خطبه 67 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(ذكر محمد بن أبي بكر )

67 و من كلام له ع لما قلد محمد بن أبي بكر مصر- فملكت عليه و قتل

وَ قَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةَ مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ- وَ لَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَمَا خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ- وَ لَا أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ- بِلَا ذَمٍّ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ- فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً وَ كَانَ لِي رَبِيباً

ذكر محمد بن أبي بكر و ذكر ولده

أم محمد بن أبي بكر أسماء بنت عميس بن النعمان- بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم- كانت تحت جعفر بن أبي طالب- و هاجرت معه إلى الحبشة- فولدت له هناك عبد الله بن جعفر الجواد- ثم قتل عنها يوم مؤتة فخلف عليها أبو بكر الصديق- فأولدها محمدا ثم مات عنها- فخلف عليها علي بن أبي طالب- و كان محمد ربيبه و خريجه- و جاريا عنده مجرى أولاده- رضع الولاء و التشيع مذ زمن الصبا فنشأ عليه- فلم يكن يعرف له أبا غير علي- و لا يعتقد لأحد فضيلة غيره حتى-قال علي ع محمد ابني من صلب أبي بكر- و كان يكنى أبا القاسم في قول ابن قتيبة- و قال غيره بل كان يكنى أبا عبد الرحمن- .

و كان محمد من نساك قريش- و كان ممن أعان على عثمان في يوم الدار- و اختلف هل باشر قتل عثمان أم لا- و من ولد محمد القاسم بن محمد بن أبي بكر- فقيه الحجاز و فاضلها- و من ولد القاسم عبد الرحمن بن القاسم بن محمد- كان من فضلاء قريش و يكنى أبا محمد- و من ولد القاسم أيضا أم فروة- تزوجها الباقر أبو جعفر محمد بن علي- فأولدها الصادق أبا عبد الله جعفر بن محمد ع- و إلى أم فروة أشار الرضي أبو الحسن بقوله-

يفاخرنا قوم بمن لم نلدهم
بتيم إذا عد السوابق أو عدي‏

و ينسون من لو قدموه لقدموا
عذار جواد في الجياد مقلد

فتى هاشم بعد النبي و باعها
لمرمي علا أو نيل مجد و سؤدد

و لو لا علي ما علوا سرواتها
و لا جعجعوا فيها بمرعى و مورد

أخذنا عليكم بالنبي و فاطم
طلاع المساعي من مقام و مقعد

و طلنا بسبطي أحمد و وصيه‏
رقاب الورى من متهمين و منجد

و حزنا عتيقا و هو غاية فخركم
بمولد بنت القاسم بن محمد

فجد نبي ثم جد خليفة
فأكرم بجدينا عتيق و أحمد

و ما افتخرت بعد النبي بغيره
يد صفقت يوم البياع على يد

قوله-
و لو لا علي ما علوا سرواتها

البيت- ينظر فيه إلى قول المأمون في أبيات يمدح فيها عليا- أولها

الأم على حبي الوصي أبا الحسن
و ذلك عندي من أعاجيب ذا الزمن‏

و البيت المنظور إليه منها قوله-

و لولاه ما عدت لهاشم إمرة
و كان مدى الأيام يعصى و يمتهن‏

هاشم بن عتبة بن أبي وقاص و نسبه

و أما هاشم بن عتبة بن أبي وقاص- مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة- بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب- فعمه سعد بن أبي وقاص أحد العشرة- و أبوه عتبة بن أبي وقاص- الذي كسر رباعية رسول الله ص يوم أحد- و كلم شفتيه و شج وجهه- فجعل يمسح الدم عن وجهه-و يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم- و هو يدعوهم إلى ربهم- فأنزل الله عز و جل- لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ- فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ- . و قال حسان بن ثابت في ذلك اليوم-

إذا الله حيا معشرا بفعالهم
و نصرهم الرحمن رب المشارق‏

فهدك ربي يا عتيب بن مالك‏
و لقاك قبل الموت إحدى الصواعق‏

بسطت يمينا للنبي محمد
فدميت فاه قطعت بالبوارق‏

فهلا ذكرت الله و المنزل الذي‏
تصير إليه عند إحدى الصعائق‏

فمن عاذري من عبد عذرة بعد ما
هوى في دجوجي شديد المضايق‏

و أورث عارا في الحياة لأهله
و في النار يوم البعث أم البوائق‏

و إنما قال عبد عذرة- لأن عتبة بن أبي وقاص و إخوته و أقاربه في نسبهم كلام- ذكر قوم من أهل النسب أنهم من عذرة- و أنهم أدعياء في قريش- و لهم خبر معروف و قصة مذكورة في كتب النسب- . و تنازع عبد الله بن مسعود و سعد بن أبي وقاص- في أيام عثمان في أمر فاختصما- فقال سعد لعبد الله اسكت يا عبد هذيل فقال له عبد الله اسكت يا عبد عذرة- . و هاشم بن عتبة هو المرقال- سمي المرقال لأنه كان يرقل في الحرب إرقالا- و هو من شيعه علي و سنفصل مقتله- إذا انتهينا إلى فصل من كلامه يتضمن ذكر صفين- .

فأما قوله لما خلى لهم العرصة فيعني عرصة مصر- و قد كان محمد رحمه الله تعالى لما ضاق عليه الأمر- ترك لهم مصر و ظن أنه بالفرار ينجو بنفسه- فلم ينج و أخذ و قتل- . و قوله و لا أنهزهم الفرصة- أي و لا جعلهم للفرصة منتهزين و الهمزة للتعدية- يقال أنهزت الفرصة إذا أنهزتها غيري- . و نحن نذكر في هذا الموضع ابتداء أمر الذين- ولاهم علي ع مصر- إلى أن ننتهي إلى كيفية ملك معاوية لها- و قتل محمد بن أبي بكر- و ننقل ذلك من كتاب إبراهيم بن سعد بن هلال الثقفي- و هو كتاب الغارات‏ولاية قيس بن سعد على مصر ثم عزله
قال إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الله بن عثمان الثقفي- قال حدثني علي بن محمد بن أبي سيف عن الكلبي- أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس- هو الذي حرض المصريين- على قتل عثمان و ندبهم إليه- و كان حينئذ بمصر فلما ساروا إلى عثمان و حصروه- وثب هو بمصر على عامل عثمان عليها- و هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤي- فطرده عنها و صلى بالناس- فخرج ابن أبي سرح من مصر- و نزل على تخوم أرضها مما يلي فلسطين- و انتظر ما يكون من أمر عثمان- فطلع عليه راكب فقال له يا عبد الله ما وراءك- ما خبر الناس بالمدينة قال قتل المسلمون عثمان- فقال ابن أبي سرح إنا لله و إنا إليه راجعون- ثم صنعوا ما ذا يا عبد الله- قال بايعوا ابن عم رسول الله علي بن أبي طالب- فقال ثانية إنا لله و إنا إليه راجعون- فقال الرجل أرى أن ولاية علي عدلت عندك قتل عثمان- قال أجل فنظر إليه متأملا له فعرفه- فقال أظنك عبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير مصر قال أجل- قال إن كانت لك في الحياة حاجة فالنجاء النجاء- فإن رأي علي فيك و في أصحابك إن ظفر بكم قتلكم- أو نفاكم عن بلاد المسلمين و هذا أمير تقدم بعدي عليكم- قال و من الأمير قال قيس بن سعد بن عبادة- فقال ابن أبي سرح أبعد الله ابن أبي حذيفة- فإنه بغى على ابن عمه و سعى عليه- و قد كان كفله و رباه و أحسن إليه و أمن جواره- فجهز الرجال إليه حتى قتل و وثب على عامله- . و خرج ابن أبي سرح حتى قدم على معاوية بدمشق- .

قال إبراهيم و كان قيس بن سعد بن عبادة من شيعة علي و مناصحيه- فلما ولى الخلافة قال له سر إلى مصر فقد وليتكها- و اخرج إلى ظاهر المدينة- و اجمع ثقاتك و من‏أحببت أن يصحبك- حتى تأتي مصر و معك جند- فإن ذلك أرعب لعدوك و أعز لوليك- فإذا أنت قدمتها إن شاء الله فأحسن إلى المحسن- و اشتد على المريب- و ارفق بالعامة و الخاصة فالرفق يمن- .

فقال قيس رحمك الله يا أمير المؤمنين- قد فهمت ما ذكرت فأما الجند فإني أدعه لك- فإذا احتجت إليهم كانوا قريبا منك- و إن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كان لك عدة- و لكني أسير إلى مصر بنفسي و أهل بيتي- و أما ما أوصيتني به من الرفق و الإحسان- فالله تعالى هو المستعان على ذلك- قال فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر- فصعد المنبر و أمر بكتاب معه يقرأ على الناس- فيه من عبد الله علي أمير المؤمنين- إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين سلام عليكم- فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو- أما بعد فإن الله بحسن صنعه و قدره و تدبيره- اختار الإسلام دينا لنفسه و ملائكته و رسله- و بعث به أنبياءه إلى عباده- فكان مما أكرم الله عز و جل به هذه الأمة- و خصهم به من الفضل أن بعث محمدا ص إليهم- فعلمهم الكتاب و الحكمة و السنة و الفرائض- و أدبهم لكيما يهتدوا و جمعهم لكيلا يتفرقوا- و زكاهم لكيما يتطهروا- فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه- فعليه صلوات الله و سلامه و رحمته و رضوانه- ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرين منهم صالحين- فعملا بالكتاب و السنة و أحييا السيرة- و لم يعدوا السنة ثم توفيا رحمهما الله- فولي بعدهما وال أحدث أحداثا- فوجدت الأمة عليه مقالا فقالوا- ثم نقموا فغيروا ثم جاءوني فبايعوني- و أنا أستهدي الله الهدى و أستعينه على التقوى- ألا و إن لكم علينا العمل بكتاب الله و سنة رسوله- و القيام بحقه و النصح لكم بالغيب- و الله المستعان على ما تصفون- و حسبنا الله و نعم الوكيل-و قد بعثت لكم قيس بن سعد الأنصاري أميرا- فوازروه و أعينوه على الحق- و قد أمرته بالإحسان إلى محسنكم و الشدة على مريبكم- و الرفق بعوامكم و خواصكم- و هو ممن أرضى هديه و أرجو صلاحه و نصحه- نسأل الله لنا و لكم عملا زاكيا- و ثوابا جزيلا و رحمة واسعة- و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته- .

و كتبه عبد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست و ثلاثين- . قال إبراهيم فلما فرغ من قراءة الكتاب- قام قيس خطيبا فحمد الله و أثنى عليه- و قال الحمد لله الذي جاء بالحق- و أمات الباطل و كبت الظالمين- أيها الناس- إنا بايعنا خير من نعلم من بعد نبينا محمد ص- فقوموا فبايعوا على كتاب الله و سنة رسوله- فإن نحن لم نعمل بكتاب الله و سنة رسوله- فلا بيعة لنا عليكم- . فقام الناس فبايعوا- و استقامت مصر و أعمالها لقيس و بعث عليها عماله- إلا أن قرية منها قد أعظم أهلها قتل عثمان- و بها رجل من بني كنانة يقال له يزيد بن الحارث- فبعث إلى قيس- إنا لا نأتيك فابعث عمالك فالأرض أرضك- و لكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس- . و وثب محمد بن مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري- فنعى عثمان و دعا إلى الطلب بدمه- فأرسل إليه قيس ويحك أ علي تثب- و الله ما أحب أن لي ملك الشام و مصر و أني قتلتك- فاحقن دمك فأرسل إليه مسلمة- إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر- . و كان قيس بن سعد ذا رأي و حزم- فبعث إلى الذين اعتزلوا أني لا أكرهكم على البيعة- و لكني أدعكم و أكف عنكم- فهادنهم و هادن مسلمة بن مخلد و جبى الخراج- و ليس أحد ينازعه- .

