خطبه18 شرح نهج البلاغه ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

قاله للأشعث بن قيس و هو على منبر الكوفة يخطب، فمضى في بعض كلامه شي‏ء اعتراضه الأشعث فقال: يا أمير

المؤمنين هذه عليك لا لك فخفض عليه السّلام إليه بصره ثم قال: مَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي- عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ لَعْنَةُ

اللَّاعِنِينَ- حَائِكٌ ابْنُ حَائِكٍ مُنَافِقٌ ابْنُ كَافِرٍ- وَ اللَّهِ لَقَدْ أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةً وَ الْإِسْلَامُ أُخْرَى- فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا

مَالُكَ وَ لَا حَسَبُكَ- وَ إِنَّ امْرَأً دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ- وَ سَاقَ إِلَيْهِمُ الْحَتْفَ- لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ الْأَقْرَبُ وَ لَا يَأْمَنَهُ الْأَبْعَدُ [قال

السيد الشريف: أراد بقوله: دل على قومه السيف: ما جرى‏ له مع خالد بن الوليد باليمامة، فانه غرّ قومه و مكر بهم

حتى أوقع بهم خالد و كان قومه بعد ذلك يسمونه عرف النار و هو اسم للغادر عندهم.

المعنى

أقول: الكلام الّذي اعترضه الأشعث أنّه عليه السّلام كان في خطبة يذكر أمر الحكمين فقام إليه رجل من أصحابه و قال له: نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا بها فما ندري أيّ الأمرين أرشد فصفق عليه السّلام بإحدى يديه على الاخرى، و قال:

هذا جزاء من ترك العقدة أي جزائي حيث وافقتكم على ما ألزمتموني به من التحكيم، و تركت الحزم. فوجد الأشعث بذلك شبهة في تركه عليه السّلام وجه المصلحة و اتّباع الآراء الباطلة، و أراد إفهامه فقال: هذه عليك لا لك، و جهل أو تجاهل أنّ وجه المصلحة قد يترك محافظة على أمر أعظم منه و مصلحة أهمّ فإنّه عليه السّلام لم يترك العقدة إلّا خوفا من أصحابه أن يقتلوه كما سنذكره في قصّتهم، و قيل: كان مراده عليه السّلام هذا جزاؤكم حيث تركتم الحزم فظنّ الأشعث هذا جزائي فقال الكلمة، و الحتف بالتاء الهلاك، و روي بالباء و هو الميل، و المقت البغض، قوله و ما يدريك ما علي ممّا لي إشارة إلى أنّه جاهل و ليس للجاهل أن يعترض عليه و هو استاد العلماء بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أمّا استحقاقه اللعن فليس بمجرّد اعتراضه و لا لكونه ابن كافر بل لكونه مع ذلك من المنافقين بشهادته عليه السّلام و المنافق مستحقّ للّعن و الإبعاد عن رحمة اللّه بشهادة قوله تعالى «أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ»«». قوله حائك بن حائك. استعارة أشار بها إلى نقصان عقله و قلّة استعداده لوضع الأشياء في مواضعها، و تأكيد لعدم أهليّته للاعتراض عليه إذ الحياكة مظنّة نقصان العقل، و ذلك لأنّ ذهن الحائك عامّة وقته متوجّه إلى جهة صنعته مصبوب الفكر إلى أوضاع الخيوط المتفرّقة، و ترتيبها و نظامها يحتاج إلى حركة رجليه و يديه، و بالجملة فالشاهد له بعلم من حاله أنّه مشغول الفكر عمّا وراء ما هو فيه، فهو أبله فيما عداه، و قيل لأنّ معاملة الحائك و مخالطته لضعفاء العقول من النساء و الصبيان، و من كانت معاملته لهؤلاء فلا شكّ في في ضعف رأيه و قلّة عقله للأمور.

