خطبه 221 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام
القسم الأول
فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ- وَ ذَخِيرَةُ مَعَادٍ وَ عِتْقٌ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ- وَ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ- وَ يَنْجُو الْهَارِبُ وَ تُنَالُ الرَّغَائِبُ فَاعْمَلُوا وَ الْعَمَلُ يُرْفَعُ- وَ التَّوْبَةُ تَنْفَعُ وَ الدُّعَاءُ يُسْمَعُ- وَ الْحَالُ هَادِئَةٌ وَ الْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ- وَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً- أَوْ مَرَضاً حَابِساً أَوْ مَوْتاً خَالِساً- فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ- وَ مُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ وَ مُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ- زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ وَ قِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ- وَ وَاتِرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ- قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ- وَ تَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ وَ أَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ- وَ عَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ وَ تَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ- وَ قَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ- فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ- وَ احْتِدَامُ عِلَلِهِ وَ حَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ- وَ غَوَاشِي سَكَرَاتِهِ وَ أَلِيمُ إِرْهَاقِهِ- وَ دُجُوُّ أَطْبَاقِهِ وَ جُشُوبَةُ مَذَاقِهِ- فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ- وَ فَرَّقَ نَدِيَّكُمْ وَ عَفَّى آثَارَكُمْ- وَ عَطَّلَ دِيَارَكُمْ وَ بَعَثَ وُرَّاثَكُمْ- يَقْتَسِمُونَ تُرَاثَكُمْ بَيْنَ حَمِيمٍ خَاصٍّ لَمْ يَنْفَعْ- وَ قَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَمْ يَمْنَعْ- وَ آخَرَ شَامِتٍ لَمْ يَجْزَعْ فَعَلَيْكُمْ بِالْجَدِّ وَ الِاجْتِهَادِ وَ التَّأَهُّبِ وَ الِاسْتِعْدَادِ- وَ التَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ- وَ لَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا- كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ- وَ الْقُرُونِ‏ الْخَالِيَةِ الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا- وَ أَصَابُوا غِرَّتَهَا وَ أَفْنَوْا عِدَّتَهَا- وَ أَخْلَقُوا جِدَّتَهَا وَ أَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً- وَ أَمْوَالُهُمْ مِيرَاثاً لَا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ- وَ لَا يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ وَ لَا يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ- فَاحْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ- مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ- لَا يَدُومُ رَخَاؤُهَا- وَ لَا يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا وَ لَا يَرْكُدُ بَلَاؤُهَا

اللغة
أقول:

الحابس: المانع.

و الخالس: المختطف.

و التكنّف: الإحاطة.

و الطيّات: جمع طيّة بالكسر، و هى منزل السفر.

و الواتر: الّذي يوجب لغيره الوتر و هو الذحل و الحقد.

و الغوائل: المصايب يأتي على غرّة، جمع غايلة.

و المعابل: جمع معبل بكسر الميم و هى نصل طويل عريض.

و عدوته بفتح العين: ظلمه.

و نبا السيف: إذا لم يؤثّر في الضربة.

و الظلل: جمع ظلّة، و هو السحاب.

و الاحتدام: شدّة الحدّة و الغيظ.

و الإرهاق: الإعجال، و يروى بالزاي.

و الجشوبة بالجيم: غلظ الطعام.

و النجىّ: القوم يتناجون.

و الندىّ: القوم يجتمعون في النادى، و هو المجتمع.

و لا يحفلون: لا يبالون، و الاحتفال بالشي‏ء: الاعتناء به.

