خطبه 227 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام
القسم الأول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ- وَ لَا تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ- وَ لَا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ- وَ لَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ- الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ- وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ- وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ لَهُ- الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ- وَ ارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ- وَ قَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ- وَ عَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ- مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ- وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ- وَ بِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ- وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ وَ دَائِمٌ لَا بِأَمَدٍ وَ قَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ- تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لَا بِمُشَاعَرَةٍ- وَ تَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِي لَا بِمُحَاضَرَةٍ- لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا- وَ بِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا وَ إِلَيْهَا حَاكَمَهَا- لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً- وَ لَا بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً- بَلْ كَبُرَ شَأْناً وَ عَظُمَ سُلْطَاناً وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ الصَّفِيُّ- وَ أَمِينُهُ الرَّضِيُّ ص أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ وَ ظُهُورِ الْفَلَجِ وَ إِيضَاحِ الْمَنْهَجِ- فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا- وَ حَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دَالًّا عَلَيْهَا- وَ أَقَامَ أَعْلَامَ الِاهْتِدَاءِ وَ مَنَارَ الضِّيَاءِ- وَ جَعَلَ أَمْرَاسَ الْإِسْلَامِ مَتِينَةً- وَ عُرَى الْإِيمَانِ وَثِيقَةً

اللغة
أقول:

المشاهد: المحاضر و المجالس.

و المرائى: جمع مرآة بفتح الميم و هى المنظر يقال: فلان حسن في مرآة العين و في رأى العين: أى في المنظر.

و الفلج: الظفر و أصله بسكون اللام.

و الأمراس: جمع مرس بفتح الراء و هى جمع مرسة و هى الحبل.

المعنى
و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات من التنزيه:
الأوّل: كونه لا تدركه الشواهد
و أراد الحواسّ، و سمّاها شواهد لكونها تشهد ما تدركه و تحضر معه، و قد علمت تنزيهه عن إدراك الحواسّ غير مرّة.
الثاني: و لا تحويه المشاهد
و قد علمت تنزيهه تعالى عن الأمكنة و الأحياز.
الثالث: و لا تراه النواظر
أى نواظر الأبصار، و إنّما خصّص البصر بالذكر بعد ذكر الشواهد لظهور تنزيهه تعالى عن ساير الحواسّ و وقوع الشبهة و قوّتها في أذهان كثير من الخلق في جواز إدراكه تعالى بهذه الحاسّة حتّى أنّ مذهب كثير من العوامّ أن تنزيهه تعالى عن ذلك ضلال بل كفر تعالى اللّه عمّا يقول العادلون.
الرابع: و لا تحجبه السواتر
و قد علمت أنّ السواتر الجسمانيّة إنّما تعرض للأجسام و عوارضها، و علمت تنزيهه تعالى عن ذلك.
الخامس: كونه دالّا على قدمه بحدوث خلقه
و اعلم أنّه عليه السّلام جعل حدوث خلقه هنا دالّا على الأمرين: أحدهما: قدمه تعالى. و الثاني: وجوده. و قد سبق تقرير ذلك في قوله عليه السّلام: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه و بحدوث خلقه على أزليّته. غير أنّه جعل هناك الدليل على الوجود هو نفس الخلق و جعله هنا هو الحدوث، و لمّا كان مجرّد الوجود للممكنات و خلقها يدلّ على وجود صانع لها فأولى أن يدلّ حدوثها عليه. و قدمه و أزليّته واحد.
السادس
و كذلك مرّ تقرير قوله: و باشتباههم على أن لا شبيه له. في الفصل المذكور.

