و من خطبة له عليه السّلام يختص بذكر الملاحم
أَلَا بِأَبِي وَ أُمِّي هُمْ مِنْ عِدَّةٍ- أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَ فِي الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ- أَلَا فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ- وَ انْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ وَ اسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ- ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ- أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ- ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي- ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ- بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَ النَّعِيمِ- وَ تَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ- وَ تَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ- ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلَاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ- مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ وَ أَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ- أَيُّهَا النَّاسُ أَلْقُوا هَذِهِ الْأَزِمَّةَ- الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ- وَ لَا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ- وَ لَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ- وَ أَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا وَ خَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا- فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ- وَ يَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ انِّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ- يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا- فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ- وَ عُوا وَ أَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا
اللغة
أقول:
أحرجه: ألجأه و ضيّق عليه، و تصدّعوا: تفرّقوا.
و غبّ كلّ شيء: عاقبته.
و فور النار: تلهّبا و شدّة حرّها.
و أمطت عن كذا و مطت: تنحّيت عنه.
و السنن: القصد، و الاقتحام: الدخول في الشيء بشدّة.
المعنى
فقوله: بأبى و امّى. تسمّى البأبأة، و الجار و المجرور في تقدير خبر المبتدأ و هو قوله: هم. و قد سبقت الإشارة إلى مثله في قوله مخاطبا للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند تولية غسله، و الضمير إشارة إلى أولياء اللّه فيما يستقبل من الزمان بالنسبة إلى زمانه عليه السّلام و قالت الشيعة: إنّه أراد الأئمّة من ولده عليهم السّلام. و قوله: أسماؤهم في السماء معروفة.
إشارة إلى علوّ درجتهم في الملأ الأعلى و إثبات أسمائهم و صفاتهم الفاضلة في ديوان الصدّيقين، و في الأرض مجهولون بين أهل الدنيا الّذين يرون أنّه ليس وراءها كمال. و من سيماء الصالحين بمجرى العادة القشف و الإعراض عن الدنيا و ذلك يستلزم قلّة مخالطة أهلها و مكاثرتهم و هو مستلزم لجهلهم بهم و عدم معرفتهم لهم. ثمّ شرع في التنبيه على الأحوال الرديئة المستقبلة المضادّة لمصالح العالم الّتي يجمعها سوء التدبّر و تفرّق الكلمة و هى إدبار ما أقبل من امورهم و انقطاع ما اتّصل من وصلهم و أسبابهم. و الوصل: جمع وصلة و هى الانتظامات الحاصلة لأسبابهم في المعاش و المعاد بوجود الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تدبيره. ثمّ استعمال صغارهم و أراد لهم فإنّه من جملة أسباب الفساد، و من أسباب صلاح العالم استعمال أهل الشرف و أكابر الناس على الأعمال، و من كلامه عليه السّلام في ذلك قوله لمالك الأشتر في عهده إليه يشير إلى العمّال: و توخّ منهم أهل التجربة و الحياء من أهل البيوتات الصالحة و القدم في الإسلام المتقدّمة فإنّهم أكرم أخلاقا و أصحّ أعراضا و أقلّ في المطامع إشرافا و أبلغ في عواقب الامور نظرا.
و صغار الناس مظنّة أضداد الامور المذكورة و بسببها يكون خراب العالم و فساد نظامه. ثمّ أشار إلى أوقاتها و علامات وقوعها: فمنها: حيث يكون ضربة السيف على المؤمن أهون و أقلّ عنده مشقّة من المشقّة الحاصلة في اكتساب درهم حلال. و ذلك لأنّ المكاسب حينئذ يكون قد اختلطت و غلب الحرام الحلال فيها، و أراد بقوله: من الدرهم: أى من كسب الدرهم فحذف المضاف. و منها: حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطى، و ذلك لأنّ أكثر من يعطى حينئذ و يتصدّق يكون ماله مشوبا بالحرام فيقلّ أجره، و لأنّ أكثرهم يعطى و يقصد بإعطائه الرئاء و السمعة أو لهوى نفسه أو لخطرة من خطرات وسواسه من غير خلوص للّه سبحانه في ذلك، و أمّا المعطى فقد يكون فقيرا مستحقّا للزكاة ذا عيال لا يلزمه أن يبحث عن أصل ما يعطاه فإذا أخذه لسدّ خلّته كان في ذلك أعظم أجرا ممّن يعطيه، أو لأنّ المعطى قد يكون أكثر ما ينفق ماله في غير طاعة له في الوجوه المحظورة فإذا أخذ الفقير منه على وجه الصدقة فوّت على المعطى صرف ماله في تلك الوجوه فكان للفقير بذلك المنّة عليه. إذ كان سببا في منعه عن صرف ماله فيما لا ينبغي فكان أعظم أجرا منه. و منها: حيث يسكرون من غير شراب. فاستعار وصف السكر لهم باعتبار غفلتهم عمّا ينبغي لهم اللازمة عن استغراقهم في اللذّات الحاضرة كما يلزم السكر الغفلة عن المصالح، و قرينة الاستعارة قوله: من غير شراب بل من النعمة فإنّ السكر حقيقة إنّما يكون عن الشراب. و منها: حيث يحلفون من غير اضطرار إلى اليمين بل غفلة عن عظمة اللّه سبحانه حتّى يتوصّلوا باليمين به إلى أخسّ المطالب.
