و من كتاب له عليه السّلام قاله قبل موته على سبيل الوصية، لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه
وَصِيَّتِي لَكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً- وَ مُحَمَّدٌ ص فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ- أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ- وَ أَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ وَ خَلَاكُمْ ذَمٌّ- أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ- وَ الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وَ غَداً مُفَارِقُكُمْ- إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي- وَ إِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي- وَ إِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ وَ هُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ- فَاعْفُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَ اللَّهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ- وَ لَا طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ- وَ مَا كُنْتُ إِلَّا كَقَارِبٍ وَرَدَ وَ طَالِبٍ وَجَدَ- وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ قال الرضى رحمه اللّه، و قد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب، إلا أن فيه ههنا زيادة أوجبت تكريره.
أقول: هذا الفصل قال عليه السّلام في بعض أيّام مرضه قبل موته و سيأتى شرح حال مقتله و وصيّته في فصل أطول من هذا و أليق بذكر الحال عنده إنشاء اللّه بعده
اللغة
و فجأه الأمر: أتاه بغتة. و القارب: طالب الماء. و قيل: هو الّذي يكون بينه و بين الماء ليلة.
و قد وصىّ عليه السّلام بأمرين هما عمود الإسلام و بهما يقوم:
أحدهما: أن لا يشركوا باللّه شيئا.
و هو التوحيد الخالص، و الشهادة به أوّل مطلوب بلسان الشريعة كما سبق بيانه.
و الثاني: الاهتمام بأمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المحافظة على سنّته.
و قد علمت أنّ من سنّته وجوب اتّباع كلّما جاء و المحافظة عليه فإذن المحافظة على كتاب اللّه من الواجبات المأمور بها بالالتزام. و ظاهر أنّ إقامة هذين الأمرين مستلزم للخلوّ عن الذمّ، و لفظ العمود مستعار لهما ملاحظة لشبههما بعمودى البيت في كونهما سببين لقيام الإسلام و عليهما مداره كالبيت على عمده، و خلاكم ذمّ. كالمثل. يقال: افعل كذا و خلاك ذمّ: أى فقد أعذرت و سقط عنك الذمّ. ثمّ نعى نفسه إليهم، و أشار إلى وجه العبرة بحاله بذكر تنقّلها و تغيّرها في الأزمان الثلاثة ففي الماضي كان صاحبهم الّذي يعرفونه بالقوّة و الشجاعة و قهر الأعداء و عليه مدار امور الدنيا و الدين، و في الحاضر صار عبرة: أى محلّ عبرة. فحذف المضاف، أو معتبرا. فأطلق اسم المتعلّق على المتعلّق مجازا، و في المستقبل مفارق لهم. ثمّ أردف ذلك ببيان أمره مع قاتله على تقديرى فنائه و بقائه، و يشبه أن يكون في الكلام تقديم و تأخير و التقدير فأنا ولىّ دمى، و روى: أولى بدمى فإن شئت أقمت القصاص و إن شئت عفوت فإن أعف فالعفو لي قربة و إن أفن فالفناء ميعادي فإن شئتم فاقتلوا قاتلى و إن شئتم تعفو فالعفو لكم حسنة فاعفوا، لكنّه ذكر قسمى بقائه و فنائه ثمّ عقّبهما بذكر حكمهما مقترنين و اقتبس الاية في معرض الندب إلى العفو ترغيبا فيه. ثمّ أقسم أنّه ما أتاه من بغتة الموت وارد كرهه و لا طالع أنكره. و صدقه في ذلك ظاهر فإنّه عليه السّلام كان سيّد الأولياء بعد سيّد الأنبياء. و من خواصّ أولياء اللّه شدّة محبّة اللّه و الشوق البالغ إلى ما أعدّ لأوليائه في جنّات عدن. و من كان كذلك كيف يكره وارد الموت الّذي هو باب وصوله إلى محابّه و أشرف مطالبه الّتي قطع وقته في السعي لها و هي المطالب الحقّة الباقية و كيف ينكره و هو دائم الترصّد و الاشتغال و الذكر له. ثمّ شبّه نفسه في هجوم الموت عليه و وصوله بسببه إلى ما اعدّ له من الخيرات الباقية بالقارب الّذي ورد الماء، و وجه الشبه استقرا به لتلك الخيرات و وثوقه بها و استسهاله بسببها آفات الدنيا و شدائد الموت كما يستسهل القارب عند وروده الماء ما كان يجده من شدّة العطش و تعب الطريق، و فيه إيماء إلى تشبيه تلك الخيرات بالماء. و كذلك شبّه نفسه بالطالب الواجد لما يطلبه، و وجه الشبه كونه قرّا عينا بما ظفر به من مطالبه الاخرويّة كما يطيب نفس الطالب للشيء به إذا وجده، و ظاهر أنّ طيب النفس و بهجتها بما تصيبه من مطالبها ممّا يتفاوت لتفاوت المطالب في العزّة و النفاسة، و لمّا كانت المطالب الاخرويّة أهمّ المطالب و أعظمها قدرا و أعزّها جوهرا أوجب أن يكون بهجة نفسه بها و قرّة عينه بما أصاب منها أتمّ كلّ بهجة بمطلوب. ثمّ اقتبس الآية في مساق إشعاره بوجدان مطلوبه منبّها بها على أنّ مطلوبه في الدنيا لم يكن إلّا ما عند اللّه الّذي هو خير لأوليائه الأبرار من كلّ مطلوب يطلب. و باللّه التوفيق.
شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحهى 404