السابع: الّذي صدق في ميعاده،
و صدقه تعالى يعود إلى مطابقة ما نطقت به كتبه على ألسنه رسله الصادقين عليهم السّلام للواقع في الوجود ممّا وعد به أمّا في الدنيا كما وعد به رسوله و المؤمنين بالنصر أو الاستخلاف في الأرض كقوله تعالى وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها«» الآية و قوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ«» و أمّا في الآخرة كما وعد عباده الصالحين بما أعدّ لهم في الجنّة من الثواب الجزيل، و الخلف في الوعد كذب و هو على اللّه سبحانه محال، و هو كقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ«».
الثامن: و ارتفع عن ظلم عباده
و هو تنزيه له عن حال ملوك الأرض الّذين من شأنهم ظلم رعيّتهم إذا رأوا أنّ ذلك أولى بهم، و أنّ فيه منفعة ولدّة أو في تركه ضرر و تألّم، و كلّ ذلك من توابع الأمزجة و عوارض البشريّة المحتاج إلى تحصيل الكمال الحقيقى أو الوهمىّ. و جناب الحقّ تعالى منزّه عن ذلك.
التاسع: و قام بالقسط في خلقه
فقيامه بالقسط و هو العدل فيهم و إجراؤه لأحكامه في مخلوقاته على وفق الحكمة و النظام الأكمل و هو أمر ظاهر و كذلك عدله عليهم في حكمه.
العاشر: كونه يستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته.
و الاستشهاد الاستدلال، و كرّره هنا تأكيدا باختلاف العبارة.
الحادى عشر: و بما و سمها به من العجز عن قدرته.
العجز عبارة عن عدم القدرة عمّا من شأنه أن يقدر. إذ لا يقال مثلا للجدار: إنّه عاجز، و قد علمت أنّ كلّ موجود سواه فهو موصوف و موسوم بعدم القدرة على ما يختصّ به قدرته تعالى من الموجودات بل بعدم القدرة على شي‏ء أصلا. إذ كلّ موجود فهو منته في سلسلة الحاجة إليه و هو تعالى مبدء وجوده. و ساير ما يعدّ سببا له فإنّما هو واسطة معدّة كما علم تحقيقه في موضع آخر فإذن لا قدرة في الحقيقة إلّا له و منه. و وجه الاستدلال أنّه لو كان موسوما بالعجز عن شي‏ء لما كان مبدء له لكنّه مبدءلكلّ موجود فهو ثابت القدرة تامّها.
الثاني عشر: و بما اضطرّها إليه من الفناء دوامه.
و اضطراره لها إلى الفناء حكم قدرته القاهرة على ما استعدّ منها للعدم بإفاضة صورة العدم عليه حين استعداده لذلك على وفق قضائه تعالى بذلك، و هو المشار إليه بقوله تعالى وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ«» و وجه الاستدلال أنّه تعالى لو كان مضطرّا إلى الفناء كساير الأشياء لكان جايز الفناء فكان ممكنا لكن التالى باطل فهو واجب الوجود دائما.
الثالث عشر، كونه تعالى واحدا لا بعدد
أى أنّه ليس واحدا بمعنى أنّه مبدء لكثرة يكون عادّا لها و مكيالا، و قد سبق بيان ذلك، و بيان إطلاق وجه الوحدة عليه، و بأىّ معنى هو غير مرّة. فلا معنى لإعادته.
الرابع عشر: كونه دائما لا بأمد
و قد سبق أيضا بيان أنّ كونه دائما بمعنى أنّ وجوده مساوق لوجود الزمان. إذ كان تعالى هو موجد الزمان بعد مراتب من خلقه، و مساوقة الزمان لا يقتضى الكون في الزمان، و لمّا كان الأمد هو الغاية من الزمان و منتهى المدّة المضروبة لذى الزمان من زمانه، و ثبت أنّه تعالى ليس بذى زمان يعرض له الأمد ثبت أنّه دائم لا أمد له.
الخامس عشر: كونه قائما لا بعمد
أى بعمد ثابت الوجود من غير استناد إلى سبب يعتمد عليه و يقيمه في الوجود كساير الموجودات الممكنة، و ذلك هو معنى كونه واجب الوجود، و قد أشرنا إلى برهان ذلك في قوله: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه. و كثير من قرائن هذا الفصل موجود هناك.
السادس عشر: كونه تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة،
و تلقّى الأذهان له يعود إلى استقبالها و تقبّلها لما يمكنها أن يتصوّره به من صفاته السلبيّة و الإضافيّة، و كون ذلك لا بمشاعرة: أى ليس تلقّيها لتلك التصوّرات من طريق المشاعرة و هى الحواسّ، و لا على وجه شعورها بما يشعر به منها، بل تتلقّاها على وجه أعلى‏ و أشرف بتعقّل صرف برىّ عن علايق الموادّ مجرّد عن إدراك الحواسّ و توابع إدراكاتها من الوضع و الأين و المقدار و الكون و غير ذلك.
السابع عشر: كونه و تشهد له المرائى لا بمحاضرة.
إشارة إلى كون المرائى و النواظر طرقا للعقول إلى الشهادة بوجوده تعالى في آثار قدرته و لطايف صنعته و ما يدرك بحسّ البصر منها، و لوضوح العلم به تعالى و شهادة العقول بوجوده في المدركات بهذه الآلة صار كأنّه تعالى مشاهد مرئىّ فيها و إن لم تكن هذه الآلة محاضرة له و لا يتعلّق إدراكها به، و يحتمل أن يريد بالمرائى المرئيّات الّتي هى مجال أبصار الناظرين و مواقعها. و ذلك أنّ وجودها و ما اشتملت عليه من الحكمة شاهد بوجود الصانع سبحانه من غير حضور و محاضرة حسيّة كما عليه الصنّاع في صنايعهم من محاضرتها و مباشرتها.
الثامن عشر: كونه تعالى لم تحط به الأوهام.