قال إبراهيم- و خرج علي ع إلى الجمل و قيس على مصر- و رجع من البصرة إلى الكوفة و هو بمكانه- فكان أثقل خلق الله على معاوية- لقرب مصر و أعمالها من الشام- و مخافة أن يقبل علي بأهل العراق- و يقبل إليه قيس بأهل مصر فيقع بينهما- .

فكتب معاوية إلى قيس- و علي يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفين- من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد سلام عليك- فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو- . أما بعد- فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها- أو ضربة سوط ضربها أو في شتمه رجلا أو تعييره واحدا- أو في استعماله الفتيان من أهله- فإنكم قد علمتم إن كنتم تعلمون- أن دمه لم يحل لكم بذلك- فقد ركبتم عظيما من الأمر و جئتم شيئا إدا- فتب يا قيس إلى ربك إن كنت من المجلبين على عثمان- إن كانت التوبة قبل الموت تغني شيئا- و أما صاحبك فقد استيقنا أنه أغرى الناس بقتله- و حملهم على قتله حتى قتلوه- و أنه لم يسلم من دمه عظم قومك- فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان- فافعل و تابعنا على علي في أمرنا- هذا و لك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت- و لمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان- و سلني عن غير هذا مما تحب- فإنك لا تسألني شيئا إلا أتيته- و اكتب إلى رأيك فيما كتبت إليك- .

فلما جاء إليه كتاب معاوية أحب أن يدافعه- و لا يبدي له أمره و لا يعجل له حربه- فكتب إليه أما بعد فقد وصل إلي كتابك- و فهمت الذي ذكرت من أمر عثمان- و ذلك أمر لم أقاربه- و ذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان- و دسهم إليه حتى قتلوه و هذا أمر لم أطلع عليه- و ذكرت لي أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان- فلعمري إن أولىالناس كان في أمره عشيرتي- و أما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدمه- و ما عرضته علي فقد فهمته- و هذا أمر لي نظر فيه و فكر- و ليس هذا مما يعجل إلى مثله و أنا كاف عنك- و ليس يأتيك من قبلي شي‏ء تكرهه- حتى ترى و نرى إن شاء الله تعالى- و السلام عليك و رحمة الله و بركاته- . قال إبراهيم- فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقاربا مباعدا- و لم يأمن أن يكون له في ذلك مخادعا مكايدا- فكتب إليه أما بعد فقد قرأت كتابك- فلم أرك تدنو فأعدك سلما- و لم أرك تتباعد فأعدك حربا أراك كحبل الجرور- و ليس مثلي يصانع بالخداع و لا يخدع بالمكايد- و معه عدد الرجال و أعنة الخيل- فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك- و إن أنت لم تفعل ملأت مصر عليك خيلا و رجلا و السلام- .

فلما قرأ قيس كتابه- و علم أنه لا يقبل منه المدافعة و المطاولة- أظهر له ما في نفسه فكتب إليه- من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان- أما بعد فالعجب من استسقاطك رأيي- و الطمع في أن تسومني لا أبا لغيرك- الخروج من طاعة أولى الناس بالأمر- و أقولهم بالحق و أهداهم سبيلا- و أقربهم من رسول الله وسيلة- و تأمرني بالدخول في طاعتك- و طاعة أبعد الناس من هذا الأمر- و أقولهم بالزور و أضلهم سبيلا- و أدناهم من رسول الله وسيلة- و لديك قوم ضالون مضلون طواغيت من طواغيت إبليس- و أما قولك إنك تملأ علي مصر خيلا و رجلا- فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك- إنك لذو جد و السلام- . فلما أتى معاوية كتاب قيس أيس و ثقل مكانه عليه- و كان أن يكون مكانه غيره أحب إليه- لما يعلم من قوته و تأبيه و نجدته- و اشتداد أمره على معاوية- فأظهر للناس أن‏قيسا قد بايعكم فادعوا الله له- و قرأ عليهم كتابه الذي لان فيه و قاربه- و اختلق كتابا نسبه إلى قيس فقرأه على أهل الشام- . للأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد- .

أما بعد إن قتل عثمان كان حدثا في الإسلام عظيما- و قد نظرت لنفسي و ديني- فلم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم- مسلما محرما برا تقيا فنستغفر الله سبحانه لذنوبنا- و نسأله العصمة لديننا- ألا و إني قد ألقيت إليكم بالسلام- و أجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم- فاطلب مني ما أحببت من الأموال و الرجال- أعجله إليك إن شاء الله- و السلام على الأمير و رحمة الله و بركاته- . قال فشاع في الشام كلها أن قيسا صالح معاوية- و أتت عيون علي بن أبي طالب إليه بذلك- فأعظمه و أكبره و تعجب له- و دعا ابنيه حسنا و حسينا- و ابنه محمدا و عبد الله بن جعفر فأعلمهم بذلك- و قال ما رأيكم فقال عبد الله بن جعفر يا أمير المؤمنين- دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اعزل قيسا عن مصر- قال علي و الله إني غير مصدق بهذا على قيس- فقال عبد الله اعزله يا أمير المؤمنين- فإن كان ما قد قيل حقا فلا يعتزل لك أن عزلته- قال و إنهم لكذلك إذ جاءهم كتاب من قيس بن سعد فيه- أما بعد فإني أخبر يا أمير المؤمنين- أكرمك الله و أعزك- إن قبلي رجالا معتزلين سألوني أن أكف عنهم- و أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى و يرون- و قد رأيت أن أكف عنهم و لا أعجل بحربهم- و أن أتألفهم فيما بين ذلك- لعل الله أن يقبل بقلوبهم- و يفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله و السلام- . فقال عبد الله بن جعفر يا أمير المؤمنين- إنك إن أطعته في تركهم و اعتزالهم- استشرى الأمر و تفاقمت الفتنة- و قعد عن بيعتك كثير ممن تريده على الدخول فيها- و لكن مره بقتالهمفكتب إليه‏أما بعد فسر إلى القوم الذين ذكرت- فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون و إلا فناجزهم و السلام قال فلما أتى هذا الكتاب قيسا فقرأه- لم يتمالك أن كتب إلى علي- أما بعد يا أمير المؤمنين- تأمرني بقتال قوم كافين عنك- و لم يمدوا يدا للفتنة و لا أرصدوا لها- فأطعني يا أمير المؤمنين و كف عنهم- فإن الرأي تركهم و السلام- . فلما أتاه هذا الكتاب قال عبد الله بن جعفر- يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر إلى مصر- يكفك أمرها و اعزل قيسا- فو الله لبلغني أن قيسا يقول- إن سلطانا لا يتم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء- و الله ما أحب أن لي سلطان الشام مع سلطان مصر و أنني قتلت ابن مخلد- و كان عبد الله بن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمه- و كان يحب أن يكون له إمرة و سلطان- فاستعمل علي ع محمد بن أبي بكر على مصر لمحبة له و لهوى عبد الله بن جعفر أخيه فيه- و كتب معه كتابا إلى أهل مصر فسار حتى قدمها- فقال له قيس ما بال أمير المؤمنين ما غيره- أ دخل أحد بيني و بينه- قال لا و هذا السلطان سلطانك- و كان بينهما نسب- كان تحت قيس قريبة بنت أبي قحافة- أخت أبي بكر الصديق- فكان قيس زوج عمته- فقال قيس لا و الله لا أقيم معك ساعة واحدة- و غضب حين عزله علي عنها- و خرج منها مقبلا إلى المدينة و لم يمض إلى علي بالكوفة- .

قال إبراهيم- و كان قيس مع شجاعته و نجدته جوادا مفضالا- فحدثني علي بن محمد بن أبي سيف عن هاشم- عن عروة عن أبيه قال- لما خرج قيس بن سعد من مصر- فمر بأهل بيت من بلقين فنزل بمائهم- فنحر له صاحب المنزل جزورا و أتاه بها- فلما كان الغد نحر له أخرى- ثم حبستهم السماء اليوم الثالث فنحر لهم ثالثة- ثم إن السماء أقلعت-فلما أراد قيس أن يرتحل- وضع عشرين ثوبا من ثياب مصر- و أربعة آلاف درهم عند امرأة الرجل- و قال لها إذا جاء صاحبك فادفعي هذه إليه ثم رحل- فما أتت عليه إلا ساعة- حتى لحقه الرجل صاحب المنزل على فرس و معه رمح- و الثياب و الدراهم بين يديه- فقال يا هؤلاء خذوا ثيابكم و دراهمكم- فقال قيس انصرف أيها الرجل فإنا لم نكن لنأخذها- قال و الله لتأخذنها- فقال قيس لله أبوك- أ لم تكرمنا و تحسن ضيافتنا فكافأناك- فليس بهذا بأس- فقال الرجل إنا لا نأخذ لقرى الأضياف ثمنا- و الله لا آخذها أبدا- فقال قيس أما إذ أبى ألا يأخذها فخذوها- فو الله ما فضلني رجل من العرب غيره- .

قال إبراهيم و قال أبو المنذر- مر قيس في طريقه برجل من بلي- يقال له الأسود بن فلان فأكرمه فلما أراد قيس أن يرتحل وضع عند امرأته ثيابا و دراهم- فلما جاء الرجل دفعته إليه- فلحقه فقال ما أنا بائع ضيافتي- و الله لتأخذن هذا أو لأنفذن الرمح بين جنبيك- فقال قيس ويحكم خذوه- . قال إبراهيم ثم أقبل قيس حتى قدم المدينة- فجاءه حسان بن ثابت شامتا به و كان عثمانيا- فقال له نزعك علي بن أبي طالب و قد قتلت عثمان- فبقي عليك الإثم و لم يحسن لك الشكر- فزجره قيس و قال يا أعمى القلب يا أعمى البصر- و الله لو لا ألقي بين رهطي و رهطك حربا لضربت عنقك- ثم أخرجه من عنده- . قال إبراهيم- ثم إن قيسا و سهل بن حنيف خرجا حتى قدما على علي الكوفة- فخبره قيس الخبر و ما كان بمصر فصدقه- و شهد مع علي صفين هو و سهل بن حنيف- قال إبراهيم و كان قيس طوالا أطول الناس و أمدهم قامة- و كان سناطا أصلع شيخا شجاعا- مجربا مناصحا لعلي و لولده- و لم يزل على ذلك إلى أن مات- .

