاختصاص أيضا بإسناده عن جابر قال: بينا أمير المؤمنين عليه السّلام في مسجد الكوفة إذ جاءت امرأة تستعدي على زوجها فقضى عليه السّلام لزوجها عليها، فغضبت فقالت: لا و اللّه ما الحقّ فيما قضيت و ما تقضى بالسّوية و لا تعدل في الرّعيّة و لا قضيّتك عند اللّه بالمرضيّة، فنظر إليها مليّا ثمّ قال لها: كذبت يا جريّة يا بذيّة«» يا سلفع يا سلقلقية«» يا التي لا تحمل من حيث تحمل النّساء، قال: فولت المرأة هاربة مولولة و تقول: ويلي و يلي لقد هتكت يابن أبي طالب سترا كان مستورا.

قال: فلحقها عمرو بن حريث فقال: يا أمة اللّه لقد استقبلت عليّا بكلام سررتني به ثمّ إنّه نزع«» لك بكلام فوليت عنه هاربة تولولين، فقالت إنّ عليّا عليه السّلام و اللّه أخبرني بالحقّ و بما أكتمه من زوجي منذ ولي عصمتي و من أبويّ، فعاد عمرو إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فأخبره بما قالت له المرأة، و قال له فيما يقول: ما أعرفك بالكهانة فقال له عليّ عليه السّلام: ويلك إنّها ليست بالكهانة منّي و لكنّ اللّه خلق الأرواح قبل‏ الأبدان بألفي عام، فلما ركّب الأرواح في أبدانها كتب بين أعينهم كافر و مؤمن و ما هم به مبتلون و ما هم عليه من سيئ عملهم و حسنه في قدر اذن الفارة، ثمّ أنزل بذلك قرانا على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المتوسّم، ثم أنا من بعده، و الأئمة من ذرّيتي هم المتوسّمون فلمّا تأمّلتها عرفت ما فيها و ما هي عليه بسيمائها.

و من البصائر بإسناده عن عبد الرّحمان يعني ابن كثير قال: حججت مع أبي عبد اللّه عليه السّلام فلمّا صرنا في بعض الطريق صعد على جبل فأشرف فنظر إلى النّاس فقال: ما أكثر الضجيج و أقل الحجيج، فقال له داود الرّقي: يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هل يستجيب اللّه دعاء هذا الجمع الذي أرى قال: ويحك يا با سليمان إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به، الجاحد لولاية عليّ عليه السّلام كعابد وثن، قال: قلت: جعلت فداك هل تعرفون محبكم و مبغضكم قال: ويحك يا با سليمان إنّه ليس من عبد يولد إلّا كتب بين عينيه مؤمن أو كافر، و إنّ الرّجل ليدخل إلينا بولايتنا و بالبراءة من اعدائنا فنرى مكتوبا بين عينيه مؤمن أو كافر، قال اللّه عزّ و جلّ: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» نعرف عدوّنا من وليّنا.

و قد وضح بهذه الأخبار كلّ وضوح معنى قوله السّابق: أتوسّمكم بحلية المغترّين، و ظهر أنّ توسّمه عبارة عن نظره عليه السّلام إلى سماتهم الدّالة على خبث الطينة و لحاظه العلامات الكاشفة عن سوء السّريرة، فافهم ذلك و اغتنم.

الترجمة

بسبب نور وجود ما هدايت يافتيد در ظلمت شب جهالت، و بواسطه ما سوار شديد بر كوهان بلند يقين، و بجهة ما منتقل گشتيد از شب ضلالت، و بصباح اسلام رسيديد، گردباد يا سنگين باد گوشي كه نفهميد صداى داعي حق را، و چگونه مراعات بنمايد آواز ضعيف را آن كسى كه كر ساخته است او را آواز قوى، ثابت‏ باد قلبى كه جدا نشد از آن طپيدن از ترس خدا، هميشه بودم كه انتظار مى‏ كشيدم از شما عاقبتهاى خيانت را و بفراست مى‏ يافتم شما را كه متّصفيد بزينت فريفتگان از قبول باطل و ناروا، پوشانيد مرا از ديده شما پرده دين من، و بينا گردانيد مرا بر حال شما خلوص نيت و صفاى باطن من.

الفصل الثاني

أقمت لكم على سنن الحقّ في جواد المضلّة حيث تلتقون و لا دليل و تحتفرون و لا تميهون اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان، عزب رأي امرء تخلف عنّي، ما شككت في الحقّ مذ رأيته، لم يوجس موسى خيفة على نفسه، أشفق من غلبة الجهّال، و دول الضّلال، اليوم وافقنا على سبيل الحقّ و الباطل، من وثق بمآء لم يظمأ.

اللغة

(أقام) بالمكان اقامة دام (سنن) الطريق مثلّثة و بضمّتين نهجه و جهته و السّنة الطريقة و السّنة من اللّه حكمه و أمره و نهيه و أرض (مضلة) بفتح الميم و الضّاد يفتح و يكسر أي يضلّ فيها الطريق و (أماه) الحافر و أموه بلغ الماء، و البهيمة (العجماء) لأنّها لا تفصح و استعجم الكلام علينا مثل استبهم و كلمة عجماء مبهمة و (عزب) الشي‏ء عزوبا من باب قعد بعد، و غرب من بابي قتل و ضرب خفي و غاب و (الوجس) كالوعد الفزع يقع في القلب و أوجس في نفسه خيفة أى أحسّ و أضمر و (الاشفاق) الخوف و (دول) مثلّثة جمع دولة.

و قال الفيومي تداول القوم الشي‏ء تداولا و هو حصوله في يد هذا تارة و في يد هذا اخرى، و الاسم الدّولة بفتح الدّال و ضمّها و جمع المفتوح دول بالكسر مثل قصعة و قصع و جمع المضموم دول بالضم مثل غرفة و غرف، و منهم من يقول الدّولة بالضمّ في المال و بالفتح في الحرب و على هذا فالانسب أن يكون دول في كلامه عليه السّلام بالكسر ليكون جمع دولة بالفتح و (التّواقف) بالقاف قبل الفاء هو الوقوف و (الظماء) شدّة العطش.

الاعراب

العجماء بالفتح مفعول انطق أو صفة لمحذوف أى الكلمات و خيفة بالنّصب مفعول لم يوجس، و أشفق بصيغة التّفضيل صفة خيفة و يحتمل أن يكون بصيغة الماضي و استدراكا عن سابقه أي لم يوجس موسى خيفة على نفسه و لكنّه أشفق من غلبة الجهال.

المعنى

لمّا ذكر عليه السّلام حال المنافقين معه من غدرهم و اغترارهم و نفارهم و استكبارهم و ما هم عليه من الغفلة و الجهالة بشأنه عليه السّلام و رتبته مع كونه سبب هدايتهم في الظلماء و تسنّمهم على سنام العلياء أردف ذلك بما يدلّ على وجوب اقتفاء آثاره، و اقتباس أشعّة أنواره في سلوك منهج الحقّ القويم و سير سبيل اللّه المستقيم فقال (أقمت لكم) أى دمت و ثبت (على سنن الحقّ) و جهته (في جواد المضلة) أى الجواد التي يضلّ فيها و يزلّ فيها الاقدام، و المراد بسنن الحقّ هو دين اللّه الذي لا يقبل من العباد غيره و هو الصّراط المستقيم الموصل إلى الرّضوان و من جواد المضلّة هو شبل الشّيطان المؤدّية إلى النيران.

قال عبد اللّه بن مسعود: خطّ لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خطا و قال: هذا صراط اللّه ثمّ خط خطوطا عن يمينه و شماله و قال: هذه سبل و على كلّ سبيل منها شيطان يدعون النّاس إليها ثمّ تلا قوله تعالى: «وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» و المراد بقوله عليه السّلام أقمت لكم الإشارة إلى إقامته على نهج الحقّ لدعوة النّاس إليه كما قال تعالى:

 

 «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي» قال أبو جعفر عليه السّلام في تفسيره: ذاك رسول اللّه و أمير المؤمنين و الأوصياء من بعدهما عليهم السّلام يعني أنّ الدّاعي هو رسول اللّه و من اتّبعه أمير المؤمنين و الأوصياء التّابعون له في جميع الأقوال و الأفعال فمن أجاب لهم دعوتهم و سلك سبيلهم: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ» و من تخلف عنهم و لم يجبهم دعوتهم و سلك سبيل غيرهم يكون ذلك حسرة عليه و يقول: «يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يا وَيْلَتى‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا» و بالجملة فمقصوده عليه السّلام من كلامه إنّي فعلت من هدايتكم و إرشادكم و أمركم بالمعروف و نهيكم عن المنكر ما يجب على مثلي فوقفت لكم جادّة الطريق و منهجه حيث انّ طرق الضّلال كثيرة مختلفة و أنتم فيها تائهون حائرون (حيث تلتقون) و تجتمعون (و لا دليل) لكم (و تحتفرون) الآبار لتجدوا ماء تروون به غلّتكم (فلا تميهون) و لا تجدون الماء (اليوم انطق لكم العجماء ذات البيان) لتشهد بوجوب اتّباعي و تدلّ على ما ينبغي فعله فيكلّ باب و كنّى عليه السّلام بالعجماء ذات البيان عن العبر الواضحة و ما حلّ بقوم فسقوا عن أمر ربّهم و عمّا هو واضح من كمال فضله عليه السّلام بالنّسبة إليهم و عن حال الدّين و مقتضى أوامر اللّه، فإنّ هذه الامور عجماء لا نطق لها مقالا ذات البيان حالا، و لمّا بينها عليه السّلام لهم و عرّفهم ما يقوله لسان حالها فكأنّه أنطقها لهم، و قيل: العجماء صفة لمحذوف أى الكلمات العجماء، و المراد بها ما في هذه الخطبة من الرّموز التي لا نطق لها مع أنّها ذات بيان عند اولى الالباب.

قال الشّارح المعتزلي: و هذه إشارة إلى الرّموز التي تتضمنها هذه الخطبة يقول: هي خفيّة غامضة و هي مع غموضها جليّة لاولى الألباب فكأنّها تنطق كما ينطق‏ ذوو الألسنة كما قيل: ما الامور الصّامتة النّاطقة فقيل: الدّلائل المخبرة و العبر الواضحة، و في الأثر سل الأرض من شقّ أنهارك و أخرج ثمارك فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا، ثمّ إنّه عليه السّلام أشار إلى ذمّ من تخلف عنه و توبيخه بقوله: (عزب) اى بعد أو غاب و خفى (رأى امرء تخلف عنّي) لأنّ التخلف عنه دليل على بعد الرّأى الصّائب عن المختلف، و ذلك لأنّ المتخلف لمّا فكر في أن أيّ الامور أنفع له أن يكون من متابعيه أو المتخلفين عنه ثمّ رأى أن التخلف عنه أوفق كان ذلك أسوء الآراء و أقبحها فهو في الحقيقة كمن أقدم على ذلك بغير رأى يحضره أو لأنّ الرّأى الحقّ كان غاربا عنه.

ثمّ اشار عليه السّلام إلى بعض علل وجوب اتّباعه بقوله: (ما شككت في الحقّ«» مذ رأيته) لأنّ من لم يشكّ في الحقّ أحقّ بالاتّباع ممّن كان في شكّ من دينه لاحتياجه إلى من يهديه قال سبحانه: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (لم يوجس موسى خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهّال) على الحقّ (و دول الضلال) و هذا تمثيل و إشارة إلى أنّ خوفه عليه السّلام منهم لم يكن على نفسه بل كان شدة خوفه من غلبة أهل الجهل على الدّين و فتنة الخلق بهم و قيام دول الضّلال كما أن خوف موسى من جهلة السحرة على ما أخبر به سبحانه في كتابه الكريم كان من هذه الجهة قال في سورة طه: «قالُوا يا مُوسى‏ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى‏، قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى‏، فَأَوْجَسَ‏ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏، قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى‏» قال الطبرسيّ: معناه فأحسّ موسى و وجد في نفسه ما يجده الخائف، و يقال أوجس القلب فزعا أى أضمر، و السّبب في ذلك أنّه خاف أن يلتبس على النّاس أمرهم فيتوهموا أنّهم فعلوا مثل فعله و يظنّوا المساواة فيشكوا و لا يتّبعونه، ثمّ ذكر وجوها أخر في سبب الخوف و الأظهر ذلك كما يشهد به كلام الامام عليه السّلام و يدل عليه قوله: لا تخف إنّك أنت الأعلى، فانّه تقرير لغلبته عليهم على أبلغ وجه و آكده كما يعرب عنه الاستيناف و حرف التّحقيق و تكرير الضّمير و تعريف الخبر و لفظ العلوّ المنبئ عن الغلبة الظاهرة و صيغة التّفضيل (اليوم تواقفنا على سبيل الحقّ و الباطل) أى وقفت على سبيل الحقّ و وقفتم على سبيل الباطل و ضم نفسه إليهم على حدّ قوله: «إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» و قوله (من وثق بماء لم يظمأ) الظاهر أنّ المراد به أنّ من كان على الحقّ و أيقن على ذلك و اعتمد على ربّه و توكل عليه لا يبالي على ما وقع فيه، كما أنّ من ائتمن بماء لم يفزعه عطشه، و قال الشّارح المعتزلي و البحراني إنّ مراده عليه السّلام إن سكنتم إلى قولي و وثقتم بي كنتم أقرب إلى الهدى و السّلامة و أبعد من الضّلالة، و ما ذكرناه أظهر

الترجمة

ثابت شدم من بجهة هدايت شما بر طريق حقّ در جادّه‏هائى كه محلّ گمراهى است در مكانى كه ملاقات مى‏ كرديد بهم ديگر و حال آنكه هيچ دليل و هادى نبود شما را، و چاه مى ‏كنديد و بآب نمى‏ رسيديد يعنى بحث و كاوش مى‏ كرديد از براى اخراج نتيجه مطلوب در اوديه قلوب و از تحصيل نتيجه مطلوبه عاجز بوديد، امروز بزبان در آوردم بجهة شما حيوان بى زبان را يعنى هر كه هست از بي زبانان مخبرند بلسان حال بامتثال مقال من و ناطقند بر وجوب اتّباع و حقيقت حال من، غايب شد رأى صايب مردي كه تخلف كرده است از من، شك نكرده ‏ام من در حق از آن‏ زمانى كه عالم بحق شده ‏ام، احساس نكرد موسى بن عمران عليه السّلام خوفى را بر نفس خود كه سخت‏ تر بوده باشد از خوفى كه داشت از غلبه جلاهان و قيام دولتهاى گمراهان، امروز ايستاده‏ ايم ما و شما بر راه حقّ و باطل يعنى من ايستاده‏ ام بر طريق هدايت و شما ايستاده ‏ايد در راه ضلالت، هر كسى كه وثوق و اطمينان داشته باشد بآب تشنه نماند، و اللّه أعلم بالصّواب.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 3/5 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)معروفة بالشقشقية قسمت پنجم

خطبه 3 صبحی صالح

3- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) و هي المعروفة بالشقشقية و تشتمل على الشكوى من أمر الخلافة ثم ترجيح صبره عنها ثم مبايعة الناس له‏

أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى

يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ

فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً

وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ

يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ

ترجيح الصبر

فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى

فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا

أَرَى تُرَاثِي نَهْباً

حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ

ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى

شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا            وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ

فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ

لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا

فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا

فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ‏ لَهَا تَقَحَّمَ

فَمُنِيَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اعْتِرَاضٍ

فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ الْمِحْنَةِ

حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ

فَيَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ

لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا

فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَ مَالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ

إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ

وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ

إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَ كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ

مبايعة علي‏ 

فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَ النَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ

حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَ شُقَّ عِطْفَايَ

مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ

فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ قَسَطَ آخَرُونَ

كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏

بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَكِنَّهُمْ‏

حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا

أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَ لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ

قَالُوا وَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ كِتَاباً قِيلَ إِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَانَ يُرِيدُ الْإِجَابَةَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ) قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ فَقَالَ هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَاللَّهِ مَا أَسَفْتُ عَلَى كَلَامٍ قَطُّ كَأَسَفِي عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَلَّا يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه‏السلام  )بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرَادَ

قال الشريف رضي اللّه عنه قوله ( عليه‏السلام  ) كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها يقال أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه و شنقها أيضا ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق و إنما قال أشنق لها و لم يقل أشنقها لأنه جعله في مقابلة قوله أسلس لها فكأنه ( عليه‏السلام  ) قال إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها بالزمام

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج 

الفصل الرابع

إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله و معتلفه، و قام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه تعالى خضم الإبل نبتة الرّبيع، إلى أن انتكث‏عليه فتله، و أجهز عليه عمله، و كبت به بطنته.

اللغة

(النّفج) بالجيم الرّفع يقال نفج الثدى الثوب أى رفعه و (الحضن) الجنب و ما بين الابط و الكشح يقال للمتكبّر جاء نافجا حضنيه و لمن امتلاء بطنه من الأكل جاء نافجا حضنيه، و الأنسب في المقام الثّاني تشبيها بالبعير المنتفج الجنبين من كثرة الأكل و (النثيل) الروث و فى رواية الصّدوق بين ئيله «كذا» و هو بالكسر وعاء القضيب أو نفسه و (المعتلف) موضع الاعتلاف و هو أكل الدّابة العلف و (الخضم) الأكل بجميع الفم و يقابله القضم و هو الأكل باطراف الأسنان، يقال خضم الشّي‏ء كعلم و ضرب أكله يجميع فمه، و عن النّهاية الخضم الأكل بأقصى الأضراس، و القضم بأدناها.

و منه حديث أبي ذر (ره) و تأكلون خضما و نأكل قضما، و قيل: الخضم خاص بالشّي‏ء الرّطب، و القضم باليابس و (النّبتة) بكسر النّون النّبات يقال: نبت الرّطب نباتا و أنبته و (النكث) النّقض يقال: نكث فلان العهد و الحبل فانتكث نفضه فانتقض و (فتل) الحبل لواه و برمه و (الاجهاز) إتمام قتل الجريح و إسراعه و (كبا) الفرس يكبو سقط على وجهه و كبابه أسقطه و (البطنة) بالكسر الكظة و هو الامتلاء من الطعام و الاسراف في الأكل.

الاعراب

بين نثيله و معتلفه متعلّق بقام أى قام بين روثه و معتلف، و جملة يخضمون منصوب المحلّ على الحالية.

المعنى

لما ذكر عليه السّلام خلافة الثّاني و نبّه على جعله الخلافة شورى بين السّته و أشار الى عدول بعض هؤلاء عن منهج الصّواب، أنبعه بما ترتّب على ذلك و هو خلافة الثّالث بقوله: (إلى أن قام ثالث القوم) و المراد بالقيام الحركة في تولي أمر الخلافة،و ثالث القوم هو عثمان بن عفّان بن أبى العاص بن اميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، و كان أبوه عفّان ممّن يضرب بالدّف و يتخنّث به و يلعب، رواه العلامة في كشف الحقّ و مؤلف كتاب إلزام النّواصب عن هشام بن محمّد بن السّائب الكلبي هذا.

و أثبت عليه السّلام له حالا يستلزم تشبيهه بالبعير و استعار له صفته بقوله: (نافجا حضنيه) أى نافجا جنبيه و رافعا ما بين إبطه و كشحه من كثرة الأكل و الشّرب كالبعير المنتفج الجنبين (بين نثيله و معتلفه) أى قام بالأمر و كان حركته بين روثه و معتلفه يعنى لم يكن همّه إلّا الأكل و الرّجيع كالبهائم التي لا اهتمام لها إلّا بالأكل و الرّوث قال الشّارح المعتزلي: و هذا من أمضّ الذّم و أشدّ من قول الحطية الذى قيل إنّه أهجى بيت للعرب:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها            و اقعد فانّك انت الطاعم الكاسي‏

هذا و المعنى على رواية الصّدوق أنّ قيامه كان بين منكحه و مطعمه و بالجملة فالمقصود أنّ همّه لم يكن إلّا بطنه و فرجه و التّرفه بالمال و اصلاح مصالح نفسه و إعمال دواعي خاطره من دون أن يكون له قيام بمصالح المسلمين و توجّه إلى إصلاح امور الخلافة و مراعاة لوازم الولاية (و قام معه بنو أبيه) أراد بهم بني اميّة فانّهم قاموا معه حالكونهم (يخضمون مال اللّه) و يأكلونه بأقصى أضراسهم.

و هو كناية عن كثرة توسّعهم بمال المسلمين و شدّة أكلهم من بيت المال من غير مبالاة لهم فيه (كخضم الابل) و أكلها بجميع فمها (نبتة الرّبيع) و نباته، و وجه الشّبه أنّ الابل لمّا كانت تستلذّ نبت الرّبيع بشهوة صادقة و تملاء منه أحناكها و ذلك لمجيئه عقيب يبس الأرض و طول مدّة الشّتآء، كان ما أكله أقارب عثمان من بيت المال مشبها بذلك، لاستلذاذهم به و انتفاعهم منه بعد طول فقرهم، و امتداد ضرّهم، و ذلك الكلام منه عليه السّلام خارج معرض التّوبيخ و الذّم إشارة إلى ارتكابه معهم مناهي اللّه المستلزم لعدم قابليّته للخلافة و استعداده للامامة.