لمّا كان تعالى غير مركّب لم يمكن الإحاطة به بعقل أو وهم البتّة، و الأوهام أولى بذلك. إذ كانت إنّما يتعلّق بالمعانى الجزئيّة المتعلّقة بالمحسوسات و الموادّ الجسمانيّة فيترتّب في تنزيهه تعالى عن إحاطة الأوهام به قياس هكذا: لا شي‏ء من مسمّى واجب الوجود بمدرك بمادّة و وضع. و كلّ مدرك للوهم فهو متعلّق بذى مادّة و وضع. ينتج لا شي‏ء ممّا هو واجب الوجود بمدرك للأوهام أصلا فضلا أن يحيط به و يطّلع على حقيقته.و قد مرّ ذلك مرارا.
التاسع عشر: كونه تعالى تجلّى لها
و لمّا ثبت أنّها لا تدرك إلّا ما كان معنى جزئيّا في محسوس فمعنى تجلّيه لها هو ظهوره لها في صورة وجود ساير مدركاتها من جهة من هو صانعها و موجدها. إذ كانت الأوهام عند اعتبارها لأحوال أنفسها من وجوداتها و عوارض وجوداتها و التغيّرات اللاحقة لها مشاهدة لحاجتها إلى موجد و مقيم و مغيّر و مساعدة للعقول على ذلك، و أنّ إدراكها لذلك في أنفسها على وجه جزئىّ مخالف لإدراك العقول، و كانت مشاهدة له بحسب ما طبعت عليه و بقدر إمكانها و هو متجلّى لها كذلك. و الباء في- بها- للسببيّة. إذ وجودها هو السبب المادىّ في تجلّيه لها، و يحتمل أن يكون بمعنى في: أى تجلّى لها في وجودها. و بل هنا للإضراب عمّا امتنع منها من الإحاطة به، و الإثبات لما أمكن و وجب في تجلّيه لها.
العشرون: و بها امتنع منها
أى لمّا خلقت قاصرة عن إدراك المعاني الكليّة و عن التعلّق بالمجرّدات كانت بذلك مبدء الامتناعه عن إدراكها له و إن كان لذلك الامتناع أسباب اخر اوليها: كونه بريئا عن أنحاء التراكيب، و يحتمل أن يريد بقوله: بها: أى أنّها لمّا خلقت على ذلك القصور و كان هو تعالى ممتنع الإدراك بالكنه اعترفت عند توجّهها إليه و طلبتها لمعرفته بالعجز عن إدراكه و أنّه ممتنع عنها فيها: أى باعترافها امتنع منها.
الحادى و العشرون: كونه إليها حاكمها
أى جعلها حكما بينها و بينه عند رجوعها من توجّهها في طلبه منجذبة خلف العقول حسرة معترفة بأنّه لا تنال بجود الاعتساف كنه معرفته، و لا يخطر ببال اولى الرويّات خاطر من تقدير جلاله مقرّة بحاجتها و استغنائه و نقصانها و كماله و مخلوقيّتها و خالقيّته. إلى غير ذلك بما لها من صفات المصنوعيّة، و له من صفات الصانعيّة موافقة للعقول في تلك الأحكام.
و استناد المحاكمة إليها مجاز لمناسبته ما ذكرناه، و قال بعض الشارحين: أراد بالأوهام هاهنا العقول، و ظاهر أنّها لا تحيط به لكونه غير مركّب محدود. و تجلّيه لها هو كشف ما يمكن أن يصل إليه العقول من صفاته الإضافيّة و السلبيّة. و قوله: و بها امتنع منها. أى بالعقول و نظرها علم أنّها لا تدركه. و قوله: إليها حاكمها: أى جعل العقول المدّعية أنّها أحاطت به و أدركته كالخصوم له سبحانه. ثمّ حاكمها إلى العقول السليمة الصحيحة. فحكمت له العقول السليمة على المدّعية لما ليست أهلا له. و ما ذكره هذا الفاضل محتمل إلّا أنّ إطلاق لفظ الأوهام على العقول إن صحّ فمجاز بغير قرينة و عدول عن الحقيقة من غير ضرورة، و قال غيره: أراد لم تحط به أهل الأوهام. فحذف المضاف‏ و عند تأمّل ما بيّناه يلوح أنّه هو مراده عليه السّلام أو قريب منه، و هذه الألفاظ اليسيرة من لطائف إشاراته عليه السّلام و إطلاقه على أسرار الحكمة.
الثاني و العشرون: كونه تعالى ليس بذى كبر. إلى قوله: تجسيما.
الكبير يقال لعظيم الحجم و المقدار، و يقال لعالى السنّ من الحيوان، و يقال لعظيم القدر و رفيعه. و مراده نفى الكبر عنه بالمعنى الأوّل. إذ من لوازم ذلك كون الكبر ممتدّا في الجهات الثلاث طولا و عرضا و عمقا فيحصل الكبير الجسمىّ، و قد تقدّس تعالى عن ذلك، و تقدّسه عن الكبر بالمعنى الثاني ظاهر. و تجسيما مصدر في موضع الحال: أى فكبّرته مجسّما له أو مجسّمة، و إنّما أسند الامتداد به إلى النهايات لأنّها غاية الطبيعة بالامتداد يقف عندها و ينتهى بها فكانت من الأسباب الغائية فلذلك أسند إليها، و كذلك إسناد التكبير إليها. إذ كان التكبير من لوازم الامتداد إليها.
الثالث و العشرون: و لا بذى عظم، إلى قوله: تجسيدا،
و العظيم يقال على الكبير بالمعنى الأوّل و الثالث دون الثاني، و مراده سلب العظيم عنه بالمعنى الأوّل لما مرّ، و إسناد التناهى إلى الغايات ظاهر. إذ كانت سببا لوقوفه و بها انقطع و إليها يبلغ، و كذلك إسناد التعظيم إليها كإسناد التكبير و إن أسند التناهى إليه بها جاز.
الرابع و العشرون:كونه كبر شأنا.
الخامس و العشرون: كونه عظم سلطانا.
لمّا سلب الكبر و العظم عنه بالمعنيين الأوّلين أشار إلى أنّ إطلاقهما عليه بالمعنى الثالث. و نصب شأنا و سلطانا على التميز. فهو الكبير شأنا إذ لا شأن أعلى من شأنه، و العظيم سلطانا إذ لا سلطان أرفع من سلطانه، و هو مبدء شأن كلّ ذى شأن، و منتهى سلطان كلّ ذى سلطان لا إله إلّا هو الكبير المتعال ذو الكبرياء و العظمة و الجلال. ثمّ أردف تمجيده تعالى بما هو أهله بالكلمة المتمّمة لكلمة الإخلاص و الشهادة الّتي هى مبدء لكمال القوّة العلميّة من النفوس البشريّة بعد كمال قوّتها النظريّة بالشهادة الاولى.