المعنى
و في الفصل مقاصد:
الأوّل. التنبيه على فضيلة تقوى اللّه بأوصاف:
الأوّل: كونها مفتاح سداد،
و لمّا كان السداد هو الصواب و العدل في القول و العمل، و كان ذلك هو غاية الدين و الطريق المسلوك إلى اللّه، و كانت تقوى اللّه تعود إلى خشيته المستلزمة للإعراض عن مناهيه استعار لها لفظ المفتاح باعتبار كونها سببا للاستقامة على الصواب و القصد في صراط اللّه المستقيم إلى ثوابه المقيم الّذي أفضل المطالب كما أنّ المفتاح سبب الوصول إلي ما يخزن من‏ الأموال النفيسة.
الثاني: كونها ذخيرة معاد
و ظاهر أنّ الاستعداد لخشية اللّه و ما يستلزمه من الكمالات النفسانيّة من أنفس الذخائر المشفّع بها في المعاد.
الثالث: كونها عتقا من كلّ ملكة.
استعار لفظ العتق لخلاص النفس العاقلة من استيلاء حكم شياطينها المطيفة بها كخلاص العبد من استيلاء سيّده. ثمّ جعل التقوى نفسها عتقا مجازا إطلاق لاسم السبب على المسبّب. إذ كانت التقوى سببا لذلك الخلاص المستعار له لفظ العتق.
الرابع: و نجاة من كلّ هلكة.
أطلق عليها لفظ النجاة مجازا كالعتق لكونها سببا لنجاة الناس من الهلكات الاخرويّة و عقوبات الآثام، و ربّما كانت التقوى سببا للنجاة من مخاوف دنيويّة لولاها لحقت.
الخامس: بها ينجح الطالب.
أمّا لثواب اللّه في الآخرة فظاهر، و أمّا في الدنيا فلما نشاهده من اتّخاذ كثير من الناس شعار المتّقين ذريعة إلى مطالبها و نجاح مساعيهم و إقبال الدنيا عليهم،
السادس: و ينجو الهارب
أى من عذاب اللّه و هو ظاهر.
و السابع: و تنال الرغائب،
و هو كقوله: و ينجح الطالب، و في كلّ قرينتين من القرائن الستّ من أوّل الفصل السجع المتوازى.

المقصد الثاني: التنبيه على وجوب العمل الصالح المطلوب للّه. و مبادرته باعتبارات:
الأوّل: أنّهم في وقت العمل و إمكان رفعه إلى اللّه
دون ما بعد الموت، و الواو في قوله: و العمل. للحال.
الثاني: في وقت قبول التوبة
منهم و الإقلاع من موبقات الآثام.
الثالث: في وقت استماع الدعاء
و قبوله فإنّ شيئا من ذلك لا ينفع بل لا يمكن بعد الموت.
الرابع: و الحال هادئة.
أى حال الإنسان في الدنيا فإنّ حاله حين الموت‏ و ما بعده في غاية الاضطراب.
الخامس: و الأقلام جارية
أي أقلام الحفظة، و فائدة الإعلام بالعمل في حال جريان الأقلام التنبيه على وقت الأعمال الخيريّة و إمكانها حين تكتب و ترفع إلى اللّه: أى فاعملوا في الحال المذكورة ما دامت أقلام الكرام الكاتبين جارية لتكتب أعمالكم.

