خطبه111شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ- وَ النِّعَمَ بِالشُّكْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى آلَائِهِ- كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلَائِهِ- وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ- عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ- السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ- وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ- وَ أَحْصَاهُ كِتَابُهُ عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ- وَ كِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ- وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ- وَ وَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ- إِيمَاناً نَفَى إِخْلَاصُهُ الشِّرْكَ وَ يَقِينُهُ الشَّكَّ- وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- ص شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ وَ تَرْفَعَانِ الْعَمَلَ- لَا يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ- وَ لَا يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ عَنْهُ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- الَّتِي هِيَ الزَّادُ وَ بِهَا الْمَعَاذُ- زَادٌ مُبْلِغٌ وَ مَعَاذٌ مُنْجِحٌ- دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ- وَ وَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ- فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا وَ فَازَ وَاعِيهَا- عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ مَحَارِمَهُ- وَ أَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ- حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ- فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ وَ الرِّيَّ بِالظَّمَإِ- وَ اسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ- وَ كَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلَاحَظُوا الْأَجَلَ- ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ وَ غِيَرٍ وَ عِبَرٍ- فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ- لَا تُخْطِئُ سِهَامُهُ- وَ لَا تُؤْسَى جِرَاحُهُ يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ- وَ الصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ- وَ النَّاجِيَ بِالْعَطَبِ- آكِلٌ لَا يَشْبَعُ وَ شَارِبٌ لَا يَنْقَعُ- وَ مِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ- وَ يَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُ- ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى- لَا مَالًا حَمَلَ وَ لَا بِنَاءً نَقَلَ- وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً- وَ الْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً- لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا نَعِيماً زَلَّ وَ بُؤْساً نَزَلَ- وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ- فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ- فَلَا أَمَلٌ يُدْرَكُ- وَ لَا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ- فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا- وَ أَظْمَأَ رِيَّهَا وَ أَضْحَى فَيْئَهَا- لَا جَاءٍ يُرَدُّ وَ لَا مَاضٍ يَرْتَدُّ- فَسُبْحَانَ اللَّهِ- مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ- وَ أَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لِانْقِطَاعِهِ عَنْهُ- إِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا عِقَابُهُ- وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا ثَوَابُهُ- وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ- وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ- فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ- وَ مِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا- وَ زَادَ فِي الْآخِرَةِ- خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الْآخِرَةِ- وَ زَادَ فِي الدُّنْيَا- فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَ مَزِيدٍ خَاسِرٍ- إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ- وَ مَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ- فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ وَ مَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ- قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ- وَ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ- فَلَا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ- أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ- مَعَ أَنَّهُ وَ اللَّهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُّ- وَ دَخَلَ الْيَقِينُ- حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ- وَ كَأَنَّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ- فَبَادِرُوا الْعَمَلَ وَ خَافُوا بَغْتَةَ الْأَجَلِ- فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ- مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ- مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ- وَ مَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ- لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ- الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي وَ الْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي- فَ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ- وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏

اللغة

أقول: لا توسى: أى لا تداوى. و لا ينقع: لا يسكن عطشه. و أضحى: برز لحرّ الشمس.

و في الخطبة لطائف:
الاولى: أنّه صدّر الخطبة بحمد اللّه تعالى باعتبارين:
أحدهما: وصله حمد حامديه بإفاضة نعمه عليهم
كما قال تعالى «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» و سرّه أنّ العبيد يستعدّ بشكر النعمة.
الثاني: وصله النعم الّتى يفيضها على عباده
بإفاضة الاعتراف بها على أسرار قلوبهم، و قد علمت: أنّ الاعتراف بالنعم هي حقيقة الشكر فظهر إذن معنى وصله النعم بالشكر، و إنّ الشكر و التوفيق له نعم اخرى كما سبقت الإشارة إليه في الخطبة الاولى، و يحتمل أن يريد الشكر منه تعالى لعباده الشاكرين كما قال تعالى «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ» و ظاهر أنّ وصله نعمه بشكره في نهاية التفضّل و الإنعام فإنّ الإحسان المتعارف يستتبع الشكر من المحسن إليه فأمّا من المحسن فذلك تفضّل آخر و رتبة أعلى.

الثانية: أنّه نبّه بتسويته بين حمده على النعماء و حمده على البلاء
تنبيها منه على وجوب ذلك لأنّ النعمة قد تكون بلاءا من اللّه كما قال تعالى «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً» و البلاء منه أيضا نعمة يستحقّ به الثواب الآجل، و سبب النعمة نعمة، و بهذا الاعتبار يجب الشكر على البلاء أيضا كما يجب على النعماء. إذ الكلّ نعمة.