 

قال الشّارح المعتزلي: و صحّت فيه فراسة عمر فانّه أوطأ بني اميّة رقاب النّاس و ولاهم الولايات و أقطعهم القطايع و افتتحت ارمينيّة في أيامه فأخذ الخمس كلّه فوهبه لمروان، و طلب إليه عبد اللّه بن خلد بن اسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم، و أعاد الحكم بن أبي العاص بعد انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد سيّره ثمّ لم يرده أبو بكر و لا عمر و أعطاه مأئة ألف درهم، و تصدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهروز على المسلمين فأقطعها عثمان الحرث بن الحكم أخا مروان ابن حكم، و أقطع مروان فدك و قد كانت فاطمة عليها السلام طلبتها بعد وفات أبيها صلوات اللّه عليه تارة بالميراث و تارة بالنّحلة فدفعت عنها، و حمى المراعي حول المدينة كلها عن مواشي المسلمين كلّهم إلّا عن بني اميّة.

و أعطى عبد اللّه بن ابى سرح جميع ما أفاء اللّه عليه من فتح افريقيّة بالمغرب و هي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين.

و أعطى أبا سفيان بن حرب مأتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمأة ألف من بيت المال، و قد كان زوّجه ابنته امّ أبان فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان و بكى، فقال عثمان: أ تبكى ان وصلت رحمي قال: لا، و لكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضا عمّا كنت أنفقته في سبيل اللّه في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اللّه لو اعطيت مروان مأئة درهم لكان كثيرا فقال: ألق المفاتيح فانا سنجد غيرك، و أتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة فقسّمها كلّها في بني اميّة، و أنكح الحرث بن الحكم ابنته عايشة فأعطاه مأئة ألف من بيت المال أيضا بعد صرفه زيد بن أرقم عن خزنة انتهى.

و قال السيّد المرتضى (قده) في محكي الشّافي: روى الواقدي باسناده عن المسود بن عنبسة قال: سمعت عثمان يقول: إنّ أبا بكر و عمر كاناينا و لان في هذا المال طلاق انفسهما و ذوى ارحامهما و إني ناولت فيه صلة رحمي، و روى إنّه كان بحضرته زياد بن عبيد مولى الحرث بن كلدة الثّقفي و قد بعث إليه ابو موسى بمال عظيم من البصرة فجعل عثمان يقسمه بين ولده و اهله بالصّحاف، فبكى زياد فقال: لا تبك‏ فان عمر كان يمنع اهله و ذوي قرابته ابتغاء وجه اللّه، و انا اعطي ولدي و أهلي و قرابتي ابتغاء وجه اللّه.

و قد روى هذا المعنى عنه من عدّة طرق بألفاظ مختلفة، و روى الواقدي أيضا قال قدمت إبل من إبل الصّدقة على عثمان فوهبها للحرف بن الحكم بن أبي العاص، و روى أيضا أنّه ولى الحكم بن ابي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلاثماة ألف فوهبها له حين أتاه بها.

و روى أبو مخنف و الواقدي انّ النّاس أنكروا على عثمان اعطاه سعد بن العاص مأئة ألف و كلّمه عليّ عليه السّلام و الزّبير و طلحة و سعد و عبد الرّحمن في ذلك فقال: إنّ له قرابة و رحما، قالوا: و ما كان لأبي بكر و عمر قرابة و ذو رحم فقال: إنّ أبا بكر و عمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما و أنا احتسب في اعطاء قرابتي، قالوا فهديهما و الله احبّ الينا من هديك.

و روى ابو مخنف إنّ عبد اللّه بن خالد بن اسيد بن ابي العاص بن أميّه قدم على عثمان من مكّة و معه ناس فأمر لعبد اللّه بثلاثمأة الف و لكلّ واحد من القوم بمأة الف و صك بذلك على عبد اللّه بن الأرقم و كان خازن بيت المال فاستكثره و رد الصّك به، و يقال: إنّه سأل عثمان ان يكتب عليه بذلك كتابا فأبى و امتنع ابن الأرقم ان يدفع المال إلى القوم، فقال له عثمان: إنّما انت خازن لنا فما حملك على ما فعلت فقال ابن الأرقم: كنت اراني خازن المسلمين و إنّما خازنك غلامك و الله لا آل لك بيت المال أبدا، و جاء بالمفاتيح فعلّقها على المنبر و يقال بل القاها إلى عثمان فدفعها إلى نائل مولاه.

و روى الواقدي انّ عثمان، أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت مال المسلمين إلى عبد اللّه بن الأرقم في عقيب هذا الفعل ثلاثمأة ألف درهم، فلما دخل بها عليه قال له: يا أبا محمّد إنّ أمير المؤمنين أرسل إليك يقول قد شغلناك عن التّجارة و لك رحم أهل حاجة ففرّق هذا المال فيهم و استعن به على عيالك، فقال عبد اللّه بن الأرقم مالي إليه حاجة و ما عملت لأن يثيبني عثمان و اللّه إن كان هذا من بيت مال المسلمين ما بلغ قدر عملي أن اعطي ثلاثمائة ألف، و لئن كان مال عثمان فما لي إليه حاجة.

 

و الحاصل أنّه قد كان يصرف مال اللّه على نفسه و على أقاربه و أصهاره، و كان مستمرّا في إتلاف بيت المال المسلمين مستبدا برأيه في ذلك.

و انضم إليه امور اخرى من تسيير أبي ذر إلى ربذة، و ضرب عبد اللّه بن مسعود حتّى كسر أضلاعه، و ما أظهر من الحجاب، و العدول عن جادّة الشّريعة في إقامة الحدود و ردّ المظالم و كفّ الأيدي العادية و الانتصاب لسياسة الرّعيّة.

(إلى أن) ضاق له المخرج و عمى المصدر و انجرّ الأمر إلى اجتماع أهل المدينة عليه مع جماعة من أهل مصر (فانتكث) أي انتقض (عليه فتله) أى برم حبله و هو كناية عن انتقاض تدابيره المبرمة و رجوعها إليه بالفساد و تأديتها إلى الهلاك (و اجهز عليه) أى أسرع إليه بالقتل بعد كونه مجروحا (عمله) أى أعماله الشّنيعة و أفعاله القبيحة التي صارت سببا لقتله ففي الاسناد توسّع (و كبت به) أى أسقطته على وجهه (بطنته) و إسرافه في الشّبع كالجواد الذي يكبو من كثرة الأكل و الامتلاء.

و الكظة، و هذه كلها إشارة إلى تأدّي حركاته الشّنيعة إلى سوء الخاتمة.

و قد قتل و انتقل إلى الحامية في اليوم الثّامن عشر من ذي الحجة من سنة خمس و ثلاثين من الهجرة، و ذلك بعد ما غصب الخلافة اثنتى عشرة سنة إلّا إثنى عشر يوما، و قيل إحدى عشرة سنة و أحد عشر شهرا و أربعة عشر يوما، و قيل ثمانية عشر يوما، و قد كان بعد قتله مطروحا في خندق اليهود إلى ثلاثة أيّام لا يستحلّ أحد دفنه و لا يقدم أحد على ذلك خوفا من المهاجرين و الأنصار حتّى نهبه بنو اميّة و دفنوه، و قيل: كان مطروحا في مزبلة اليهود ثلاثة أيّام حتّى أكلت الكلاب، إحدى رجليه فاستأذنوا عليّا عليه السّلام فأذن في دفنه و دفن في حش كوكب و هي مقبرة كانت لليهود بالمدينة، فلمّا ولى معاوية وصلها بمقابر أهل الاسلام و يأتي تفصيل الكلام في كيفية قتله في شرح الكلام الثلاثين إنشاء اللّه هذا.

و العجب أنّ الشّارح المعتزلي بعد ذكره ما حكيناه عنه سابقا في ذيل قوله عليه السّلام: يخضمونه مال اللّه اه، قال: و قد أجاب أصحابنا عن المطاعن في عثمان بأجوبةمشهورة في كتبهم و الذي نقول نحن: إنّها و إن كانت احداثا إلّا أنّها لم تبلغ المبلغ الذي يستباح به دمه و قد كان الواجب عليهم أن يخلعوه من الخلافة حيث لم يستصلحوه لها و لا يعجلوا بقتله.

أقول: و هذا الكلام منه صريح في عدم قابليته للخلافة و مع ذلك لا يكاد ينقضي عجبي منه كيف يجعله ثالث الخلفاء و يعتقد بخلافته و ما ذلك إلّا من أجل أنّهم «ألفوا آبائهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون»

الترجمة

تا آنكه ايستاد و متولى خلافت گرديد سوم قوم كه عثمان بن عفان عليه النيران بود در حالتى كه باد كننده بود هر دو جانب خود را از كثرت كبر و غرور يا از زيادتى اكل و شرب، ايستاد او در ميان سرگين يا در ميان ذكر خود و موضع علف آن، يعني همت او مصروف بخوردن و آشاميدن و سرگين انداختن بود مثل بهائم، و ايستادند با او فرزندان پدر او يعنى بني اميه در حالتى كه مى ‏خوردند با جميع دهان خودشان مال خدا را با لذت و رفاهيت مثل خوردن شتر بهمه دهان خود علف بهار را، و مستمرّ بودند بر اين حالت تا اين كه باز شد تاب ريسمان تابيده او و بكشتن شتاب نمود بعد از جراحت بسيار كردار ناپسنديده او و برويش افكند كثرت اكل و شدّت امتلاء او.

الفصل الخامس

فما راعني إلّا و النّاس إلىّ كعرف الضّبع ينثالون علىّ حتّى لقد وطى‏ء الحسنان، و شقّ عطفاى مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة، و مرقت أخرى، و فسق آخرون، كأنّهم لم يسمعوا اللّه تعالى يقول: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» بلى و اللّه لقد سمعوهاو وعوها، و لكنّه «لكنّهم خ» حليت الدّنيا في أعينهم و راقهم زبرجها.

اللغة

(راعني) الشّي‏ء روعا من باب قال أفزعني و روّعني مثله و راعني جماله أعجبني، و في شرح المقامات عن الأزهرى ما راعني إلّا مجيئك اى ما شعرت إلّا بمجيئك كأنّه قال: ما أصاب روعى إلّا لذلك، و هذا كلام يستعمل في مفاجاة الأمر ألا ترى أنّه يعاقب إذا المفاجاة تقول: خرجنا فاذا زيد بالباب و خرجت فما راعني إلّا فلان بالباب و (عرف) الدّابّة شعر عنقها و عرف الضّبع يضرب به المثل في الازدحام و (الثّول) صبّ ما في الاناء و انثال انصبّ و انثال عليه القول تتابع و كثر فلم يدر بأيّه يبدء.

و قال المطرزى في شرح المقامات للحريرى: الانثيال الاجتماع و الانصباب انفعال من الثّول و هو جماعة النّحل و من قولهم: ثويلة من النّاس، أى جماعة من بيوت متفرّقة يقال: منه انثالوا عليه و تثولوا أى اجتمعوا و انثال التّراب انصب و منه انثال عليه النّاس من كلّ وجه أى انصبّوا انتهى، و (عطف) الشّي‏ء جانبه و العطفان الجانبان.

و في بعض النّسخ و شقّ عطا في و هو بالكسر الرّداء و هو أنسب و (الرّبيض و الرّبيضة) الغنم برعاتها المجتمعة في مرابضها«» و (النّكث) النّقض و (المروق) الخروج يقال مرق السّهم من الرمية مروقا من باب قعد خرج منه من غير مدخله و منه قيل: مرق من الدّين أيضا إذا خرج منه و (فسق) الرّجل فجر و في بعض النّسخ قسط و هو من باب ضرب جار و عدل من الاضداد و المراد به هنا الأوّل و (وعى) الحديث وعيا من باب وعد حفظه و (حلى) الشّي‏ء بعيني و بصدرى يحلى من باب تعب حسن عندى و أعجبنى و (راقني) الشّي‏ء أعجبني و (الزّبرج) الزّينة و الذّهب.

 

الاعراب

فاعل راعني محذوف مدلول عليه بالفعل، و جملة و النّاس إلىّ حاليّة مبينة لهيئة المفعول و مفسّرة للمستنّى المحذوف، و إلىّ متعلق بمحذوف تقديره و النّاس رسل إلىّ و قد صرّح به في رواية الاحتجاج، و كون الجملة مفسّرة للمحذوف نظير قوله تعالى: «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ».

قال الزّمخشري في الكشّاف: فاعل بدا مضمر لدلالة ما يفسّره عليه و هو ليسجننّه و المعنى بدا لهم بداء أى ظهر لهم رأى ليسجننّه اه، و تقدير كلام الامام عليه السّلام على ما ذكرنا: ما راعني رايع إلّا حالة أعني كون النّاس رسلا إليّ و الرّسل بفتحتين القطيع من الابل و الجمع أرسال مثل سبب و أسبابا و يشبه به النّاس فيقال: جاءوا أرسالا أى جماعات متتابعين، و جملة ينثالون إمّا خبر بعد خبر للنّاس، أو حال بعد حال و مجتمعين حال من فاعل ينثالون.

المعنى

اعلم انّه عليه السّلام لما ذكر خلافة المتخلّفين الثّلاثة و بيّن حال أيّام خلافتهم و أشار إلى ما ابتلى به النّاس في تلك الأيام، شرع في بيان كيفيّة انتقال الأمر إليه عليه السّلام ظاهرا كما كان له باطنا و كان ذلك في شهر ذى الحجّة يوم الجمعة بعد ما مضى من الهجرة خمس و ثلاثون سنة فقال عليه السّلام (فما راعني) رايع (إلّا) حالة (و) هو كون (النّاس) متتابعين (إلىّ) متزاحمين (كعرف الضّبع ينثالون علىّ) يتتابعون و يكثرون القول (من كلّ جانب حتى لقد وطي‏ء الحسنان) الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهما من شدّة الازدحام.

و عن المرتضى (قده) انّ أبا عمر محمّد بن عبد الواحد غلام ثعلب روى في قوله عليه السّلام وطي‏ء الحسنان أنّهما الابهامان «و انشد للشّنفر مهضومة«» الكشحين خرماءالحسن «كذا» و روى أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام إنّما كان يومئذ جالسا محتبيا و هي جلسة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المسمّاة بالقر فصاء و هي جمع الركبتين و جمع الذّيل، فلمّا اجتمعوا ليبايعوه زاحموه حتّى وطئوا ابهاميه و شقّوا ذيله بالوطى و لم يعن الحسن و الحسين عليهما السّلام و هما رجلان كساير الحاضرين.

و كيف كان فالمقصود بهذه الجملة الاشارة إلى كثرة تزاحم النّاس عليه السّلام و قد أكده ثانيا بقوله: (و شقّ عطفاى) أراد بشقّ عطفيه خدش جانبيه لشدّة الاصطكاك منهم و الزّحام، أو شقّ جانبي قميصه بعلاقة المجاورة، أو جانبي ردائه، و يؤيّده الرّواية الاخرى أعني شقّ عطا في كما في بعض النسخ هذا.

و شقّهم عطفيه عليه السّلام أو عطافه إمّا لكثرة فرحهم به عليه السّلام، أو جر يا على ما هو عادتهم من قلة مراعاة شرايط التّوقير و الأدب في المعاشرات و المخاطبات (مجتمعين حولي كربيضة الغنم) المجتمعة في مرابضها (فلما نهضت بالأمر) و قمت به بعد مضيّ السنّين المتطاولة (نكثت طايفة) و نقضت بيعتها، و المراد بها أصحاب الجمل و قد كان عليه السّلام يتلو وقت مبايعتهم: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ».

(و مرقت) طايفة (اخرى) أى خرجت من الدّين كمروق السّهم من الرّمية، و المراد بها أصحاب النهروان (و فسق آخرون) بخروجهم على الامام العادل و تعدّيهم عن سنن الحقّ، و هم معاوية و أتباعهم، و في بعض النّسخ و قسط آخرون أى جاروا في حقّ أمير المؤمنين و ظلموا آل محمّد عليهم السلام حقّهم، و تسميتهم بالقاسطين كتسمية الأوليين بالنّاكثين و المارقين ممّا سبقت من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند إخباره عليه السّلام بالملاحم و الوقايع التي تكون بعده صلوات اللّه عليه.

روى في غاية المرام من أمالى الشّيخ باسناده عن المفضل بن عمر بن أبي عبد اللّه الصّادق عن أبيه عن جدّه عليهم السّلام قال: بلغ امّ سلمة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ مولى لها ينتقض عليّا عليه السّلام و يتناوله، فأرسلت إليه فلمّا صار إليها قالت له:

 

يا بنىّ بلغني أنّك تنقص عليّا و تتناوله قال: نعم يا أمّاه، قالت له: اقعد ثكلتك امّك حتّى أحدّثك بحديث سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ثمّ اختر لنفسك.

إنّا كنّا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليلة تسع نسوة و كانت ليلتي و يومي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأتيت الباب فقلت: أدخل يا رسول اللّه قال: لا، فكبوت كبوة شديدة مخافة أن يكون ردّني من سخطه أو نزل فيّ شي‏ء من السّمآء.

ثم البث «كذا» حتّى أتيت الباب الثّاني فقلت: أدخل يا رسول اللّه فقال: لا، فكبوت كبوة أشدّ من الاولى ثم البث «كذا» حتّى أتيت الباب الثالث فقلت: أدخل يا رسول اللّه فقال: ادخلي يا امّ سلمة فدخلت و عليّ عليه السّلام جالس بين يديه و هو يقول: فداك أبي و امّي يا رسول اللّه إذا كان كذا و كذا فما تأمرنى قال: آمرك بالصّبر، ثمّ أعاد عليه القول ثانية فأمره بالصّبر، فأعاد عليه القول الثالثة فقال له: يا عليّ يا أخي إذا كان ذلك منهم فسلّ سيفك وضعه على عاتقك و اضرب قدما قدما حتّى تلقاني و سيفك شاهر يقطر من دمائهم.

ثمّ التفت صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلىّ فقال ليّ تاللّه ما هذه الكأبة يا أمّ سلمة قلت: الذي كان من ردّك إيّاى يا رسول اللّه، فقال لي: و اللّه ما رددتك من وجودة و إنّك لعلى خير من اللّه و رسوله، و لكن أتيتني و جبرائيل يخبرني بالأحداث التي تكون بعدي فأمرني أن اوصي بذلك عليّا.

يا امّ سلمة اسمعي و اشهدي هذا عليّ بن أبي طالب أخي في الدّنيا و أخي في الآخرة.

يا امّ سلمة اسمعي و اشهدي هذا عليّ بن أبي طالب حامل لوائي في الدّنيا و حامل لواء الحمد غدا في القيامة.

يا امّ سلمة اسمعي و اشهدي هذا عليّ بن أبي طالب وصيّي و خليفتي من بعدي و قاضي عداتي و الذّائد عن حوضي.

يا امّ سلمة اسمعي و اشهدي هذا عليّ بن أبي طالب سيّد المسلمين و إمام‏ المتقين و قائد العزّ المحجلين و قاتل النّاكثين و القاسطين و المارقين، قلت: يا رسول اللّه من النّاكثون قال: الذين يبايعونه بالمدينة و ينكثون بالبصرة، قلت: من القاسطون قال: معاوية و أصحابه من أهل الشّام، قلت: من المارقون قال: أصحاب النّهروان، فقال مولى امّ سلمة فرّجت عني فرّج اللّه عنك و اللّه لا سببت عليّا أبدا، هذا.

و الأخبار في هذا المعنى كثيرة يأتي في مواقعها إنشاء اللّه، ثم انّه عليه السّلام شدّد النكير على الجماعة في مخالفتهم له و إعراضهم عنه بقوله: (كانّهم لم يسمعوا اللّه تعالى يقول: تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين) لما كانت الآية دالة على كون استحقاق الآخرة معلقا على عدم إرادة العلوّ و الفساد كان اللّازم على من سمعها و تدبر فيها إن كان ذا عقل أن لا يريدهما، و هؤلاء الجماعة لما علوا في الأرض و أفسدوا فيها و خالفوا الامام العادل و تركوا متابعته لا جرم شبّههم بمن لم يسمعها لما ذكرنا من أن لازمة السّماع ترك إرادتهما.

ثمّ دفع توهم الاعتذار عنهم بعدم السّماع لو اعتذر به بقوله: (بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها) مؤكدا بالقسم و اللّام و كلمة التّحقيق، ثمّ استدرك ذلك بالاشارة إلى سرّ عدم حصول ثمرة السّماع بعد حصول نفسه بقوله: (و لكنّهم حليت الدّنيا في أعينهم وراقهم زبرجها) فكان ذلك هو المانع عن ترتّب ثمرة السّماع عليه و الباعث على إعراضهم عن الدّار الآخرة و السّبب لاشترائهم الضّلالة بالهدى و لسعيهم في الأرض بالعلوّ و الفساد.