قال إبراهيم حدثني أبو غسان- قال أخبرني علي بن أبي سيف قال- كان قيس بن سعد مع أبي بكر و عمر في سفر- في حياة رسول الله ص- فكان ينفق عليهما و على غيرهما و يفضل- فقال له أبو بكر إن هذا لا يقوم به مال أبيك فأمسك يدك- فلما قدموا من سفرهم قال سعد بن عبادة لأبي بكر- أردت أن تبخل ابني إنا لقوم لا نستطيع البخل- . قال و كان قيس بن سعد يقول في دعائه- اللهم ارزقني حمدا و مجدا و شكرا- فإنه لا حمد إلا بفعال و لا مجد إلا بمال- اللهم وسع علي فإن القليل لا يسعني و لا أسعه

ولاية محمد بن أبي بكر على مصر و أخبار مقتله

قال إبراهيم و كان عهد علي إلى محمد بن أبي بكر الذي قرئ بمصر- هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين- إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر- أمره بتقوى الله في السر و العلانية- و خوف الله تعالى في المغيب و المشهد- و أمره باللين على المسلم و الغلظ على الفاجر- و بالعدل على أهل الذمة و بالإنصاف للمظلوم- و بالشدة على الظالم- و بالعفو عن الناس و بالإحسان ما استطاع- و الله يجزي المحسنين- و أمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة و الجماعة- فإن لهم في ذلك من العاقبة و عظم المثوبة- ما لا يقدر قدره و لا يعرف كنهه- و أمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل- و لا ينتقص و لا يبتدع- ثم يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل- و إن تكن لهم حاجة يواس بينهم في مجلسه و وجهه- ليكون القريب و البعيد عنده على سواء- و أمره أن يحكم بين الناس بالحق و أن يقوم بالقسط- و لا يتبع الهوى و لا يخاف في الله لومة لائم- فإن الله مع من اتقاه و آثر طاعته على من سواه و كتبه عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله- لغرة شهر رمضان سنة ست و ثلاثين- . قال إبراهيم ثم قام محمد بن أبي بكر خطيبا- فحمد الله و أثنى عليه و قال أما بعد- فالحمد لله الذي هدانا و إياكم لما اختلف فيه من الحق- و بصرنا و إياكم كثيرا مما عمي عند الجاهلون- ألا و إن أمير المؤمنين ولاني أموركم- و عهد إلي بما سمعتم و أوصاني بكثير منه مشافهة- و لن آلوكم خيرا ما استطعت- و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب- فإن يكن ما ترون آثاري و أعمالي طاعة لله و تقوى- فاحمدوا الله على ما كان من ذلك- فإنه هو الهادي إليه- فإن رأيتم من ذلك عملا بغير الحق- فارفعوه إلي و عاتبوني عليه- فإني بذلك أسعد و أنتم بذلك جديرون- وفقنا الله و إياكم لصالح العمل- .

قال إبراهيم و حدثني يحيى بن صالح عن مالك بن خالد الأسدي عن الحسن بن إبراهيم عن عبد الله بن الحسن بن الحسن قال كتب علي ع إلى أهل مصر- لما بعث محمد بن أبي بكر إليهم كتابا يخاطبهم به- و يخاطب محمدا أيضا فيه أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله في سر أمركم و علانيته- و على أي حال كنتم عليها- و ليعلم المرء منكم أن الدنيا دار بلاء و فناء- و الآخرة دار جزاء و بقاء- فمن استطاع أن يؤثر ما يبقى على ما يفنى فليفعل- فإن الآخرة تبقى و الدنيا تفنى- رزقنا الله و إياكم بصرا لما بصرنا و فهما لما فهمنا- حتى لا نقصر عما أمرنا و لا نتعدى إلى ما نهانا- و اعلم يا محمد- إنك و إن كنت محتاجا إلى نصيبك من الدنيا- إلا أنك إلى نصيبك من الآخرة أحوج- فإن عرض لك أمران- أحدهما للآخرة و الآخر للدنيا فابدأ بأمر الآخرة- و لتعظم رغبتك في الخير و لتحسن فيه نيتك- فإن الله عز و جل يعطي العبد على قدر نيته- و إذا أحب الخير و أهله و لم يعمله- كان إن شاء الله كمن عمله- فإن رسول الله ص قال حين رجع من تبوك- إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير- و لا هبطتم من واد إلاكانوا معكم ما حبسهم إلا المرض- يقول كانت لهم نية- ثم اعلم يا محمد إني قد وليتك أعظم أجنادي أهل مصر- و وليتك ما وليتك من أمر الناس- فأنت محقوق أن تخاف فيه على نفسك- و تحذر فيه على دينك و لو كان ساعة من نهار- فإن استطعت ألا تسخط ربك لرضا أحد من خلقه فافعل- فإن في الله خلفا من غيره و ليس في شي‏ء خلف منه- فاشتد على الظالم و لن لأهل الخير و قربهم إليك- و اجعلهم بطانتك و إخوانك و السلام

قال إبراهيم حدثني يحيى بن صالح عن مالك بن خالد عن الحسن بن إبراهيم عن عبد الله بن الحسن بن الحسن قال كتب علي إلى محمد بن أبي بكر و أهل مصر أما بعد- فإني أوصيكم بتقوى الله و العمل بما أنتم عنه مسئولون- فأنتم به رهن و إليه صائرون- فإن الله عز و جل يقول كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ- و قال وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ- و قال فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ- فاعلموا عباد الله- أن الله سائلكم عن الصغير من أعمالكم و الكبير- فإن يعذب فنحن الظالمون- و إن يغفر و يرحم فهو أرحم الراحمين- و اعلموا أن أقرب ما يكون العبد إلى الرحمة و المغفرة- حينما يعمل بطاعة الله و مناصحته في التوبة- فعليكم بتقوى الله عز و جل- فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها- و يدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها- خير الدنيا و خير الآخرة- يقول الله سبحانه وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ- قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ- وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ- و اعلموا عباد الله- أن المؤمنين المتقين قد ذهبوا بعاجل الخير و آجله- شركوا أهل الدنيا في دنياهم-و لم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم- يقول الله عز و جل- قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ- وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ- قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا- خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ- سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت- و أكلوها بأفضل ما أكلت- شاركوا أهل الدنيا في دنياهم- فأكلوا من أفضل ما يأكلون- و شربوا من أفضل ما يشربون- و يلبسون من أفضل ما یلبسون- و يسكنون من أفضل ما يسكنون- أصابوا لذة أهل الدنيا مع أهل الدنيا- مع أنهم غدا من جيران الله عز و جل يتمنون عليه- لا يرد لهم دعوة و لا ينقص لهم لذة- أما في هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل-

و اعلموا عباد الله أنكم إذا اتقيتم ربكم- و حفظتم نبيكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد- و ذكرتموه بأفضل ما ذكر و شكرتموه بأفضل ما شكر- و أخذتم بأفضل الصبر و جاهدتم بأفضل الجهاد- و إن كان غيركم أطول صلاة منكم و أكثر صياما- إذا كنتم أتقى لله- و أنصح لأولياء الله من آل محمد ص و أخشع- و احذروا عباد الله الموت و نزوله و خذوله- فإنه يدخل بأمر عظيم خير لا يكون معه شر أبدا- أو شر لا يكون معه خير أبدا- و ليس أحد من الناس يفارق روحه جسده- حتى يعلم إلى أي المنزلتين يصير- إلى الجنة أم إلى النار أ عدو هو لله أم ولي له- فإن كان وليا فتحت له أبواب الجنة و شرع له طريقها- و نظر إلى ما أعد الله عز و جل لأوليائه فيها- فرغ من كل شغل و وضع عنه كل ثقل- و إن كان عدوا فتحت له أبواب النار و سهل له طريقها- و نظر إلى ما أعد الله فيها لأهلها- و استقبل كل مكروه و فارق كل سرور- قال الله تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ- فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ- بَلى‏ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها- فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ-

و اعلموا عباد الله أن الموت ليس منه فوت- فاحذروه و أعدوا له عدته فإنكمطرداء للموت- إن قمتم أخذكم و إن هربتم أدرككم- و هو ألزم لكم من ظلكم معقود بنواصيكم- و الدنيا تطوى من خلفكم- فأكثروا ذكر الموت عند ما- تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات- فإنه كفى بالموت واعظا- قال رسول الله ص- أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات- و اعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشد من الموت- لمن لم يغفر الله له و يرحمه- و احذروا القبر و ضمته و ضيقه و ظلمته- فإنه الذي يتكلم كل يوم أنا بيت التراب- و أنا بيت الغربة و أنا بيت الدود- و القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار- إن المسلم إذا مات قالت له الأرض مرحبا و أهلا- قد كنت ممن أحب أن تمشي على ظهري- فإذ وليتك فستعلم كيف صنعي بك فيتسع له مد بصره- و إذا دفن الكافر قالت له الأرض لا مرحبا و لا أهلا- قد كنت ممن أبغض أن تمشي على ظهري- فإذ وليتك فستعلم كيف صنعي بك- فتنضم عليه حتى تلتقي أضلاعه-

و اعلموا أن المعيشة الضنك التي- قال سبحانه فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً هي عذاب القبر- فإنه يسلط على الكافر في قبره حيات عظام- تنهش لحمه حتى يبعث- لو أن تنينا منها نفخ الأرض ما أنبت الزرع أبدا- اعلموا عباد الله- أن أنفسكم و أجسادكم الرقيقة الناعمة- التي يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا- فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم و أجسادكم- مما لا طاقة لكم به و لا صبر لكم عليه- فتعملوا بما أحب الله سبحانه- و تتركوا ما كره فافعلوا- و لا حول و لا قوة إلا بالله-

و اعلموا عباد الله أن ما بعد القبر أشد من القبر- يوم يشيب فيه الصغير و يسكر فيه الكبير- و تذهل كل مرضعة عما أرضعت- و احذروا يوما عبوسا قمطريرا كان شره مستطيرا- أما إن شر ذلك اليوم و فزعه استطار- حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب- و السبع الشداد و الجبال الأوتاد و الأرضون المهاد- و انشقت السماء فهي يومئذ واهية- و تغيرت فكانت وردة كالدهان- و كانت الجبال سرابا بعد ما كانت صما صلابا- يقول الله سبحانه وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ- فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ- فكيف بمن يعصيه بالسمع و البصر و اللسان و اليد- و الفرج و البطن إن لم يغفر الله و يرحم- و اعلموا عباد الله أن ما بعد ذلك اليوم أشد و أدهى- نار قعرها بعيد و حرها شديد و عذابها جديد- و مقامعها حديد و شرابها صديد- لا يفتر عذابها و لا يموت ساكنها- دار ليست لله سبحانه فيها رحمة- و لا يسمع فيها دعوة- و مع هذا رحمة الله التي وسعت كل شي‏ء- لا تعجز عن العباد- و جنة عرضها كعرض السماء و الأرض- خير لا يكون بعده شر أبدا- و شهوة لا تنفد أبدا و لذة لا تفنى أبدا- و مجمع لا يتفرق أبدا قوم قد جاوروا الرحمن- و قام بين أيديهم الغلمان- بصحاف من ذهب فيها الفاكهة و الريحان- و إن أهل الجنة يزورون الجبار سبحانه في كل جمعة- فيكون أقربهم منه على منابر من نور- و الذين يلونهم على منابر من ياقوت- و الذين يلونهم على منابر من مسك- فبينا هم كذلك ينظرون الله جل جلاله- و ينظر الله في وجوههم إذ أقبلت سحابة تغشاهم- فتمطر عليهم من النعمة و اللذة و السرور و البهجة- ما لا يعلمه إلا الله سبحانه- و مع هذا ما هو أفضل منه رضوان الله الأكبر- أما إنا لو لم نخوف إلا ببعض ما خوفنا به- لكنا محقوقين أن يشتد خوفنا مما لا طاقةلنا به- و لا صبر لقوتنا عليه- و أن يشتد شوقنا إلى ما لا غنى لنا عنه و لا بد لنا منه- فإن استطعتم عباد الله أن يشتد خوفكم من ربكم فافعلوا-

فإن العبد إنما تكون طاعته على قدر خوفه- و إن أحسن الناس لله طاعة أشدهم له خوفا- و انظر يا محمد صلاتك كيف تصليها- فإنما أنت إمام ينبغي لك أن تتمها و أن تخففها- و أن تصليها لوقتها- فإنه ليس من إمام يصلى بقوم- فيكون في صلاته و صلاتهم نقص إلا كان إثم ذلك عليه- و لا ينقص من صلاتهم شيئا- و اعلم أن كل شي‏ء من عملك يتبع صلاتك- فمن ضيع الصلاة فهو لغيرها أشد تضييعا- و وضوءك من تمام الصلاة فأت به على وجهه- فالوضوء نصف الإيمان- أسأل الله الذي يرى و لا يرى و هو بالمنظر الأعلى- أن يجعلنا و إياك من المتقين الذين- لا خوف عليهم و لا هم يحزنون- فإن استطعتم يا أهل مصر أن تصدق أقوالكم أفعالكم- و أن يتوافق سركم و علانيتكم- و لا تخالف ألسنتكم قلوبكم فافعلوا- عصمنا الله و إياكم بالهدى- و سلك بنا و بكم المحجة الوسطى- و إياكم و دعوة الكذاب ابن هند- و تأملوا و اعلموا أنه لا سوى إمام الهدى و إمام الردى- و وصي النبي و عدو النبي- جعلنا الله و إياكم ممن يحب و يرضى- و لقد سمعت رسول الله ص يقول- إني لا أخاف على أمتي مؤمنا و لا مشركا- أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه- و أما المشرك فيخزيه الله بشركه- و لكني- أخاف عليهم كل منافق اللسان- يقول ما تعرفون و يفعل ما تنكرون-

و اعلم يا محمد- أن أفضل الفقه الورع في دين الله و العمل بطاعته- فعليك بالتقوى في سر أمرك و علانيته- أوصيك بسبع هن جوامع الإسلام- اخش الله و لا تخش الناس في الله- و خير القول ما صدقه العمل- و لا تقض في أمر واحد بقضاءين مختلفين- فيتناقض‏ أمرك و تزيغ عن الحق- و أحب لعامة رعيتك ما تحبه لنفسك- و اكره لهم ما تكره لنفسك و أصلح أحوال رعيتك- و خض الغمرات إلى الحق و لا تخف لومة لائم- و انصح لمن استشارك- و اجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين و بعيدهم- جعل الله خلتنا و ودنا خلة المتقين و ود المخلصين- و جمع بيننا و بينكم في دار الرضوان إخوانا- على سرر متقابلين إن شاء الله- .