المقصد الثالث: حثّهم على المبادرة إلى الأعمال الخيريّة باعتبارات:
أحدها: أنّ أعمارهم الّتي هى محل الأعمال في معرض الانتكاس
و الرجوع إلى الحالة المنافية للتكليف و هى الهرم المستلزم لضعف العقل و البنية و نقصانهما و الرجوع إلى حال الطفل في ذلك كقوله تعالى وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ«» فينبغي أن يبادر ذلك بالأعمال الصالحة الممكنة فيه.
الثاني: أنّ أبدانهم في معرض التغيير و التبديل بالصحة الّتي هى مظنّة العمل مرضا
و هو مظنّة بطلان العمل و امتناعه فينبغى أن يبادر الصحّة بالعمل قبل الحبس عنه بالمرض.
الثالث: أن يبادر ما هو أعظم من ذلك و هو الموت
الّذى لا بدّ منه، و استعار لفظ الخالس له باعتبار أخذه للأعمار على غرّة و غفلة من أهلها كالمختلس للشي‏ء عن يد غيره.
ثمّ نبّه على وجوب العمل للموت و لما بعده بأوصافه المخوّفة:
أحدها: كونه هادم لذّاتهم الدنيويّة
و هو ظاهر، و نحوه قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أكثروا من ذكر هادم اللذّات.
الثاني
كونه مكدّر شهواتهم.
الثالث: كونه مباعد طيّاتهم،
و استعار لفظ الطيّات لمنازل السفر إلى الآخرة بالموت عن الدنيا و أهلها فإنّ الآخرة أبعد منزل عن الدنيا.
الرابع: استعار لفظ الزائر باعتبار هجومه على الإنسان
و لمّا كان من شأن الزائر أن يكون محبوبا ميّزه بكونه غير محبوب لتحصل النفرة عنه و تفرغ‏ إلى العمل له.
الخامس :استعار له لفظ القرن بوصف كونه غير مغلوب ليهتّم بالاستعداد له.
السادس: استعار لفظ الواتر بوصف كونه غير مطلوب
أى من شأنه أن يوتر القلوب و لا يمكن أن يطلب بوتر و لا ينتصف منه ملاحظة لشبهه بالرجل البالغ في الشجاعة بحيث لا يغلب.
السابع:استعار لفظ الحبائل للأوصاب و الأمراض البدنيّة الّتي هى داعية الموت و مؤدّية إليه كحبالة الصايد، و رشّح بوصف الإعلاق.
الثامن:و تكنّفتكم غوائله: أى أحاطت بكم مصائبه.
التاسع
استعار لفظ المعابل للآفات الداعية إلى الموت أيضا باعتبار كونها موذية أو قاتلة كالنصال، و رشّح بذكر الإقصاد.
العاشر
استعار لفظ السطوة له ملاحظة لشبهه بالسلطان القاهر أو السبع الضارى في قوّة أخذه و شدّة بطشه.
الحادى عشر
كذلك لفظ العدوة له باعتبار كون أخذه على غير حقّ له كالظالم.
فان قلت: إذا كانت حقيقة الظلم هى الأخذ بغير حقّ و هذا الحدّ صادق في محلّ الموت فوجب أن يكون لفظ العدوة هنا حقيقة لا استعارة.
قلت: لفظ الأخذ إنّما يصدق حقيقة على ذى الحياة و إن سلّمنا صدقه على غيره لكنّ الأخذ بغير حقّ ليس هو حقيقة الظلم بل الأخذ بغير حقّ لمن يكون من شأنه أن يكون له حقّ، و ذلك مختصّ بالعقلاء فسلب الحقّ عمّن له اللفظ حقيقة هو سلب الملكة. و عمّاله اللفظ مستعارا هو السلب المطلق.
الثاني عشر
و كذلك لفظ النبوة لعدم تأثيره ملاحظة لشبهه بالسيف القاطع و وصفها بالقلّة. و راعى في كلّ ثلاث قرائن من هذه التسع السجع المتوازى.
الثالث عشر
استعار لفظ الظلّ للأمراض و العلل الداعية إلى الموت استعارة لفظ المحسوس بالبصر للمتخيّل ملاحظة لشبهها بالسحاب المظلّ واصفا بالدواجى.
إذ كان الكلام في معرض التخويف، و السحاب المظلم أشدّ رهبة في القلوب من غيره و يقرب منه قوله تعالى وَ إِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ«» و هو شروع في التخويف بنزول الموت.
الرابع عشر
و كذلك استعار وصف الاحتدام لعلله ملاحظة لشبهها في نزولها بالرجل المستشيط غضبا في قوّة الأخذ.
الخامس عشر
استعار لفظ الحنادس لما يتوهّمه الإنسان من الظلم في غمرات الموت و سكراته.
السادس عشر
و كذلك لفظ الغواشى لما يعرض عند سكرات الموت من العوارض المانعة من الإدراك، المغشية لآلاته.
السابع عشر
و أليم إرهاقه: أى إعجاله المؤلم.
الثامن عشر
و دجّو إطباقه. استعار لفظ الإطباق لحالاته المتزايدة و سكراته المتضاعفة الّتي بتضاعفها يزداد آلات إدراكه بعدا و انقطاعا عن المدركات الدنيويّة، و باعتبار انقطاع الإدراك بسبب تلك الحالات وصفها بالدجوّ و شدّة الظلمة، و يحتمل أن يريد بإطباقة إطباق القبور.