و منها: حيث يكذبون من غير إخراج: أى من غير أن يلجئهم إلى الكذب ضرورة، بل يصير الكذب ملكة و خلقا. و منها: إذا عضّكم البلاء، و استعار لفظ العضّ لإيلام البلاء الّذي ينزل بقلوبهم و شبّهه بعض- القتب لغارب البعير، و وجه المشابهة هو شدّة الإيلام و هذا الشبه هو وجه استعارة العضّ للبلاء. و قوله: ما أطول هذا العناء و أبعد هذا الرجاء. كلام منقطع عمّا قبله كما هو عادة الرضى- رضى اللّه عنه- في التقاط الوصول و إلحاق بعضها ببعض. و وجدت هذا الفصل بخطّه في حاشية نسخة الأصل. و ظاهره يقتضى أنّه ذكر فيما كان متّصلا بالكلام ما ينال شيعته من البؤس و القنوط و مشقّة انتظار الفرج. و أنّ قوله: ما أطول. إلى قوله: الرجاء. كلام شيعته. فعلى هذا يكون المعنى أنّهم يصابون بالبلاء حتّى يقولوا: ما أطول التعب الّذي نحن فيه و ما أبعد رجاءنا للخلاص منه بقيام القايم المنتظر. و يحتمل أن يكون الكلام متّصلا، و يكون قوله: ما أطول هذا العناء. كلاما مستأنفا في معنى التوبيخ لهم على إعراضهم عنه و إقبالهم على الدنيا و إتعابهم أنفسهم في طلبها. و التنفير لهم عنها بذكر طول العناء في طلبهم و بعد الرجاء لما يرجى منها: أى ما أطول هذا العناء اللاحق لكم في طلب الدنيا و ما أبعد هذا الرجاء الّذي يرجونه منها، و ظاهر أنّ متاعب الدنيا لطالبها أطول المتاعب و مطالبها لراحتها أبعد المطالب كما قال عليه السّلام من قبل: من ساعاها فاتته و كما قال الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من جعل الدنيا أكبرهمّ فرّق اللّه عليه همّه و جعل فقره بين عينيه و لم يأته منها إلّا ما كتب له.
و هذا الكلام يقتضى أنّ المتجرّد لطلب الدنيا لا يزال ملاحظا لفقره مستحضرا له فهو حامل له على التعب في تحصيلها و الكدح لها، و يحتمل أن يريد بالعناء المشار إليه عناؤه في جذبهم إلى اللّه و دعوته لهم إلى الآخرة في أكثر أوقاته فإنّهم لا يرجعون إلى دعوته و لا يتّفقون على كلمته، و ظاهر أنّه عناء طويل و تعب عظيم. و بالرجاء المشار إليه رجاؤه لصلاحهم و استبعده ثمّ أيّد بهم. و استعار لفظ الأزمّة للآراء الفاسدة المتّبعة و الأهواء القائدة لهم إلى المئاثم. و وجه المشابهة كونها قائدة لهم كما تقود الأزمّة الجمال، و لفظ الإلقاء للأعراض عن تلك الآراء الباطلة و ترك العمل لها. و لفظ الظهور لأنفسهم، و لفظ الأثقال للمعقول من أثقال الذنوب، و وجه المشابهة الاولى كونها حاملة لأثقال الخطايا و الأوزار كما يحمل الظهور الأثقال المحسوسة كما قال تعالى وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ«» و قوله وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ«» و وجه الاستعارة الثانية أنّ الملكات الرديئة الحاصلة من اقتراف المئاثم تثقّل النفوس عن النهوض إلى حظاير القدس و منازل الأبرار كما تثقّل الأثقال المحسوسة الظهور الحاملة لها. و لمّا استعار لفظ الإلقاء و الأزمّة اللذين من شأنهما أن يكونا باليد و في اليد رشّح بذكر الأيدي فقال: من أيديكم. و الحاصل أنّه أمرهم بترك الآراء الفاسدة و نهاهم عن متابعتها، و نبّه على وجوب تركها بأنّهم إذا ألزموها و عملوا على وفقها قادتهم إلى حمل أثقال الخطايا. ثمّ أردف ذلك بالنهى عن التفرّق عنه بعد تقديم النهى عن اتّباع الآراء الفاسدة المستلزمة للهلاك تنبيها على أنّ آراءهم في التصدّع عنه من تلك الآراء غير المحمودة. و قوله: فتذمّوا غبّ فعالكم. تنفير عن التفرّق عنه بذكر ما يلزمه من العاقبة المذمومة، و هى غلبة العدوّ عليهم و استيلاءه على أحوالهم و تعوّضهم عن عزّتهم ذلّا، و رخائهم و نعمتهم بؤسا و نقمة. و الفاء هي الّتي في جواب النهى: أى إن تصدّعتم عن سلطانكم ذممتم غبّ فعالكم. ثمّ أردف النهى عن التفرّق عنه بالنهى عن اقتحام ما استقبلوا من الفتنة المنتظرة تشبيها على أنّ التفرّق عنه سبب للدخول في نار الفتنة، و تنفيرا عن مخالفته بكونها اقتحاما لنار الفتنة و تسرّعا إلى دخولها، و لفظ النار مستعار لأحوال الفتنة من الحروب و القتل و الظلم، و وجه المشابهة كونها مستلزمة للأذى كالنار. و وصف الاقتحام لمخالفته و التفرّق عنه، و وجه الاستعارة إسراع تفرّقهم عنه إلى الوقوع في الفتنة كإسراع المقتحم. و رشّح باستعارة النار بالفور مبالغة في التنفير. ثمّ أمرهم بالنهى عن قصدها و طريقها و تخلية قصد السبيل لها: أى خلوّها لقصد سبيلها و لا تتعرّضوا لها و تقتحموها فكونوا حطبا لنارها. ثمّ أقسم ليهلك في لهبها المؤمن و يسلم فيها غير المسلم. و ذلك ظاهر الصدق، و هو من كراماته عليه السّلام و إخباره عمّا سيكون فإنّ الدائرة في دولة بنى اميّة كانت على من لزم دينه و اشتغل بعبادة ربّه دون من وافقهم على أباطيلهم و أجاب دعوتهم و تقرّب إلى قلوبهم بالكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ظلم العباد كما تقف عليه من أخبارهم في قتل كثير من أولياء اللّه و ذريّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صحابته- رضى اللّه عنهم- و تقريبهم للمنافقين و توليتهم الأعمال. و اعلم أنّه ليس مراده أنّه يهلك فيها كلّ مؤمن و لا يسلم فيها إلّا غير مسلم، بل القضيّتان مهملتان. و الغرض منهما أنّ أكثر من يهلك فيها المؤمنون و أكثر من سلم فيها المنافقون و من ليس له قوّة في الإسلام. و لفظ اللهب ترشيح لاستعارة لفظ النار. ثمّ مثّل نفسه بينهم بالسراج في الظلمة. و أشار إلى وجه مشابهته للسراج بقوله: فيستضيء به من ولجها. و تقديره أنّ الطالبين للهداية منه عليه السّلام و المتّبعين له يستضيئون بنور علومه و هدايته إلى الطريق الأرشد كما يهتدى السالكون في الظلمة بالسراج. و هذا التمثيل يستلزم تشبيه أحوالهم بالظلمة و نسبتهم بالمغمورين فيها لولا وجوده عليه السّلام فيهم.
و قد علمت في المقدّمات حقيقة التمثيل. ثمّ لمّا قدّم فضيلته في التمثيل المذكور أردفه بأمرهم بسماع قوله، و أن يحضروا قلوبهم لفهم ما بلغت إليهم من الحكمة و الموعظة الحسنة كما هو المعلوم من حال الخطيب. و استعار لفظ الآذان هنا للقلوب.
و وجه الاستعارة أنّ الاذن لمّا كانت مدركا للأقوال أشبهتها أفهام القلوب المدركة لأقواله، و طلب إحضارها إذ كان هو المنتفع به دون إحضار الآذان المحسوسة.
و ظاهر أنّ إحضار العقول و توجّهها إلى الفكر في المسموع مستلزم لحصول الفهم.
و باللّه التوفيق.
شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحرانی )، ج 4 ، صفحهى 183