و حاصل الكلام أنّ سماع الآية مقتض لعدم إرادة العلوّ و الفساد و يترتّب عليه مقتضاه لو لم يصادف وجود المانع، و أمّا مع المصادفة له كما فى حقّ هؤلاء الجماعة حيث افتتنوا بالدنّيا و أعجبهم ذهبا و زينتها فيبقى المقتضي على اقتضائه و لا يترتّب عليه آثاره هذا.

و الضّماير الأربعة في قوله: و لكنّهم، و لم يسمعوا، و سمعوا، و وعوا، إمّا راجعة إلى الطوايف الثلاث: النّاكثين و المارقين و القاسطين و هو الأقرب لفظا و الانسب معنى و الأظهر لمن تدبّر، أو إلى الخلفاء الثلاثة على ما استظهره المحدّث المجلس (قده) معلّلا بأنّ الغرض من الخطبة ذكرهم لا الطوايف، و بأنّه المناسب لما بعد الآية لا سيّما في سمعوها، و وعوها، ضمير الجمع.

بقى الكلام في معني الآية الشّريفة و بعض ما تضمّنها من النكات و اللطايف فأقول: المشار إليها في الآية هي الجنّة، و الاشارة إلى التعظيم و التفخيم، يعني تلك التي سمعت بذكرها و بلغك وصفها، و المراد بالعلوّ في الأرض هو التّجبر و التكبّر على عباد اللّه و الاستكبار عن عبادة اللّه، و بالفساد الدّعاء إلى عبادة غير اللّه أو أخذ المال و قتل النّفس بغير حقّ أو العمل بالمعاصي.

و روى في مجمع البيان عن راوان«» عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه كان يمشي في الأسواق وحده و هو دالّ يرشد الضّال و يعين الضّعيف و يمرّ بالبيّاع و البقال فيفتح عليه القرآن و يقرأ: تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا، و يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل و التّواضع من الولاة و أهل القدرة من ساير النّاس.

و في غاية المرام عن أبي الحسن الفقيه ابن المغازلي الشّافعي في مناقبة باسناده عن زاوان أيضا قال: رأيت عليّا عليه السّلام يمسك الشّسوع بيده ثمّ يمرّ في الأسواق فيناول الرّجل الشّسع و يرشد الضّالّ و يعين الحمّال على الحمولة و يقرأ هذه الآية: تلك الدّار الآخرة الآية، ثمّ يقول: هذه الآية نزلت في الولاة و ذوي القدرة من النّاس.

و في مجمع البيان عن أبي سلام الأعرج عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: إنّ الرّجل ليعجبه شراك نعله فيدخل في هذه الآية، و قريب منه ما في الكشّاف، قال الطبرسي: يعني انّ من تكبّر على غيره بلباس يعجبه فهو ممّن يريد علوّا في الأرض و قيل: إنّ الآية لما كانت بعد قصّة قارون و قبل قصّة فرعون، كان العلوّ إشارة إلى كفر فوعون لقوله تعالى: «عَلا فِي الْأَرْضِ» و الفساد إلى بغى قارون لقوله: «وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ».

ففي كلام الامام عليه السّلام يحتمل كون الأوّل إشارة إلى الأوّلين و الثّاني إلى الثّالث أو الجميع اليهم جميعا، و على ما استظهرناه فالأظهر كون الأوّل إشارة إلى طلحة و زبير و أتباعهما و معاوية و أصحابه و الثّاني إلى أصحاب النّهروان، و يحتمل الاشارة فيهما إلى جميعهم هذا.

و بقي هنا شي‏ء و هو أنّه سبحانه لم يعلق الموعد في الآية الشريفة بترك العلوّ و الفساد لكن بترك إرادتهما و ميل القلوب إليهما كما علق الوعيد بالرّكون في قوله: «وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ».

فيدلّ على قبح إرادة السّوء و كونها معصية و يستفاد ذلك أيضا من قوله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» و قوله: «إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ».

و هو المستفاد من الأخبار المستفيضة مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّما يحشر النّاس على نيّاتهم، و قوله صلّى اللّه عليه و آله: و سلّم: نية الكافر شرّ من عمله، و ما ورد من تعليل خلود أهل النّار فيها و أهل الجنّة في الجنّة بعزم كلّ منهما على الثّبات على ما كانوا عليه من المعصية و الطاعة لو كانوا مخلدين في الدّنيا إلى غير هذه ممّا رواها المحدّث الشيخ الحرّ في أوائل الوسائل، و إلى ذلك ذهب جمع من الأصحاب منهم العلامة و ابن إدريس و صاحب المدارك و شيخنا البهائي و المحقّق الطوسي في التّجريد، إلّا أنّ المستفاد من الأخبار الاخر هو العفو عن نيّة السّوء و أنّها لا تكتب و هي كثيرة أيضا رواها في الوسائل، و هو مذهب شيخنا الشّهيد في القواعد، قال في محكي كلامه:

 

لا يؤثر نيّة المعصية عقابا و لا ذماما لم يتلبس بها و هو ممّا ثبت في الأخبار العفو عنه انتهى.

و قد جمع شيخنا العلامة الأنصاري طاب رمسه بينهما، بحمل الأدلة الاول على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدمات، و الثّانية على من اكتفى بمجرّد القصد أو حمل الأوّل على من بقي على قصده حتّى عجز عن الفعل لا باختياره، و حمل الآخر على من ارتدع عن قصده بنفسه.

و ربّما يجمع بينها بحمل أخبار العفو على نيّة المسلم و أخبار العقوبة على نيّة الكافر، أو حمل النّفى على عقوبة الآخرة و الاثبات على عقوبة الدّنيا، أو حمل النّفى على فعليّة العقاب و الاثبات على الاستحقاق، أو حمل النّفى على عقوبة السّيئة التي همّ بها فلا يكون عقوبة القصد كعقوبة العمل و حمل أخبار العقوبة على ثبوتها في الجملة، إلى غير هذه من المحامل ممّا لا يخفى على الفطن العارف، و اللّه العالم بحقايق أحكامه

الترجمة

پس تعجب نياورد مرا تعجب آورنده مگر حالت پياپى آمدن مردم بسوى من بجهت عقد بيعت مثل يال كفتار در حالتى كه تزاحم مى‏ كردند بر من از هر طرف حتى اين كه بتحقيق پايمال گردانيده شدند حسن و حسين عليهما السّلام و شكافته شد دو طرف پيراهن من يا عباى من از كثرت ازدحام در حالتى كه مجتمع بودند گردا گرد من مثل گله گوسفند، پس زمانى كه برخاستم بامر خلافت شكستند طايفه عهد بيعت مرا، و خارج شدند طايفه ديگر از جاده شريعت مثل خروج تير از كمان، و فاسق شدند طايفه سيم گويا نشنيده ‏اند آنها خداوند تعالى را كه مى ‏فرمايد در قرآن مجيد خود، كه اين دار آخرت است مى ‏گردانيم آن را بجهت كسانى كه اراده نمى‏ كنند بلندى را در زمين و نه فساد و فتنه را و عاقبت بخير متقين و پرهيزكاران راست، بلى بخدا قسم كه بيقين شنيده ‏ايد اين آيه را و حفظ كرده ‏اند آنرا و لكن زينت داده شده است دنيا در نظر آن‏ها و تعجب آورده است زينت و زر دنياى فانى ايشان را.

الفصل السادس

أما و الّذي فلق الحبّة و برأ النّسمة لو لا حضور الحاضر، و قيام الحجة بوجود النّاصر، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، و لا سغب مظلوم، و لألقيت حبلها على غاربها، و لسقيت آخرها بكأس أوّليها، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عطفة عنز.

اللغة

(الفلق) الشق قال تعالى: فالق الحبّ و النّوى (و برء) أى خلق قيل: و قلّما يستعمل في غير الانسان و (النسمة) محرّكة الانسان أو النفس و الرّوح، و قد يستعمل فيما عدا الانسان و (قارّه) مقارّة قرّ معه و قيل إقرار كلّ واحد صاحبه على الأمر و تراضيهما به و (الكظة) ما يعتري الانسان من الامتلاء من الطعام و (السغب) بالتّحريك الجوع و (الغارب) أعلى كتف النّاقة و (الزّهد) خلاف الرّغبة و الزّهيد القليل و (العفطة) قال ابن الأثير: الضّرطة، و قال الشّارح المعتزلي: عفطة عنز ما تنثره من أنفها و أكثر ما يستعمل ذلك في النعجة، فأما العنز فالمستعمل الأشهر فيها النفطة بالنون و يقولون: ما له عافط و لا نافط أى نعجة و لا عنز، ثم قال: فان قيل أ يجوز أن يقال العفطة هنا الحبقة«» فان ذلك يقال في العنز خاصّة عفطت«» تعفط.

قيل ذلك جايز إلّا أن الأحسن و الأليق بكلام أمير المؤمنين عليه السّلام التّفسير الأوّل، فانّ جلالته و سودده يقتضي أن يكون ذلك أراد لا الثاني فان صحّ أنّه لا يقال في العطسة عفطة إلّا للنعجة، قلنا إنّه عليه السّلام استعمله في العنز مجازا.

 

الاعراب

كلمة ما في قوله: و ما أخذ اللّه مصدريّة و الجملة في تأويل المصدر معطوفة على الحضور أو موصولة و العائد محذوف و على الأوّل فجملة أن لا يقارّوا في محل النّصب مفعولا لاخذ، و على الثّاني بيان لما أخذه اللّه بتقدير حرف جرّ أو نفس أن تفسيريّة على حدّ قوله تعالى: «وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ» و قوله: «وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ» على ما ذهب اليه بعضهم، و يحتمل أن يكون بدلا أو عطف بيان.

المعنى

لما ذكر عليه السّلام حاله مع القوم و حالهم معه من غصب الأوّل للخلافة و إدلائه بها بعده إلى الثاني و جعله لها بعده شورى و إقرانه له عليه السّلام إلى النّظاير المذكورين و انتهائها إلى ثالث القوم و نبّه على خلاف النّاكثين و القاسطين و المارقين له عليه السّلام بعد قبوله الخلافة و نهوضها، أردف ذلك كله ببيان العذر الحامل له على قبول هذا الأمر بعد عدوله عنه إلى هذه الغاية و قدم على ذلك شاهد صدق على دعواه بتصدير كلامه بالقسم العظيم فقال: (أمّا و الذي فلق الحبّة) أى شقّها و أخرج النّبات منها بقدرته الكاملة (و برء النّسمة) أى خلق الانسان و أنشأه بحكمته التّامة الجامعة (لو لا حضور الحاضر) للبيعة من الأنصار و المهاجر أو حضور الوقت الذي وقّته رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لقيامه بالنّواهي و الأوامر (و قيام الحجّة) عليه عليه السّلام (بوجود النّاصر) و المعين (و) لو لا (ما أخذ) ه (اللّه على العلماء) أى الأئمة عليهم السّلام أو الأعم من (أن لا يقارّوا) و لا يتراضوا و لا يسكنوا (على كظة ظالم) و بطنته (و لا سغب مظلوم) وجوعه و تعبه، و الكظة كناية عن قوّة ظلم الظالم و السغب كناية عن شدّة مظلوميّة المظلوم و المقصود أنّه لو لا أخذ اللّه على أئمة العدل و عهده عليهم عدم جواز سكوتهم على المنكرات عند التمكن و القدرة (لألقيت حبلها) أى زمام الخلافة (على غاربها) شبّه الخلافة بالنّاقة التي يتركها راعيها لترعى حيث تشاء و لا يبالي من يأخذها و ما يصيبها، و ذكر المغارب و هو ما بين السّنام و العنق تخييل و القاء الحبل ترشيح (و لسقيت آخرها بكاس أولها) أى تركتها آخرا كما تركتها أوّلا و خليت النّاس يشربون من كأس الحيرة و الجهالة بعد عثمان و يعمهون في سكرتهم كما شربوا في زمن الثلاثة (و لألفيتم دنياكم هذه) التي رغبتم فيها و تمكن حبها في قلوبكم (أزهد عندي) و أهون (من عفطة عنز) أى ضرطتها أو عطستها.

الترجمة

آگاه باش اى طالب منهج قويم و سالك صراط مستقيم، قسم بآن خداوندى كه دانه را شكافت بقدرت كامله و انسان را خلق فرمود بحكمت بالغه، اگر نمى بود حضور حاضرين از براى بيعت و قائم شدن حجت بر من بجهت وجود يارى كنندگان و آن چيزى كه اخذ فرمود آن را خداوند بر علماء كه قرار ندهند با يكديگر و راضى نشوند بر امتلاء ستمكار و نه بر گرسنگى ستم رسيده، هر آينه مى‏انداختم افسار خلافت را بر كوهان آن و هر آينه سيراب مى‏كردم آخر خلافت را با جام اول آن، و هر آينه مى‏يافتيد دنياى خودتان را كه بآن مى‏نازيد و دين خود را كه در طلب آن مى‏بازيد، بى مقدارتر در نزد من از جيفه ب‏ز يا از عطسه آن

الفصل السابع

قالوا: و قام إليه رجل من أهل السّواد عند بلوغه إلي هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا فأقبل ينظر فيه، فلمّا فرغ من قراءته قال له ابن عبّاس رحمه اللّه: يا أمير المؤمنين لو اطّردت مقالتك من حيث أفضيت، فقال: هيهات يابن عبّاس تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت، قال ابن عبّاس: فو اللّه ما أسفت على كلام قطّ كأسفي على هذا الكلام ألّا يكون أمير المؤمنين عليه السّلام بلغ منه حيث أراد.

 

اللغة

(أهل السّواد) ساكنو القرى و تسمّى القرى سوادا لخضرتها بالزّرع و النّبات و الاشجار و العرب تسمى الاخضر أسود و (ناوله) أعطاه و (الاطراد) هو الجرى يقال: اطرد الأمر أى تبع بعضه بعضا و جرى بعضه أثر بعض، و نهران يطردان أى يجريان و (الافضاء) الانتهاء قال الشّارح المعتزلي: أصله خروج إلى الفضاء فكأنّه شبهه حيث سكت عليه السّلام عما كان يقول بمن خرج من خباء أو جدار إلى فضاء من الأرض، و ذلك لأنّ النفس و القوى و الهمة عند ارتجال الخطب و الاشعار تجتمع إلى القلب، فاذا قطع الانسان و فرغ تفرقت و خرجت عن حجر الاجتماع و استراحت و (الشقشقة) بالكسر شي‏ء كالرّية يخرجه البعير من فيه إذا هاج، و يقال للخطيب ذو شقشقة تشبيها له بالفحل و (هدير) الجمل ترديده الصّوت في حنجرته.

الاعراب

كلمة لو لا إما للتمنّي أو الجواب محذوف أى لكان حسنا، و المقالة إما مرفوعة على الفاعليّة لو كان اطردت بصيغة المؤنث الغايب من باب الافتعال، أو منصوبة على المفعولية لو كان بصيغة الخطاب من باب الافعال أو الافتعال أيضا.

المعنى

(قالوا و قام إليه رجل من أهل السواد) قيل: إنه كان من أهل سواد العراق (عند بلوغه عليه السّلام إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا) و أعطاه (فأقبل) إليه و كان (ينظر فيه فلما فرغ) عليه السّلام (من قراءته) و أجاب الرّجل بما أراد حسبما نشير إليه (قال له ابن عباس رحمه اللّه: يا أمير المؤمنين لو اطّردت) أي جرت (مقالتك من حيث أفضيت) و انتهيت لكان حسنا (فقال عليه السّلام: هيهات يابن عبّاس تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت) و سكنت.

شبّه عليه السّلام نفسه بالفحل الهادر فاستعار لخطبته لفظ الشّقشقة التي من خواص الفحل قيل: في الكلام إشعار بقلّة الاعتناء بمثل هذا الكلام إمّا لعدم التأثير في السّامعين كما ينبغي، أو لقلّة الاهتمام بأمر الخلافة من حيث إنّها سلطنة، أو للاشعار بانقضاء مدّته، فانّها كانت في قرب شهادته، أو لنوع من التّقية أو لغيرها (قال ابن عبّاس: فو اللّه ما أسفت على كلام قط كاسفي) و حزني (على هذا الكلام ألّا يكون أمير المؤمنين عليه السّلام بلغ منه حيث أراد) قال الشّارح المعتزلي: حدّثني شيخي أبو الخير مصدّق بن شبيب الواسطي، قال قرأت على الشّيخ أبي محمّد عبد اللّه بن أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة، فلمّا انتهيت إلى هذا الموضع قال لي: لو سمعت ابن عبّاس يقول هذا لقلت له: و هل بقي في نفس ابن عمّك أمر لم يبلغه فهذه الخطبة لتتأسّف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد و اللّه ما رجع عن الأوّلين و لا عن الآخرين و لا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و بقى الكلام في الكتاب الذي ناوله الرّجل فأقول روى الشّارح البحراني و المحدّث الجزايرى و غيره عن أبي الحسن الكندري (ره) أنّه قال: وجدت في الكتب القديمة أنّ الكتاب الذي دفعه الرّجل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام كان فيه عدّة مسائل إحداها ما الحيوان الذي خرج من بطن حيوان آخر و ليس بينهما نسب فأجاب عليه السّلام بأنه يونس عليه السّلام خرج من بطن حوت.

الثانية ما الشي‏ء الذي قليله مباح و كثيره حرام فقال عليه السّلام: هو نهر طالوت لقوله تعالى: إلّا من اغترف غرفة بيده.

الثالثة ما العبادة التي إن فعلها أحد استحقّ العقوبة و إن لم يفعلها أيضا استحقّ العقوبة فأجاب عليه السّلام بأنّها صلاة السكارى.

الرابعة ما الطائر الذي لا فرخ له و لا فرع و لا أصل فقال عليه السّلام: هو طاير عيسى عليه السّلام في قوله: «وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي».

الخامسة رجل عليه من الدّين ألف درهم و له في كيسه ألف درهم فضمنه ضامن‏ بألف درهم فحال عليه الحول فالزّكاة على أيّ المالين تجب فقال عليه السّلام: إن ضمن الضّامن باجازة من عليه الدّين فلا يكون عليه، و إن ضمنه من غير إذنه فالزّكاة مفروضة في ماله.

السّادسة حجّ جماعة و نزلوا في دار من دور مكّة و تركوا فيها ثيابهم و اغلق واحد منهم باب الدّار و فيها حمام فمتن من العطش قبل عودهم إلى الدّار فالجزاء على أيّهم يجبّ فقال عليه السّلام: على الذي أغلق الباب و لم يخرجهنّ و لم يضع لهنّ ماء السّابعة شهد شهداء أربعة على محصن بالزّنا فأمرهم الامام برجمه فرجمه واحد منهم دون الثلاثة الباقين و وافقهم قوم أجانب في الرّجم فرجع من رجمه عن شهادته و المرجوم لم يمت ثمّ مات فرجع الآخرون عن شهادتهم عليه بعد موته فعلى من يجب ديته فقال عليه السّلام: يجب على من رجمه من الشّهود و من وافقه.

الثّامنة شهد شاهدان من اليهود على يهودي أنّه أسلم فهل يقبل شهادتهما فقال عليه السّلام: لا تقبل شهادتهما لأنّهما يجوّز ان تغيير كلام اللّه و شهادة الزّور.

التّاسعة شهد شاهدان من النّصارى على نصارى أو مجوسي أو يهودي أنّه أسلم فقال عليه السّلام: تقبل شهادتهما لقول اللّه سبحانه: «وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى‏» الآية و من لا يستكبر عن عبادة اللّه لا يشهد شهادة الزّور.

العاشرة قطع إنسان يد آخر فحضر أربعة شهود عند الامام و شهدوا على من قطع يده و أنّه زنى و أنّه محصن فأراد الامام أن يرجمه فمات قبل الرّجم بقطع يده على القاطع دية القطع أو دية النّفس فقال عليه السّلام: على من قطع يده دية القطع حسب و لو شهدوا أنّه سرق نصابا لم يجب دية يده على قاطعها، و اللّه أعلم بالصواب و إليه المرجع و المآب.

الترجمة

راويان گويند برخاست بسوى آن حضرت مردي از اهل سواد كوفه نزد رسيدن او باين موضع از خطبه خود پس داد او را نوشته پس روى آورد و نظر مى‏فرمود بسوى آن، پس چون فارغ شد از خواندن آن كتاب عرض كرد خدمت آن حضرت عبد اللّه بن عبّاس رحمه اللّه اى امير مؤمنان و مقتداى عالميان اگر جارى مى‏فرمودي كلام بلاغت نظام خود را از آنجا كه باقى مانده بود هر آينه خوب بود، پس آن حضرت فرمود چه دور است آن حالت نسبت باين حالت اى ابن عباس اين مانند شقشقه شتر بود كه نزد هيجان نفس و اشتغال آن با صورت و غرّيدن از دهن بيرون آمد بعد از آن قرار گرفت و ساكن شد، گفت عبد اللّه بن عباس بخدا قسم كه تأسف نخوردم بر هيچ كلامى هرگز در مدت عمر خود چون تأسف خوردن خود بر اين كلام كه نشد أمير المؤمنين عليه السّلام برسد از آن كلام بجائى كه اراده كرده بود.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 3/4 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)معروفة بالشقشقية قسمت چهارم

خطبه 3 صبحی صالح

3- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) و هي المعروفة بالشقشقية و تشتمل على الشكوى من أمر الخلافة ثم ترجيح صبره عنها ثم مبايعة الناس له‏

أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى

يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ

فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً

وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ

يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ

ترجيح الصبر

فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى

فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا

أَرَى تُرَاثِي نَهْباً

حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ

ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى

شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا            وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ

فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ

لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا

فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا

فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ‏ لَهَا تَقَحَّمَ

فَمُنِيَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اعْتِرَاضٍ

فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ الْمِحْنَةِ

حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ

فَيَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ

لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا

فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَ مَالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ

إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ

وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ

إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَ كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ

مبايعة علي‏ 

فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَ النَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ

حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَ شُقَّ عِطْفَايَ

مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ

فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ قَسَطَ آخَرُونَ

كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏

بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَكِنَّهُمْ‏

حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا

أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَ لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ

قَالُوا وَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ كِتَاباً قِيلَ إِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَانَ يُرِيدُ الْإِجَابَةَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ) قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ فَقَالَ هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَاللَّهِ مَا أَسَفْتُ عَلَى كَلَامٍ قَطُّ كَأَسَفِي عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَلَّا يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه‏السلام  )بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرَادَ

قال الشريف رضي اللّه عنه قوله ( عليه‏السلام  ) كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها يقال أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه و شنقها أيضا ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق و إنما قال أشنق لها و لم يقل أشنقها لأنه جعله في مقابلة قوله أسلس لها فكأنه ( عليه‏السلام  ) قال إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها بالزمام

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج2  

الفصل الثاني

حتّى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده، ثمّ تمثّل عليه السّلام بقول الأعشى:

شتّان ما يومي على كورها            و يوم حيّان أخي جابر

فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدّ ما تشطّرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، و يخشن مسّها، و يكثر العثار فيها، و الاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصّعبة إن أشنق لها خرم، و إن أساس لها تقحّم، فمني النّاس لعمر اللّه بخبط و شماس، و تلوّن و اعتراض، فصبرت على طول المدّة، و شدّة المحنة.

اللغة

يقال فلان (مضى) لسبيله أي مات و (أدلى) بها إلى فلان أى القاها إليه و دفعها قال تعالى: «وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ» أى تدفعوها إليهم رشوة و أصله من أدليت الحبل في البئر إدلاء أي أرسلتها ليستقى بها و (تمثل) بالبيت أنشده للمثل و (شتّان) اسم فعل فيه معنى التعجب يقال: شتان ما هما و ما بينهما و ما عمرو و أخوه أى بعد ما بينهما، قال الشّارح المعتزلي و لا يجوز شتّان ما بينهما إلّا على قول ضعيف و (الكور) بالضمّ رحل البعير بأداته و (الاقالة) فكّ عقد البيع و نحوه، و الاستقالة طلب ذلك و (شدّ) أى صار شديدا مثل حبّ اذا صار حبيبا (تشطر) إما مأخوذ من الشّطر بمعنى النّصف يقال: فلان شطر ماله اى نصفه، أو من الشطر بمعنى خلف الناقة بالكسر، قال الشّارح المعتزلي: و للنّاقة أربعه أخلاف خلفان‏ قادمان«» و خلفان آخر ان و كلّ اثنين منهما شطر و تشطرا ضرعيها اقتسما فايدتها، و الضّمير للخلافة و سمّى القادمين معا ضرعا و سمّى الآخرين معا ضرعا لتجاورهما و لكونهما لا يحلبان إلا معا كالشّي‏ء الواحد انتهى، و لفظ التشطر على وزن التّفعل غير موجود في كتب اللغة.

قال العلامة المجلسي: و في رواية المفيد و غيره شاطرا على صيغة المفاعلة يقال: شاطرت ناقتي إذا احتلبت شطرا و تركت الآخر، و شاطرت فلانا مالى إذا ناصفته و (الحوزة) الطبيعة و النّاحية و (الغلظ) ضدّ الرّقة و (الكلم) بفتح الكاف و سكون اللّام يقال: كلمته كلما من باب قتل جرحته و من باب ضرب لغة، ثمّ اطلق المصدر على الجرح و يجمع على كلوم و كلام مثل بحر و بحور و بحار و (العثار) بالكسر مصدر من عثر الرّجل و الفرس أيضا يعثر من باب قتل و ضرب و علم كبا و (الصّعبة) من النّوق غير المنقادة لم تذلل بالمحمل و لا بالرّكوب و (أشنق) بعيره أى جذب رأسه بالزّمام ليمسكه عن الحركة العنيفة كما يفعل الفارس بفرسه و هو راكب، و أشنق هو بالألف أيضا كشنق رفع رأسه فيستعمل الرّباعي لازما و متعديا كالثلاثي.

قال الرضيّ بعد ايراد تمام الخطبة: قوله عليه السّلام إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم، يريد أنّه إذا شدّد عليها في جذب الزّمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها، يقال: أشنق النّاقة إذا جذب رأسها بالزّمام فرفعه و شنقها أيضا ذكر ذلك ابن السّكيت في اصلاح المنطق و إنّما قال: أشنق لها و لم يقل: أشنقها، لأنّه جعله في مقابلة قوله أسلس لها فكانه عليه السّلام قال: إن رفع لها رأسها بالزّمام بمعنى أمسكه عليها انتهى.

و (الخرم) الشّق يقال خرم فلانا كضرب أى شق و ترة أنفه«» و هي ما بين منخريه فخرم هو كفرح و (أسلس لها) أرخى زمامها و (تقحم) فلان رمى نفسه في‏ المهلكة و تقحم الانسان في الأمر ألقى نفسه فيه من غير روية و تقحم الفرس راكبه رماه على وجهه و (مني) على المجهول اى ابتلى و (الخبط) بالفتح السّير على غير معرفة و في غير جادة و (الشّماس) بكسر الشّين النّفار يقال: شمس الفرس شموسا و شماسا أى منع ظهره فهو فرس شموس بالفتح و (التّلوّن) في الانسان أن لا يثبت في خلق واحد و (الاعتراض) السّير على غير استقامة كأنّه يسير عرضا و (المحنة) البليّة التي يمتحن بها الانسان.

الاعراب

اللّام في قوله عليه السّلام: لسبيله، بمعنى على كما في قوله:

فخرّ صريعا لليدين و للفم.

و شتّان مبني على الفتح لتضمّنه معنى افترق مع تعجب، أى ما أشدّ الافتراق فيطلب فاعلين كافترق نحو شتّان زيد و عمرو، و قد يزاد بعده ما كما في البيت، و يومي و يوم حيّان مرفوعان على الفاعليّة، و يا عجبا منصوب بالنداء و أصله يا عجبي ثم قلبت الياء ألفا، كأن المتكلّم ينادي عجبه و يقول له: احضر فهذا أو ان حضورك، و بينا هي بين الظرفيّة اشبعت فتحها فصارت ألفا و تقع بعدها إذا الفجائية غالبا، و اللام في قوله عليه السّلام: لشدّ جواب للقسم المقدر، و شدّ أى صار شديدا، و ما مصدريّة و المصدر فاعل شدّ و لا يستعمل هذا الفعل إلّا في التّعجب، و الضمير في قوله: فيها و منها، راجع إلى الحوزة، و يحتمل رجوع الثّاني إلى العثرات المستفادة من كثرة العثار، و من في قوله: منها صلة للاعتذار أو للصّفة المقدرة صفة للاعتذار أو حالا عن يكثر أى النّاشي أو ناشيا منها.

و قال الشّارح المعتزلي: و يمكن أن يكون من هنا للتعليل و السّببية أى و يكثر اعتذار النّاس عن أفعالهم و حركاتهم لأجلها، و العمر بالضمّ و الفتح مصدر عمر الرّجل بالكسر إذا عاش زمانا طويلا و لا يستعمل في القسم إلّا العمر بالفتح فاذا أدخلت عليه اللام رفعته بالابتداء، و اللّام لتوكيد الابتداء و الخبر محذوف و التقدير لعمر اللّه قسمي، و إن لم تأت باللّام نصبت نصب المصادر.

المعنى

(حتى اذا مضى الأوّل) و هو ابو بكر (لسبيله) أى على سبيله الذي يسلكه كلّ انسان و هو سبيل الآخرة، و ذلك بعد ما مضى من خلافته سنتان و ثلاثة أشهر إلّا خمس ليال، و قيل: سنتان و ثلاثة أشهر و سبع ليال، و قال ابن اسحاق: توفى على رأس اثنتين و ثلاثة أشهر و اثنى عشر يوما من متوفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قيل: و عشرة أيام، و قيل: و عشرين يوما، ذكر ذلك كلّه. في البحار من كتاب الاستيعاب.

و كيف كان فانّه لمّا ظهر له علائم الموت (أدلى بها) أى بالخلافة أى دفعها (إلى ابن الخطاب بعده) بطريق النّص و الوصيّة من دون أن يكون له استحقاق لها كما يشير إليه لفظ الادلاء على ما نبّه به الشّارح المعتزلي حيث قال بعد ما فسّر الادلاء بالدّفع على وجه الرّشوة: فان قلت: فان أبا بكر إنّما دفعها إلى عمر حين مات و لا معنى للرّشوة عند الموت قلت: لما كان عليه السّلام يرى أنّ العدول بها عنه إلى غيره إخراج لها إلى غير جهة الاستحقاق شبّه ذلك بادلاء الانسان بماله إلى الحاكم، فانّه إخراج للمال إلى غير وجهه فكان ذلك من باب الاستعارة هذا.

و المراد بابن الخطاب هو عمر و هو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بالمثنّاة التّحتانية و امّه حنتمة«» بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر ابن مخزوم.

و ينبغي لنا تحقيق الكلام في هذا النسب الشّريف من طريقنا و من طريق العامّة فأقول: قال العلامة في كشف الحقّ: و روى الكلبيّ و هو من رجال السّنة في كتاب المثالب قال: كانت صهّاك أمة حبشيّة لهاشم بن عبد مناف فوقع عليها نفيل بن هاشم ثمّ وقع عليها عبد العزّى بن رياح و جاءت بنفيل جدّ عمر بن الخطاب، و قال الفضل‏ ابن روز بهان في الشّرح بعد القدح في صحّة النّقل: إن انكحة الجاهليّة على ما ذكره أرباب التواريخ على أربعة أوجه، منها أن يقع جماعة على امرأة ثمّ ولد منها يحكم فيه القايف أو تصدّق المرأة و ربّما كان هذا من أنكحة الجاهلية، و أورد عليه شارح الشّرح بأنّه لو صحّ ما ذكره لما تحقق زنا في الجاهلية و لما سمّي مثل ذلك في المثالب و لكان كلّ من وقع على امرأة كان ذلك نكاحا منه عليها و لم يسمع عن أحد أنّ من نكاح الجاهلية كون امرأة واحدة في يوم واحد أو شهر واحد في نكاح جماعة من النّاس.

و قال المحدّث المجلسي في البحار: و حكى بعض أصحابنا عن محمّد بن شهرآشوب و غيره أن صهّاك كانت امة حبشية لعبد المطلب و كانت ترعى له الابل، فوقع عليها نفيل فجاءت بالخطاب، ثمّ إنّ الخطاب لما بلغ الحلم رغب في صهّاك فوقع عليها فجاءت بابنة فلفّتها في خرقة من صوف و رمتها خوفا من مولاها في الطريق فرآها هاشم بن المغيرة مرميّة في الطريق فأخذها و ربّاها و سمّاها حنتمة فلما بلغت رآها خطاب يوما فرغب فيها و خطبها من هاشم فأنكحها إياه فجاءت بعمر بن الخطاب فكان الخطاب أبا و جدا و خالا لعمر، و كانت حنتمة امّا و اختا و عمّة له فتأمل.

ثمّ قال المجلسي (ره) فأقول: وجدت في كتاب عقد الدّرر لبعض الأصحاب روى باسناده عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن ابن الزّيات عن الصّادق عليه السّلام أنّه قال: كانت صهّاك جارية لعبد المطلب و كانت ذات عجز و كانت ترعى الابل و كانت من الحبشة و كانت تميل إلى النّكاح، فنظر إليها نفيل جدّ عمر فهواها و عشقها من مرعى الابل، فوقع عليها فحملت منه بالخطاب، فلما أدرك البلوغ نظر إلى امّه صهّاك فأعجبه عجيزها فوثب عليها فحملت منه بحنتمة فلما ولدتها خافت من أهلها فجعلتها في صوف و ألقتها بين أحشام مكّة، فوجدها هشام بن المغيرة بن الوليد، فحملها إلى منزله و رباها و سمّاها بالحنتمة، و كانت شيمة العرب من ربى يتيما يتّخذه ولدا، فلمّا بلغت حنتمة نظر إليها الخطاب فمال إليها و خطبها من هشام فتزوّجها فأولد منها عمر، فكان الخطاب أباه و جده و خاله، و كانت حنتمة أمّه و اخته و عمّته، و ينسب إلى الصّادق عليه السّلام في هذا المعنى شعر:

من جدّه خاله و والده
و امّه اخته و عمّته‏

أجدر أن يبغض الوصيّ و أن‏
ينكر يوم الغدير بيعته‏

أقول: هذا النّسب و أمّا الحسب فقد حكى العلامة في كشف الحقّ عن ابن عبد ربّه في كتاب العقد الحديث استعمال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص في بعض ولايته، فقال: عمرو بن العاص: قبح اللّه زمانا عمل فيه عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب، و اللّه إنّي لأعرف الخطاب على رأسه حزمة من حطب و على ابنه مثلها و ما ثمنها إلّا تمرة لا تبلغ مضغته، و روى نحو ذلك الشّارح المعتزلي عن زبير بن بكار في حديث طويل و فيه فلما رأى عمرو كثرة ما أخذ منه قال: لعن اللّه زمانا صرت فيه عاملا لعمرو اللّه لقد رأيت عمرو أباه على كلّ واحد منهما عبائة قطوانية لا يجاوز مأبض ركبتيه و على عنقه حزمة حطب و العاص بن وائل في مزررات الدّيباج انتهى.

و في البحار عن النهاية في تفسير المبرطش كان عمر في الجاهليّة مبرطشا و هو السّاعي بين البايع و المشتري شبه الدّلال، و يروى بالسّين المهملة بمعناه و في القاموس المبرطس الذي يكتري للنّاس الابل و الحمير و يأخذ عليه جعلا.

و قال المحدث الجزائري: و من عجيب ما رووه عن الخطاب والد عمر بن الخطاب أنّه كان سرّاقا و قطع في السّرقة ما ذكره ابو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب الشّهاب في تسمية من قطع من قريش في الجاهلية في السرقة ما هذا لفظه: قال: و الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عدي بن كعب أبو عمر بن الخطاب قطعت يده في سرقة قدر و محاه ولاية عمر و رضي الناس عنه، قال بعض المسلمين: ألا تعجب من قوم رووا أن عمر كان ولد زنا و أنه كان في الجاهليّة نخاس«» الحمير و أنّه كان أبوه سراقا و أنه ما كان يعرف إلّا بعمير لرذالته ثمّ مع هذا جعلوه خليفة قائما مقام نبيهم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نائبا عن اللّه تعالى في عباده و قدّموه على من لا طعن عليه في حسب و لا نسب و لا أدب و لا سبب، و يا ليتهم حيث ولوه و فضحوا أنفسهم بذلك كانوا قد سكتوا عن نقل هذه الأحاديث التي قد شمتت بها الأعداء و جعلوها طريقا إلى جهلهم بمقام الأنبياء و خلافة الخلفاء هذا.

و بقي الكلام في كيفيّة عقد أبي بكر الخلافة لعمر و إدلائه بها إليه فأقول: قال الشّارح المعتزلي و روى كثير من النّاس أنّ أبا بكر لما نزل به دعا عبد الرحمن ابن عوف فقال: أخبرني عن عمر فقال: إنّه أفضل من رأيت إلّا أن فيه غلظة، فقال أبو بكر ذاك لأنّه يراني رقيقا و لو قد افضى الأمر إليه لترك كثيرا ممّا هو عليه و قد رمقته إذا أنا غضبت على رجل أرانى الرّضى عنه و إذا لنت له أراني الشدّة عليه، ثم دعا عثمان بن عفّان فقال: أخبرني عن عمر، فقال: سريرته خير من علانيته و ليس فينا مثله، فقال لهما لا تذكرا ممّا قلت لكما شيئا و لو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان و الخيرة لك أن لا تلي من امورهم شيئا و لوددت أني كنت من اموركم خلوا و كنت فيمن مضى من سلفكم.

و دخل طلحة بن عبيد اللّه على أبي بكر فقال: إنّه بلغني أنّك يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم استخلفت على النّاس عمر و قد رأيت ما يلقى الناس منه و أنت معه فكيف به إذا خلابهم و أنت غدا لاق ربّك فسألك عن رعيتك، فقال أبو بكر أجلسوني ثم قال: أبا للّه تخوّفني إذا لقيت ربّي فسألني قلت: استخلفت عليهم خير أهلك، فقال طلحة: أعمر خير النّاس يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاشتد غضبه فقال: اي و اللّه هو خيرهم و أنت شرّهم أم و اللّه لو وليتك لجعلت أنفك في قفاك و لرفعت نفسك فوق قدرها حتى يكون اللّه هو الذي يضعها، أتيتني و قد دلكت عينيك تريد أن تفتنني عن ديني و تزيلني عن رأيي، قم لا أقام اللّه رجليك، أما و اللّه لئن عشت فواق ناقة و بلغني أنّك غمضته فيها أو ذكرته بسوء لا لحقنّك بخمصات«» قنة«» حيث كنتم تسقون‏ و لا تروون و ترعون و لا تشبعون و أنتم بذلك مبتجحون«» راضون، فقام طلحة فخرج.

ثمّ قال الشّارح: أحضر أبو بكر عثمان و هو يجود بنفسه فأمره أن يكتب عهده و قال: اكتب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا ما عهد عبد اللّه بن عثمان إلى المسلمين أمّا بعد، ثم اغمي عليه و كتب عثمان قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، و أفاق أبو بكر فقال: اقرء، فقرأه فكبر أبو بكر و سرّ، و قال: أراك خفت أن تختلف النّاس ان متّ في غشيتي قال: نعم، قال: جزاك اللّه خيرا عن الاسلام و أهله، ثمّ أتمّ العهد و أمر أن يقرأ على النّاس فقرأ عليهم، ثمّ أوصى عمر بوصايا و توفى ليلة الثّلثا لثمان بقين من جمادي الآخرة من سنة ثلاث عشر.

أقول: انظروا يا أهل البصيرة و الانصاف و الدّقة و الاعتبار إلى الخلافة العظمى و الرّياسة الكبرى كيف صارت لعبة للجهال و دولة بين أهل الغيّ و الضّلال و انظروا رئيس الضّالين و المضلّين كيف اجترى على ربّ العالمين في تلك الحالة التي كان يفارق الدّنيا و ينتقل إلى نزاعة للشّوى، فحكم بكون عمر أفضل الصّحابة مع كون أمير المؤمنين عليه السّلام بينهم، و قد قال فيه نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك، و ساير أحاديث الفضل التي لا تحصى حسبما عرفت بعضها في مقدّمات هذه الخطبة و غيرها، ثمّ انظر إلى ابن الخطاب عليه النّكال و العذاب كيف لم يقل لأبي بكر في هذه الحالة التي يغمى عليه فيها مرّة و يفيق اخرى إنّه ليهجر«» كما قال للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين أراد أن يكتب كتابا أن لا يضلّوا بعده: انّه ليهجر و لنعم ما قيل:

اوصى النّبيّ فقال قائلهم
قد خلّ يهجر سيد البشر

و رأى أبا بكر اصاب و لم‏
يهجر فقد اوصى الى عمر

ثمّ العجب من النعثل الفاجر عثمان بن عفان عليه سخط الرّحمن حيث كتبها برأيه‏ بدون مصلحة الخليفة الخوّان، و العجب كل العجب من هذا الشّقي كيف مدحه و شكره و جزاه خيرا عن الاسلام و أهله و لم يقل له: لم اجترئت على هذا الأمر العظيم و الخطب الجسيم الذي هو مقام الأنبياء و ميراث الأوصياء يترتب عليه أمر الدّين و الدّنيا بمحض رأيك و رضاك و طبعك و هواك، مع أن سيد الورى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يجترى أن يخبر بأدنى حكم إلّا بوحي يوحى و يلزم على زعمهم الفاسد و رأيهم الكاسد أن يكون ابو بكر و عثمان أشفق على أهل الاسلام و الايمان من سيد الانس و الجان لأنه بزعمهم أهمل أمر الامة و لم يوص لهم بشي‏ء، و هما أشفقا على الامة حذرا من ضلالتهم فنصبا لهم جاهلا شقيا و فظا غليظا.