قال إبراهيم بن سعد الثقفي- فحدثني عبد الله بن محمد بن عثمان- عن علي بن محمد بن أبي سيف عن أصحابه- أن عليا لما كتب إلى محمد بن أبي بكر هذا الكتاب- كان ينظر فيه و يتأدب بأدبه- فلما ظهر عليه عمرو بن العاص و قتله- أخذ كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية- فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب و يتعجب منه- فقال الوليد بن عقبة و هو عند معاوية و قد رأى إعجابه به- مر بهذه الأحاديث أن تحرق- فقال معاوية مه لا رأي لك- فقال الوليد أ فمن الرأي أن يعلم الناس- أن أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها- قال معاوية ويحك- أ تأمرني أن أحرق علما مثل هذا- و الله ما سمعت بعلم هو أجمع منه و لا أحكم فقال الوليد- إن كنت تعجب من علمه و قضائه فعلام تقاتله- فقال لو لا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لأخذنا عنه- ثم سكت هنيهة ثم نظر إلى جلسائه- فقال إنا لا نقول إن هذه من كتب علي بن أبي طالب- و لكن نقول هذه من كتب أبي بكر الصديق- كانت عند ابنه محمد فنحن ننظر فيها و نأخذ منها- . قال فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أمية- حتى ولي عمر بن عبد العزيز- فهو الذي أظهر أنها من أحاديث علي بن أبي طالب ع- . قلت الأليق أن يكون الكتاب الذي كان معاوية- ينظر فيه و يعجب منه-و يفتي به و يقضي بقضاياه و أحكامه- هو عهد علي ع إلى الأشتر فإنه نسيج وحده- و منه تعلم الناس الآداب- و القضايا و الأحكام و السياسة- و هذا العهد صار إلى معاوية لما سم الأشتر- و مات قبل وصوله إلى مصر- فكان ينظر فيه و يعجب منه- و حقيق من مثله أن يقتنى في خزائن الملوك- .

قال إبراهيم فلما بلغ عليا ع- أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية- اشتد عليه حزنا- .و حدثني بكر بن بكار عن قيس بن الربيع عن ميسرة بن حبيب عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال صلى بنا علي ع- فلما انصرف قال

لقد عثرت عثرة لا أعتذر
سوف أكيس بعدها و أستمر
و أجمع الأمر الشتيت المنتشر

فقلنا ما بالك يا أمير المؤمنين- فقال إني استعملت محمد بن أبي بكر على مصر- فكتب إلى أنه لا علم لي بالسنة- فكتبت إليه كتابا فيه أدب و سنة فقتل و أخذ الكتاب قال إبراهيم فحدثني عبد الله محمد- عن ابن أبي سيف المدائني قال- فلم يلبث محمد بن أبي بكر شهرا كاملا- حتى بعث إلى أولئك المعتزلين- الذين كان قيس بن سعد موادعا لهم- فقال يا هؤلاء- أما أن تدخلوا في طاعتنا و أما أن تخرجوا من بلادنا- فبعثوا إليه أنا لا نفعل- فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس- فلا تعجل علينا فأبى عليهم- فامتنعوا منه و أخذوا حذرهم- ثم كانت وقعة صفين و هم لمحمد هائبون- فلما أتاهم خبر معاوية و أهل الشام- ثم صار الأمر إلى الحكومة- و أن عليا و أهل العراق قد قفلوا- عن معاوية و الشام إلى عراقهم- اجترءوا على محمد بن أبي بكر و أظهروا المنابذة له- فلما رأى محمد ذلك بعث إليهم ابن جمهان البلوي- و معه يزيد بن الحارث الكناني فقاتلاهم‏ فقتلوهما- ثم بعث إليهم رجلا من كلب فقتلوه أيضا- و خرج معاوية بن حديج من السكاسك- يدعو إلى الطلب بدم عثمان- فأجابه القوم و ناس كثير آخرون- و فسدت مصر على محمد بن أبي بكر- فبلغ عليا توثبهم عليه- فقال ما أرى لمصر إلا أحد الرجلين- صاحبنا الذي عزلنا بالأمس- يعني قيس بن سعد بن عبادة- أو مالك بن الحارث الأشتر- و كان علي حين رجع عن صفين رد الأشتر إلى عمله بالجزيرة- و قال لقيس بن سعد- أقم أنت معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة- ثم اخرج إلى آذربيجان فكان قيس مقيما على شرطته- فلما أن انقضى أمر الحكومة كتب علي إلى الأشتر- و هو يومئذ بنصيبين أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين- و أقمع به نخوة الأثيم و أسد به الثغر المخوف- و قد كنت وليت محمد بن أبي بكر مصر- فخرجت عليه خوارج و هو غلام حدث السن- ليس بذي تجربة للحروب- فاقدم علي لننظر فيما ينبغي- و استخلف على عملك أهل الثقة و النصيحة من أصحابك- و السلام- .

فأقبل الأشتر إلى علي- و استخلف على عمله شبيب بن عامر الأزدي- و هو جد الكرماني الذي كان بخراسان صاحب نصر بن سيار- فلما دخل الأشتر على علي حدثه حديث مصر- و خبره خبر أهلها- و قال له ليس لها غيرك- فاخرج إليها رحمك الله- فإني لا أوصيك اكتفاء برأيك- و استعن بالله على ما أهمك و اخلط الشدة باللين- و ارفق ما كان الرفق أبلغ- و اعتزم على الشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة- . فخرج الأشتر من عنده فأتي برحله- و أتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية الأشتر مصر- فعظم ذلك عليه و قد كان طمع في مصر- فعلم أن الأشتر إن قدم عليها- كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر- فبعث إلى رجل من أهل الخراج يثق به- و قال له إن الأشتر قد ولي مصر- فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت و بقيت- فاحتل في هلاكه ما قدرت عليه- .

فخرج الأشتر حتى انتهى إلى القلزم- حيث تركب السفن من مصر إلى الحجاز فأقام به- فقال له ذلك الرجل و كان ذلك المكان مكانه- أيها الأمير هذا منزل فيه طعام و علف- و أنا رجل من أهل الخراج فأقم و استرح- و أتاه بالطعام حتى إذ طعم سقاه شربة عسل- قد جعل فيها سما فلما شربها مات- .

قال إبراهيم و قد كان أمير المؤمنين كتب على يد الأشتر- كتابا إلى أهل مصر- روى ذلك الشعبي عن صعصعة بن صوحان- من عبد الله علي أمير المؤمنين- إلى من بمصر من المسلمين سلام الله عليكم- فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو- أما بعد فإني قد بعثت إليكم عبدا من عباد الله- لا ينام أيام الخوف- و لا ينكل عن الأعداء حذار الدوائر- لا نأكل من قدم و لا واه في عزم- من أشد عباد الله بأسا و أكرمهم حسبا- أضر على الفجار من حريق النار- و أبعد الناس من دنس أو عار- و هو مالك بن الحارث الأشتر- حسام صارم لا نابي الضريبة- و لا كليل الحد حليم في السلم رزين في الحرب- ذو رأي أصيل و صبر جميل- فاسمعوا له و أطيعوا أمره- فإن أمركم بالنفر فانفروا- و إن أمركم أن تقيموا فأقيموا- فإنه لا يقدم و لا يحجم إلا بأمري- و قد آثرتكم به على نفسي نصيحة لكم- و شدة شكيمه على عدوكم- عصمكم الله بالهدى و ثبتكم بالتقوى- و وفقنا و إياكم لما يحب و يرضى- و السلام عليكم و رحمة الله- .

قال إبراهيم و روى جابر عن الشعبي قال- هلك الأشتر حين أتى عقبة أفيق- . قال إبراهيم و حدثنا وطبة بن العلاء بن المنهال الغنوي- عن أبيه عن عاصم‏ بن كليب عن أبيه- أن عليا لما بعث الأشتر إلى مصر واليا عليها- و بلغ معاوية خبره- بعث رسولا يتبع الأشتر إلى مصر و أمره باغتياله- فحمل معه مزودين فيهما شراب و صحب الأشتر- فاستسقى الأشتر يوما فسقاه من أحدهما- ثم استسقى يوما آخر منه- فسقاه من الآخر و فيه سم فشربه- فمالت عنقه و طلب الرجل ففاتهم- . قال إبراهيم و حدثنا محرز بن هشام- عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة الضبي- أن معاوية دس للأشتر مولى لآل عمر- فلم يزل المولى يذكر للأشتر فضل علي و بني هاشم- حتى اطمأن إليه و استأنس به- فقدم الأشتر يوما ثقله أو تقدم ثقله فاستسقى ماء- فقال له مولى آل عمر و هل لك في شربة سويق- فسقاه شربة سويق فيها سم فمات- . و قد كان معاوية قال لأهل الشام لما دس إليه مولى آل عمر- ادعوا على الأشتر فدعوا عليه- فلما بلغه موته قال أ لا ترون كيف استجيب لكم- .

قال إبراهيم قد روي من بعض الوجوه- أن الأشتر قتل بمصر بعد قتال شديد- . و الصحيح أنه سقى سما فمات قبل أن يبلغ مصر- . قال إبراهيم و حدثنا محمد بن عبد الله بن عثمان- عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني- أن معاوية أقبل يقول لأهل الشام أيها الناس- إن عليا قد وجه الأشتر إلى مصر- فادعوا الله أن يكفيكموه- فكانوا يدعون عليه في دبر كل صلاة- و أقبل الذي سقاه السم إلى معاوية فأخبره بهلاك الأشتر- فقام معاوية في الناس خطيبا فقال- أما بعد فإنه كان لعلي بن أبي طالب يدان يمينان- فقطعت إحداهما يوم صفين و هو عمار بن ياسر- و قد قطعت الأخرى اليوم و هو مالك الأشتر- .

قال إبراهيم فلما بلغ عليا موت الأشتر- قال إنا لله و إنا إليه راجعون- و الحمد لله رب العالمين- اللهم إني أحتسبه عندك فإن موته من مصائب الدهر- ثم قال رحم الله مالكا فلقد وفى بعهده- و قضى نحبه و لقي ربه- مع أنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة- بعد مصابنا برسول الله ص فإنها من أعظم المصيبات- . قال إبراهيم و حدثنا محمد بن هشام المرادي- عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة الضبي قال- لم يزل أمر علي شديدا حتى مات الأشتر- و كان الأشتر بالكوفة أسود من الأحنف بالبصرة- .