روى عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام أنّه قال: عقل أربعين معلّما عقل حائك و عقل حائك عقل امراة و المرأة لا عقل لها، و عن موسى بن جعفر عليه السّلام أنّه قال: لا تستشيروا المعلّمين و لا الحوكة فإنّ اللّه تعالى قد سلبهم عقولهم، و ذلك محمول على المبالغة في نقصان عقولهم، و قيل: إنّما عيّره بهذه الصنعة لأنّها صنعة دنيّة تستلزم صغر الهمّة و خسّتها و تشتمل على رذائل الأخلاق فإنّها مظنّة الكذب و الخيانة. روى أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله دفع إلى حائك من بنى النجّار غزلا لينسج له صوفا فكان يماطله و يأتيه صلى اللّه عليه و آله متقاضيا و يقف على بابه فيقول ردّوا علينا ثوبنا لنتجمّل به في الناس و لم يزل يماطله حتّى توفّى صلى اللّه عليه و آله، و قد علمت أنّ الكذب رأس النفاق و من كانت لوازم هذه الصنعة أخلاقه فليس له أن يعترض في مثل ذلك المقام، و قد اختلف في أنّ الأشعث هل كان حائكا أو ليس فروى قوم أنّه كان هو و أبوه ينسجان برود اليمن، و قال آخرون: إنّ الأشعث لم يكن حائكا فإنّه كان من أبناء ملوك كندة و أكابرها و إنّما عيّره بذلك لأنّه كان إذا مشى يحرّك منكبيه و يفحج بين رجليه، و هذه المشية، تعرف بالحياكة يقال: حاك يحيك و حيكانا و حياكة فهو حائك إذا مشى تلك المشية، و امراة حائكة إذا تبخترت في مشيها و الأقرب أنّ ذلك له على سبيل الاستعارة كنّى بها نقصان عقله كما سبق أوّلا فأمّا قوله و اللّه لقد أسرك الكفر مرّة و الإسلام اخرى فما فداك من واحدة منهما مالك و لا حسبك فتأكيد لنقصان عقله و إشارة إلى أنّه لو كان له عقل لما حصل فيما حصل فيه من الأسر مرّتين، ما فداه أي ما نجاه من الوقوع في واحدة منهما ماله و لا حسبه و لم يرد الفداء بعد الأسر فإنّ الأشعث فدى في الجاهليّة و ذلك أنّ مرادا لمّا قتل أباه خرج ثائرا طالبا بدمه فاسر ففدى نفسه بثلاثة آلاف بعير، و وفد على النبيّ صلى اللّه عليه و آله في سبعين رجلا من كندة فأسلم على بديه و ذلك الأسر هو مراده عليه السّلام بأسر الكفر له، و أمّا أسره في الإسلام فإنّه لمّا قبض رسول اللّه ارتدّ بحضر موت و منع أهلها تسليم الصدقة و أبى أن يبايع لأبي بكر فبعث إليه زياد بن لبيد بعد رجوعه عنهم و قد كان عاملا قبل ذلك على حضرموت ثمّ أردفه بعكرمة بن أبي جهل في جمع عظيم من المسلمين فقاتلهم الأشعث بقبائل كندة قتالا شديدا في وقائع كثيرة، و كانت الدائرة عليه فالتجأ قومه إلى حصنهم فحصرهم زياد حصرا شديدا و بلغ بهم جهد العطش فبعث الأشعث إلى زياد و يطلب منه الأمان لأهله و لبعض قومه و كان من غفلته أنّه لم يطلب لنفسه بالتعيين فلمّا نزل أسره و بعث به مقيّدا إلى أبي بكر بالمدينة فسأل أبا بكر أن يستبقيه لحربه و يزوجه أمّ فروه ففعل ذلك أبو بكر، و ممّا يدلّ على عدم مراعاته لقواعد الدين أنّه بعد خروجه من مجلس عقده بأمّ فروه أصلت سيفه في أزّقة المدينة، و عقر كلّ بعير رآه و ذبح كلّ شاة استقبلها للناس و التجأ إلى دار من دور الأنصار فصاح به الناس من كلّ جانب و قالوا: قد ارتدّ الأشعث مرّة ثانية فأشرف عليهم من السطح و قال: يا أهل المدينة إنّي غريب ببلدكم و قد أو لمت بما نحرت و ذبحت فليأكل كلّ إنسان منكم ما وجد و ليغد إليّ من كان له عليّ حقّ حتّى ارضيه و فعل ذلك فلم يبق دار من دور المدينة إلّا و قد أوقد فيها بسبب تلك الجهلة فضرب أهل المدينة به المثل، و قالوا: أو لم من الأشعث، و فيه قال الشاعر:
لقد أولم الكنديّ يوم ملاكه وليمة حمّال لثقل العظائم‏

