و كان عليه السلام يقول لأصحابه عند الحرب
لَا تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ- وَ لَا جَوْلَةٌ بَعْدَهَا حَمْلَةٌ- وَ أَعْطُوا السُّيُوفَ حُقُوقَهَا- وَ وَطِّئُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا- وَ اذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ الدَّعْسِيِّ وَ الضَّرْبِ الطِّلَحْفِيِّ- وَ أَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ- مَا أَسْلَمُوا وَ لَكِنِ اسْتَسْلَمُوا وَ أَسَرُّوا الْكُفْرَ- فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ
اللغة
أقول: الفرّة: المرّة من الفرار. و الكرّة: الفعلة من الكرّ و هو الرجوع على العدوّ. و الجولة: الدورة. و المصارع: مواضع الصرع للقتلى. و ذمرته أذمره: أى حثثته. و الدعسىّ: منسوب إلى الدعس و هو الأثر. و الطلخف: الشديد. و الياء للمبالغة. و النسمة: الخلق.
المعنى
و قوله: لا تشتدّنّ عليكم إلى قوله: حملة.
أى إذا رأيتم في فراركم مصلحة في خدعة العدوّ كالجذب له بذلك حيث يتمكّن منه و يقع الفرصة فتكرّوا عليه حينئذ فلا تشتدّنّ عليكم الفرّة، و وجه الشدّة هنا أنّ الفرار بين العرب صعب شديد لما يستلزمه من العار و السّبة. فأشار إلى وجه تسهيله عليهم بأنّه إذا كان بعده كرّة فلا بأس به لما فيه من المصلحة، و يحتمل أن يريد أنّكم إذا اتّفق لكم إن فررتم فرّة عقّبتموها بكرّة فلا تشتدّنّ عليكم تلك الفرّة فتنفعلوا و تستحيوا فإن تلك الكرّة كالماحية لها. و فيه تنبيه على الأمر بالكرّة على تقدير الفرّة، و كذلك قوله: و لا بجولة بعدها حملة.
و يحتمل أن يريد فلا تشتدّنّ عليكم فرّة من عدوّكم بعدها كرّة منه عليكم فإنّ تلك الكرّة لمّا كانت عقيب الفرّة لم تكن إلّا عن قلوب مدخولة و نيّات غير صحيحة.
و إنّما قدّم الفرّة في هذا الاحتمال لأنّ مقصوده تحقير تلك الكرّة بذكر الفرّة، و كان ذكرها أهمّ فلذلك قدّمت، و كذلك قوله: و لا جولة بعدها حملة.
ثمّ أمرهم بأوامر:
أحدها: أن يعطوا السيوف حقوقها.
و هو كناية عن الأمر بفعل ما ينبغي أن يفعل. و لفظ العطاء مستعار لما تصل إليه السيوف من الأفعال الّتي ينبغي أن تفعل بها.
الثاني: أن يوطّنوا لجنوبهم مصارعها:
أى يتّخذوا مصارع جنوبهم أوطانا لها. و هو كناية عن الأمر بالعزم الجازم على القتل في سبيل اللّه و الإقدام على أهوال الحرب. إذ كان اتّخاذ المصارع أوطانا للجنوب مستلزما لذلك العزم و الإقدام.
و روى: و وطّئوا- بالياء- .
الثالث: أن يحثّوا أنفسهم على الطعن الّذي يظهر أثره و الضرب الشديد:
أى يحملوها على ذلك و يبعثوها بالدواعى الصادقة الّتي فيها رضى من تذكّر ما وعد اللّه عباده الصالحين.
الرابع: أن يميتوا الأصوات
أى لا يكثروا الصياح فإنّه من علامات الفشل فعدمه يكون علامة للثبات المنافي للجبن و الصياح. و قد سبقت الإشارة إلى ذلك. ثمّ أقسم بما يعتاده من القسم البارّ أنّ القوم لم يسلموا بقلوبهم حين أظهروا الإسلام في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بألسنتهم، و لكنّهم استسلموا خوفا من القتل و أسرّوا الكفر فلمّا وجدوا عليه أعوانا أظهروه. و هو إشارة إلى المنافقين من بنى اميّة كعمرو بن العاص و مروان و معاوية و أمثالهم، و روى مثل هذا الكلام لعمّار بن ياسر- رضي اللّه عنه- و باللّه التوفيق.
شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 4 ، صفحهى 387