يا ناعي الاسلام قم فانعه            قد مات عرف و بدا المنكر

و غير خفيّ على العاقل اللبيب و الكامل الأريب أنّ تلك الامور الفاضحة و الحيل الواضحة لم تكن إلّا لتأسيس أساس الكفر و النفاق و هدم بنيان الاسلام و الاتفاق، و إرجاع الناس إلى أعقابهم القهقرى و ترويج عبودية اللّات و العزى، فجزاهم اللّه عن الاسلام و أهله شر الجزاء، و غضب عليهم ملؤ الارض و السماء.

(ثمّ تمثل عليه السّلام بقول الأعشى) أعشى قيس و هو أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل:

(شتان ما يومي على كورها            و يوم حيان أخي جابر)

و هو من قصيدة طويلة له قالها في منافرة علقمة بن علانة بن عوف و عامر بن الطفيل ابن مالك بن جعفر و تفصيل قصة نفارهما ذكره أبو الفرج في الأغاني و قبل ذلك البيت الذي تمثل عليه السّلام به قوله:

و قد اسلي«» الهمّ اذ يعتري
بحسرة دوسرة عاقر

زيافة بالوحل خطارة
تلوى بشرخى ميسة فاتر

ارمى بها البيداء إذ هجرت‏
و أنت بين القرد و العاصر

في مجدل شيّد بنيانه
يزلّ عنه ظفر الطائر

و معنى البيت بعد ما بين يومي على رحل هذه النّاقة الموصوفة، و بين يوم حيّان و هو في سكرة الشّراب ناعم البال مرفه من الأكدار و المشاق، و حيان و جابر ابنا السّمين الحنفيان و كان حيان صاحب حصن باليمامة و كان من سادات بني حنيفة مطاعا في قوله يصله كسرى في كلّ سنة و كان فى رفاهيّة و نعمة مصونا من و عثاء السفر، لم يكن يسافر أبدا، و كان الأعشى ينادمه و كان أخوه جابر أصغر سنا منه، حكي ان حيان قال للأعشى نسبتني إلى أخي و هو أصغر سنّا مني فقال: إنّ الرّوى اضطرني إلى ذلك، فقال: و اللّه لا نازعتك كاسا أبدا ما عشت هذا.

و معنى البيت على ما ذكرناه هو الذي أفاده المرتضى (قده) و هو الظاهر المطابق للبيت الذي بعده أعني قوله: أرمى بها البيداء. و هو أيضا مما تمثل عليه السّلام به على ما حكي عن بعض النسخ، فيكون غرضه عليه السّلام من التمثل على ذلك بيان البعد بين يومه صابرا على القذى و الشّجى و بين يومهم فايزين بما طلبوا من الدّنيا، و قريب منه ما قال الشّارح المعتزلي حيث قال: يقول أمير المؤمنين عليه السّلام: شتّان بين يومي في الخلافة مع ما انتقض علىّ من الأمر و منيت به من انتشار الحبل و اضطراب أركان الخلافة، و بين يوم عمر حيث وليها على قاعدة ممهّدة و أركان ثابته و سكون شامل، فانتظم أمره و اطرد حاله.

و قال بعض الشّارحين: المعنى ما أبعد ما بين يومي على كور النّاقة اداب و انصب و بين يومي منادما حيّان أخي جابر في خفض و دعة، فالغرض من التّمثل إظهار البعد بين يومه عليه السّلام بعد وفات الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مقهورا ممنوعا عن حقّه، و بين يومه في صحبة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فارغ البال مرفّه الحال كاسبا للفيوضات الظاهريّة و الباطنية، و هذا المعنى هو الأقرب إلى النّظر و الأنسب إلى السّياق، و به فسّره‏ المحدّث الجزايري حيث قال: و قوله عليه السّلام: شتّان البيت و هو الاعشى يقول: تفرق ما بين يوميّ يوم سروري و هو منادمتي لأخي حيّان، و يوم شدّتي و ركوبي على متن ناقتي في البراري و القفار، و هو عليه السّلام قد استعار هذا ليوميه يوم فرحه لما كان نديمه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و يوم تعبه و يوم ركوبه المشاق و الحروب وحده بلا معاون و لا نصير.

ثمّ إنّه عليه السّلام أظهر التعجب من إدلائه بالخلافة إليه مع استقالته منها بقوله: (فيا عجبا بينا هو) يعني أبا بكر (يستقيلها) أي يطلب الاقالة منها (في حياته) و يقول: أقيلوني أقيلوني (إذ عقدها لآخر) أراد به عمر أى جعلها معقودة له لتكون له (بعد وفاته) و وجه التّعجب أنّ استقالته منها في حياته دليل على رغبته عنها و زهده فيها و عقدها لغيره دليل على رغبته فيها و ميله اليها، و هو يضادّ الاستقالة الحقيقية فيكون دليلا على كون الاستقالة منه صوريّة ناشئة عن وجه الخدعة، و التدليس، و نعم ما قيل:

حملوها يوم السّقيفة وزرا
تخفّ الجبال و هى ثقال‏

ثمّ جاءوا من بعدها يستقيلون‏
و هيهات عثرة لا تقال‏

هذا و خبر الاقالة ممّا رواه الجمهور، و هو قوله: اقيلوني أقيلوني فلست بخيركم و عليّ فيكم، و رواه في البحار عن الطبري في تاريخه و البلادري في أنساب الأشراف و السّمعاني في الفضائل و أبي عبيدة في بعض مصنّفاته، قال: و لم يقدح الفخر الرّازي في صحّته و إن أجاب عنه بوجوه ضعيفة، و كفى كلامه عليه السّلام شاهدا على صحته انتهى.

و قال بعض المحقّقين من أصحابنا: معنى استقالته الأمر بقتل علي بن أبي طالب عليه السّلام يعني ما دام عليّ فيكم موجودا فأنا لست بخيركم فاقتلوه حتّى أكون خليفة بلا منازع، و قوله عليه السّلام: (لشدّ ما تشطر اضرعيها) شبه الخلافة بناقة لها ضرعان و كان كلّ واحد منهما أخذ منها ضرعا يحلبه لنفسه، فالمعنى و اللّه لصار شديدا أخذ كلّ واحد منهما شطرا أى نصفا أو شطرا بالكسر أى خلفا من ضرعيها، و المقصود اقتسامهما فايدتها بينهما، و في بعض روايات السّقيفة أنّه عليه السّلام قال لعمر بن الخطاب بعد يوم السّقيفة: احلب حلبا لك شطره، اشدد له اليوم يردّه عليك غدا (فصيرها في حوزة) أي في طبيعة أو ناحية (خشناء) متصفا بالخشونة لا ينال ما عندها، و لا يرام و لا يفوز بالنّجاح من قصدها.

قال بعض الأفاضل: الظاهر أنّ المفاد على تقدير إرادة الناحية تشبيه المتولي للخلافة بالأرض الخشناء في ناحية الطريق المستوى، و تشبيه الخلافة بالرّاكب السّاير فيها أو بالنّاقة اى أخرجها عن مسيرها المستوى و هو من يستحقها إلى تلك النّاحية الحزنة هذا: و الأظهر إرادة معنى الطبيعة.

ثمّ وصف عليه السّلام الحوزة ثانيا بأنّها (يغلظ كلمها) أى جرحها و في الاسناد توسّع، قال الشّارح البحرانيّ غلظ الكلم كناية عن غلظ المواجهة بالكلام و الجرح به، فانّ الضّرب باللّسان أعظم من وخز السّنان«»، أقول: و من هنا قيل:

جراحات السّنان لها التيام            و لا يلتام ما جرح اللّسان‏

(و) وصفها ثالثا بأنّها (يخشن مسّها) أى تؤذي و تضرّ من يمسها قال البحراني: و هي كناية عن خشونة طباعه المانعة من ميل الطباع إليه المستلزمة للأذى كما يستلزم من الأجسام الخشنة.

أقول: و المقصود من هذه الأوصاف الاشارة إلى فظاظة عمر و غلظته و جفاوته و قبح لقائه و كراهة منظره، و رغبة الناس عن مواجهته و مكالمته، و يدلّ على ذلك ما روي أنّ ابن عباس لمّا أظهر بطلان مسألة العول بعد موت عمر قيل له: من أول من أعال الفرائض فقال: عمر بن الخطاب، قيل له: هلّا أشرت عليه قال هيبته، و ما رواه الشّارح المعتزلي في شرح هذا الفصل أنّ عمر هو الذي غلّظ«» على جبلة بن‏

الأيهم حتّى اضطرّه إلى مفارقة دار الهجرة بل مفارقة بلاد الاسلام كلّها حتّى عاد مرتدا داخلا في دين النّصرانيّة لأجل لطمة لطمها، و قال جبلة بعد ارتداده متندّ ما على ما فعل:

تنصّرت الاشراف من أجل لطمة
و ما كان فيها لو صبرت لها ضرر

فيا ليت امّي لم تلدني و ليتني
رجعت الى القول الذي قاله عمر

أقول: هذه الرّواية كافية في فضل هذا الرّجل و منقبته، فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يبعثه اللّه إلّا لهداية الأنام و الارشاد إلى دعائم الاسلام، فعاشر معهم بمحاسن الأخلاق و مكارم الآداب حتّى نزل فيه: «إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ» و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كثيرا ما يتحمل الأذى و يصبر على شدائد البلوى، لهداية نفس واحدة و إنجائها من الضّلالة، و هذا الرّجل الجلف الذي يزعم أنّه خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كيف يصرف النّاس عن الاسلام إلى النّصرانية بمقتضى خبث طينته و سوء سريرته و غلظ كلمته و فوق كلّ ذلك فظاظة جسارته على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكلمات يكره اللّسان بيانها و يأبى القلم عن كتبها و إظهارها، مثل قوله له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في صلح الحديبيّة لم تقل لنا ستدخلونها في ألفاظ نكره حكايتها، و مثل الكلمة التي قالها في مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قال الشّارح المعتزلي: و معاذ اللّه أن يقصد بها ظاهرها و لكنّه أرسلها على مقتضى خشونة غريزيّة و لم يتحفّظ منها، و كان الأحسن أن يقول: مغمور أو مغلوب بالمرض و حاشاه أن يعني بها غير ذلك.

أقول: و شهد اللّه أنّ قصده ما كان إلّا ظاهرها و حاشاه أن يقصد بها إلّا ذلك.

و قال الشّارح أيضا في شرح الخطبة الخامسة و العشرين عند الكلام على حديث الفلتة: و اعلم أنّ هذه اللّفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله اللّه تعالى من غلظ الطينة و جفاء الطبيعة و لا حيلة له فيها، لأنّه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها، و لا ريب عندنا أنّه كان يريد أن يتلطف و أن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجاسي و الغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات، و لا يقصد بها سوء و لا يريد بها ذمّا و لا تخطئة كما قدّمنا قبل ذلك في اللّفظة التي قالها في مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كاللفظات التي قالها عام الحديبية و غير ذلك، و اللّه‏ لا يجازي المكلف إلّا بما نواه، و لقد كانت نيّته من أطهر النّيات و أخلصها للّه سبحانه انتهى.

و فيه أنّ اقتضاء الطبيعة و استدعاء الغريزة التي جعله معذرة له إن أراد به انه بلغ إلى حيث لم يبق لعمر معه قدرة على إمساك لسانه عن التكلّم بخلاف ما في ضميره، بل كان يصدر عنه الذّم في مقام يريد به المدح، و الشّتم في موضع يريد الاكرام و يخرج بذلك عن حدّ التكليف فلا مناقشة في ذلك، لكن مثل هذا الرّجل يعده العقلاء في زمرة المجانين، و لا خلاف في أنّ العقل من شروط الامامة، و إن أراد أنّه يبقى مع ذلك ما هو مناط التّكليف فذلك ممّا لا يسمن و لا يغني من جوع، فانّ ابليس استكبر آدم بمقتضى الجبلة النّارية، و مع ذلك استحقّ النّار و شملته اللعنة إلى يوم الدّين، و الزّاني إنّما يزني بمقتضى شهوته التي جبله اللّه تعالى عليها و مع ذلك يرجم و لا يرحم هذا، (و) وصف عليه السّلام الحوزة رابعا بأنّها (يكثر العثار فيها و الاعتذار منها) و معناه على جعل الحوزة بمعنى الطبيعة واضح أى يكثر العثار في تلك الطبيعة و الاعتذار من هذه الطبيعة أو اعتذار صاحبها منها أو الاعتذار من عثراتها و قد مضى في بيان الاعراب احتمال كون من نشويّة و تعليليّة، و أمّا على تقدير جعلها بمعنى النّاحية فالمعنى ما ذكره بعض الأفاضل عقيب كلامه الذي حكيناه في شرح قوله عليه السّلام: فصيرها في حوزة خشناء، بما لفظه: فيكثر عثارها أو عثار مطيتها فاحتاجت إلى الاعتذار من عثراتها النّاشئة من خشونة النّاحية و هو في الحقيقة اعتذار من النّاحية، فالعاثر و المعتذر حينئذ هي الخلافة توسعا.

و كيف كان فالغرض من هذه الجملة الاشارة إلى كثرة خطاء عمر في القضايا و الأحكام، و جهالته بالفتاوى و شرايع الاسلام، و لا باس بالاشارة إلى بعض عثراته و نبذ من جهالاته و يسير من هفواته و زلّاته.

فمنها ما ذكره الشّارح المعتزلي حيث قال: و كان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثمّ ينقضه و يفتي بضدّه و خلافه، قضى في الجدّ مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة ثمّ‏ خاف من الحكم في هذه المسألة فقال: من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجدّ برأيه.

و منها ما ذكره أيضا و هو أنّه لمّا مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و شاع بين النّاس موته طاف عمر على النّاس قائلا إنّه لم يمت و لكنّه غاب عنّا كما غاب موسى عن قومه، فليرجعن و ليقطعن أيدي رجال و أرجلهم يزعمون أنّه مات فجعل لا يمرّ بأحد يقول: إنّه مات إلّا و يخبطه و يتوعده حتى جاء ابو بكر فقال: أيّها النّاس من كان يعبد محمّدا فان محمّدا قد مات، و من كان يعبد ربّ محمّد فانّه حيّ لم يمت ثمّ تلا قوله تعالى: «أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ» قالوا: فو اللّه لكانّ النّاس ما سمعوا هذه الآية حتّى تلاها أبو بكر، و قال عمر لمّا سمعته يتلوها هويت إلى الأرض و علمت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد مات.

أقول: من بلغ من قلة المعرفة إلى مقام ينكر موت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يحكم مع ذلك من تلقاء نفسه بأنّه يرجع و يقطع أيدي رجال و أرجلهم كيف يكون إماما واجب الطاعة على جميع الخلق و منها ما رواه أيضا كغيره من أنّه قال مرّة لا يبلغني أنّ امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا ارتجعت ذلك منها، فقالت امرأة ما جعل اللّه لك ذلك إنّه قال تعالى: «وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً» فقال: كلّ النّاس أفقه من عمر حتّى ربّات الحجال، ألا تعجبون من إمام أخطأ و امرأة أصابت فأضلت إمامكم ففضّلته، و اعتذار قاضي القضاة بأنّه طلب الاستحباب في ترك التجاوز«» و التواضع في قوله: كلّ النّاس أفقه من عمر، خطاء، فانّه‏ لا يجوز ارتكاب المحرم و هو ارتجاع المهر، لأجل فعل المستحبّ، و أمّا التواضع فانّه لو كان الأمر كما قال عمر لاقتضى إظهار القبيح و تصويب الخطاء، و لو كان العذر صحيحا لكان هو المصيب و المرأة مخطئة مع أنّه مخالف لصريح قوله: ألا تعجبون من إمام أخطأ اه.

و منها ما رواه هو و غيره من أنّه كان يعسّ بالليل فسمع صوت رجل و امرأة في بيت فارتاب فتسوّر الحائط فوجد امرأة و رجلا و عندهما زقّ خمر، فقال: يا عدوّ اللّه كنت ترى أنّ اللّه يسترك و أنت على معصيته قال: إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث، قال اللّه تعالى: و لا تجسّسوا، و قد تجسّست، و قال: و أتوا البيوت من أبوابها، و قد تسوّرت، و قال: إذا دخلتم بيوتا فسلّموا، و ما سلّمت.

و منها ما رواه أيضا و جماعة من الخاصّة و العامة من أنّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه و أنا محرّمهما و معاقب عليهما: متعة النّساء و متعة الحجّ، قال الشّارح المعتزلي و هذا الكلام و إن كان ظاهره منكرا فله عندنا مخرج و تأويل أقول: بل هو باق على منكريّته و التّأويل الذي ارتكبوه ممّا لا يسمن و لا يغني من جوع، و لعلّنا نسوق الكلام فيه مفصّلا في مقام أليق إنشاء اللّه.

و منها ما رواه أيضا من أنّه مرّ يوما بشابّ من فتيان الأنصار و هو ظمآن فاستسقاه فجدح له ماء بعسل فلم يشربه، و قال: إنّ اللّه تعالى يقول: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا» فقال له الفتى: إنّها ليست لك و لا لأحد من أهل هذه القبلة، اقرء ما قبلها: «وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا».

فقال عمر: كلّ النّاس أفقه من عمر.

و منها أنّه أمر برجم امرأة حاملة فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل، فقال: لو لا عليّ لهلك عمر.

و منها أنّه أمر برجم مجنونة فنبّهه أمير المؤمنين عليه السّلام و قال: القلم مرفوع عن المجنون حتّى يفيق، فقال: لو لا عليّ لهلك عمر.

و منها ما رواه في الفقيه عن إبراهيم بن محمّد الثقفي قال: استودع رجلان امرأة وديعة و قالا لها لا تدفعي إلى واحد منّا حتى نجتمع عندك ثم انطلقا فغابا، فجاء أحدهما إليها و قال: اعطيني وديعتي فإنّ صاحبي قد مات فأبت حتى كثر اختلافه إليها ثمّ أعطته، ثمّ جاء الآخر فقال هاتي وديعتي، فقال «فقالت ظ»: أخذها صاحبك و ذكر أنّك قدمّت فارتفعا إلى عمر، فقال لها عمر: ما أراك إلّا و قد ضمنت، فقالت المرأة اجعل عليها عليه السّلام بينى و بينه، فقال له: اقض بينهما، فقال عليّ عليه السّلام: هذه الوديعة عندها و قد أمرتماها أن لا تدفعها إلى واحد منكما حتى تجتمعا عندها فأتني بصاحبك، و لم يضمنها، و قال عليّ عليه السّلام إنّما أرادا أن يذهبا بمال المرأة.

و منها ما في الفقيه أيضا عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن سعد بن طريف عن الأصبغ ابن نباتة، قال: اتي عمر بامرأة زوجها شيخ، فلما أن واقعها مات على بطنها، فادّعى بنوه أنها فجرت و شاهدوا «تشاهدوا خ» عليها فأمر بها عمر أن ترجم، فمروا بها على عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فقالت: يابن عمّ رسول اللّه إني مظلومة و هذه حجتى فقال عليه السّلام: هاتني حجتك، فدفعت إليه كتابا فقرأه فقال: هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوّجها و يوم واقعها و كيف كان جماعه لها ردّوا المرأة، فلما كان من الغد دعا عليّ عليه السّلام بصبيان يلعبون أتراب«» و فيهم ابنها فقال لهم: العبوا، فلعبوا حتّى إذا لها هم اللعب ثم فصاح عليه السّلام بهم فقاموا و قام الغلام الذي هو ابن المرأة متكيا على راحتيه، فدعا به عليّ عليه السّلام فورّثه من أبيه و جلد اخوته المفترين حدّا، فقال عمر كيف صنعت قال: قد عرفت ضعف الشيخ في تكائة الغلام على راحتيه.

و منها ما رواه الصّدوق أيضا عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: اتى عمر بن الخطاب بجارية فشهد عليها شهود أنّها بغت، و كان من قصّتها أنّها كانت يتيمة عند رجل و كان للرّجل امرأة و كان الرّجل كثيرا ما يغيب عن أهله، فشبّت اليتيمة و كانت جميلة فتخوّفت المرأة أن يتزوّجها زوجها إذا رجع إلى منزله، فدعت بنسوة من جيرانها فأمسكتها، ثمّ افتضّتها باصبعها، فلما قدم زوجها سأل امرأته عن اليتيمة فرمتها بالفاحشة و أقامت البيّنة من جيرانها على ذلك، قال: فرفع ذلك إلى عمر فلم يدر كيف يقضي في ذلك، فقال: للرّجل اذهب بها إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فأتوا عليّا و قصّوا عليه قصّتها «القصة خ» فقال لامرأة الرّجل ألك بيّنة قالت: نعم، هؤلاء جيراني يشهدون عليها بما أقول، فأخرج عليّ عليه السّلام السّيف من غمده و طرحه بين يديه، ثمّ أمر عليه السّلام بكلّ واحدة من الشّهود فأدخلت بيتا، ثمّ دعا بامرأة الرّجل فأدارها لكلّ وجه فأبت أن تزول عن قولها، فردّها إلى البيت الذي كانت فيه.