قوله و إنّ امرأ دلّ على قومه السيف و قاد إليهم الحتف لحريّ أن يمقته الأقرب و لا يأمنه الأبعد. إشارة إلى غدره بقومه، و ذلك أنّه لمّا طلب الأمان من زياد بن لبيد طلبه لنفر يسير من وجوه قومه فظنّ الباقون أنّه أخذ الأمان لجميعهم فسكتوا و نزلوا من الحصن على ذلك الظنّ فلمّا خرج الأشعث و من طلب الأمان له من قومه دخل زياد إلى الحصن فقتل المقاتلة صبرا فذكروه الأمان فقال لهم: إنّ الأشعث لم يطلب الأمان إلّا لعشرة من قومه فقتل من قتلهم منهم ثمّ وافاه كتاب أبي بكر بالكفّ عنهم و حملهم إليه فحملهم،

و ذلك معنى قوله عليه السّلام دلّ على قومه السيف و قاد إليهم الحتف إذ قادهم إلى الحرب و أسلمهم للقتل، و لا شكّ أنّ من كان كذلك فحقيق أن يمقته قومه و لا يأمنه غيرهم فأمّا ما حكاه السيّد- رحمه اللّه- من أنّه أراد به حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة و أنّه غرّ قومه و مكّر بهم حتّى أوقع بهم خالد فلم أقف على شي‏ء من ذلك في وقائع خالد باليمامة، و حسن الظنّ بالسيّد يقتضي تصحيح نقله و لعلّ ذلك في وقعه لم أقف على أصلها.
و أعلم أنّه عليه السّلام ذمّه في هذا الفصل بجميع الرذائل النفسانيّة و نسبه إلى الجهل و الغباوة الّذي هو طرف التفريط من الحكمة بالحياكة الّتي هي مظنّة لقلّة العقل، و أشار إلى‏ الفجور الّذي هو طرف الإفراط من فضيلة العفّة بكونه منافقا، و كونه ابن كافر تأكيد لنسبة النفاق إليه، و أشار إلى الفشل و قلّة التثبّت الّتي هي طرف التفريط و الإفراط من فضيلة الشجاعة بكونه قد اسر مرّتين، و كما أنّ فيه إشارة إلى ذلك ففيه أيضا إشارة إلى نقصان عقله كما قلناه، و أشار إلى الظلم و الغدر الّذي هو رذيلة مقابلة لفضيلة الوفاء بقوله و إنّ امرأ دلّ على قومه السيف و ساق إليهم الحتف، و باستجماعه لهذه الرذائل كان مستحقّا للّعن و أمّا استعارتهم له عرف النار فلأنّ العرف عبارة عن كلّ عال مرتفع، و الأعراف في القرآن الكريم سور بين الجنّة و النار، و لمّا كان من شأن كلّ مرتفع عال أن يستر ما ورائه و كان الغادر يستر بمكره و حيلته امورا كثيرة و كان هو قد غرّ قومه بالباطل و غدر بهم صدق عليه بوجه الاستعارة لفظ عرف النار لستره عليهم لما ورائه من نار الحرب أو نار الآخرة إذ حملهم على الباطل و اللّه أعلم.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم)، ج 1 ، صفحه‏ى 323

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.