و ظاهر كونه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صفيّا للّه و أمينا على وحيه و مرتضى لذلك. ثمّ أردف ذلك بالإشارة إلى كونه رسولا، و إلى وجوه ما ارسل به و هو وجوب الحجج، و أراد بها إمّا المعجزات أو ما هو أعمّ من ذلك و هو ما يكون حجّة للّه على خلقه في تكليفهم أن يقولوا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتّبع آياتك. و يدخل في ذلك دلائل الأحكام و طرق الدين التفصيليّة. و كونه ارسل بوجوبها: أى وجوب قبولها على الخلق و وجوب العمل على وفقها، و ظهور الفلج و هو الظهور على سائر الأديان و الظفر بأهلها و بالعادلين باللّه و الجاحدين له، و إيضاح المنهج و هى طريق اللّه و شريعته. و ظاهر كونه موضحا لها و مبيّنا، و إلى ذلك الإشارة بقوله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ«» فالهدى هو إيضاح المنهج، و قوله: ليظهره على الدين كلّه إشارة إلى بعض غايات بعثته و هى المراد بظهور الفلج، و روى بضمّ الفاء و اللام و هو بضمّ الفاء و سكون اللام للفوز، و يجوز ضمّ اللام للشاعر و الخطيب.
و قوله: فبلّغ الرسالة. إلى آخره.
و قوله: فبلّغ الرسالة. إلى آخره. إشارة إلى أدائه الأمانة فيما حمّل من الوحى، و صدعه بالرسالة إظهارها و المجاهرة بها، و قد علمت أن أصل الصدع الشقّ فكأنّه شقّ بالمجاهرة بها عصا المشركين و فرّق ما اجتمع من شرّهم، و حمله على المحجّة- و هى طريق اللّه الواضحة و شريعته- دعوته إليها و جذبه للخلق إلى سلوكها بالحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالّتي هى أحسن. ثمّ بالسيف لمن لم تنفعه المجادلة. و أراد بأعلام الاهتداء أدلّته و هى المعجزات و قوانين الدين الكلّيّة، و كذلك منار الضياء و إقامته له إظهارها و إلقاؤها إلى الخلق، و لفظ المحجّة و الأعلام و المنار مستعارة كما سبق غير مرّة. و صادعا و دالّا نصب على الحال. و استعار لفظ الأمراس و العرى لما يتمسّك به من الدين و الإيمان، و رشّح بذكر المتانة و الوثاقة، و أشار بجعله كذلك إلى تثبيت قواعد الإسلام و غرسها في قلوب الخلق واضحة جليّة بحيث تكون عصمة للتمسّك بها في طلب النجاة من مخاوف الدارين، و سببا لا ينقطع دون الغاية القصوى. و باللّه‏ التوفيق.