الثالثة: نبّه على وجوب استعانته تعالى على النفوس
و ذكر ما لأجله الاستعانة عليها و هو كونها بطاء عمّا امرت به من سائر التكاليف. و ذلك لحاجة النفوس إلى مقاومة الطبيعة سراعا إلى ما نهيت عنه من المعاصى، و ذلك لموافقتها مقتضى الطبيعة.

الرابعة: نبّه على وجوب طلب المغفرة من اللّه لكلّ ذنب صغير أو كبير
ممّا أحاط به علمه و أحصاه كتابه المبين و لوحه المحفوظ- جبرئيل الأمين- علما أحاط بكلّ شي‏ء و كتابا غير مغادر لشي‏ء.

الخامسة: إنّما خصّ إيمان من عاين الغيوب و وقف على الموعود
أى وقف على ما وعد به المتّقون بعين الكشف لكونه أقوى درجات الإيمان فإنّ من الإيمان ما يكون بحسب التقليد، و منه ما يكون بحسب البرهان و هو علم اليقين، و أقوى منه الإيمان بحسب الكشف و المشاهدة و هو عين اليقين، و ذلك هو الإيمان الخالص فيه و بحسب الإخلاص فيه يكون نفى الشرك، و بحسب يقينه يعنى اعتقاد أنّ الأمر كذا مع اعتقاد أنّه لا يمكن أن يكون إلّا كذا يكون نفى الشكّ، و قد علمت أنّه عليه السّلام من أهل هذه المرتبة.

السادسة: كون الشهادتين تصعدان القول و ترفعان العمل
و ذلك أنّ إخلاص الشهادتين أصل لقبول الأقوال و الأعمال الصالحة لا يصعد إلى اللّه قول و عمل لا تكونان أصلا له، و أشار إلى ذلك بقوله: لا يخفّ ميزان توضعان فيه و لا يثقل ميزان ترفعان عنه. و قد أشرنا إلى معنى الوزن فيما سبق و سنزيده بيانا إنشاء اللّه تعالى.

السابعة: أراد بكون تقوى اللّه هى الزاد
أنّها الزاد المبلّغ و أنّ بها المعاد: أى المعاد المنجح، و لذلك أوردهما تفسيرا.

الثامنة: أراد بأسمع داع
أشدّ الداعين إسماعا و تبليغا و هو الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أراد بخير واع المسارعين إلى داعى اللّه الّذين هم أفضل القوابل الإنسانيّة.

التاسعة: وصف ما يستلزم تقوى اللّه من الآثار في أولياء اللّه
و وصف الليالى بالسهر، و الهواجر بالظماء لكونهما ظرفين. فالليالى لقيام الصلاة و النهار للصوم فكان مجازا من باب إطلاق صفة المظروف على الظرف، و هو كقولهم: نهاره صائم و ليله قائم، و أخذهم الراحة: أى في الآخرة بالنصب: أى بتعب الأبدان من القيام، و الرىّ من عين تسمّى سبيلا بالاستعداد بظمأ الصيام، و الفاء في فبادروا و لاحظوا للتعليل فإنّ استقراب الأجل مستلزم للعمل له و لما بعده، و كذلك تكذيب الأمل و انقطاعه ملازم لملاحظة الأجل.

العاشرة. ذكر مذامّ الدنيا إجمالا
و هو كونها دار فناء و عناء و غير و عبر.
ثمّ أعقب ذلك الإجمال بتفصيل كلّ جملة و ذلك إلى قوله: و لا مؤمّل يترك. و استعار لفظ الإيتار لإيتار الدهر، و رشّح بذكر القوس، و وجه الاستعارة أنّ الدهر كما يرمى بمصائبه المستندة إلى القضاء الإلهىّ الّذي لا يتغيّر كما يرمى الرامى الّذي لا يخطى‏ء، و كذلك استعار لفظ الجراح لنوائب الدهر لاشتراكهما في الإيلام، و رشّح بذكر عدم المداواة، و كذلك استعار له لفظ الآكل و الشارب عديمى الشبع و الرىّ، و وجه المشابهة كونه يأتي على الخلق فيفنيهم كما يأتي الآكل و الشارب المذكوران على الطعام و الشراب فيفنيانهما، و أراد بالمرحوم الّذي يرى مغبوطا أهل المسكنة و الفقر الّذي يتبدّل فقرهم بالغنى فيغبطون، و بالمغبوط الّذي يرى مرحوما أهل الغنى المتبدّلين به فقرا بحسب تصاريف الدهر فيصيروا في محلّ الرحمة، و قوله: ليس ذلك إلّا نعيما زلّ: أى عن المغبوطين و بؤسا نزل بهم.