ثمّ دعا باحدى الشّهود و جثا على ركبتيه، فقال لها: أ تعرفيني أنا عليّ ابن أبي طالب و هذا سيفي و قد قالت امرأة الرّجل ما قالت، و رجعت«» إلى الحقّ و أعطيتها الأمان فاصدقيني و الّا ملأت سيفي منك، فالتفتت المرأة إلى عليّ فقالت: يا أمير المؤمنين الأمان على الصّدق، قال لها عليّ فاصدقي فقالت: لا و اللّه ما زنت اليتيمة و لكن امرأة الرّجل لما رأت حسنها و جمالها و هيئتها خافت فساد زوجها بها فسقتها المسكرود عتنا فأمسكناها فافتضّتها باصبعها، فقال عليّ عليه السّلام: اللّه اكبر اللّه اكبر أنا أوّل من فرّق بين الشّهود إلّا دانيال ثمّ حدّ المرأة حدّ القاذف و ألزمها و من ساعدها على افتضاض اليتيمة المهر لها أربعمائة درهم، و فرّق بين المرأة و زوجها و زوّجته اليتيمة، و ساق عنه المهر إليها من ماله.

فقال عمر بن الخطاب: فحدّثنا يا أبا الحسن بحديث دانيال النّبيّ عليه السّلام فقال: إنّ‏ دانيال كان غلاما يتيما لا أب له و لا أمّ، و إنّ امرأة من بني إسرائيل عجوزا ضمّته إليها و ربّته و إن ملكا من ملوك من بني إسرائيل كان له قاضيان و كان له صديق و كان رجلا صالحا و كان له امرأة جميلة و كان يأتي الملك فيحدّثه فاحتاج الملك إلى رجل يبعثه في بعض اموره، فقال للقاضيين: اختارا لى رجلا ابعثه في بعض اموري، فقالا: فلان، فوجّهه ملك و كان القاضيان يأتيان باب الصّديق فعشقا امرأته فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما فقالا لها، إن لم تفعلي شهدنا عليك عند الملك بالزّنا ليرجمك، فقالت: افعلا ما شئتما، فأتيا الملك فشهدا عليها أنّها بغت و كان لها ذكر حسن جميل فدخل الملك من ذلك أمر عظيم و اشتدّ غمّه و كان بها معجبا، فقال لهما: إنّ قولكما مقبول فاجلدوها ثلاثة أيّام ثمّ ارجموها و نادى في مدينته: احضروا قتل فلانة العابدة فانّها قد بغت، و قد شهد عليها القاضيان بذلك، فأكثر النّاس القول في ذلك فقال الملك لوزيره: ما عندك في هذا حيلة فقال: لا و اللّه ما عندي في هذا شي‏ء.

فلما كان اليوم الثالث ركب الوزير و هو آخر أيّامها و إذا هو بغلمان عراة يلعبون و فيهم دانيال، فقال دانيال: يا معشر الصّبيان تعالوا حتى أكون أنا الملك و تكون أنت يا فلان العابدة و يكون فلان و فلان القاضيين الشّاهدين عليها، ثم جمع ترابا«» و جعل سيفا من قصب ثمّ قال: للغلمان خذوا بيد هذا فنحّوه إلى موضع كذا و الوزير واقف و خذوا هذا فنحّوه إلى كذا ثمّ دعا بأحدهما فقال: قل حقّا فانك إن لم تقل حقّا قتلتك، قال: نعم و الوزير يسمع فقال بم تشهد على هذه المرأة قال اشهد أنّها زنت قال في أيّ يوم قال: في يوم كذا و كذا، قال في أيّ وقت قال: في وقت كذا و كذا، قال: في أيّ موضع قال: في موضع كذا و كذا قال: مع من قال: مع فلان بن فلان، قال: فردّوه إلى مكانه و هاتوا الآخر، فردّوه و جاءوا بالآخر فسأله عن ذلك فخالف صاحبه في القول، فقال دانيال: اللّه اكبر اللّه اكبر شهدا عليها بزور ثمّ نادى في الغلمان إنّ القاضيين شهدا على فلانة العابدة بزور فاحضروا قتلها، فذهب الوزير إلى الملك مبادرا فأخبره الخبر فبعث الملك إلى القاضيين فأحضرهما ثم فرّق بينهما و فعل كما فعل دانيال بالغلامين، فاختلفا كما اختلفا فنادى في النّاس و أمر بقتلهما.

و منها ما رواه الشّارح البحراني و هو أنّ عمر أمر أن يؤتى بامرأة لحال اقتضت ذلك و كانت حاملا فانزعجت من هيبته فاجهزت «فاجهضت به خ» جنينا فجمع جمعا من الصّحابة و سألهم ما ذا يجب عليه، فقالوا: أنت مجتهد «مؤدب خ» و لا نرى أنّه يجب عليك شي‏ء، فراجع عليا عليه السّلام في ذلك و أعلمه بما قال بعض الصّحابة، فأنكر ذلك و قال: إن كان ذلك عن اجتهاد منهم فقد أخطئوا، و إن لم يكن عن اجتهاد فقد غشّوك، أرى عليك الغرّة«»، فعندها قال: لا عشت لمعضلة لا تكون لها يا أبا الحسن.

و رواه الشّارح المعتزلي بتغيير في متنه، إلى غير ذلك من موارد خطائه و خبطه و جهالته التي لو أردنا استقصائها لطالت، و كثيرا ما كان أمير المؤمنين عليه السّلام ينبّه على خطائه فيها و يبين له معضلات المسائل التي كان يعجز عنها، و قد روي أنّه قال في سبعين موضعا: لو لا عليّ لهلك عمر، و العجب أنّه مع اعترافه بذلك يدّعي التّقدّم عليه و مع جهله بكل ذلك يرى نفسه قابلة للخلافة و مستحقّة لها مع أنّ قابلية الخلافة و استحقاق الولاية لا يكون إلّا بالعلم بجميع الأحكام و الاحاطة بشرايع الاسلام، و لا يكون ذلك إلا بالهام إلهي و تعليم ربّاني و إرشاد نبويّ، و ذلك مختصّ بالأئمة و مخصوص بسراج الامة، إذ هم الذين اتّبعوا آثار النّبوة، و اقتبسوا أنوار الرّسالة، و عندهم معاقل العلم و أبواب الحكمة و ضياء الأمر و فصل ما بين النّاس، و هم المحدثون المفهمون المسدّدون المؤيّدون بروح القدس.

كما يدلّ عليه ما رواه في البحار من كتاب بصائر الدّرجات باسناده عن جعيد الهمداني قال: سألت عليّ بن الحسين عليهما السّلام بأيّ حكم تحكمون قال: نحكم بحكم آل داود«» فان عيينا شيئا تلقّانا به روح القدس.

و عن السّاباطي قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: بما تحكمون إذا حكمتم فقال:

بحكم اللّه و حكم داود، فإذا ورد علينا شي‏ء ليس عندنا تلقّانا به روح القدس. و عن عبد العزيز عن أبيه قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام جعلت فداك إنّ النّاس يزعمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وجّه عليّا عليه السّلام إلى اليمن ليقضى بينهم، فقال عليّ عليه السّلام فما اورد اللّه علىّ قضية إلّا حكمت بحكم اللّه و حكم رسوله، فقال عليه السّلام: صدقوا، قلت: و كيف ذلك و لم يكن انزل القرآن كلّه و قد كان رسول اللّه غايبا عنه فقال: تلقّاه به روح القدس هذا.

و قد ظهر ممّا ذكرنا كله أنّ الحكم الصّواب و فصل الخطاب مختصّ بالمعصومين من آل الرّسول سلام اللّه عليه و عليهم و أنّ أحكام عمر إنّما كانت عن هوى نفس و بدعة و ضلالة و جهالة، و لذلك كان يفتي كثيرا ثمّ يرجع عن فتياه و يعتذر، و ربّما كان يحكم بشي‏ء ثمّ ينقضه و يحكم بخلافه لقلّة المعرفة و كثرة الجهالة و اختلاف دواعي نفسه الأمارة التي تارة تحكم بذلك و اخرى بخلافه، هذا كلّه مضافا إلى قوّة إفراط القوة الغضبيّة فيه و خشونة الحوزة و غلظة الطبيعة (فصاحبها) أى صاحب تلك الحوزة و الطبيعة (كراكب) النّاقة (الصّعبة) الغير المنقادة (إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحّم) قال الرّضيّ (ره) بعد تمام الخطبة: يريد عليه السّلام أنّه إذا شدّد عليها في جذب الزّمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها، و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحّمت به فلم يملكها.

أقول: و قد أرخى زمامها و لم يمسكها فرمت به في أودية الضّلالة و تقحّمت به في ورطات الهلاكة فلم يمكنه التخلّص منها و الخروج عنها، و على هذا المعنى فالمراد بصاحب الحوزة هو عمر و هذا أظهر و قد ذكروا في المقام وجوها اخر.

منها أنّ الضّمير فى صاحبها يعود إلى الحوزة المكنّى بها عن الخليفة أو اخلاقه، و المراد بصاحبها من يصاحبها كالمستشار و غيره، و المعنى أنّ المصاحب للرّجل المنعوت حاله في صعوبة الحال كراكب النّاقة الصّعبة فلو تسرع إلى إنكار القبايح من أعماله أدّى إلى الشقاق بينهما و فساد الحال، و لو سكت و خلاه و ما يصنع‏ أدّى إلى خسران المآل.

و منها أنّ الضّمير راجع إلى الخلافة أو إلى الحوزة، و المراد بصاحبها نفسه عليه السّلام، و المعنى أنّ قيامي في طلب الأمر يوجب مقاتلة ذلك الرّجل و فساد أمر الخلافة رأسا و تفرق نظام المسلمين، و سكوتي عنه يورث التّقحم في موارد الذّلّ و الصّغار.

و منها أن الضّمير راجع إلى الخلافة و صاحبها من تولى أمرها مراعيا للحقّ و ما يجب عليه، و المعنى أن المتولي لأمر الخلافة إن أفرط في إحقاق الحقّ و زجر النّاس عمّا يريدونه بأهوائهم أوجب ذلك نفار طباعهم و تفرّقهم عنه، لشدة الميل إلى الباطل، و إن فرّط في المحافظة على شرايطها ألقاه التّفريط في موارد الهلكة و ضعف هذا الوجه و بعده واضح هذا.

و لما ذكر عليه السّلام أوصاف الرّجل الذميمة و أخلاقه الخبيثة الخسيسة أشار إلى شدّة ابتلاء النّاس في أيّام خلافته بقوله: (فمني النّاس) أي ابتلوا (لعمر اللّه بخبط) أى بالسير على غير معرفة و في غير جادّة (و شماس) و نفار (و تلوّن) مزاج (و اعتراض) أى بالسّير على غير خط مستقيم كأنّه يسير عرضا، قال الشّارح المعتزلي: و إنّما يفعل ذلك البعير الجامح الخابط و بعير عرضي يعترض في سيره لأنّه لم يتمّ رياضته و في فلان عرضية أى عجز فيه و صعوبة، و قال البحراني في شرح تلك الجملة: إنّها إشارة إلى ما ابتلوا به من اضطراب الرّجل و حركاته التي كان ينقمها عليه، فكنّى بالخبط عنها و بالشّماس عن جفاوة طباعه و خشونتها، و بالتّلوّن و الاعتراض عن انتقاله من حالة إلى اخرى في أخلاقه، و هي استعارات وجه المشابهة فيها أنّ خبط البعير، و شماس الفرس و اعتراضها في الطريق حركات غير منظومة، فأشبهها ما لم يكن منظوما من حركات الرّجل التي ابتلي النّاس بها.

أقول: و على ذلك فالأربعة أوصاف للرّجل و المقصود كما ذكره الاشارة إلى ابتلاء النّاس في خلافته بالقضايا الباطلة لجهله و استبداده برأيه مع تسرعه إلى الحكم مع ايذائهم بحدته و بالخشونة في الأقوال و الأفعال الموجبة لنفارهم عنه،و بالنّفار عن النّاس كالفرس الشّموس و التلوّن في الآراء و الأحكام لعدم ابتنائها على أساس قويّ، و بالخروج عن الشرع السّواء و الجادة المستقيمة أو بالحمل على الأمور الصعبة و التكاليف الشاقّة هذا.

و يحتمل كونها صفات للنّاس، فانّ خروج الوالي عن الجادّة يستلزم خروج النّاس احيانا و كذا تلوّنه و اعتراضه يوجب تلوّن الرّعية و اعتراضهم على بعض الوجوه و خشونته يستلزم نفارهم و هو ظاهر.

ثم إنّه عليه السّلام أردف ذلك كلّه بتكرير ذكر صبره على ما صبر عليه مع الثاني كما صبر مع الأوّل و قال: (فصبرت على طول المدّة) أى طول مدّة تخلّف الأمر عنه عليه السّلام (و شدّة المحنة) أى شدّة الابتلاء بسبب فوات حقّه و ما يستتبع ذلك من اختلال قواعد الدّين و انهدام أركان اليقين.

الترجمة

تا آنكه گذشت اوّل يعنى ابو بكر براه خود كه طريق جهنم است، پس دفع كرد و واگذاشت خلافت را بسوى پسر خطاب بعد از خود، بعد از آن مثل زد أمير المؤمنين عليه السّلام بقول أعشى كه در مفاخره علقمه و عامر گفته و عامر را مدح و علقمه را هجو نموده. و معنى بيت اين است كه چقدر دور است ميان دو روز من روزى كه بر كوهان و پالان شتر سوار و برنج و تعب سفر گرفتار، و روز حيان برادر جابر كه نديم وى بودم و بناز و نعمت مى‏گذرانيدم، و يا اين كه بعيد است ميان روز من كه بر پشت ناقه سوار و روز حيان كه راحت از مشقت سفر و فارغ از ملال و كدورات.

و مقصود امام عليه السّلام از تمثيل باين بيت بنا بر اين معنى اظهار بعد است ميان حال خود كه گرفتار محنت بوده و قرين مشقت و ميان حال قومى كه بمقاصد خودشان واصل و در سعة و رفاهيت محفوظ و بنا بر معنى اوّل اظهار مباعدت و دوريست ميان دو روز خود يكى بعد از وفات حضرت رسالت مآب صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كه از حق خود مغصوب و در خانه خود معتزل و بصحبت اشرار گرفتار و بفتن و محن مبتلا،و روز دويم زمان حضور آن حضرت صلوات اللّه عليه كه در خدمت او كسب فيوضات ظاهرية و كمالات معنويه مى‏كردند.

و بهر تقدير امام عليه السّلام بعد از مثل زدن فرمود، پس بسا تعجب وقتى كه أبو بكر طلب اقاله و فسخ نمود خلافت را در حال حيات خود هنگامى كه عقد كرد آن را بجهة ديگرى كه آن عمر است تا آنكه بوده باشد او را بعد از مردن او بخداوند قسم هر آينه سخت شد گرفتن أبو بكر و عمر هر يكى يك نصف خلافت را يا اين كه گرفتن ايشان جانب هر دو پستان آن را، و اين كنايه است از اشتراك ايشان در قسمت منفعت و فوايد خلافت همچنان كه دو نفر دوشنده دو پستان شتر بعد از دوشيدن نفع آنرا تقسيم مى‏نمايند.

پس گردانيد ابو بكر خلافت را در طبيعتى زبر و خشن كه غليظ بود جراحتى كه حاصل بود از آن طبيعت و درشت بود مسّ آن و بسيار بود بسر در آمدن او در احكام شرعيه و مسائل دينيه و عذرخواهى او از عثرات خود، پس صاحب آن طبيعت با خشونت مثل سوار ناقه سركش است اگر سر آن ناقه را با افسار و خرام نگه بدارد بينى خود را پاره مى‏نمايد، و اگر رها كند و بحال خود فروگذارد واقع مى‏شود در مهالك و معاطب، پس مبتلا شدند مردم قسم ببقاى خدا بانداختن خود در غير طريق قويم و برميدن از صراط مستقيم و بتلوّن مزاج و بسير نمودن در عرض طريق، پس صبر نمودم مرتبه دويم بر درازى روزگار اعتزال، و سختى اندوه و ملال.

الفصل الثالث

حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في ستّة زعم أنّي أحدهم، فياللّه و للشّورى متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت أقرن إلى هذه النّظائر، و لكنّي أسففت إذ أسفّوا، و طرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضعفه، و مال الآخر لصهره، مع هن و هن.

اللغة

(الزّعم) مثلثة الفاء الفتح للحجاز و الضمّ للأسد و الكسر لبعض قيس و هو قريب من الظنّ، و قال المرزوقي: اكثره يستعمل فيما كان باطلا أو فيه ارتياب، و قال ابن الأثير: إنّما يقال: زعموا في حديث لا سند له و لا ثبت فيه، و قال الزّمخشري: هي ما لا يوثق به من الأحاديث و (الشّورى) اسم من تشاور القوم و اشتوروا، و قيل: إنه مصدر كبشرى بمعنى المشورة و الأوّل اظهر و (اعترض) الشّي‏ء إذا صار عارضا كالخشبة المعترضة في النهر و (اقرن) على لفظ المجهول أى أجعل قرينا لهم و يجمع بينى و بينهم و (أسفّ) الطائر إذا دنا من الأرض في طيرانه و أسفّ الرّجل للأمر اذا قاربه و (طرت) أى ارتفعت استعمالا للكلّي في أكمل الأفراد و (صغى) إلى كذا مال إليه و صغت النجوم مال إلى الغروب و (الضّغن) الحقد و البغض.

و (الصّهر) قال الخليل: هو أهل بيت المرأة، قال: و من العرب من يجعل الأحماء و الاختان جميعا أصهارا، و قال الأزهري: الصّهر يشتمل على قرابات النّساء ذوي المحارم و ذوات المحارم كالأبوين و الاخوة و أولادهم و الأعمام و الأخوال و الخالات، فهؤلاء أصهار زوج المرأة، و من كان من قبل الزّوج من ذوي قرابته المحارم فهم أصهار المرأة أيضا، و قال ابن السّكيت كلّ من كان من قبل الزّوج من أبيه أو أخته أو عمّه فهم الأحماء، و من كان من قبل المرأة فهم الأختان و يجمع‏الصّنفين الأصهار و (هن) خفيف النون كناية عن كلّ اسم جنس و معناه شي‏ء و لامها محذوفة فالمعروف أنّها واو بدليل جمعها على هنوات، و قيل: هي هاء لتصغيره على هنيهة، و قيل: نون و الأصل هن بالتّثقيل و التّصغير هنين، و قال نجم الأئمة الرّضيّ: الهن الشي‏ء المنكر الذي يستهجن ذكره من العورة و الفعل القبيح و غير ذلك.

الاعراب

اللّام في للّه مفتوحة لدخولها على المستغاث ادخلت للدّلالة على الاختصاص بالنّداء للاستغاثة، و في قوله للشّورى مكسورة لدخولها على المستغاث لأجله قال الشّاعر:

يبكيك ناء بعيد الدّار مغترب            يا للكهول و للشّبّان للعجب‏

بفتح لام الكهول و كسر لام العجب و كسرها في للشبان لكونه معطوفا على المستغاث من غير اعادة حرف النداء و لو اعيدت فتحت قال الشّاعر:

يا لقومي و يا لامثال قومي            لا ناس عتوّهم في ازدياد

و الواو في قوله: و للشّورى إمّا زايدة أو عاطفة على محذوف مستغاث له أيضا كما ستعرفه في بيان المعنى.

المعنى

(حتّى إذا مضى) الثّاني (لسبيله) و مات و ذلك بعد ما غصب الخلافة عشر سنين و ستة أشهر على ما حكاه في البحار من كتاب الاستيعاب و ستعرف تفصيل الكلام في كيفيّة موته و تعيين يوم موته في التّذنيبات الآتية، و كيف كان فانّه لما أراد اللّه أن يقبضه إلى ما هيّأ له من أليم العذاب (جعلها في ستة) نفر و في بعض النّسخ في جماعة (زعم أنّي أحدهم) و في تلخيص الشّافي زعم أنّي سادسهم و هؤلاء الجماعة هم: أمير المؤمنين عليه السّلام و عثمان و طلحة و الزّبير و سعد بن أبي وقاص و عبد الرّحمن ابن عوف، هذا هو المعروف و قيل: إنّهم خمسة، قال الطبري: لم يكن طلحة ممّن ذكر في الشّورى و لا كان يومئذ بالمدينة، و عن أحمد بن أعثم لم يكن بالمدينة، فقال عمر: انتظروا لطلحة ثلاثة أيّام فان جاء و إلّا اختاروا رجلا من الخمسة.