القسم الثاني منها: فى صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات:
وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَ جَسِيمِ النِّعْمَةِ- لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ وَ خَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ- وَ لَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَ الْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ- أَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ- وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ- وَ سَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَ الْبَشَرَ- انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَةِ هَيْئَتِهَا- لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَ لَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ- كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا- تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا- تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا- مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا- لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ وَ لَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ- وَ لَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ وَ الْحَجَرِ الْجَامِسِ- وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا- فِي عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا- وَ مَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا- وَ مَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا- لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً- فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا- وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا- لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ- وَ لَمْ‏ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ- وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ- مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ- هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ- لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْ‏ءٍ- وَ غَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ- وَ مَا الْجَلِيلُ وَ اللَّطِيفُ وَ الثَّقِيلُ وَ الْخَفِيفُ- وَ الْقَوِيُّ وَ الضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ- وَ كَذَلِكَ السَّمَاءُ وَ الْهَوَاءُ وَ الرِّيَاحُ وَ الْمَاءُ- فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ- وَ الْمَاءِ وَ الْحَجَرِ وَ اخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ- وَ طُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ- وَ الْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ- فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ- زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ- وَ لَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ- وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا- وَ لَا تَحْقِيقٍ لِمَا- أَوْعَوْا وَ هَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ- إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ- وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ- وَ جَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ وَ فَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ- وَ جَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ وَ نَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ- وَ مِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ- يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ- وَ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ- حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا وَ تَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا- وَ خَلْقُهَا كُلُّهُ لَا يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً- فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ- طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ يُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً- وَ يُلْقِي إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ إِلَيْهِ سِلْماً وَ ضَعْفاً- وَ يُعْطِي لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وَ خَوْفاً- فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ- أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَ النَّفَسِ- وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَ الْيَبَسِ- وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا- فَهَذَا غُرَابٌ وَ هَذَا عُقَابٌ- وَ هَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامٌ- دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وَ كَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ- وَ أَنْشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا- وَ عَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا- وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا

اللغة
أقول:

الدخل: العيب.

و البشرة: ظاهر الجلد.

و الجامس: الجامد.

و الشراسيف: أطراف الأضلاع المشرفة على البطن.

و الضرب في الأرض: السياحة فيها.

و الحدقة: سواد العين.

و القمر: بياضها و ضياؤها، يقال: حدقة قمراء: مضيئة.

و أجلبوا: جمعوا. و النزوات: الوثبات.

و التعفير: التمريغ في العفر و هو التراب.

المعنى
و قوله: و لو فكّروا. إلى قوله: مدخولة. وضع حرف لو ليدلّ على امتناع الشي‏ء لامتناع غيره لكن الأغلب عليه أن يستعمل للدلالة على امتناع اللازم لامتناع ملزومه، و ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك اللازم مساويا لملزومه إمّا حقيقة أو وضعا.
و الثاني: أن يكون الملزوم علّة لذلك ليلزم من رفع الملزوم رفع اللازم و يمكن الاستدلال به فأمّا إذا لم يكونا كذلك جاز أن يدلّ به على امتناع الملزوم‏ لامتناع لازمه كما في قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا«» و قد استعمله عليه السّلام هنا بالوجه الثاني من الوجهين الأوّلين، و استدلّ على أنّ الخلق لم يرجعوا إلى طريق اللّه عن غيّهم و جهالاتهم و لم يخافوا من وعيده بعذاب الحريق في الآخرة لأنّهم لم يفكّروا فيما عظم من قدرته في خلق مخلوقاته و عجائب مصنوعاته و ما جسم من نعمته على عباده، و يحتمل أن يريد بالقدرة المقدور مجازا إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق، و كان ذلك من باب الاستدلال بعدم العلّة على عدم المعلول. إذ كان الفكر في ذلك سببا عظيما في الجذب لهم إلى اتّباع شريعته و سلوك سبيله إليها، و إليه الإشارة بقوله تعالى أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ«» و قوله أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها«» الآية و نحوه. و قوله: و لكنّ القلوب. إلى قوله: مدخولة. بيان لعدم العلّة المذكورة منهم و هو الفكر، و أشار إلى عدمها بوجود ما ينافي وجود شرطها. إذ كان كون القلوب عليلة و كون الأبصار معيبة ينافيان صحّتها و سلامتها الّذين هما شرطان في وجود الفكر الصحيح، و مع وجود المنافى لصحّة قلوبهم و سلامة أبصار بصائرهم لا يحصل الصحّة الّتي هى شرط الفكر فلا يحصل الفكر فلا يحصل معلوله و هو الرجوع إلى اللّه، و علل القلوب و ما يلحق إبصار البصائر من العيوب يعود إلى الجهل و أغشية الهيئات البدنيّة و الأخلاق الرديئة المكتسبة من جواذب الشهوات إلى خسايس اللذّات المغطّية لأنوار البصائر الحاجبة عن إدراك واضح الطريق الحقّ. و قوله: ألا ينظرون. إلى قوله: البشر. تنبيه لهم على بعض مخلوقاته تعالى و مقدوراته الّتي أشار إلى عظمة القدرة فيها. و أحسن بهذه الترتيب و التدريج الحسن فإنّك علمت من آداب الخطيب إذا أراد القول في أمر نبّه عليه أوّلا على سبيل الإجمال بقول كلّىّ ليستعدّ السامعون‏ بذلك لما يريد قوله و بيانه. ثمّ يشرع في تفصيله، و لمّا أراد عليه السّلام أن ينبّه على عظمة اللّه بتفصيل بعض مخلوقاته كالنمل و الجراد و نحوه أشار أوّلا إلى عظيم القدرة، و وبّج السامعين على إغفالهم الفكر فيها ليعلم أنّه يريد أن ينبّه على تفصيل أمر. ثمّ تلاه بالتنبيه على لطيف الصنع في صغير ما خلق و كيف أحكم خلقه و أتقن تركيبه على صغره و فلق له البصر و سوّى له العظم و لم يعيّن إلى أن استعدّت بذلك لتعظيم اللّه القلوب و أقبلت بإفهامها النفوس فتلاه بذكر النملة، و ذلك قوله: انظروا إلى النملة. إلى قوله: تعبا. و هيئتها: كيفيّتها الّتي عليها صورتها و صورة أعضائها، و ظاهر أنّ الإنسان لا يدركها بلحظ البصر إلى أن يعيد إليها بعناية، و لا يكاد عند مراجعة فكره و استدراك أوّله و باديه يعلم حقيقتها و كيفيّة خلقتها و تشريح أعضائها، بل بإمعان فيه و تدقيق لا بدّ أن ينظر في ذلك. و الباء في قوله: بمستدرك يتعلّق بتنال.
و لا ينبغي أن يفهم من قوله: و لا ينال بمستدرك الفكر: أى في صورتها الظاهرة الّتي يدركها البصر فربّما يسبق ذلك إلى بعض الأفهام لمكان العطف بل ما ذكرناه من شرح حقيقتها فإنّه ليس حظّ الفكر أن يدرك صورتها المحسوسة بالبصر بل أن يبحث عن عجائب صنعتها ليستدلّ بذلك على حكمة صانعها- جلّت عظمته- و محلّ قوله: لا تكاد تنال يحتمل أن يكون نصبا على الحال و العامل انظروا، و يحتمل أن يكون مستأنفا، و كيف في محلّ الجرّ بدل من النملة، و يحتمل أن يكون كلاما مستانفا و فيه معنى التعجّب. و كيف صبّت: أى القيت على رزقها و بعثت عليه بهداية و إلهام، و قيل: ذلك على العكس: أى صبّ عليها رزقها، و لفظ الصبّ مستعار لحركتها في طلبه ملاحظا لشبهها بالماء المصبوب.
فإن قلت: كيف جعل دبيبها على الأرض محلّ التعجّب و الفكر مع سهولته و وجوده لسائر الحيوان.