الحادية عشر: نسب الغرور إلى سرورها و الظماء إلى ريّها و الضحى إلى فيئها،
و أتى بلفظ التعجّب، و كنّى بريّها عن استتمام لذّاتها، و بفيئها عن الركون إلى قنياتها و الاعتماد عليها، و وجه هذه النسب أنّ سرورها و فيئها هي الصوارف عن العمل للآخرة و الملفتات عن الإقبال على اللّه فكان سرورها أقوى سبب للغرور بها، و ريّها و فيئها أقوى الأسباب لظماء منهمك فيها من شراء الأبرار و أوجب لأبراره إلى حرّ الجحيم فلهذه النسبة جازت إضافة الغرور و الظماء و الضحى إلى سرورها و ريّها و فيئها و قوله: لا جاء يردّ: أى من آفات الدهر كالموت و القتل و نحوهما، و لا ماض يرتدّ: أى من الأموات و الفائت من القنيات.

الثانية عشر: قوله: أنّه ليس شي‏ء بشرّ من الشرّ إلّا عقابه. إلى قوله: سماعه.
يحتمل أن يريد الشرّ و الخير المطلقين، و يكون ذلك للمبالغة. إذ يقال للأمر الشريف و الشديد: هذا أشدّ من الشديد و أجود من الجيّد، و يحتمل أن يريد شرّ الدنيا و خيرها فإنّ أعظم شرّ في الدنيا مستحقر في عقاب اللّه، و أعظم خير فيها مستحقر بالنسبة إلى ثواب اللّه. ثمّ أكّد ذلك بأعظميّة أحوال الآخرة بالنسبة إلى أحوال الدنيا. و مصداق كلامه عليه السّلام أنّ أعظم شرّ يتصوّر الإنسان بالسماع و يستهوله و يستنكره ممّن يفعله صورة القتل و الجراح فإذا وقع في مثل تلك الأحوال و شاهدها و اضطرّ إلى المخاصمة و المحاربة سهل عليه ما كان يستصعبه منها و هان في عينه ذلك الوقع و الخوف، و كذلك لا يزال الإنسان يتخوّف المثول بين يدي الملوك و يتصوّر عظمتهم و بطشهم إلى أن يصل إلى مجالسهم فإنّه يجد من نفسه زوال ذلك الخوف. فكانت مشاهدة ما كان يتصوّره شرّا عظيما أهون عنده من وصفه و السماع له، و كذلك حال الخير فإنّ الإنسان لا يزال يحرص على تحصيل الدرهم و الدينار و غيرهما من سائر مطالب الدنيا، و يكون قلبه مشغولا بتحصيله فرحا بانتظار وصوله فإذا وصل إليه هان عليه. و هو أمر وجدانىّ، و أمّا أحوال الآخرة فالّذي يسمعه من شرورها و خيراتها إنّما يلاحظها بالنسبة إلى خيرات الدنيا و شرورها، و ربّما كانت في اعتبار أكثر الخلق أهون من خيرات الدنيا و شرورها لقرب الخلق من المحسوس و قرب الدنيا منهم و ذوقهم لها دون الآخرة مع قيام البرهان العقلىّ على ضعف الأحوال الحاضرة من خير و شرّ بالقياس إلى أحوال الآخرة فلذلك كان عيان أحوالها أعظم من سماعها. و إذا كانت الحال كذلك فينبغى أن يكتفى من العيان بالسماع، و من الغيب بالخبر حيث لا يمكن الاطّلاع على الغيب و مشاهدة العيان لتلك الأحوال في هذه العالم. ثمّ نبّه على أفضليّة الآخرة بأنّ ما زاد فيها ممّا يقرّب إلى اللّه تعالى فإن استلزم نقصان الدنيا من بذل مال أو جاه خير من العكس. و بيان هذه الخيريّة كون خيرات الدنيا في معرض الزوال مشوبة بالأوجاع و الأوجال (الأوحال خ) و كون تلك باقية على كلّ حال مع كونها في نهاية الكمال، و ضرب المثل بأكثريّة المنقوص من الدنيا الرابح في الآخرة، و هم أولياء اللّه و أحبّائه الّذين اشترى منهم أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة، و بأكثريّة المزيد الخاسر الّذين يكنزون الذهب و الفضّة و لا ينفقونها في سبيل اللّه فبشّرهم بعذاب أليم. ثمّ أكّد الحثّ على سلوك طريق الآخرة ببيان اتّساعها بالنسبة إلى طريق الدنيا. فقال: إنّ الّذي امرتم به أوسع من الّذي نهيتم عنه، و ذلك ظاهر فإنّ كبائر ما نهينا عنه خمس: القتل. و في الحلم و العفو و الصبر الّتى هى من أشرف الأخلاق المحمودة سعة عنه. ثمّ الظلم. و في العدل و الاقتصار على تناول الامور المباحة الّتى هى أكثر و أوسع سعة عنه. ثمّ الكذب الّذي هو رأس النفاق و عليه يبتنى خراب العالم. و في المعاريض و الصدق الّذي هو بضدّه في عمارة العالم مندوحة عنه. ثمّ الزنا. و لا شكّ أنّ في سائر وجوه النكاحات مع كثرتها و سلامتها عن المفاسد اللازمة عن الزنا سعة عنه. ثمّ شرب الخمر الّتى هى امّ الخبائث و منشأ كثير من الفساد. و في تركها إلى ما أفعالها الّتى تدّعى كونها محمودة من سائر الأشربة و غيرها معدل عنها و سعة. و كذلك قوله: و ما أحلّ لكم أكثر ممّا حرّم عليكم فانّ الواجب و المندوب و المباح و المكروه يصدق على جميعها اسم الحلال، و هى أكثر من الحرام الّذي هو قسم واحد من الأحكام ثمّ لمّا نبّه على وجه المصلحة في ترك المنهىّ و المحرّم أردف ذلك بالأمر بتركهما لأنّ العقل إذا لاحظ طريقا مخوفا واحدا بين طرق كثيرة آمنة اقتضى العدول عن المخوفة لضرورته.

