و من كتاب له عليه السّلام إلى أمراء البلاد فى معنى الصلاة
أَمَّا بَعْدُ فَصَلُّوا بِالنَّاسِ الظُّهْرَ- حَتَّى تَفِيءَ الشَّمْسُ مِثْلَ مَرْبِضِ الْعَنْزِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْعَصْرَ وَ الشَّمْسُ بَيْضَاءُ حَيَّةٌ فِي عُضْوٍ مِنَ النَّهَارِ- حِينَ يُسَارُ فِيهَا فَرْسَخَانِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْمَغْرِبَ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ- وَ يَدْفَعُ الْحَاجُّ إِلَى مِنًى- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْعِشَاءَ حِينَ يَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْغَدَاةَ وَ الرَّجُلُ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ- وَ صَلُّوا بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ وَ لَا تَكُونُوا فَتَّانِينَ
أقول: بيّن في هذا الكتاب أوقات الصلاة المفروضة:
فالأول: وقت الظهر و حدّه بوقت فيء الشمس
أى رجوعها و ميلها إلى المغرب ثمّ نبّه بتقديره بمربض العنز و هو أوّل وقت الظهر و ذلك ممّا يختلف باختلاف البلاد.
الثاني: وقت العصر و قدّره ببقاء الشمس بيضاء لم تصفر للمغيب، و حيّة.
و استعار لفظ الحياة لظهورها على الأرض لمكان المشابهة، و في عضو من النهار، و أراد القسم و القطعة منه. ثمّ قدّر ذلك العضو بمقدار أن يسافر فيه فرسخان السير المعتاد.
الثالث: وقت المغرب
و عرّفه بأمرين: أحدهما: حين يفطر الصائم، و ذلك عند سقوط القرص. و الثاني: حين يدفع الحجّاج و يفيض من عرفات. و لشهرة هاتين العلامتين و تعارفهما مع المخاطبين عرّفه بهما.
الرابع: وقت العشاء الآخرة
عرّفه بتوارى الشفق و ذلك من ناحية المغرب، و حدّ آخره بثلث الليل، و إنّما حدّ آخر هذا الوقت دون أوقات سائر الفرائض لأنّ الفرائض يتبيّن آخر كلّ وقت منها ببيان أوّل وقت الاخرى. و لا كذلك آخر وقت العشاء الآخرة لاتّصاله بالليل الخالى عن الفرائض، و أمّا آخر وقت الصبح فحدّه بطلوع الشمس أيضا ظاهر.
الخامس: وقت صلاة الغداة،
و حدّه بحين يعرف الرجل وجه صاحبه، و ذلك حين طلوع الفجر الثاني و هو الحمرة المعترضة من ناحية المشرق، و العلامة التي ذكرها أوضح لسائر الناس. ثمّ أوصاهم بفعل و ترك: أمّا الفعل فأن يصلّوا بالناس صلاة أضعفهم، و هو أن لا يطيلوا في القراءة و في الفرائض كقراءة البقرة و السور الطوال فإنّ ذلك لا يستطيع القيام به كلّ الناس فيؤدّي ذلك إلى المشقّة و عجز بعضهم عن أداء الفريضة في الجماعة و هو ضرر منفىّ في الدين، و أمّا الترك فأن لا يكونوا فتّانين بإطالة الصلاة، و وجه الفتنة هنا أنّهم يكونون صارفين للناس عن الاتّفاق و التساعد على الجماعة بإطالتها المستلزمة لتخلّف العاجزين و الضعفاء.
و اللّه أعلم.
شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحهى 133