التاسع عشر
استعار لفظ مذاقه لوجدانه باعتبار المشاركة في الإدراك، و باعتبار شدّة ايلامه وصفه بالجشوبة.
العشرون: التخويف بإتيانه بغتة
و كأن هى المخفّفة من كأنّ و الاسم ضمير الشأن، و لمّا كانت كأنّ للتشبيه و كان التشبيه يستلزم المقاربة بين المشبّه و المشبّه به في وصف ما و هو وجه الشبه كان المشبّه هنا هو حال الموت من جهة ما هو منتظر لا بدّ منه، و المشبّه به هو باعتبار إتيانه و موافاته لهم، و وجه الشبه هو القرب: أى قرب المنتظر الّذي لا بدّ منه من الواقع الموجود. إذ كلّ ما هو آت قريب. ثمّ أردف التخويف منه بذكر لوازمه المخوّفة، و هى إسكات المتناجين، و تفريق المجتمعين، و تعفية الآثار. و تعطيل الديار، و بعث‏ الوارث لاقتسام التراث. و أسند إليه البعث باعتبار أنّه سبب يلزمه انبعاث دواعى الورثة إلى اقتسام التراث لزوما عرضيّا.
و قوله: بين حميم. متعلّق بأتاكم بغتة مع ما بعده من الأفعال: أى كأنّه قد أتاكم بغتة ففعل بكم ما فعل من إسكات المتناجين و غيره بين صديق خاصّ لأحدكم لا ينفع صداقته حينئذ، و قريب محزون لا ينفع حزنه و لا يقدر على المنع عنه، و آخر عدوّ شامت لا يجزع عليه. ثمّ أردف ذكر الموت و لوازمه بالحثّ على العمل و الجدّ فيه و التأهّب و الاستعداد لنزول الموت و ما بعده و التزوّد: أى بالتقوى في منزل الزاد و هو الدنيا لأنّها المنزل الّذي لا يمكن تحصيل الزاد إلى الآخرة إلّا فيه، و لذلك أضافه إليه، ثمّ بالنهى عن الانخداع لغرور الدنيا كانخداع السابقين و القرون الماضين، و استعار لفظ الدرّة لمنافع الدنيا و خيراتها، و لفظ الاحتلاب لجمعها و اقتنائها: أى الّذين فازوا بخيراتها و حصلوا عليها، و لذلك استعار لفظ الغرّة لعدم وصول حوادثها إليهم في مدّة استمتاعهم بها فكأنّها غافلة عنهم لا ترميهم بشي‏ء من المصائب فلمّا وجدوا ذلك منها أخذوا ما أخذوا و حصّلوا على ما حصّلوا. و إفناؤهم لما تعدّد فيها من مأكول و ملبوس و غيرهما ممّا يستمتع به فيغنى، و كذلك إخلاقهم لجدّتها كناية عن استمتاعهم بما أخذوا منها من صحّة و مال و غيرهما إلى انقضائه و انتهاء مدّته حتّى كأنّهم لم يبقوا من محاسنها شيئا إلّا أخلقوه. و لمّا وصف حالهم فيها بما وصف أردف ذلك بذكر غايتهم منها و هى الأحوال المذكورة بقوله: أصبحت مساكنهم أجداثا. إلى قوله: دعاهم. و خلاصة الكلام أنّكم لا تغترّوا بالدنيا كما اغترّ بها من كان قبلكم فإنّ اولئك مع أنّهم كانوا قد صادفوا غرّتها و حصّلوا منها على ما حصّلوا من خيراتها كانت غايتهم منها أن و صلوا إلى ما وصلوا من العدم فكذلك أنتم بطريق أولى. ثمّ أكّد التحذير منها بذكر أوصافها المنفّرة عنها فاستعار لها لفظ الغرارة باعتبار كونها سببا ماديّا للاغترار كما سبق، و لمّا كان الخداع هو المشورة بأمر ظاهره مصلحة و باطنه مفسدة و كان‏ ظهور زينة الحياة الدنيا للناس يشبه الرأي المحمود في الظاهر اتّباعها، و كانت تلك الزينة و اتّباعها لما فيها من الفتنة بها عن سبيل اللّه الّذي هو عين المفسدة تشبه المفسدة في باطن الرأى لا جرم أشبه ظهور زينتها الخداع فاستعار لها لفظ الخدوع بذلك الاعتبار، و كذلك استعار لفظ المعطية، و لفظ المنوع باعتبار كونها سببا ماديّا للانتفاع بما فيها من خيراتها و سببا ماديّا لمنعه، و كذلك لفظ الملبسة النزوع، و راعى في هاتين القرينتين المقابلة، و فايدتها ههنا التنفير عمّا يتوهّم فيها خيرا ممّا تعطيه و تلبسه بذكر استعقابها لمقابلتهما من منعها لما تعطيه و نزعها ممّا تلبسه، و لذلك أكّده بقوله: لا يدوم رخاؤها. إلى آخره، و لمّا كان رخاؤها من صحّة و شباب و مال و جاه و نحوها من سائر الملذّات البدنيّة حوادث مشروطة باستعدادات سابقة عليها و معدّات غير مضبوطة كثيرة حادثة و غير حادثة سريعة التغيّر أو بطيئة لا جرم كان من شأن ذلك الرخاء التغيّر و الانقطاع، و ظاهر أنّ انقطاع رخائها حالا فحالا مستلزم لعدم انقضاء عنائها و متاعبها، و تواتر بلائها. و استعار لبلاء الدنيا وصف عدم الركود ملاحظة لشبهه بالريح دائمة الحركة لكونه دايما.