قلت: لم يجعل محلّ التعجّب هو دبيبها من حيث هو دبيب فقط بل مع الاعتبارات الاخر المذكورة فإنّك إذا اعتبرتها من حيث هى في غاية اللطافة ثمّ‏ اعتبرت قوائمها و حركات مفاصلها و خفضها و رفعها و بعد ذلك من استثبات الحسّ له و نسبتها إلى جرمها و إلى أجزاء المسافة الّتي تقطعها بل جزء من حركتها، و كذلك انصبابها على رزقها بهداية تامّة إليه و نقلها إلى جحرها و غير ذلك من الاعتبارات المذكورة فإنّك إذا اعتبرت ذلك منها وجدت لنفسك منه تعجّبا و تفكّرا في لطف جزئيّات صنعتها و حكمة خالقها و مدبّرها. و قوله: تجمع في حرّها لبردها: أى في الصيف للشتاء، و في ورودها لصدرها: أى في أيّام ورودها و تمكّنها من الحركة لأيّام صدورها و رجوعها عن الحركة للعجز فإنّها تعجز في أيّام الشتاء عن ملاقاة البرد فتطلب بطن الأرض لكمون الحرارة فيه. و من العجايب الّتي حكاها أهل التجارب من أفعال النمل و إلهاماتها ما حكاه أبو- عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب «الحيوان» بفصيح عباراته. قال: إنّ النملة تدّخر في الصيف للشتاء فتقدم في أيّام المهملة و لا تضيّع أوقات إمكان الحزم، و تبلغ من تفقّدها و صحّة تميزها و النظر في عواقب امورها أنّها تخاف على الحبوب الّتي ادّخرتها للشتاء أن تعفّن و تسوس في بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها لتنشرها و تعيد إليها جفافها و يضربها النسيم فينفى عنها العفن و الفساد. قال: و ربّما تختار في الأكثر أن يكون ذلك العمل ليلا ليكون أخفى، و في القمر لأنّها فيه أبصر. فإن كان مكانها نديّا و خافت أن تنبت الحبّة نقرت موضع الطمير من وسطها لعلمها أنّها من ذلك الموضع تنبت، و ربّما فلقت الحبّة بنصفين.
فأمّا إن كان الحبّ من الكزبرة فإنّها تفلقه أرباعا لأنّ أنصاف حبّ الكزبرة ينبت من بين جمع الحبّ. فهى بهذا الاعتبار مجاوزة لفطنة جميع الحيوان. قال: و نقل إلىّ بعض من أثق به أنّه احتفر بيت النمل فوجد الحبوب الّتي جمعتها كلّ نوع وحدة. قال: و وجدنا في بعضها أنّ بعض الحبوب فوق بعض و بينها فواصل حائله من التبن و نحوه. ثمّ إنّ لها مع لطافة شخصها و خفّة حجمها في الشمّ و الاسترواح ما ليس لسائر الحيوان، و ذلك أنّه ربّما سقط من يد الإنسان جرادة أو عضو منها مثلا في موضع ليس بقربه ذرّد و لا عهد لذلك المنزل به فلا يلبث أن يقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة فتروم حملها فإذا أعجزتها بعد أن تبلى عذرا مضت إلى جحرها راجعة فلا يلبث الإنسان أن يجدها و قد أقبلت و خلفها كالخيط الأسود من أخواتها حتّى يتعاونّ عليها ليحملنها فأعجب من صدق شمّها لما يشمّه الإنسان الجائع. ثمّ انظر إلى بعد همّتها في ذلك و جرأتها على محاولة نقل شي‏ء في وزن جسمها مائة مرّة و أضعافها، و ليس من الحيوان ما يحمل أضعاف وزنه مرارا كثيرة كالنملة. قال: و الّذي ينبّه على إعلامها لأخواتها و إشعارها بمثل ما أشرنا إليه قصّة سليمان عليه السّلام مع النمل حيث حكى القرآن الكريم عنها قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها«» فإنّ القول المشار إليه منها و إن لم يحمل على حقيقته فهو محمول على مجازه، و هو إشعارها لأخواتها بالحال المخوّفة للنمل من سليمان و جنوده.
قال: و من عجيب ما يحكى عن النمل ما حكى عن بعض من يعمل الاصطرلاب أنّه أخرج طوقا من صفر من الكير بحرارته فرمى به على الأرض ليبرد فاشتمل على نملة فكانت كلّما طلبت جانبا منه لتخرج منعتها الحرارة فكانت مقتضى هروبها من الجوانب أن استقرّت ثم ماتت فوجدها قد استقرّت في موضع رجل البركار من نقطة المركز و ما ذاك إلّا للطف حسّها و قوّة و همها أنّ ذلك الموضع هو أبعد الأمكنة عن الخطّ المحيط. قال: و من عجائبها إلهامها أنّها لا تعرض لجعل و لا جرادة و لا خنفساء و لا نحوها ما لم يكن بها خبل أو عقر أو قطع يد أو رجل فإذا وجدت شيئا من ذلك و ثبت عليها حتّى لو أنّ حيّة بها ضربة أو خدش ثمّ كانت من ثعابين مصر لو ثبت عليها الذرورة حتّى تأكلها، و لا تكاد الحيّة تسلم من الذرّ إذا كان بها أدنى عقر. و كلّ ذلك من الإلهامات الّتي إذا فكّر اللبيب فيها كاد أن يحكم بكونها أعلم بقوانين معاشها و تدبير أحوال وجودها من كثير من الناس فإنّ الإنسان قد تهمل ذلك التدبير فلا يضبطه، و يستمرّ فيه على قانون واحد.