(فياللّه) أنت النّاصر و المعين و المغيث أستغيث بك لما أصابني عنه أو لنوائب الدّهر عامة (و للشّورى) خاصّة و الاستغاثة للتّألم من الاقتران بمن لا يدانيه في الفضائل و لا يقارنه في الفواضل و لا يستأهل للخلافة و لا يليق بالولاية، و لذلك أتبعه عليه السّلام بالاستفهام على سبيل الانكار و التعجب بقوله: (متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل منهم) يعنى متى صار الشّك عارضا لأذهانهم فيّ بمساوات أبي بكر (حتّى صرت اقرن) أى اجعل قرينا (إلى هذه النظائر) الخمسة أو الأربعة و يجمع عمر بيني و بينهم و يجعلهم نظائر لي مع كونهم أدنى من الأوّل رتبة و أخسّ منزلة فكيف بقياسهم إليّ و تناظرهم«» بي (و لكني أسففت) مع القوم (إذ أسفّوا و طرت) معهم (إذ طاروا) يعني أنّي تابعتهم تقيّة و جريت معهم على ما جروا و دخلت معهم في الشّورى مع أنّهم لم يكونوا نظراء لي و تركت المنازعة من حيث اقتضاء المصلحة (فصغى) و مال (رجل منهم) من الحقّ إلى الباطل (لضغنه) و حقده الذي كان في صدره.

و المراد بذلك الرّجل على ما ذكره القطب الرّاوندي و الشّارح البحراني و المحدث الجزايري و غيرهم هو سعد بن أبي وقاص اللّعين، و سبب ضغنه على ما ذكره الرّاوندي هو أنّه عليه السّلام قتل أباه يوم بدر، و قال سعد أحد من تخلف عن بيعة أمير المؤمنين عليه السّلام عند رجوع الأمر إليه، إلّا أنّ الشّارح المعتزلي أورد عليه بأنّ أبا وقاص و اسمه مالك بن اهيب مات في الجاهلية حتف أنفه، و قال: إنّ المراد به طلحة و علّل ميله عنه عليه السّلام بقوله: و إنّما مال طلحة إلى عثمان لانحرافه عن علي عليه السّلام باعتبار انه تيميّ و ابن عمّ أبي بكر، و قد كان حصل في نفوس بني هاشم من بني تيم حنق شديد لأجل الخلافة و كذلك صار في صدور تيم على بني هاشم، و هذا أمر مركوز في طباع البشر و خصوصا طينة العرب و طباعها و التّجربة إلى الآن تحقق ذلك.

قال: و أمّا الرّواية التي جاءت بأنّ طلحة لم يكن حاضرا يوم الشّورى فان صحت فذو الضّغن هو سعد بن أبي وقّاص لأنّ أمّه حمنة بنت سفيان بن أميّة بن‏عبد شمس، و الضغنة التي كانت عنده على علي عليه السّلام من قبل أخواله الذين قتل صناديدهم و تقلد دمائهم و لم يعرف أنّ عليّا عليه السّلام قتل أحدا من بني زهرة لينسب الضّغن إليه (و مال الآخر) و هو عبد الرّحمن بن عوف (لصهره) و هو عثمان و المصاهرة بينهما من جهة أنّ امّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت تحته و هي اخت عثمان من امّه و روى بنت كريز و هذا الميل أيضا لم يكن لمجرّد المصاهرة و محض القرابة بل (مع هن و هن) أى مع شي‏ء و شي‏ء قبيح يستهجن ذكره، و هو البغض و الحسد منه له عليه السّلام أو نفاسته عليه أو رجاؤه وصول الخلافة بعد عثمان إليه أو انتفاعه بخلافته بالانتساب و اكتساب الأموال و التّرفع على النّاس و الاستطالة أو غير ذلك ممّا هو عليه السّلام أعلم به و كنّى عنه.

و ينبغي التذييل بامور:

الاول كيفية قتل عمر و قاتله، و يوم قتله.

اما الاول فقاتله أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة

روى المحدّث المجلسي (ره) في البحار من مؤلف العداد القوية نقلا من كتب المخالفين و الجزائري في الأنوار من كتاب الاستيعاب لابن عبد البرّ من رجال العامة قال: ذكر الواقدى قال: أخبرني نافع عن أبي نعيم عن عامر بن عبد اللّه بن الزّبير عن أبيه قال: غدوت مع عمر بن الخطاب الى السّوق و هو متّكى على يدي فلقاه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقال له: ألا تكلّم مولاى يضع عنّي من خراجي قال: كم خراجك قال: دينار فقال عمر: ما أرى أن أفعل انّك لعامل محسن و ما هذا بكثير، ثمّ قال له عمر: ألا تعمل لي رحى قال: أبو لؤلؤة: لأعملن لك رحى يتحدّث بها ما بين المشرق و المغرب، قال ابن الزّبير: فوقع في نفسي قوله، قال: فلما كان في النّداء لصلاة الصّبح و خرج عمر إلى النّاس قال ابن الزّبير: و أنا في مصلاى و قد اضطجع له أبو لؤلؤة فضربه بالسّكين ست طعنات إحديهنّ تحت سرّته و هي قتلته، قال في البحار: و جاء بسكين له طرفان فلما خرج عمر خرج معه ثلاثة عشر رجلا فى المسجد، ثمّ اخذ، فلما اخذ قتل نفسه.

و من كتاب الاستيعاب أيضا أنّ عمر لما ضربه أبو لؤلؤة بالسّكين في بطنه قال: ادعو الى الطبيب، فدعى الطبيب، فقال: أي الشّراب أحبّ اليك فقال: النبيذ فسقى نبيذا فخرج من بعض طعناته فقال النّاس: هذا دم هذا صديد، فقال: اسقونى لبنا، فسقوه لبنا فخرج من الطعنة، فقال له الطبيب: لا أرى أن تمسى فما كنت فاعلا فافعل، و تمام الخبر مذكور في الشّورى، قال بعض أصحابنا: و لقد كان يحبّ أن يلاقى اللّه سبحانه و بطنه الممزوق ممتلى من الشّراب فانظروا يا اولى الألباب.

و اما الثاني فالمشهور بين العلماء أنّ قتله كان في ذي الحجةو هو المتفق عليه بين العامة، و لكنّ المشهور بين العوام في الأقطار و الامصار هو أنّه في شهر ربيع الأول قال الكفعمى في المصباح في سياق أعمال شهر ربيع الاول: إنّه روى صاحب مسار الشّيعة أنه من أنفق في اليوم التّاسع منه شيئا غفر له و يستحب فيه إطعام الاخوان، و تطييبهم و التّوسعة و النّفقة و لبس الجديد و الشكر و العبادة و هو يوم نفى الغموم و روي أنّه ليس فيه صوم و جمهور الشيعة يزعمون أنّ فيه قتل عمر بن الخطاب و ليس بصحيح.

قال محمّد بن ادريس في سرائره من زعم أنّ عمر قتل فيه فقد أخطأ باجماع أهل التّواريخ و السّير، و كذلك قال المفيد (ره) في كتاب التّواريخ و إنّما قتل يوم الاثنين لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين من الهجرة نصّ على ذلك صاحب الغرة و صاحب المعجم و صاحب الطبقات و صاحب كتاب مسار الشّيعة و ابن طاوس بل الاجماع حاصل من الشّيعة و أهل السّنة على ذلك انتهى.

أقول: قد عرفت أنّ المشهور بين جمهورى الشّيعة هو أنّه في شهر الرّبيع فدعوى الاجماع على كونه في ذي الحجّة ممنوعة و يدل على ذلك ما رواه في الأنوار من كتاب محمّد بن جرير الطبري قال: المقتل الثّاني يوم التاسع من شهر ربيع الأوّل أخبرنا الأمين السّيد أبو المبارك أحمد بن محمّد بن أردشير الدّستاني قال: أخبرنا السيد أبو البركات محمّد الجرجاني، قال: أخبرنا هبة اللّه القمي‏ و اسمه يحيى، قال: حدّثنا أحمد بن إسحاق البغدادي، قال: حدّثنا الفقيه الحسن ابن الحسن السّامري أنّه قال: كنت أنا و يحيى بن أحمد بن جريح، فقصدنا أحمد ابن إسحاق القمي و هو صاحب الامام العسكر عليه السّلام بمدينة قم، فقرعنا عليه الباب فخرجت علينا من داره صبيّة عراقيّة فسألناها عنه، فقالت: هو مشغول و عياله فانه يوم عيد، قلنا: سبحان اللّه الأعياد عندنا أربعة: عيد الفطر و عيد الضّحى النّحر و الغدير و الجمعة، قالت: روي سيّدي أحمد بن إسحاق عن سيّده العسكرى عن أبيه علي بن محمد عليهم السلام أنّ هذا يوم عيد و هو خيار الأعياد عند أهل البيت عليهم السلام و عند مواليهم، قلنا: فاستأذني بالدّخول عليه و عرّفيه بمكاننا، قال: فخرج علينا و هو متزر بمئزر له و محتبي بكسائه يمسح وجهه، فأنكرنا عليه ذلك، فقال: لا عليكما إنّنى كنت أغتسل للعيد فانّ هذا اليوم «عيد ظ» و هو اليوم التاسع من شهر ربيع الأوّل فادخلنا داره و أجلسنا على سرير له.

ثمّ قال: إني قصدت مولاى أبا الحسن العسكري عليه السّلام مع جماعة من إخواني في مثل هذا اليوم و هو اليوم التّاسع من ربيع الأوّل فرأينا سيّدنا قد أمر جميع خدمه أن يلبس ما يمكنه من الثياب الجدد و كان بين يديه مجمرة يحرق فيها العود، قلنا يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هل تجد في هذا اليوم لأهل البيت عليهم السّلام فرحا فقال عليه السّلام: و أىّ يوم أعظم حرمة من هذا اليوم عند أهل البيت و أفرح و قد حدّثني أبي عليه السّلام أنّ حذيفة (رض) دخل في مثل هذا اليوم و هو اليوم التّاسع من ربيع الأوّل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قال حذيفة: فرأيت أمير المؤمنين مع ولديه الحسن و الحسين مع رسول اللّه صلوات اللّه عليه و عليهم يأكلون و الرّسول يتبسم في وجوههما و يقول كلاهنيئا مريئا لكما ببركة هذا اليوم و سعادته فانّه اليوم الذي يقبض اللّه فيه عدوّه و عدوّ كما و عدوّ جدّكما و يستجيب فيه دعاء امّكما، فانّه اليوم الذي يكسر فيه شوكة مبغض جدّكما و ناصر عدوّكما، كلا فانّه اليوم الذي يفقد فيه فرعون أهل بيتي و هامانهم و ظالمهم و غاصب حقّهم، كلا فانّه اليوم الذي يفرح اللّه فيه قلبكما و قلب امكما.

قال حذيفة: فقلت يا رسول اللّه في امّتك و أصحابك من يهتك هذا الحرم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: جبت من المنافقين يظلم أهل بيتي و يستعمل في امتي الرّيا و يدعوهم إلى نفسه و يتطاول على الامّة من بعدي و يستجلب أموال اللّه من غير حلّه و ينفقها في غير طاعته و يحمل على كتفه درّة الخزى و يضلّ النّاس عن سبيل اللّه و يحرّف كتابه و يغيّر سنتى و يغصب ارث ولدي و ينصب نفسه علما و يكذّبني و يكذّب أخي و وزيري و وصيي و زوج ابنتي و يتغلّب على ابنتي و يمنعها حقّها و تدعو فيستجاب اللّه لها الدّعاء في مثل هذا اليوم.

قال حذيفة (رض): قلت: يا رسول اللّه ادع اللّه ليهلكنّه في حياتك قال: يا حذيفة لا احبّ أن أجتري على اللّه عزّ و جلّ لما قد سبق في علمه لكنّي سألت اللّه تعالى أن يجعل اليوم الذي يقبضه فيه إليه فضيلة على ساير الأيام و يكون ذلك سنة يستنّ بها أحبّائي و شيعة أهل بيتي و محبهم، فأوحى اللّه عزّ و جل إلي: فقال: يا محمّد إنّه قد سبق في علمي أن يمسّك و أهل بيتك محن الدّنيا و بلائها و ظلم المنافقين و المعاندين من عبادي ممّن نصحتهم و خانوك و محضتهم و غشوك و صافيتهم و كاشحوك و أوصلتهم و خالفوك و أوعدتهم و كذّبوك، فانّي بحولي و قوّتي و سلطاني لافتحنّ على روح من يغضب «يغصب خ» بعدك عليّا حقّه وصيك و وليّ خلقى «من العذاب الاليم خ» ألف باب من النيران من سفاك الفيلوق، و لاوصلنّه و أصحابه قعرا يشرف عليه إبليس لعنه اللّه فيلعنه، و لأجعلن ذلك المنافق عبرة في القيامة مع فراعنة الانبياء و أعداء الدين في المحشر، و لا حشرنّهم و أوليائهم و جميع الظلمة و المنافقين في جهنم و لادخلنهم «و لاخلدنهم خ ك» فيها أبدا الآبدين.

يا محمّد أنا أنتقم من الذي يجتري عليّ و يبدّل كلامي و يشرك بي و يصدّ النّاس عن سبيلي و ينصب نفسه عجلا لامتك و يكفر بي، إنّي قد أمرت سبع سماوات من شيعتكم و محبّيكم أن يتعيدوا في هذا اليوم«» الذي أقبضه إلىّ فيه و أمرتهم أن‏ ينصبوا كراسى كرامتي بازاء البيت المعمور و يثنوا عليّ و يستغفروا لشيعتكم من ولد آدم.

يا محمّد و أمرت الكرام الكاتبين ان يرفعوا القلم عن الخلق «كلهم خ» ثلاثة أيام من أجل ذلك اليوم و لا أكتب عليهم شيئا من خطاياهم كرامة لك و لوصيّك.

يا محمّد إني قد جعلت ذلك عيدا لك و لأهل بيتك و للمؤمنين من شيعتك و آليت علي نفسي بعزّتي و جلالي و علوّي في رفيع مكاني إنّ من وسّع في ذلك اليوم على عياله و أقاربه لأزيدن في ماله و عمره و لأعتقنّه من النّار و لأجعلنّ سعيه مشكورا و ذنبه مغفورا، و أعماله مقبولة، ثمّ قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فدخل بيت امّ سلمة فرجعت عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنا غير شاكّ في أمر الشيخ الثاني حتّى رأيته بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد فتح الشرّ و أعاد الكفر و الارتداد عن الدّين و حرّف القرآن.

و في البحار من كتاب الاقبال لابن طاوس بعد ذكر اليوم التاسع من ربيع الأول: اعلم أنّ هذا اليوم وجدنا فيه رواية عظيم الشأن و وجدنا جماعة من العجم و الاخوان يعظمون السّرور فيه و يذكرون أنّه يوم هلاك من كان يهون باللّه جلّ جلاله و رسوله و يعاديه، و لم أجد فيما تصفحت من الكتب إلى الآن موافقة اعتمد عليها للرّواية التي رويناها عن ابن بابويه تغمّده اللّه رضوانه، فان أراد أحد تعظيمه مطلقا لسرّ يكون في مطاويه غير الوجه الذي يظهر فيه احتياطا للرّواية فهكذا عادة ذوي الدّراية، و إن كان يمكن تأويل ما رواه أبو جعفر بن بابويه في أنّ قتل من ذكر كان في تاسع ربيع الأوّل لعلّ معناه أن السّبب الذي اقتضى قتل المقاتل على قتله كان في ذلك اليوم، و يمكن أن يسمّى مجازا سبب القتل بالقتل، أو يكون توجه القاتل من بلده في ذلك اليوم، أو وصول القاتل إلى مدينة القتل فيه، و أمّا تأويل من تأوّل أنّ الخبر وصل إلى بلد ابن بابويه فيه فلا يصحّ، لأن الحديث الذى رواه ابن بابويه عن الصّادق عليه السّلام تضمن أنّ القتل في‏ ذلك اليوم فكيف يصحّ هذا التأويل.

قال: في البحار بعد حكايته ذلك: و يظهر منه ورود رواية اخرى عن الصادق عليه السلام بهذا المضمون رواها الصدوق، و يظهر من كلام خلفه«» الجليل ورود عدة روايات دالة على كون قتله في ذلك، فاستبعاد ابن إدريس و غيره رحمة اللّه عليهم ليس في محلّه، إذ اعتبار تلك الرّوايات مع الشهرة بين أكثر الشيعة سلفا و خلفا لا يقصر عمّا ذكره المورخون من المخالفين، و يحتمل أن يكونوا غيّروا هذا اليوم ليشتبه الأمر على الشيعة فلا يتخذوه يوم عيد و سرور.

فان قيل: كيف اشتبه هذا الأمر العظيم بين الفريقين مع كثرة الدواعي على ضبطه و نقله.

قلنا: نقلب الكلام عليكم مع أنّ هذا الأمر ليس بأعظم من وفات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع أنه وقع الخلاف فيه بين الفريقين بل بين كلّ منهما مع شدّة تلك المصيبة العظمى و ما استتبعه من الدّواهي الاخرى مع أنّهم اختلفوا في يوم القتل و إن اتّفقوا في كونه ذي الحجّة، و من نظر في اختلاف الشّيعة و أهل الخلاف في أكثر الامور التي توفرت الدّواعي على نقلها مع كثرة حاجة النّاس إليها كالأذان و الوضوء و الصّلاة و الحجّ و تأمل فيها لا يستبعد أمثال ذلك، و اللّه أعلم بحقايق الامور.

الثاني في ذكر أخبار الشّورى من طرق العامة

فأقول: روى في البحار عن ابن الأثير في الكامل و الطبري عن شيوخه بطرق متعدّدة أنّه لما طعن أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب و علم أنّه قد انقضت أيّامه و اقترب أجله، قال له بعض أصحابه: لو استخلفت يا أمير المؤمنين، فقال: لو كان أبو عبيدة حيّا لاستخلفته و قلت لربّي إن سألني: سمعت نبيّك يقول: أبو عبيدة امين هذه الامة، و لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته‏ و قلت لربّي إن سألني: سمعت نبيّك يقول: إنّ سالما شديد الحبّ للّه فقال رجل: ولّ عبد اللّه بن عمر، فقال: قاتلك اللّه، و اللّه ما أردت اللّه بهذا، ويحك كيف استخلفت رجلا عجز عن طلاق امرأته.

و في شرح المعتزلي أنّ عمر لما طعنه أبو لؤلؤة و علم أنّه ميّت استشار فيمن يوليه الأمر بعده فأشير إليه بابنه عبد اللّه فقال لا هاء«» اللّه لا يليها رجلان من ولد الخطاب حسب عمر ما حمل حسب عمر ما احتقب«» لاها اللّه، لا أتحملها حيّا و ميّتا، ثمّ قال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مات و هو راض عن هذه الستّة من قريش: عليّ و عثمان و طلحة و الزّبير و سعد و عبد الرّحمن بن عوف، و قد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختار و أنفسهم، ثمّ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي يعني ابا بكر و إن أترك فقد ترك من هو خير منّي يعني رسول اللّه، ثم قال: ادعوهم لي، فدعوهم فدخلوا عليه و هو ملقى على فراشه و هو يجود بنفسه، فنظر إليهم فقال: أكلّكم يطمع في الخلافة بعدي فوجموا«» فقال لهم: ثانية فأجابه الزّبير و قال: و ما الذي يبعدنا منها وليتها أنت فقمت بها و لسنا دونك في قريش و لا في السّابقة و القرابة.

قال الشّارح قال الشيخ أبو عثمان الجاحظ: و اللّه لو لا علمه أنّ عمر يموت في مجلسه ذلك لم يقدم على أن يفوّه من هذا الكلا بكلمة و لا أن ينبس«» منه لفظ، فقال عمر: أفلا اخبركم عن أنفسكم: قالوا: قل فانّا لو استعفيناك لم تعفنا، فقال: أمّا أنت يا زبير فوعقة«» لقس«» مؤمن الرّضى كافر الغضب، يوما إنسان و يوما شيطان، و لعلّها لو أفضت إليك ظلّت قومك تلاطم بالبطحاء على مدّ من شعير،أ فرأيت إن أفضت إليك فليت شعرى من يكون للنّاس يوم تكون شيطانا و من يكون يوم تغضب إماما، و ما كان اللّه ليجمع لك أمر هذه الامة و أنت على هذه الصّفة.

ثمّ أقبل على طلحة و كان له مبغضا مند قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر، فقال له: أقول أم أسكت قال: قل فانّك لا تقول من الخير شيئا، قال: أما أني أعرفك منذ اصيبت إصبعك يوم احد و الباد«» الذي حدث لك، لقد مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ساخطا عليكم للكمة«» التي قلتها يوم انزلت آية الحجاب.