القسم الثاني منها فى صفة الزهاد.
كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا- فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ- وَ بَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ- تَقَلَّبُ أَبْدَانِهِمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْآخِرَةِ- وَ يَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ- وَ هُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ

اللغة
أقول:

ظهراني: بفتح النون.

و الإشارة إلى بعض أصحابه الّذين درجوا قبله.

المعنى
و قوله: كانوا قوما. إلى قوله: أهلها.

قضيّتان ظاهرهما التناقض لكن قد علمت أنّ المطلقتين لا يتناقضان، و اختلافهما يحتمل أن يكونا بالموضوع أو بالإضافة فإنّهم من أهل الدنيا بأبدانهم و مشاركاتهم الضروريّة لأهلها في الحاجة إليها و ليسوا من أهلها بقلوبهم. إذ خرجوا عن ملاذّها و نعيمها و استغرقوا في محبّة اللّه و ما أعدّ لأوليائه الأبرار في دار القرار فهم أبدا متطلّعون إليه و شاهدون لأحوال الآخرة بعيون بصائرهم كما قال عليه السّلام فيما قبل في صفتهم: فهم و الجنّة كمن قد رآها فهم فيها متنعّمون، و هم و النار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون. و من كان كذلك فحضوره القلبىّ إنّما هو في تلك الدار فكان بالحقيقة من أهلها. و قوله: عملوا فيها بما يبصرون. أى كان سعيهم و حركاتهم البدنيّة و النفسانيّة في سبيل اللّه ببصيرة و مشاهدة لأحوال تلك الطريق و ما تفضى إليه من السعادة الباقية، و علم بما يستلزمه الانحراف عنها من الشقاوة اللازمة الدائمة، و الباء للتسبّب. و ما مصدريّة، و يحتمل أن تكون بمعنى الّذي: أى بالّذي يبصرونه و يشاهدونه من تلك الأحوال فإنّ علمهم اليقين بها هو السبب القائد و الحامل لهم في تلك الطريق و على سلوكها. و قوله: و بادروا فيها ما يحذرون. و المبادرة المسابقة و المعاجلة و هى مفاعلة من الطرفين، و المراد أنّهم سابقوا ما يحذرون من عذاب اللّه المتوعّد في الآخرة كأنّه سابق لهم إلى أنفسهم و هم مسابقوه إلى خلاصها فسبقوه إلى النجاة. إذ كانوا راكبين لمطاياها، و متمسّكين بعصمها و هى أوامر اللّه و حدوده. و قوله: تقلّب. إلى قوله: الآخرة. أى تتقلّب. فحذف إحدى التائين تخفيفا. فالمعنى أنّ دأبهم معاشرة أهل الآخرة و العاملين لها دون أهل الدنيا، و قيل: يحتمل أن يريد بأهل الآخرة سائر الناس لأنّ مستقرّهم الأصلى و دار قرارهم هى الآخرة كما قال تعالى وَ إِنْ‏ يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ«» و المعنى على هذا الوجه أنّهم مع الناس بأبدانهم فقط تتقلّب بينهم و أرواحهم في مقام آخر. و قوله: يرون. إلى آخره. الغرض الفرق بينهم و بين أهل الدنيا. إذ كان أهل الدنيا لا يرون أنّ وراء أبدانهم كمالا آخر فكانوا غافلين عن أحوال الآخرة من سعادة أو شقاوة فكان أعظم محبوباتهم بقاء أجسادهم و تكميلها، و أعظم منفور عنه لهم نقصانها و موتها: أمّا المتّقون فهم و إن كانوا يرونهم بتلك الحال إلّا أنّهم يرون أفضل ممّا يرون، و هو أنّ موت قلوبهم و فقدانها للحياة بالعلم و الحكمة أعظم من موت أجسادهم، و ذلك لعلمهم بفساد الحياة البدنيّه و انقطاعها و كدرها بعوارض الأمراض و ساير المغضبات الدنيويّة، و بقاء الحياة النفسانيّة و شرف كمالها و صفاء لذّاتها عن الأقدار و الأكدار. و إنّما قال: قلوب أحيائهم، و لم يقل: قلوبهم لأنّ موت القلوب قد يكون حقيقه بموت الأجساد، و قد يكون مجازا و هو موتها بفقدان العلم و نور الحكمة مع حياة أجسادها فكان ذكر الأحياء كالقرينة المعيّنة لمراده بذلك الموت مجازا، و الضمير في قوله: أحيائهم يعود إلى أهل الدنيا لأنّ موت القلوب هو الواقع بهم حال حياة أبدانهم، و يحتمل عوده إلى قوله: و هم. الّذي هو ضمير المتّقين. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 100

 

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.