و قوله: مكفولة و مرزوقة. نصب على الحال.
و قوله: رزقها و وفقها: أى موافق و مطابق لقوّتها و على قدر كفايتها.
و يروى مكفول برزقها مرزوقة لوفقها. ثمّ ذكر نسبة ذلك إلى ربّها. فأشار إلى أنّه لا يغفلها: أى لا يتركها من لطفه و عنايته فإنّه باعتبار ما هو منّان على خلقه لا يجوز في حكمته إهمال بعضها من رزق يقوم به في الوجود، و كذلك لا يحرمها باعتبار كونه ديّانا: أى مجازيا، و وجه ذكر المجازاة هنا أنّها حيث دخلت في الوجود طائعة لأمره و قامت فيه منقادة لتسخيره وجب في الحكمة الإلهيّة جزاؤها و مقابلتها بما يقوم بوجودها فلا يكون محرومة من مادّة بقائها على وفق تدبيره، و لو كانت في الصفاء اليابس و الحجر الجامس، بل يفتح لها أبواب معاشها في كلّ مكان. ثمّ نبّه على محال اخرى للفكر في النملة: فمنها مجارى أكلها ما تأكله و تلك المجارى كالحلق و الأمعاء، و منها علوها و سفلها و علوها بسكون اللام نقيض سفلها و هو رأسها و ما يليه إلى الجزء المتوسّط منها و سفلها هو ما جاوز الجزء من طرفها الآخر، و منها ما اشتمل عليه جوفها من شراسيف بطنها أو ما يقوم مقامه فأطلق عليه أنّه شراسيف بالمجاز، و منها ما في رأسها من عينها و اذنها و هى محلّ القوّة السامعة منها فإنّ كلّ ذلك على غاية صغره و لطافته محلّ العجب و محلّ النظر اللطيف المستلزم للشهادة بحكمة الصانع و لطف تدبيره الّذي يقضى الإنسان من تأمّله عجبا، و القضاء هاهنا بمعنى الأداء: أى لأدّيت عجبا، و يحتمل أن يكون بمعنى الموت: أى لقضيت نحبك من شدّة تعجّبك، و يكون عجبا نصب على المفعول له. ثمّ لمّا نبّه على محال الفكر و وجوه الحكمة فيها أردف ذلك بتنزيه صانعها و تعظيمه تعالى، و قرن ذلك التعظيم و التنزيه بنسبته إلى بعض صنعه بها، و هو إقامته لها على قوائمها و بناها على دعائمها، و أراد بدعائمها ما يقوم به بدنها من الامور الّتي مقام العظام و العصب و الأوتار و نحوها ليحصل التنبيه على عظمته من لطف تلك القوائم و اعتبار ضعف تلك الدعائم مع ما ركّب فيها من لطائف الصنعة و أودعها من عجايب الحكمة من غير أن يشركه في فطر تلك الفطرة فاطر أو يعينه على لطيف خلقها قادر فسبحانه ما أعظم شأنه و أبهر برهانه. و قوله: و لو ضربت. إلى قوله: النخلة. أى لو سارت نفسك في طرق فكرها و مذاهب نظرها، و هى الأدلّة و أجزاء الأدلّة من المقدّمات و أجزائها المستنبطة من عالم الخلق و الأمر لتصل إلى غايات فكرك في الموجودات لم يمكن أن يدلّك دليل إلّا على أنّ خالق النملة على غاية صغرها و خالق النخلة على عظمها و طولها واحد و هو المدبّر الحكيم. و قوله: لدقيق تفصيل كلّ شي‏ء. إلى قوله: حىّ. إشارة إلى أوسط الحجّة على ما ادّعاه من اشتراك النملة و النخلة في الاستناد إلى صانع واحد مدبّر حكيم، و معنى ما ذكر أنّ لكلّ شي‏ء من الموجودات الممكنة تفصيل لطيف دقيق و اختلاف شكل و هيئة و لون و مقدار و وجوه من الحكمة تدلّ على صانع حكيم خصّصه بها دون غيره، و تقرير الحجّة أنّ وجود النملة و النخلة اشتمل كلّ منهما على دقيق تفصيل الخلقة و غامض اختلاف شكل و هيئة و كلّ ما اشتمل على ذلك فله صانع مدبّر حكيم خصّصه بذلك فينتج أنّهما يشتركان في الحاجة إلى صانع مدبّر حكيم خصّ كلّا منهما بما يشتمل عليه، و هذه الحجّة هى المسمّاة في عرف المتكلّمين بالاستدلال بإمكان الصفات كما بيّناه قبل في قوله: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه. و قوله: و ما الجليل و اللطيف. إلى قوله: سواء. مؤكّد لما سبق من الدعوى، و كاسر لما عساه يعرض لبعض الأوهام من استبعاد نسبة الخلقة العظيمة و الخلقة اللطيفة الحقيرة كالنملة إلى صانع واحد. فأشار إلى أنّ كلّ المخلوقات و إن تباينت أوصافها و تضادّت صورها و أشكالها فإنّه لا تفاوت بالنظر إلى قدرته و كمالها بين أن يفيض عنه صورة النخلة أو صورة الذرّة، و ليس بعضها بالنسبة إليه أولى و أقرب من بعض، و لا هو أقوى بعضها من بعض و إلّا لكان ناقصا في ذاته، و كان بما هو أولى به مستفيدا كما لا يفوته بعدمه عنه، و قد ثبت تنزيه جنابه المقدّس عن ذلك في مظانّه من الكتب الحكميّة و الكلاميّة بل إن كان فيهما تفاوت و اختلاف فمن جانب القابل و اختلاف استعدادات الموادّ بالشدّة و الضعف و الأقدم و الأحدث على ما أشرنا إليه غير مرّة، و اللطيف كما يراد به صغر الخلقة كذلك قد يراد به دقيق الصفة، و قد يراد به الشفّاف كالهواء، و الأوّل هو مراده و لذلك جعله مقابلا للجليل. و قوله: و كذلك السماء. إلى قوله: و الماء. فالمشبّه به هو الامور المضادّة السابقة و المشبّه هو السماء و الهواء و الرياح و الماء، و وجه الشبه هو حاجتها في خلقها و تركيبها و أحوالها المختلفة و المتّفقة إلى صانع حكيم، و أشار إلى الامور الاولى المتضادّة أوّلا و نسبها إلى قدرته تعالى باعتبار كلّيّتها و من جهة تضادّها لأنّها أدلّ على كمال قدرته، و أشار إلى الثانية و هى السماء و ما عدّده معها لا لاعتبار تضادّها بل باعتبار ما اشتمل عليه كلّ منها من الحكمة و المنفعة و كونها موادّ الأجسام المركّبات، و الهواء أعمّ من الرياح لتخصيص مسمّى الرياح بالحركة دون الهواء. و قوله: فانظروا. إلى قوله: المختلفات. أمر باعتبار حال ما عدّد من المخلوقات و ما اختصّ به كلّ منها من الصفات و الأشكال و المقادير و الأضواء و الألوان و المنافع إلى غير ذلك ممّا يدلّ على حاجة كلّ منها إلى مخصّص حكيم يخصّصه بما هو أليق به و أوفق للحاجة اللازمة له و أنسب إلى استعداده بعد اشتراك جميعها في الجسميّة، و هو أمر بتقرير الحجّة الّتي ذكرناها في كلّ واحد من الامور المذكورة، و لمّا كان حال أكثر هذه الامور المذكورة مفتقرا إلى تقديم النظر البصرىّ لغاية التفكّر و الاعتبار فيها أمر به، و أمّا وجوه الاعتبارات فأكثر من أن يحصر فإنّك إذا اعتبرت حال الشمس و القمر في عظم أجرامهما و الضياء الصادر عنهما و حركاتهما و تنقّلهما في منازلهما، و ما تستلزمه تلك الحركات من التأثيرات و الإعدادات لوجود المركّبات العنصريّة من المعدن و النبات و الحيوان ثمّ اعتبرت ما ينفصل به أحدهما عن الآخر من الجرم و زمان السير و كون القمر مستفيدا للنور من الشمس و غير ذلك ممّا لا يعلم تفصيله إلّا اللّه سبحانه، و كذلك إذا نظرت إلى النبات و الشجر و جواهرهما و أشكالهما و اختلاف أجزائهما في الألوان و المقادير و الثمار و ما يستلزمه من المنفعة لوجود الحيوان و المضرّة لبعضها إلى غير ذلك ممّا علمته فيما سلف، و كذلك الماء في كونه على غاية من الرقّة و اللطافة و كون الحجر بعكس الوصفين مع أنّ أكثر المياه إنّما تنبع من الأحجار ثمّ نظرت إلى المنافع الموجودة فيهما و المضارّ العارضة عنهما، و كذلك النظر إلى هذا الليل و النهار و اختلافهما في هذا العالم و تعاقبهما، و ما يستلزمانه من المنفعة المختصّة بكلّ منهما ممّا امتنّ اللّه تعالى على عباده بها حيث قال هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ«» و قال يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ«» الآية و قال قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ. إلى قوله مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ«» إلى غير ذلك من الآيات و قال أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ«» و قال وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً إلى قوله أَلْفافاً«» و كذلك إذا اعتبرت تفجير هذه البحار و ما تستلزمه من المنفعة كما قال تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ«» و قال يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ«» و كذلك إذا اعتبرت كثرة الجبال و قلالها و عروضها و أطوالها و ما اشتملت عليه من معادن الجواهر و غيرها، و كذلك تفرّق اللغات و اختلاف الألسنة وجدت ذلك النكر و الاختلاف شاهدا بوجود صانع حكيم. و تقريرها كما علمت أن تقول: إنّ هذه الأجسام كلّها مشتركة في الجسميّة و اختصاص كلّ منها بما يميّز به من الصفات المتعدّدة ليس للجسميّة و لوازمها و إلّا وجب لكلّ منها ما وجب للآخر ضرورة اشتراكها في علّة الاختصاص فلا مميّز له. هذا خلف، و لا لشي‏ء من عوارض الجسميّة لأنّ الكلام في اختصاص كلّ منها بذلك العارض كالكلام في الأوّل و يلزم التسلسل فيبقى أن يكون لأمر خارج عنها هو الفاعل الحكيم المخصّص لكلّ منها بحدّ من الحكمة و المصلحة، و قد مرّ تقرير هذه الحجّة مرارا. ثمّ لمّا نبّه على وجود الصانع سبحانه أردف ذلك بالدعاء على من جحده، أو الإخبار عن لحوق الويل له. قال سيبويه: الويل مشترك بين الدعاء و الخبر، و نقل عن عطاء بن يسار أنّ الويل واد في جهنّم لو ارسلت فيه الجبال لماعت من حرّه. و رفعها بالابتداء، و الخبر لمن أنكر. و المدبّر: هو العالم بعاقبة الأمر و ما يشتمل عليه من المصلحة و يعود إلى القضاء، و القدر هو الموجد على وفق ذلك العلم كما سبق بيانه، و تأخير الدعاء على الجاحدين بعد إيضاح الحجّة عليهم هو الترتيب الطبيعى، و الإشارة بالجاحدين إلى صنف من العرب أنكروا الخالق و البعث، و قالوا: بالدهر المفنى. كما حكيناه عنهم في الخطبة الاولى، و هم الّذين أخبر القرآن المجيد عنهم بقوله وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا«». و قوله: زعموا. إلى قوله: صانع. إشارة إلى شبهتهم و هى من باب التمثيل فالأصل فيها هو النبات، و الفرع أنفسهم، و الحكم هو ما تو من كونهم بلا صانع كما أنّ النبات بلا زارع، و لعلّ الجامع في اعتبارهم هو اختلاف الحياة و الموت عليهم كما أشار إليه القرآن الكريم حكاية عنهم نَمُوتُ وَ نَحْيا أو نحوه من الامور المشتركة و إن كانوا لا يلتفتون لفتا إلى هذا الجامع. إذ مراعاة هذه الامور و تحقيق أجزاء التمثيل من صناعة هم عنها بمعزل، و قد علمت أنّ التمثيل بعد تمام أجزائه إنّما يفيد ظنّا يختلف بالشدّة و الضعف، و علمت وجوه‏