قال الشّارح: قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ: الكلمة المذكورة أنّ طلحة لما انزلت آية الحجاب قال بمحضر ممّن نقل عنه الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما الذي يغنيه حجابهن اليوم سيموت غدا فننكحهنّ، قال: قال أبو عثمان أيضا: لو قال لعمر قائل أنت قلت: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مات و هو راض عن الستّة فكيف تقول الآن لطلحة إنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مات ساخطا عليك للكلمة التي قلتها، لكان قد رماه بمشاقصة«» و لكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له: ما دون هذا فكيف هذا ثمّ أقبل على سعد بن أبي وقاص فقال: أمّا أنت صاحب مقنب«» من هذه المقانب تقاتل به و صاحب قنص«» و قوس و أسهم و ما زهرة و الخلافة و امور الناس ثمّ أقبل على عبد الرّحمن بن عوف فقال: و أما أنت يا عبد الرّحمن فلو وزن نصف ايمان المسلمين بايمانك لرجح ايمانك به و لكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك و ما زهرة و هذا الأمر.

ثمّ أقبل على عليّ عليه السّلام فقال: للّه أنت لو لا دعابة«» فيك أما و اللّه لئن وليتهم لتحملنهم على الحقّ الواضح و المحجّة البيضاء.

ثمّ أقبل على عثمان فقال هيها«» إليك كأني بك قد قلّدتك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك فحملت بنى اميّة و بني أبي معيط على رقاب النّاس و آثرتهم بالفي‏ء فسارت «فثارت ظ» إليك عصابة من را بان«» «ذوبان خ» العرف فذبحوك على فراشك ذبحا و اللّه لئن فعلوا لتفعلنّ و لئن فعلت ليفعلنّ، ثمّ أخذ بناصيته فقال: فاذا كان ذلك فاذكر قولي فانه كاين.

ثمّ قال: ادعوا لي أبا طلحة الأنصاري فدعوه له فقال: انظر يا أبا طلحة إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم فخذ هؤلاء النّفر بامضاء الأمر و تعجيله و اجمعهم في بيت وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا و يختاروا واحدا منهم، فان اتفق خمسة و أبى واحد فاضرب عنقه، و إن اتفق أربعة و أبى اثنان فاضرب أعناقهما، و إن اتّفق ثلاثة و خالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرّحمن فارجع الى ما قد اتفقت عليه فان اصرّت الثلاثة الاخرى على خلافها فاضرب أعناقها، و ان مضت ثلاثة أيّام و لم يتفقوا على أمر فاضرب أعناق الستّة و دع المسلمين يختاروا لأنفسهم.

فلما دفن عمر جمعهم أبو طلحة و وقف على باب البيت بالسّيف في خمسين من الأنصار حاملي سيوفهم ثم تكلم القوم و تنازعوا، فأوّل ما عمل طلحة أنّه أشهدهم على نفسه أنّه قد وهب حقّه من الشّورى لعثمان، و ذلك لعلمه أنّ النّاس لا يعدلون به عليّا و عثمان و أنّ الخلافة لا تخلص له و هذان موجودان، فأراد تقوية أمر عثمان و إضعاف جانب عليّ عليه السّلام بهبة أمر لا انتفاع و لا تمكن له منه، فقال الزّبير في معارضته و أنا اشهدكم على نفسي أنّي قد وهبت حقّي من الشّورى لعليّ عليه السّلام، و إنّما فعل‏ ذلك لأنّه لما رأى عليّا عليه السّلام قد ضعف و انخذل بهبة طلحة حقّه لعثمان دخلته حميّة النّسب، لأنّه ابن عمة أمير المؤمنين عليه السّلام و هي صفية بنت عبد المطلب و أبو طالب خاله، فبقى من الستّة أربعة، فقال سعد بن أبي وقاص: و أنا قد وهبت حقّى من الشّورى لابن عمّي عبد الرّحمن، و ذلك لأنّهما من بني زهرة و لعلم سعد أنّ الأمر لا يتمّ له.

فلما لم يبق إلّا الثّلاثة قال عبد الرّحمن لعلي و عثمان: أيّكما يخرج نفسه من الخلافة و يكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين فلم يتكلّم منهما أحد، فقال عبد الرّحمن: إنّى اشهدكم قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن اختار أحدهما، فأمسكا، فبدء بعليّ عليه السّلام و قال له: ابايعك على كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه و سيرة الشيخين أبي بكر و عمر، فقال: بل على كتاب اللّه و سنّة رسوله و اجتهاد رأيي، فعدل عنه إلى عثمان فعرض ذلك عليه، فقال: نعم، فعاد إلى عليّ عليه السّلام فأعاد قوله، فعل ذلك عبد الرّحمن ثلاثا، فلما رأى أن عليّا غير راجع عمّا قاله و أنّ عثمان ينعم له بالاجابة صفق على يد عثمان، و قال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين، فيقال: إنّ عليّا عليه السّلام قال له: و اللّه ما فعلها إلّا لأنّك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه، دقّ اللّه بينكما عطر منشم«» قيل: ففسد بعد ذلك بين عثمان و عبد الرحمن فلم يكلّم أحدهما صاحبه حتّى مات عبد الرّحمن.

و قال الشارح أيضا: لما بنى عثمان قصره طمارد الزوراء و صنع طعاما كثيرا و دعا الناس إليه كان فيهم عبد الرّحمن، فلما نظر إلى البناء و الطعام قال: يا بن عفان لقد صدقنا عليك ما كتا نكذب فيك و إني استعيذ باللّه من بيعتك، فغضب عثمان و قال: أخرجه عني يا غلام، فأخرجوه و أمر الناس أن لا يجالسوه فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس كان يأتيه فيتعلّم منه القرآن و الفرائض، و مرض عبد الرّحمان فعاده عثمان،فكلّمه و لم يكلّمه حتى مات.

أقول: هذا ما رواه الشّارح المعتزلي في قضيّة الشّورى و أتبعه بروايات اخرى لامهمّ في إطالة الكلام بذكرها، و إنّما المهمّ الاشارة إلى بعض ما يطعن به على عمر في هذه القضيّة من ابداعه في الدّين و خروجه عن نهج الحقّ المبين و غير ذلك ممّا لا يخفى على أهل البصيرة و اليقين.

منها مخاطبته القوم و مواجهتهم بمثل تلك الكلمات الكاشفة عن غلظ طبيعته و خشونة مسه و جفوته، و ذلك شاهد صدق على ما ذكره عليه السّلام سابقا بقوله: فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها و يخشن مسها اه.

و منها خروجه في هذا الأمر عن النّصّ و الاختيار جميعا.

و منها حصر الشّورى في ستّة و ذمّ كلّ واحد منهم بأن ذكر فيه طعنا لا يصلح معه الامامة ثمّ أهله بعد أن طعن فيه.

و منها نسبة الامام عليه السّلام إلى الدعابة و المزاحة و هو افتراء عليه و ظلم في حقّه، و مثل ذلك زعم عمرو بن العاص و كذبه عليه السّلام في بعض خطبة الآتية بقوله: عجبا لابن النّابغة يزعم أنّ في دعابة او أنّي امرء تلعابة إلى آخر ما يأتي و هو المختار الثّالث و الثّمانون.

و منها جعل الأمر إلى ستّة ثمّ إلى أربعة ثمّ إلى واحد وصفه بالضّعف و القصور.

و منها ترجيح قول الذين فيهم عبد الرّحمن لعلمه بأنّه لا يكاد يعدل بالأمر عن ختنة و ابن عمّه.

و منها إدخاله عثمان في الشّورى مع دعواه العلم بظهور الفساد و القتل من خلافته و صرف مال اللّه في غير أهله كما يدلّ عليه قوله: و اللّه لئن فعلوا لتفعلن.

و منها أمره بقتل الثّلاثة الذين ليس فيهم عبد الرّحمن لو أصرّوا على المخالفة و من المعلوم أنّ مخالفته لا يوجب استحقاق القتل و منها أمره بقتل الستة و ضرب أعناقهم إن مضت ثلاثة أيّام و لم يتّفقوا، و من‏ الواضح أنّ تكليفهم إذا كان الاجتهاد في اختيار الامام فربّما طال زمان الاجتهاد و ربّما قصر بحسب ما يعرض فيه من العوارض، و كيف يسوغ الأمر بالقتل إذا تجاوزت الثلاثة إلى غير هذه ممّا هي غير خفيّة على أهل البصيرة و المعرفة.

الثالث في ذكر طائفة من الاحتجاجات التي احتجّ بها الامام عليه السّلام في مجلس الشورى

و مناشداته معهم و تعديد فضائله و ذكر خصائصه، و هي كثيرة روتها الخاصّة و العامة في كتبهم و نحن نقتصر على رواية واحدة.

و هو ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمّد بن على الباقر عليه السّلام قال: إنّ عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة و أجمع على الشّورى بعث إلى ستّة نفر من قريش: إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و إلى عثمان ابن عفان و إلى زبير بن العوام و إلى طلحة بن عبيد اللّه و عبد الرّحمن بن عوف و سعد ابن أبي وقاص، و أمرهم أن يدخلوا إلى بيت و لا يخرجوا منه حتّى يبايعوا لأحدهم فان اجتمع أربعة على واحد و أبى واحد أن يبايعهم قتل، و إن امتنع اثنان و بايع ثلاثة قتلا فاجمع رأيهم على عثمان.

فلما رأى أمير المؤمنين عليه السّلام ما همّ القوم به من البيعة لعثمان قام فيهم ليتّخذ عليهم الحجة، فقال عليه السّلام لهم: اسمعوا منّي فان يك ما أقول حقا فاقبلوا، و إن يك باطلا فانكروه ثمّ قال عليه السّلام: انشدكم «نشدتكم خ» باللّه الذي يعلم صدقكم إن صدقتم و يعلم كذبكم إن كذبتم هل فيكم أحد صلّى القبلتين كلتيهما غير قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم من بايع البيعتين كلتيهما بيعة الفتح و بيعة الرضوان غيري قالوا: لا، قال نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أخوه المزيّن بالجناحين «يطير بهما في الجنة خ» غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد عمّة سيّد الشّهداء غيري قالوا لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد زوجته سيّدة نساء أهل الجنة غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد ابناه ابنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هما سيّد اشباب.

أهل الجنة غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد عرف النّاسخ من المنسوخ في القرآن غيري قالوا: لا.

قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد أذهب اللّه عنه الرّجس و طهّره تطهيرا غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد عاين جبرئيل في مثال دحية الكلبي غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد أدّى الزّكاة و هو راكع غيري قالوا: لا، قال فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد مسح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عينيه و أعطاه الرّاية يوم خيبر فلم يجد حرا و لا بردا غيري قالوا لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد نصبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم غدير خم بأمر اللّه فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم و الا من والاه و عاد من عاداه غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد أخو رسول اللّه في الحضر و رفيقه في السّفر غيري قالوا: لا.

قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد بارز عمرو بن عبدود يوم الخندق و قتله غيري قالوا: لا، قال فانشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلوات اللّه عليه و آله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي غيري قالوا: لا.

قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد سمّاه اللّه تعالى في عشر آيات من القرآن مؤمنا غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد ناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه الكفار فانهزموا غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد وقفت الملائكة يوم احد حتى ذهب النّاس عنه غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد قضى دين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد اشتاقت الجنّة إلى رؤيته غيري قالوا: لا.

قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد شهد وفات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد غسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كفّنه غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد ورث سلاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و رايته و خاتمة

غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طلاق نسائه بيده غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد حمله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على ظهره حتّى كسر الأصنام على باب الكعبة غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد نودي باسمه يوم بدر من السّمآء لا سيف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا عليّ غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أكل مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الطائر المشويّ الذي اهدي إليه غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت صاحب رايتي في الدّنيا و صاحب لوائي في الآخرة غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد قدّم بين يدي نجويه صدقة غيري قالوا: لا، قال فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد خصف«» نعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أنا أخوك و أنت أخي غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك «الخلق خ» إلى و أقواهم بالحقّ غيري قالوا: «اللّهم خ» لا قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد استقى مأئة دلو بمأة تمر و جاء بالتّمر فاطعمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو جايع غيري قالوا: «اللهم خ» لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد سلّم عليه جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل في ثلاثة آلاف من الملائكة «كلّ واحد منهم في ألف من الملائكة خ» يوم بدر غيري قالوا: «اللّهم خ» لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد غمض عين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد وحد اللّه قبلي غيري«» قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد كان أوّل داخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و آخر خارج من عنده غيري قالوا: لا، قال: فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد مشى‏ مع رسول اللّه فمرّ على حديقة فقال «فقلت خ» ما أحسن هذه الحديقة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حديقتك في الجنّة أحسن من هذه الحديقة حتّى إذا مرّ «مررت خ» على ثلاثة حدائق كل ذلك يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حديقتك في الجنّة أحسن من هذه غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت أوّل من آمن بي و أوّل من يصافحني يوم القيامة غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيده و يد امرأته و ابنيه حين أراد أن يباهل نصارى و نجران غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أوّل طالع يطلع عليكم من هذا الباب يا أنس فانّه أمير المؤمنين و سيّد المسلمين و خير الوصيّين و أولى النّاس بالناس فقال أنس: اللهمّ اجعله رجلا من الأنصار فكنت أنا الطالع فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأنس: ما أنت بأوّل رجل أحبّ قومه غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ».

غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه و في ولده: «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً».

إلى آخر السّورة غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه: «أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ» غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد علمه رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ألف كلمة كلّ كلمة مفتاح ألف كلمة غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحدنا جاه رسول الله يوم الطايف فقال أبو بكر و عمر: ناجيت عليا دوننا، فقال لهم رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما انا ناجيته بل الله أمرني بذلك غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد سقاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من المهراس«» غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه: أنت أقرب الخلق مني يوم القيامة يدخل بشفاعتك الجنّة أكثر من عدد ربيعة و مضر غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت تكسى حين اكسى غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت و شيعتك هم الفائزون يوم القيامة غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كذب من زعم أنّه يحبني و يبغض هذا غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من أحبّ شعراتي «هذه خ» فقد أحبّني و من أحبّني فقد أحب اللّه، فقيل له: و ما شعراتك يا رسول اللّه قال: عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت خير البشر بعد النبيّين غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت الفاروق تفرق بين الحقّ و الباطل غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت أفضل الخلايق عملا يوم القيامة بعد النّبيين غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كساه عليه و على زوجته و على ابنيه ثم قال: اللّهمّ أنا و أهل بيتي إليك لا إلى النّار غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الطعام و هو في‏ الغار و يخبره بالأخبار غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا سر للّه دونك غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت أخي و وزيري و صاحبي من أهلي غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت أقدمهم سلما«» و أفضلهم علما و أكثرهم حلما غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قتل مرحبا اليهودي مبارزة فارس اليهود غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد عرض عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الاسلام فقال له: أنظرني حتّى ألقى والدي، فقال له رسول اللّه: يا عليّ فانّها أمانة عندك، فانّها عندك، فقلت: فان كانت أمانة عندي فقد أسلمت غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد احتمل باب خيبر حين فتحها فمشى به مأئة ذراع ثم عالجه بعده أربعون رجلا فلم يطيقونه غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد«» نزلت فيه هذه الآية: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً».

فكنت أنا الذي قدّم الصّدقة غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من سبّ عليّا فقد سبّني و من سبّني فقد سبّ اللّه غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: منزلي مواجه منزلك في الجنّة غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قاتل اللّه من قاتلك‏ و عادى اللّه من عاداك غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد اضطجع على فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين أراد أن يسير إلى المدينة و وقاه بنفسه من المشركين حين أراد و اقتله غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه أنت أولى النّاس بامّتي من بعدي غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم احد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت يوم القيامة عن يمين العرش و اللّه يكسوك ثوبين أحدهما أخضروا الآخر و رديّ غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد صلّى قبل النّاس «مع رسول اللّه خ» بسبع سنين و أشهر غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنا يوم القيامة آخذ بحجزة ربي و الحجزة النّور و أنت آخذ بحجزتي«» و أهل بيتى آخذون بحجزتك غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت كنفسي و حبّك حبّي و بغضك بغضي غيري قالوا: لا، قال نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ولايتك كولايتى عهد عهده إلىّ ربّي و أمرني أن ابلغكموه غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: اللهمّ اجعله لى عونا و عضدا و ناصرا غيرى قالوا لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: المال يعسوب الظلمة و أنت يعسوب«» المؤمنين غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأبعثنّ اليكم رجلا امتحن اللّه قلبه للايمان غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أطعمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رمّانة و قال: هذه من رمّان الجنّة لا ينبغي أن يأكل منه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما سألت ربّي شيئا إلّا أعطانيه و لم أسأل ربّى شيئا إلّا سالت لك مثله غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت أقومهم بأمر اللّه و أوفاهم بعهد اللّه و اعلمهم بالقضيّة و أقسمهم بالسّوية و أعظمهم عند اللّه مزيّة غيرى قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: فضلك على هذه الامّة كفضل الشّمس على القمر و كفضل القمر على النّجوم غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يدخل اللّه وليّك الجنّة و عدوّك النّار غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: النّاس من أشجار شتّى و أنا و أنت من شجرة واحدة غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنا سيّد ولد آدم و أنت سيّد العرب «و العجم خ» و لا فخر غيري: قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد رضى اللّه عنه في الآيتين من القرآن غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: موعدك و موعدي و موعد شيعتك الحوض إذا خافت الامم و وضعت الموازين غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: اللهم إني احبّه فأحبّه اللهمّ إنّي أستودعكه غيرى قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت تحاج النّاس فتحجهم باقام الصّلاة و ايتآء الزّكاة و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر و إقامة الحدود و القسم بالسّوية غيري قالوا: لا.

قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيده يوم بدر«» «غدير خ» فرفعها حتّى نظر النّاس إلى بياض ابطيه و هو يقول: ألا إنّ هذا عليّ بن أبي طالب أخي و ابن عمّي و وزيري فوازروه و ناصحوه و صدّقوه فهو وليّكم غيري قالوا: لا، قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: «وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَ‏ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».

غيري قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد كان جبرئيل أحد ضيفانه غيري قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أعطاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حنوطا من حنوط الجنّة ثم قال: اقسمه أثلاثا ثلثا لي تحنّطني به و ثلثا لابنتي و ثلثا لك غيري قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد كان إذا ادخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيّاه و أدناه و رحّب به و تهلل له وجهه غيرى قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنا أفتخر بك يوم القيامة إذا افتخرت الأنبياء بأوصيائها غيرى قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد سرحه«» رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بسورة برائة إلى المشركين من أهل مكة بأمر اللّه غيرى قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إني لأرحمك من ضغاين في صدور أقوام عليك لا يظهرونها حتّى يفقدونني فاذا فقدوني خالفوا فيها غيرى قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ادّى الله«» عن أمانتك أدّى الله عن ذمتك غيرى قالوا: لا قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنت قسيم النّار تخرج منها من زكى و تذر فيها كل كافر غيرى قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد فتح حصن خيبر و شبى بنت مرحب فأدّاها إلى رسول الله غيرى قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ترد علىّ الحوض أنت و شيعتك روّاء مروّيين مبيضة وجوههم و يرد علىّ عدوّك ظمأ مظمئين مقمحين«» مسودّة وجوههم غيرى قالوا: لا.

ثمّ قال لهم أمير المؤمنين عليه السّلام: أما إذا أقررتم على أنفسكم و استبان لكم ذلك‏ من قول نبيّكم فعليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، و أنهاكم من سخطه و غضبه و لا تعصوا أمره، و ردّوا الحقّ إلى أهله و اتّبعوا سنّة نبيّكم فانكم إن خالفتم خالفتم الله، فادفعوها إلى من هو أهله و هي له، قال: فتغامزوا فيما بينهم و تشاوروا و قالوا: قد عرفنا فضله و علمنا أنّه أحقّ النّاس بها، و لكنّه رجل لا يفضل أحدا على أحد، فان وليتموها إيّاه جعلكم و جميع النّاس فيها شرعا سواء، و لكن ولوها عثمان فانّه يهوى الذي تهوون فدفعوها إليه.

الترجمة

تا هنگامى كه درگذشت عمر براه خود و جان بمالكان دوزخ سپرد گردانيد خلافت را در شش نفر گمان نمود كه من يكى از ايشانم، پس خداوند بفرياد من برس از براى شورى، چگونه شك عارض شد بمردم در شأن من با اول ايشان كه ابو بكر بود تا اين كه گشتم مقرون به امثال اين اشخاص، و لكن بجهة اقتضاء مصلحت مدارا كردم من با ايشان و نزديك شدم بزمين در طيران هنگامى كه ايشان نزديك شدند، و طيران كردم وقتى كه ايشان طيران كردند، پس ميل كرد يكى از ايشان از من بجهة حقد و حسد كه آن سعد وقاص بود يا طلحه، و ميل كرد ديگرى از آن‏ها بسوى قرابت زن خود و آن عبد الرحمن بن عوف بود كه ميل نمود بعثمان بجهت آنكه برادر زن او بود، و تنها ميل آن بسوى او بجهت مصاهرت و قرابت نبود بلكه با شي‏ء قبيح و شي‏ء قبيح كه آن بغض و عداوت أمير المؤمنين عليه السّلام بود، يا طمع در وصول