قال إبراهيم و حدثنا محمد بن عبد الله عن ابن أبي سيف المدائني عن جماعة من أشياخ النخع قالوا دخلنا على أمير المؤمنين حين بلغه موت الأشتر- فوجدناه يتلهف و يتأسف عليه ثم قال- لله در مالك و ما مالك- لو كان من جبل لكان فندا- و لو كان من حجر لكان صلدا- أما و الله ليهدن موتك عالما و ليفرحن عالما- على مثل مالك فلتبك البواكي- و هل مرجو كمالك و هل موجود كمالك- .

قال علقمة بن قيس النخعي فما زال علي يتلهف و يتأسف- حتى ظننا أنه المصاب به دوننا- و عرف ذلك في وجهه أياما- .قال إبراهيم و حدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال حدثنا مولى للأشتر قال لما هلك الأشتر أصيب في ثقله رسالة علي إلى أهل مصر- من عبد الله أمير المؤمنين إلى النفر من المسلمين- الذين غضبوا لله إذ عصي في الأرض- و ضرب الجور برواقه على البر و الفاجر- فلا حق يستراح إليه و لا منكر يتناهى عنه- سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو-

أما بعد- فقد وجهت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام في الخوف- و لا ينكل من الأعداء حذار الدوائر- أشد على الكافرين من حريق النار- و هو مالك بن الحارث الأشتر أخو مذحج- فاسمعوا له و أطيعوا فإنه سيف من سيوف الله- لا نابي الضريبة و لا كليل الحد- فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا- و إن أمركم أن تنفروا فانفروا- و إن أمركم أن تحجموا فأحجموا- فإنه لا يقدم و لا يحجم إلا بأمري و قد آثرتكم به على نفسي- لنصيحته و شدة شكيمته على عدوه- عصمكم الله بالحق و ثبتكم بالتقوى- و السلام عليكم و رحمة الله و بركاتهقال إبراهيم و حدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني عن رجاله أن محمد بن أبي بكر لما بلغه- أن عليا قد وجه الأشتر إلى مصر شق عليه- فكتب ع إليه عند مهلك الأشتر- أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريح الأشتر إلى عملك- و لم أفعل ذلك استبطاء لك عن الجهاد- و لا استزادة لك مني في الجد- و لو نزعت ما حوت يداك من سلطانك- لوليتك ما هو أيسر مئونة عليك و أعجب ولاية إليك- ألا إن الرجل الذي وليته مصر كان رجلا لنا مناصحا- و هو على عدونا شديد فرحمة الله عليه- فقد استكمل أيامه و لاقى حمامه و نحن عنه راضون- فرضي الله عنه و ضاعف له الثواب و أحسن له المآب- فاصحر لعدوك و شمر للحرب- و ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة- و أكثر ذكر الله و الاستعانة به و الخوف منه- يكفك ما همك و يعنك على ما ولاك- أعاننا الله و إياك على ما لا ينال إلا برحمته و السلام- .

قال فكتب محمد بن أبي بكر إليه جوابه-إلى عبد الله أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر- . سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو- أما بعد فقد انتهى إلي كتاب أمير المؤمنين- و فهمته و عرفت ما فيه- و ليس أحد من الناس أشد على عدو أمير المؤمنين- و لا أرأف و أرق لوليه مني- و قد خرجت فعسكرت و أمنت الناس- إلا من نصب لنا حربا و أظهر لنا خلافا- و أنا أتبع أمر أمير المؤمنين- و حافظ و لاجئ إليه و قائم به- و الله المستعان على كل حال- و السلام على أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته- .

قال إبراهيم فحدث محمد بن عبد الله بن عثمان- عن ابن سيف المدائني عن أبي جهضم الأزدي- أن أهل الشام لما انصرفوا عن صفين- كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان- فلما انصرفا و تفرقا و بايع أهل الشام معاوية بالخلافة- لم يزدد معاوية إلا قوة- و اختلف أهل العراق على علي بن أبي طالب- فلم يكن هم معاوية إلا مصر- و قد كان لأهلها هائبا لقربهم منه- و شدتهم على من كان على رأي عثمان- و قد كان علم أن بها قوما قد ساءهم قتل عثمان- و خالفوا عليا- مع أنه كان يرجو أن يكون له فيها معاونة- إذا ظهر عليها على حرب علي لوفور خراجها- فدعا معاوية من كان معه من قريش- و هم عمرو بن العاص السهمي- و حبيب بن مسلمة الفهري- و بسر بن أبي أرطاة العامري و الضحاك بن قيس الفهري- و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي- و دعا من غير قريش نحو شرحبيل بن السمط الحميري- و أبي الأعور السلمي و حمزة بن مالك الهمداني فقال- أ تدرون لما ذا دعوتكم قالوا لا-

قال فإني دعوتكم لأمر هو لي مهم- و أرجو أن يكون الله عز و جل قد أعان عليه- فقال له القوم أو من قال له منهم- إن الله لم يطلع على غيبه أحدا و لسنا ندري ما تريد- فقال عمرو بن العاص- أرى و الله أن أمر هذه البلاد المصرية- لكثرة خراجها و عدد أهلها قد أهمك-فدعوتنا تسألنا عن رأينا في ذلك- فإن كنت لذلك دعوتنا و له جمعتنا فاعزم و اصرم- و نعم الرأي ما رأيت- إن في افتتاحها عزك و عز أصحابك- و ذل عدوك و كبت أهل الخلاف عليك- . قال معاوية أهمك ما أهمك يا ابن العاص- و ذلك أن عمرا كان بايع معاوية على قتال علي- و أن مصر له طعمه ما بقي- فأقبل معاوية على أصحابه و قال- إن هذا يعني ابن العاص قد ظن و حقق ظنه- قالوا و لكنا لا ندري و لعل أبا عبد الله قد أصاب- فقال عمرو و أنا أبو عبد الله- إن أفضل الظنون ما شابه اليقين- .

ثم إن معاوية حمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد- فقد رأيتم كيف صنع الله لكم في حربكم هذه على عدوكم- و لقد جاءوكم و هم لا يشكون- أنهم يستأصلون بيضتكم و يجوزون بلادكم- ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم- فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا- و كفى الله المؤمنين القتال و كفاكم مئونتهم- . و حاكمتموهم إلى الله فحكم لكم عليهم- ثم جمع كلمتنا و أصلح ذات بيننا- و جعلهم أعداء متفرقين- يشهد بعضهم على بعض بالكفر- و يسفك بعضهم دم بعض- و الله إني لأرجو أن يتم الله لنا هذا الأمر- و قد رأيت أن أحاول حرب مصر فما ذا ترون- . فقال عمرو بن العاص قد أخبرتك عما سألت- و أشرت عليك بما سمعت- . فقال معاوية ما ترون فقالوا نرى ما رأى عمرو بن العاص- فقال معاوية إن عمرا قد عزم و صرم بما قال- و لم يفسر كيف ينبغي أن نصنع- .

قال عمرو فإني مشير عليك بما تصنع- أرى أن تبعث جيشا كثيفا- عليهم رجل صارم تأمنه و تثق به فيأتي مصر فيدخلها- فإنه سيأتينا من كان على مثل رأينا من أهلها- فنظاهره على من كان من عدونا- فإن اجتمع بها جندك و من كان بها من شيعتك- على من بها من أهل حربك- رجوت الله أن يعز نصرك و يظهر فلجك- .

فقال معاوية هل عندك شي‏ء غير هذا- نعمله فيما بيننا و بينهم قبل هذا قال ما أعلمه- . قال معاوية فإن رأيي غير هذا- أرى أن نكاتب من كان بها من شيعتنا- و من كان بها من عدونا- فأما شيعتنا فنأمرهم بالثبات على أمرهم- و نمنيهم قدومنا عليهم- و أما من كان بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا- و نمنيهم شكرنا و نخوفهم حربنا- فإن صلح لنا ما قبلهم من غير حرب و لا قتال- فذلك ما أحببنا و إلا فحربهم من وراء ذلك- . إنك يا ابن العاص لامرؤ بورك لك في العجلة- و بورك لي في التؤدة- .

قال عمرو فاعمل بما أراك الله- فو الله ما أرى أمرك و أمرهم يصير إلا إلى الحرب- . قال فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري- و إلى معاوية بن حديج الكندي و كانا قد خالفا عليا- أما بعد فإن الله عز و جل قد ابتعثكما لأمر عظيم- أعظم به أجركما و رفع درجتكما و مرتبتكما في المسلمين- طلبتما بدم الخليفة المظلوم و غضبتما لله- إذ ترك حكم الكتاب و جاهدتما أهل الظلم و العدوان- فأبشرا برضوان الله و عاجلا نصرة أولياء الله- و المواساة لكما في دار الدنيا و سلطاننا- حتى ينتهي ذلك إلى ما يرضيكما و يؤدى به حقكما- فالزما أمركما و جاهدا عدوكما- و ادعوا المدبرين منكما إلى هداكما- فكان الجيش قد أظل عليكما- فاندفع كل ما تكرهان و دام كل ما تهويان- و السلام عليكما و رحمة الله- .

و بعث بالكتاب مع مولى له يقال له سبيع- فخرج بكتابه حتى قدم به عليهما بمصر-و محمد بن أبي بكر يومئذ أميرها- قد ناصبه هؤلاء النفر الحرب و هم هائبون الإقدام عليه- فدفع الكتاب إلى مسلمة بن مخلد- فقرأه فقال الق به معاوية بن حديج- ثم القني به حتى أجيب عني و عنه- فانطلق الرسول بكتاب معاوية فأقرأه إياه- ثم قال له إن مسلمة قد أمرني أن أرد الكتاب إليه- لكي يجيب عنك و عنه قال قل له فليفعل- فأتى مسلمة بالكتاب- فكتب الجواب عنه و عن معاوية بن حديج أما بعد- فإن هذا الأمر الذي قد ندبنا له أنفسنا- و ابتغيا الله به على عدونا- أمر نرجو به ثواب ربنا و النصر على من خالفنا- و تعجيل النقمة على من سعى على إمامنا- و طأطأ الركض في مهادنا- و نحن بهذه الأرض قد نفينا من كان بها من أهل البغي- و أنهضنا من كان بها من أهل القسط و العدل- و قد ذكرت موازرتك في سلطانك و ذات يدك- و بالله إنه لا من أجل مال نهضنا و لا إياه أردنا- فإن يجمع الله لنا ما نريد و نطلب أو يرينا ما تمنينا- فإن الدنيا و الآخرة لله رب العالمين- و قد يثوبهما الله جميعا عالما من خلقه- كما قال في كتابه- فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَ حُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ- وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- عجل لنا بخيلك و رجلك- فإن عدونا قد كان علينا جريئا و كنا فيهم قليلا- و قد أصبحوا لنا هائبين و أصبحنا لهم منابذين- فإن يأتنا مدد من قبلك يفتح الله عليك- و لا قوة إلا بالله و هو حسبنا و نعم الوكيل- .