الثالثة عشر: نبّه بالنهى عن ترجيح طلب الرزق على الاشتغال بفرائض اللّه،
و على أنّ الاشتغال بها أولى بكون الرزق مضمونا. فالسعى في تحصيله يجرى مجرى تحصيل الحاصل. ثمّ أردف ذلك بما يجرى مجرى التوبيخ للسامعين على ترجيحهم طلب الرزق على الاشتغال بالفرائض فأقسم أنّ ذلك منهم عن اعتراض الشكّ لهم فيما تيقّنوه من تكفّل اللّه سبحانه بأرزاقهم و وعده و ضمانه لهم بقوله «وَ فِي السَّماءِ
رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ» أى في سماء جوده، و قد علمت أنّ الجدّ في طلب الرزق يستند إلى ضعف التوكّل على اللّه و هو مستند إلى ضعف اليقين فيه و سوء الظنّ به، و ذلك يستلزم استناد العبد إلى نفسه و توكّله عليها. و جعلهم في طلب الرزق كمن تيقّن المضمون له مفروضا طلبه عليه، و المفروض عليه طلبه موضوعا عنه. مبالغة في قلّة احتفالهم بفرائض اللّه عليهم و اشتغالهم عنها بطلب الدنيا.

الرابعة عشر: نبّه على وجوب المحافظة على العمر بالعمل فيه للآخرة
و على أولويّة مراعاته بالنسبة إلى مراعاة طلب الرزق بكون العمر لا يرجى من رجعته ما يرجى من رجعة الرزق فإنّ العمر في تقضّ و نقصان، و ما فات منه غير عائد بخلاف الرزق فإنّه يرجى زيادته و جبران ما نقص منه في الماضى، و لمّا كان العمر الّذي من شأنه أن لا يعود ما فات منه طرفا للعمل و يفوت بفواته وجب تدارك العمل بتداركه، و قوله: الرجاء مع الجائى. يريد الرزق، و اليأس مع الماضى. يريد العمر.
و هو مؤكّد لما قبله.

الخامسة عشر: أنّه ختم بالآية اقتباسا من نور القرآن
و وجه هذه الاقتباس أنّه لمّا كان الكلام في معرض جذب السامعين إلى العمل الّذي هو سبب تطويع النفس الأمّارة بالسوء للنفس المطمئنّة الّذي هو جزء من الرياضة، و كان التقوى عبارة عن الزهد في الدنيا الّذي حقيقته حذف الموانع الداخليّة و الخارجيّة عن القلب الّذي هو الجزء الثاني من الرياضة، و كان الإسلام هو الدين الحقّ المركّب من ذينك الجزئين لا جرم حسن إيراد الآية المشتملة على الأمر بالتقوى و الموت على الإسلام بعد الأمر بالعمل ليكون ذلك أمرا بإكمال الدين و إتمامه. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 98

 

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.