قال فجاء هذا الكتاب معاوية و هو يومئذ بفلسطين- فدعا النفر الذين سميناهم من قريش و غيرهم- و أقرأهم الكتاب و قال لهم ما ذا ترون- قالوا نرى أن تبعث إليهم جيشا من قبلك- فأنت مفتتحها إن شاء الله بإذن الله- . قال معاوية- فتجهز إليها يا أبا عبد الله يعني عمرو بن العاص- فبعثه في ستة آلاف‏ فخرج يسير و خرج معه معاوية يودعه- فقال له معاوية عند وداعه إياه- أوصيك بتقوى الله يا عمرو و بالرفق فإنه يمن- و بالتؤدة فإن العجلة من الشيطان و بأن تقبل من أقبل- و تعفو عمن أدبر أنظره فإن تاب و أناب قبلت منه- و إن أبى فإن السطوة بعد المعرفة أبلغ في الحجة- و أحسن في العاقبة و ادع الناس إلى الصلح و الجماعة- فإن أنت ظفرت فليكن أنصارك أبر الناس عندك- و كل الناس فأول حسنا- .

قال فسار عمرو في الجيش حتى دنا من مصر- فاجتمعت إليه العثمانية- فأقام و كتب إلى محمد بن أبي بكر- أما بعد فتنح عني بدمك يا ابن أبي بكر- فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر- و إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك- و رفض أمرك و ندموا على اتباعك- و هم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان- فاخرج منها فإني لك من الناصحين و السلام- . قال و بعث عمرو إلى محمد مع هذا الكتاب- كتاب معاوية إليه و هو- أما بعد فإن غب الظلم و البغي عظيم الوبال- و إن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه- من النقمة في الدنيا و التبعة الموبقة في الآخرة- و ما نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا- و لا أسوأ له عيبا- و لا أشد عليه خلافا منك- سعيت عليه في الساعين و ساعدت عليه مع المساعدين- و سفكت دمه مع السافكين ثم تظن أني نائم عنك- فتأتي بلده فتأمن فيها و جل أهلها أنصاري- يرون رأيي و يرفضون قولك و يستصرخونني عليك-

و قد بعثت إليك قوما حناقا عليك يسفكون دمك- و يتقربون إلى الله عز و جل بجهادك- و قد أعطوا الله عهدا ليقتلنك- و لو لم يكن منهم إليك ما قالوا- لقتلك الله بأيديهم أو بأيدي غيرهم من أوليائه- و أنا أحذرك و أنذرك فإن الله مقيد منك- و مقتص لوليه و خليفته بظلمك له- و بغيك عليه‏ و وقيعتك فيه- و عداوتك يوم الدار عليه- تطعن بمشاقصك فيما بين أحشائه و أوداجه- و مع هذا فإني أكره قتلك و لا أحب أن أتولى ذلك منك- و لن يسلمك الله من النقمة أين كنت أبدا- فتنح و انج بنفسك و السلام- . قال فطوى محمد بن أبي بكر كتابيهما- و بعث بهما إلى علي ع و كتب إليه- أما بعد يا أمير المؤمنين- فإن العاصي ابن العاص قد نزل أداني مصر- و اجتمع إليه من أهل البلد من كان يرى رأيهم- و هو في جيش جرار- و قد رأيت ممن قبلي بعض الفشل- فإن كان لك في أرض مصر حاجة- فامددني بالأموال و الرجال- و السلام عليك و رحمة الله و بركاته- .

قال فكتب إليه علي أما بعد فقد أتاني رسولك بكتابك- تذكر أن ابن العاص قد نزل في جيش جرار- و أن من كان على مثل رأيه قد خرج إليه- و خروج من كان يرى رأيه خير لك من إقامته عندك- و ذكرت أنك قد رأيت ممن قبلك فشلا- فلا تفشل و إن فشلوا- حصن قريتك و اضمم إليك شيعتك- و أذك الحرس في عسكرك- و اندب إلى القوم كنانة بن بشر- المعروف بالنصيحة و التجربة و البأس- و أنا نادب إليك الناس على الصعب و الذلول- فاصبر لعدوك و امض على بصيرتك- و قاتلهم على نيتك و جاهدهم محتسبا لله سبحانه- و إن كانت فئتك أقل الفئتين- فإن الله تعالى يعين القليل و يخذل الكثير- و قد قرأت كتابي الفاجرين المتحابين على المعصية- و المتلائمين على الضلالة و المرتشيين على الحكومة- و المتكبرين على أهل الدين- الذين استمتعوا بخلاقهم- كما استمتع الذين من‏قبلهم بخلاقهم- فلا يضرنك إرعادهما و إبراقهما- و أجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله- فإنك تجد مقالا ما شئت و السلام-

قال فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية جواب كتابه- أما بعد فقد أتاني كتابك- تذكر من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إليك منه- و تأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح- و تخوفني بالحرب كأنك علي شفيق- و أنا أرجو أن تكون الدائرة عليكم- و أن يهلككم الله في الوقعة- و أن ينزل بكم الذل و أن تولوا الدبر- فإن يكن لكم الأمر في الدنيا فكم- و كم لعمري من ظالم قد نصرتم- و كم من مؤمن قد قتلتم و مثلتم به- و إلى الله المصير و إليه ترد الأمور- و هو أرحم الراحمين و الله المستعان على ما تصفون- .

قال و كتب محمد بن أبي بكر- إلى عمرو بن العاص جواب كتابه- أما بعد فهمت كتابك و علمت ما ذكرت- زعمت أنك تكره أن يصيبني منك ظفر- فأشهد بالله إنك لمن المبطلين- و زعمت أنك ناصح لي و أقسم أنك عندي ظنين- و قد زعمت أن أهل البلد قد رفضوني و ندموا على اتباعي- فأولئك حزبك و حزب الشيطان الرجيم- و حسبنا الله رب العالمين و نعم الوكيل- و توكلت على الله العزيز الرحيم رب العرش العظيم- . قال إبراهيم فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال- فأقبل عمرو بن العاص يقصد قصد مصر- فقام محمد بن أبي بكر في الناس- فحمد الله و أثنى عليه ثم قال- أما بعد يا معشر المؤمنين- فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة- و يغشون الضلالة و يستطيلون بالجبرية- قد نصبوا لكم العداوة- و ساروا إليكم بالجنود- فمن أراد الجنة و المغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم- فليجاهدهم في الله- انتدبوا رحمكم الله مع كنانة بن بشر- ثم ندب معه نحو ألفي رجل و تخلف محمد في ألفين- و استقبل عمرو بن العاص كنانة و هو على مقدمة محمد- فلما دنا عمرو من كنانة سرح إليه الكتائب- كتيبة بعد كتيبة فلم تأته من كتائب الشام كتيبة- إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يلحقها بعمرو- ففعل ذلك مرارا- فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج الكندي- فأتاه في مثل الدهم- فلما رأى كنانة ذلك الجيش نزل عن فرسه- و نزل معه أصحابه فضاربهم بسيفه- و هو يقول- وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا- . فلم يزل يضاربهم بالسيف حتى استشهد رحمه الله- .

قال إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني- عن محمد بن يوسف أن عمرو بن العاص لما قتل كنانة- أقبل نحو محمد بن أبي بكر- و قد تفرق عنه أصحابه فخرج محمد متمهلا- فمضى في طريقه حتى انتهى إلى خربة فآوى إليها- و جاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط- و خرج معاوية بن حديج في طلب محمد- حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق فسألهم- هل مر بهم أحد ينكرونه قالوا لا- قال أحدهم إني دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل جالس- قال ابن حديج هو هو و رب الكعبة فانطلقوا يركضون- حتى دخلوا على محمد فاستخرجوه و قد كاد يموت عطشا- فأقبلوا به نحو الفسطاط- . قال و وثب أخوه- عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص و كان في جنده- فقال لا و الله لا يقتل أخي صبرا- ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه- فأرسل عمرو بن العاص أن ائتني بمحمد فقال معاوية- أ قتلتم كنانة بن بشر ابن عمي و أخلي عن محمد- .

هيهات أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ- فقال محمد اسقوني قطرة من الماء- فقال له معاوية بن حديج- لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا- إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء- حتى قتلتموه صائما محرما- فسقاه الله من الرحيق المختوم- و الله لأقتلنك يا ابن أبي بكر و أنت ظمآن- و يسقيك الله من الحميم و الغسلين- فقال له محمد يا ابن اليهودية النساجة- ليس ذلك اليوم إليك و لا إلى عثمان- إنما ذلك إلى الله يسقي أولياءه و يظمئ أعداءه- و هم أنت و قرناؤك و من تولاك و توليته- و الله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني ما بلغتم- فقال له معاوية بن حديج أ تدري ما أصنع بك- أدخلك جوف هذا الحمار الميت- ثم أحرقه عليك بالنار قال- إن فعلتم ذاك بي فطالما فعلتم ذاك بأولياء الله- و ايم الله إني لأرجو أن يجعل الله هذه النار التي- تخوفني بها بردا و سلاما- كما جعلها الله على إبراهيم خليله- و أن يجعلها عليك و على أوليائك- كما جعلها على نمرود و أوليائه- و إني لأرجو أن يحرقك الله و إمامك معاوية و هذا- و أشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى- كلما خبت زادها الله عليكم سعيرا-

فقال له معاوية بن حديج إني لا أقتلك ظلما- إنما أقتلك بعثمان بن عفان- قال محمد و ما أنت و عثمان- رجل عمل بالجور و بدل حكم الله و القرآن- و قد قال الله عز و جل وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ- فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ- فنقمنا عليه أشياء عملها- فأردنا أن يخلع من الخلافة علنا فلم يفعل- فقتله من قتله من الناس- .فغضب معاوية بن حديج فقدمه فضرب عنقه- ثم ألقاه في جوف حمار و أحرقه بالنار- . فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا- و قنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية بن أبي سفيان- و عمرو بن العاص و معاوية بن حديج- و قبضت عيال محمد أخيها و ولده إليها- فكان القاسم بن محمد من عيالها- . قال و كان ابن حديج ملعونا خبيثا يسب علي بن أبي طالب ع- .

قال إبراهيم و حدثني عمرو بن حماد بن طلحة القناد عن علي بن هاشم عن أبيه عن داود بن أبي عوف قال دخل معاوية بن حديج على الحسن بن علي في مسجد المدينة- فقال له الحسن ويلك يا معاوية- أنت الذي تسب أمير المؤمنين عليا ع- أما و الله لئن رأيته يوم القيامة و ما أظنك تراه- لترينه كاشفا عن ساق- يضرب وجوه أمثالك عن الحوض ضرب غرائب الإبل قال إبراهيم و حدثني محمد بن عبد الله بن عثمان- عن المدائني عن عبد الملك بن عمير- عن عبد الله بن شداد قال- حلفت عائشة لا تأكل شواء أبدا بعد قتل محمد- فلم تأكل شواء حتى لحقت بالله- و ما عثرت قط إلا قالت تعس معاوية بن أبي سفيان- و عمرو بن العاص و معاوية بن حديج- .

قال إبراهيم و قد روى هاشم أن أسماء بنت عميس- لما جاءها نعي محمد ابنها و ما صنع به- قامت إلى مسجدها و كظمت غيظها حتى تشخبت دما- . قال إبراهيم و روى ابن عائشة التيمي- عن رجاله عن كثير النواء- أن أبا بكر خرج‏ في حياة رسول الله ص في غزاة- فرأت أسماء بنت عميس و هي تحته- كأن أبا بكر مخضب بالحناء رأسه و لحيته- و عليه ثياب بيض فجاءت إلى عائشة فأخبرتها- فقالت إن صدقت رؤياك فقد قتل أبو بكر- إن خضابه الدم و إن ثيابه أكفانه ثم بكت- فدخل النبي ص و هي كذلك- فقال ما أبكاها فقالوا يا رسول الله ما أبكاها أحد- و لكن أسماء ذكرت رؤيا رأتها لأبي بكر فأخبر النبي صفقال ليس كما عبرت عائشة و لكن يرجع أبو بكر صالحا- فيلقى أسماء فتحمل منه بغلام فتسميه محمدا- يجعله الله غيظا على الكافرين و المنافقين- .

قال فكان كما أخبر ص- . قال إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال- فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان- عند قتل محمد بن أبي بكر و كنانة بن بشر أما بعد- فإنا لقينا محمد بن أبي بكر- و كنانة بن بشر في جموع من أهل مصر- فدعوناهم إلى الكتاب و السنة فعصوا الحق- فتهولوا في الضلال فجاهدناهم- و استنصرنا الله جل و عز عليهم- فضرب الله وجوههم و أدبارهم و منحنا أكتافهم- فقتل محمد بن أبي بكر و كنانة بن بشر- و الحمد لله رب العالمين- .

قال إبراهيم و حدثني محمد بن عبد الله عن المدائني عن الحارث بن كعب بن عبد الله بن قعين عن حبيب بن عبد الله قال و الله إني لعند علي جالس- إذ جاءه عبد الله بن معين و كعب بن عبد الله- من قبل محمد بن أبي بكر يستصرخانه قبل الوقعة- فقام علي فنادى في الناس الصلاة جامعة- فاجتمع الناس فصعد المنبر- فحمد الله و أثنى‏ عليه- و ذكر رسول الله ص فصلى عليه- ثم قال أما بعد- فهذا صريخ محمد بن أبي بكر و إخوانكم من أهل مصر- قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله و عدو من والاه- و ولي من عادى الله- فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم- و الركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا- على باطلهم و ضلالتهم منكم على حقكم- فكأنكم بهم و قد بدءوكم و إخوانكم بالغزو- فاعجلوا إليهم بالمواساة و النصر عباد الله- إن مصر أعظم من الشام و خير أهلا فلا تغلبوا على مصر- فإن بقاء مصر في أيديكم عز لكم و كبت لعدوكم- اخرجوا إلى الجرعة- قال و الجرعة بين الحيرة و الكوفة- لنتوافى هناك كلنا غدا إن شاء الله- .

قال فلما كان الغد خرج يمشى فنزلها بكرة- فأقام بها حتى انتصف النهار- فلم يوافه مائة رجل فرجع- فلما كان العشي بعث إلى الأشراف فجمعهم- فدخلوا عليه القصر و هو كئيب حزين-فقال الحمد لله على ما قضى من أمر و قدر من فعل- و ابتلاني بكم أيها الفرقة التي لا تطيع إذا أمرتها- و لا تجيب إذا دعوتها لا أبا لغيركم- ما ذا تنتظرون بنصركم و الجهاد على حقكم- الموت خير من الذل في هذه الدنيا لغير الحق- و الله إن جاءني الموت و ليأتيني- لتجدنني لصحبتكم جدا قال- أ لا دين يجمعكم أ لا حمية تغضبكم- أ لا تسمعون بعدوكم ينتقص بلادكم و يشن الغارة عليكم- أ و ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام الظلمة- فيتبعونه على غير عطاء و لا معونة- و يجيبونه في السنة المرة و المرتين و الثلاث- إلى أي وجه شاء ثم أنا أدعوكم- و أنتم أولو النهى و بقية الناس- تختلفون و تفترقون عني و تعصونني و تخالفون علي-فقام إليه مالك بن كعب الأرحبي فقال- يا أمير المؤمنين اندب الناس معي- فإنه لا عطر بعد عروس- و إن الأجر لا يأتي إلا بالكرة- ثم التفت إلى الناس- و قال اتقوا الله و أجيبوا دعوة إمامكم و انصروا دعوته- و قاتلوا عدوكم إنا نسير إليهم يا أمير المؤمنين- فأمر علي سعدا مولاه أن ينادي- ألا سيروا مع مالك بن كعب إلى مصر- و كان وجها مكروها فلم يجتمعوا إليه شهرا- فلما اجتمع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالك بن كعب فعسكر بظاهر الكوفة و خرج معه علي- فنظر فإذا جميع من خرج نحو من ألفين- فقال علي سيروا و الله ما أنتم- ما إخالكم تدركون القوم حتى ينقضي أمرهم- .

فخرج مالك بهم و سار خمس ليال- و قدم الحجاج بن غزية الأنصاري على علي و قدم عليه عبد الرحمن بن المسيب الفزاري من الشام- فأما الفزاري فكان عينا لعلي ع لا ينام- و أما الأنصاري فكان مع محمد بن أبي بكر- فحدثه الأنصاري بما عاين و شاهد و أخبره بهلاك محمد- و أخبره الفزاري أنه لم يخرج من الشام- حتى قدمت البشرى من قبل عمرو بن العاص- يتبع بعضها بعضا بفتح مصر و قتل محمد بن أبي بكر- و حتى أذن معاوية بقتله على المنبرو قال يا أمير المؤمنين- ما رأيت يوما قط سرورا- مثل سرور رأيته بالشام- حين أتاهم قتل محمد بن أبي بكر- فقال علي أما إن حزننا على قتله على قدر سرورهم به- لا بل يزيد أضعافا- .

قال فسرح علي عبد الرحمن بن شريح إلى مالك بن كعب- فرده من الطريققال و حزن علي على محمد بن أبي بكر حتى رئي ذلك فيه- و تبين في وجهه و قام في الناس خطيبا- فحمد الله و أثنى عليه- ثم قال ألا و إن مصر قد افتتحها الفجرةأولياء الجور و الظلم- الذين صدوا عن سبيل الله و بغوا الإسلام عوجا- ألا و إن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمة الله عليه- و عند الله نحتسبه- أما و الله لقد كان ما علمت- ينتظر القضاء و يعمل للجزاء- و يبغض شكل الفاجر و يحب سمت المؤمن- إني و الله لا ألوم نفسي على تقصير و لا عجز- و إني بمقاساة الحرب لجد بصير- إني لأقدم على الحرب و أعرف وجه الحزم- و أقوم بالرأي المصيب- فأستصرخكم معلنا و أناديكم مستغيثا- فلا تسمعون لي قولا و لا تطيعون إلى أمرا- حتى تصير الأمور إلى عواقب المساءة- و أنتم القوم لا يدرك بكم الثأر- و لا تنقض بكم الأوتار- دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع و خمسين ليلة- فجرجرتم علي جرجرة الجمل الأسر- و تثاقلتم إلى الأرض تثاقل من لا نية له في الجهاد- و لا رأي له في الاكتساب للأجر- ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب ضعيف- كأنما يساقون إلى الموت و هم ينظرون فأف لكم- ثم نزل فدخل رحله  قال إبراهيم فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال كتب علي إلى عبد الله بن عباس و هو على البصرة- من عبد الله علي أمير المؤمنين ع- إلى عبد الله بن عباس سلام عليك و رحمة الله و بركاته- أما بعد فإن مصر قد افتتحت- و قد استشهد محمد بن أبي بكر فعند الله عز و جل تحتسبه- و قد كنت كتبت إلى الناس- و تقدمت إليهم في بدء الأمر- و أمرتهم بإغاثته‏قبل الوقعة- و دعوتهم سرا و جهرا و عودا و بدءا- فمنهم الآتي كارها و منهم المتعلل كاذبا- و منهم القاعد خاذلا- أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجا- و أن يريحني منهم عاجلا- فو الله لو لا طمعي عند لقاء عدوي في الشهادة- و توطيني نفسي عند ذلك- لأحببت ألا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا- عزم الله لنا و لك على تقواه و هداه إنه على كل شي‏ء قدير- و السلام عليك و رحمة الله و بركاته- .

قال فكتب إليه عبد الله بن عباس- لعبد الله علي أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس- سلام على أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته- . أما بعد فقد بلغني كتابك- تذكر فيه افتتاح مصر و هلاك محمد بن أبي بكر- و إنك سألت الله ربك أن يجعل لك من رعيتك- التي ابتليت بها فرجا و مخرجا- و أنا أسأل الله أن يعلى كلمتك- و أن يغشيك بالملائكة عاجلا- و اعلم أن الله صانع لك و معز دعوتك و كابت عدوك- و أخبرك يا أمير المؤمنين- أن الناس ربما تباطئوا ثم نشطوا- فارفق بهم يا أمير المؤمنين و دارهم و منهم- و استعن بالله عليهم كفاك الله الهم- و السلام عليك و رحمة الله و بركاته- . قال إبراهيم و روي عن المدائني- أن عبد الله بن عباس قدم من البصرة على علي- فعزاه عن محمد بن أبي بكر- .

و روى المدائني أن عليا قال رحم الله محمدا كان غلاما حدثا- لقد كنت أردت أن أولي المرقال هاشم بن عتبة مصر- فإنه و الله لو وليها- لما خلى لابن العاص و أعوانه العرصة- و لا قتل إلا و سيفه في يده بلا ذم لمحمد- فلقد أجهد نفسه فقضى ما عليه قال المدائني و قيل لعلي ع- لقد جزعت على محمد بن أبي بكر يا أمير المؤمنين- فقال و ما يمنعني أنه كان لي ربيبا- و كان لبني أخا و كنت له والدا أعده ولدا
خطبة للإمام علي بعد مقتل محمد بن أبي بكر

و روى إبراهيم عن رجاله عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال خطب علي ع بعد فتح مصر- و قتل محمد بن أبي بكر فقال أما بعد فإن الله بعث محمدا نذيرا للعالمين- و أمينا على التنزيل و شهيدا على هذه الأمة- و أنتم معاشر العرب يومئذ على شر دين و في شر دار- منيخون على حجارة خشن و حيات صم- و شوك مبثوث في البلاد- تشربون الماء الخبيث و تأكلون الطعام الخبيث- تسفكون دماءكم و تقتلون أولادكم و تقطعون أرحامكم- و تأكلون أموالكم بينكم بالباطل- سبلكم خائفة و الأصنام فيكم منصوبة- و لا يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون- .

فمن الله عز و جل عليكم بمحمد- فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم- فعلمكم الكتاب و الحكمة و الفرائض و السنن- و أمركم بصلة أرحامكم و حقن دمائكم و صلاح ذات البين- و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و أن توفوا بالعهد- و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها- و أن تعاطفوا و تباروا و تراحموا- و نهاكم عن التناهب و التظالم- و التحاسد و التباغي و التقاذف- و عن شرب الخمر و بخس المكيال و نقص الميزان- و تقدم إليكم فيما يتلى عليكم- ألا تزنوا و لا تربوا و لا تأكلوا أموال‏ اليتامى ظلما- و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها- و لا تعثوا في الأرض مفسدين- و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين- و كل خير يدني إلى الجنة- و يباعد عن النار أمركم به- و كل شر يدني إلى النار و يباعد عن الجنة نهاكم عنه- فلما استكمل مدته توفاه الله إليه سعيدا حميدا- فيا لها مصيبة خصت الأقربين و عمت المسلمين- ما أصيبوا قبلها بمثلها- و لن يعاينوا بعدها أختها- فلما مضى لسبيله ص تنازع المسلمون الأمر بعده- فو الله ما كان يلقى في روعي و لا يخطر على بالي- أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد عن أهل بيته- و لا أنهم منحوه عني من بعده- فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر- و إجفالهم إليه ليبايعوه فأمسكت يدي- و رأيت أني أحق بمقام محمد ص في الناس- ممن تولى الأمر من بعده- فلبثت بذاك ما شاء الله- حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام- يدعون إلى محق دين الله و ملة محمد ص- فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما و هدما- يكون المصاب بهما علي أعظم من فوات ولاية أموركم- التي إنما هي متاع أيام قلائل- ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب- و كما يتقشع السحاب- فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته- و نهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل و زهق- و كانت كلمة الله هي العليا و لو كره الكافرون- فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر و سدد- و قارب و اقتصد و صحبته مناصحا- و أطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا- و ما طمعت أن لو حدث به حادث و أنا حي- أن يرد إلي الأمر الذي نازعته فيه طمع مستيقن- و لا يئست منه يأس من لا يرجوه- و لو لا خاصة ما كان بينه و بين عمر- لظننت أنه لا يدفعها عني- فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه- فسمعنا و أطعنا و ناصحنا-و تولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة- حتى إذا احتضر فقلت في نفسي- لن يعدلها عني ليس يدافعها عني- فجعلني سادس ستة- فما كانوا لولاية أحد منهم أشد كراهة لولايتي عليهم- كانوا يسمعون عند وفاة رسول الله ص لجاج أبي بكر- و أقول يا معشر قريش إنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم- ما كان فينا من يقرأ القرآن- و يعرف السنة و يدين بدين الحق- فخشي القوم إن أنا وليت عليهم- ألا يكون لهم من الأمر نصيب ما بقوا- فأجمعوا إجماعا واحدا- فصرفوا الولاية إلى عثمان- و أخرجوني منها رجاء أن ينالوها- و يتداولوها إذ يئسوا أن ينالوا بها من قبلي- ثم قالوا هلم فبايع و إلا جاهدناك- فبايعت مستكرها و صبرت محتسبا-

فقال قائلهم يا ابن أبي طالب إنك على هذا الأمر لحريص- فقلت أنتم أحرص مني و أبعد أينا أحرص- أنا الذي طلبت ميراثي- و حقي الذي جعلني الله و رسوله أولى به- أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه- و تحولون بيني و بينه فبهتوا- و الله لا يهدي القوم الظالمين- اللهم إني أستعديك على قريش- فإنهم قطعوا رحمي- و أضاعوا إياي و صغروا عظيم منزلتي- و أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه- ثم قالوا ألا إن في الحق أن تأخذه و في الحق أن تمنعه- فاصبر كمدا أو مت أسفا حنقا- فنظرت فإذا ليس معي رافد و لا ذاب- و لا ناصر و لا ساعد إلا أهل بيتي- فضننت بهم عن المنية و أغضيت على القذى- و تجرعت ريقي على الشجا- و صبرت من كظم الغيظ علي أمر من العلقم- و آلم للقلب من حز الشفار- حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه- ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم- و أمسكت يدي فنازعتموني و دافعتموني- و بسطتم يدي فكففتها و مددتموها فقبضتها- و ازدحمتم علي حتى ظننت- أن بعضكم قاتل بعضكم أو أنكم قاتلي-

فقلتم بايعنا لا نجد غيرك و لا نرضى إلا بك- بايعنالا نفترق و لا تختلف كلمتنا- فبايعتكم و دعوت الناس إلى بيعتي- فمن بايع طوعا قبلته- و من أبى لم أكرهه و تركته- فبايعني فيمن بايعني طلحة و الزبير- و لو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما- فما لبثا إلا يسيرا حتى بلغني أنهما- خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة- في جيش ما منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة- و سمح لي بالبيعة فقدما على عاملي و خزان بيت مالي- و على أهل مصري الذين كلهم على بيعتي و في طاعتي- فشتتوا كلمتهم و أفسدوا جماعتهم- ثم وثبوا على شيعتي من المسلمين- فقتلوا طائفة منهم غدرا و طائفة صبرا- و منهم طائفة غضبوا لله و لي- فشهروا سيوفهم و ضربوا بها- حتى لقوا الله عز و جل صادقين-

فو الله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله- لحل لي به قتل ذلك الجيش بأسره- فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر- من العدة التي دخلوا بها عليهم و قد أدال الله منهم- فبعدا للقوم الظالمين- ثم إني نظرت في أمر أهل الشام- فإذا أعراب أحزاب و أهل طمع جفاة طغاة- يجتمعون من كل أوب- من كان ينبغي أن يؤدب و أن يولى عليه و يؤخذ على يده- ليسوا من الأنصار و لا المهاجرين و لا التابعين بإحسان- فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة و الجماعة- فأبوا إلا شقاقا و فراقا- و نهضوا في وجوه المسلمين ينضحونهم بالنبل- و يشجرونهم بالرماح- فهناك نهدت إليهم بالمسلمين فقاتلتهم- فلما عضهم السلاح و وجدوا ألم الجراح- رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها- فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين و لا قرآن- و أنهم رفعوها مكيدة و خديعة و وهنا و ضعفا- فامضوا على حقكم و قتالكم- فأبيتم علي و قلتم اقبل منهم- فإن أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا- على ما نحن عليه منالحق- و إن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم- فقبلت منهم و كففت عنهم إذ ونيتم و أبيتم- فكان الصلح بينكم و بينهم على رجلين- يحييان ما أحيا القرآن و يميتان ما أمات القرآن- فاختلف رأيهما و تفرق حكمهما- و نبذا ما في القرآن و خالفا ما في الكتاب- فجنبهما الله السداد و دلاهما في الضلالة- فانحرفت فرقة منا فتركناهم ما تركونا- حتى إذا عثوا في الأرض يقتلون و يفسدون- أتيناهم فقلنا ادفعوا إلينا قتلة إخواننا- ثم كتاب الله بيننا و بينكم قالوا- كلنا قتلهم و كلنا استحل دماءهم- و شدت علينا خيلهم و رجالهم- فصرعهم الله مصارع الظالمين-

فلما كان ذلك من شأنهم- أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم- فقلتم كلت سيوفنا و نفدت نبالنا- و نصلت أسنة رماحنا و عاد أكثرها قصدا- فارجع بنا إلى مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا- فإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا و فارقنا- فإن ذلك أقوى لنا على عدونا فأقبلت بكم- حتى إذا أطللتم على الكوفة أمرتكم- أن تنزلوا بالنخيلة و أن تلزموا معسكركم- و أن تضموا قواصيكم و أن توطنوا على الجهاد أنفسكم- و لا تكثروا زيارة أبنائكم و نسائكم- فإن أهل الحرب المصابروها- و أهل التشمير فيها الذين لا ينقادون من سهر ليلهم- و لا ظمإ نهارهم و لا خمص بطونهم و لا نصب أبدانهم- فنزلت طائفة منكم معي معذرة- و دخلت طائفة منكم المصر عاصية- فلا من بقي منكم صبر و ثبت- و لا من دخل المصر عاد و رجع-

فنظرت إلى معسكري و ليس فيه خمسون رجلا- فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم- فلم أقدر على أن تخرجوا معي إلى يومنا هذا فما تنتظرون- أ ما ترون أطرافكم قد انتقصت و إلى مصر قد فتحت- و إلى شيعتي بها قد قتلت- و إلى مسالحكم تعرى و إلى بلادكم تغزى- و أنتم ذوو عدد كثيرو شوكة و بأس شديد فما بالكم- لله أنتم من أين تؤتون و ما لكم تؤفكون و أنى تسحرون- و لو أنكم عزمتم و أجمعتم لم تراموا- إلا أن القوم تراجعوا و تناشبوا و تناصحوا- و أنتم قد ونيتم و تغاششتم و افترقتم- ما إن أنتم إن ألممتم عندي على هذا بسعداء- فانتهوا بأجمعكم و أجمعوا على حقكم- و تجردوا لحرب عدوكم و قد أبدت الرغوة عن الصريح- و بين الصبح لذي عينين إنما تقاتلون الطلقاء- و أبناء الطلقاء و أولي الجفاء و من أسلم كرها- و كان لرسول الله ص أنف الإسلام كله حربا- أعداء الله و السنة و القرآن و أهل البدع و الأحداث- و من كان بوائقه تتقى و كان عن الإسلام منحرفا- أكلة الرشا و عبدة الدنيا- لقد أنهي إلي أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه- و شرط له أن يؤتيه ما هي أعظم مما في يده من سلطانه- ألا صفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا- و خزيت أمانة هذا المشتري نصرة فاسق- غادر بأموال المسلمين- و إن فيهم من قد شرب فيكم الخمر و جلد الحد- يعرف بالفساد في الدين و الفعل السيئ- و إن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له رضيخه- فهؤلاء قادة القوم- و من تركت ذكر مساوئه من قادتهم مثل من ذكرت منهم- بل هو شر- و يود هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم- فأظهروا فيكم الكفر و الفساد و الفجور و التسلط بجبرية- و اتبعوا الهوى و حكموا بغير الحق- و لأنتم على ما كان فيكم من تواكل و تخاذل- خير منهم و أهدى سبيلا- فيكم العلماء و الفقهاء و النجباء و الحكماء- و حملة الكتاب و المتهجدون بالأسحار- و عمار المساجد بتلاوة القرآن- أ فلا تسخطون و تهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم- و الأشرار الأراذل منكم-

فاسمعوا قولي و أطيعوا أمري- فو الله لئن أطعتموني لا تغوون- و إن عصيتموني لا ترشدون- خذوا للحرب أهبتها و أعدوا لها عدتها- فقد شبت نارها و علا سنانها- و تجرد لكم فيها الفاسقون- كي يعذبوا عباد الله و يطفئوا نور الله- ألا إنه ليس أولياء الشيطان- من أهل الطمع و المكر و الجفاء بأولى في الجد- في غيهم و ضلالتهم من أهل البر- و الزهادة و الإخبات في حقهم و طاعة ربهم- إني و الله لو لقيتهم فردا و هم ملأ الأرض- ما باليت و لا استوحشت- و إني من ضلالتهم التي هم فيها و الهدى الذي نحن عليه- لعلى ثقة و بينة و يقين و بصيرة- و إني إلى لقاء ربي لمشتاق و لحسن ثوابه لمنتظر- و لكن أسفا يعتريني و حزنا يخامرني- أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها و فجارها- فيتخذوا مال الله دولا و عباده خولا و الفاسقين حزبا- و ايم الله لو لا ذلك لما أكثرت تأنيبكم و تحريضكم- و لتركتكم إذ ونيتم و أبيتم حتى ألقاهم بنفسي- متى حم لي لقاؤهم- فو الله إني لعلى الحق و إني للشهادة لمحب- فانفروا خفافا و ثقالا- و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله- ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون- و لا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف- و تبوءوا بالذل و يكن نصيبكم الخسران- إن أخا الحرب اليقظان و من ضعف أودى- و من ترك الجهاد كان كالمغبون المهين- اللهم اجمعنا و إياهم على الهدى- و زهدنا و إياهم في الدنيا- و اجعل الآخرة خيرا لنا و لهم من الأولى

خبر مقتل محمد بن أبي حذيفة

قال إبراهيم- و حدثني محمد بن عبد الله بن عثمان عن المدائني- أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس- أصيب لما فتح عمرو بن العاص مصر- فبعث به‏ إلى معاوية بن أبي سفيان و هو يومئذ بفلسطين- فحبسه معاوية في سجن له- فمكث فيه غير كثير ثم هرب و كان ابن خال معاوية- فأرى معاوية الناس أنه كره انفلاته من السجن- و كان يحب أن ينجو- فقال لأهل الشام من يطلبه- فقال رجل من خثعم يقال له عبيد الله بن عمرو بن ظلام- و كان شجاعا و كان عثمانيا أنا أطلبه- فخرج في خيل فلحقه بحوارين- . و قد دخل بغار هناك فجاءت حمر فدخلته- فلما رأت الرجل في الغار فزعت و نفرت- فقال حمارون كانوا قريبا من الغار- إن لهذه الحمر لشأنا- ما نفرها من هذا الغار إلا أمر فذهبوا ينظرون- فإذا هم به فخرجوا به- فوافاهم عبد الله بن عمرو بن ظلام- فسألهم و وصفه لهم فقالوا ها هو هذا فجاء حتى استخرجه- و كره أن يصير به إلى معاوية فيخلي سبيله- فضرب عنقه رحمه الله تعالى

 

شرح‏ نهج‏ البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 6 

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.