الفساد فيه. و قوله: و لم يلجئوا. إلى قوله: جان. إنكار و منع لما ادّعوه و أنّهم لم يأتوا فيه بحجّة و لا تحقيق برهان، ويحتمل أن يكون قوله: و هل يكون. إلى قوله: جان. تنبيها على وجود نقيض الحكم المدّعى، و هو كون خلقهم و خلقة النبات شاهدة بوجود صانع لها، و ذلك التنبيه بالإشارة إلى أوسط قياس من الشكل الأوّل، و كبراه في صورة الاستفهام.
و تقرير القياس: أنّهم صنعة و لا شي‏ء ممّا هو صنعة بلا صانع ينتج فلا شي‏ء منها بلا صانع و هو نقيض المدّعى، و لمّا كانت الكبرى ضروريّة اقتصر على التنبيه عليها بامتناع وجود البناء من غير بان و الجناية من غير جان فإنّ ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجّح محال بالبديهة و ممتنع في فطن الصبيان و البهائم. إذ كان الحمار عند صوت الخشبة يعد و خوفا من الضرب، و ذلك لما تقرّر في فطرته أنّ حصول صوت الخشبة بدونها محال. ثمّ لو سلّم لهم ثبوت الحكم في الأصل و هو كون النبات بلا زارع فلم كان عدم الزارع يدلّ على أنّ النبات لا فاعل له. و إنّما يلزم ذلك أن لو كان الفاعل إنّما هو الزارع و ذلك من الأوهام الظاهرة كذبها بأدنى تأمّل إذا استعقب بالبذر. إذ كان الزارع ليس إلّا إعدادا ما للأرض و البذر: و أمّا وجود الزرع و النبات فمستند إلى مدبّر حكيم متعال عن الحسّ و المحسوس لا تدركه الأبصار و لا تكتنفه الأوهام و الأفكار سبحانه و تعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا. و قوله: إن شئت قلت في الجرادة. إلى قوله: مستدقّة. تنبيه آخر على وجود الصانع الحكيم- جلّت عظمته- في وجود بعض جزئيّات مخلوقاته و صغيرها و هى الجرادة: أى و إن شئت قلت فيها ما قلت في النملة و غيرها قولا بيّنا كاشفا عن وجوه الحكمة فيها بحيث يشهد ذلك بوجود صانع حكيم لها فنبّه على بعض دقايق الحكمة في خلقها و هى خلق العينين الحمراوين مع كون حدقتها قمراوين، و استعار لفظ السراج للحدقتين باعتبار الحمرة النارية و الإضاءة.
ثمّ خلق السمع الخفيّ: أى عن أعين الناظرين، و قيل: أراد بالخفيّ اللطيف السامع لخفىّ الأصوات فوصفه بالخفاء مجازا إطلاقا لاسم المقبول على قابله. ثمّ فتح الفم السوىّ. السوىّ: فعيل بمعنى مفعول: أى المسوىّ. و التسوية: التعديل بحسب‏ المنفعة الخاصّة بها. ثمّ خلق الحسّ القوىّ، و أراد بحسّها قوّتها الوهميّة و بقوّته [بقوّة خ‏] حذقها فيما الهمت إيّاه من وجوه معاشها و تصرّفها. يقال: لفلان حسّ حاذق إذا كان ذكيّا فطنا درّاكا. ثمّ خلق النابين، و استعار لفظ المنجلين ليديها، و وجه المشابهة تعوّجهما و خشونتهما، و قرن بذكر النابين و المنجلين ذكر غايتهما و هما القرض و القبض، و من لطيف حكمته تعالى في الرجلين أن جعل نصفهما الّذين تقع عليها اعتمادها و جلوسها شوكا كالمنشار ليكون لها معينا على الفحص و وقاية لذنبها عند جلوسها و عمدة لها عند الطيران. و قوله: يرهبها الزرّاع. إلى قوله: شهواتها. أى أنّها إذا توجّهت بعساكرها من أبناء نوعها إلى بقعة و هجمت على زرعها و أشجارها أمحته و لم يستطع أحد دفعها حتّى لو أنّ ملكا من الملكوت أجلب عليها بخيله و رجله ليحمى بلاده منها لم يتمكّن من ذلك، و في ذلك تنبيه على عظمة الخالق سبحانه و تدبير حكمته. إذ كان يبعث أضعف خلقه على أقوى خلقه و يهيّى‏ء الضعيف من أسباب الغلبة ما لا يستطاع دفعه معها حتّى ترد ما تريد وروده و تقضى منه شهواته فيحلّ باختيار منه و ترحل باختيار، و من عجايب الخواصّ المودعة في الجراد أنّها تلتمس لبيضها الموضع الصلد و الصخور الملس ثقه بأنّها إذا ضربت فيها بأذنابها انفرجت لها، و معلوم أنّ ذلك ليس بقوّة إذ ليس في ذنب الجرادة من القوّة أن يخرق الحجر الّذي يعجز عنه المعول بمجرّد قوّته لولا خاصيّة لها هناك.
ثمّ إذا ضربت في تلك البقاع و ألقت بيضها و أنضمّت عليها تلك الأخاديد الّتي أحدثتها و صارت لها كالأفاحيص صارت خاضنة لها و مربّية و حافظة و واقية حتّى إذا جاء وقت دبيب الروح خرجت من البيض صهيا إلى البياض. ثمّ تصفرّ و تتلوّن فيه خطوط إلى السواد. ثمّ يصير فيه خطوط سود و بيض، ثمّ يبدو حجم جناحيه. ثمّ يستقلّ فيموج بعضه في بعض، و قيل: إنّ الجراد إذا أراد الخضرة و دونه نهر جار صار بعضه جسر البعض ليعبر إليها فمن الناس من جعل ذلك حيلة لها الهمت إيّاها. و أباه قوم و قالوا: بل الزحف الأوّل من الدبى إذا أراد الخضرة و لا يقدر عليها إلّا بالعبور إليها عبر فإذا صارت تلك القطعة فوق الماء طافية صارت للزحف الثاني الّذي يريد الخضرة كالأرض، و ربّما نقل لها خواصّ اخرى لا تعلّق لها بما نحن بصدده.
و قوله: و خلقها كلّه لا يكون إصبعا مستدقّة. الواو للحال: أى أنّه تعالى خلقها على ما وصفت و أودعها من عجايب الصنع ما ذكرت بحيث يخاف منها الزرّاع مع أنّ خلقها كلّه دون الإصبع المستدقّة، و هذه الكلمة مستلزمة لتمام التعجّب من خلق اللّه فيها الامور الموصوفة حتّى لو قدّرنا أنّها وصفت لمن لم يرها فربّما اعتقد أنّ لها خلقا عظيما تستند إليه هذه الأوصاف و لم يكن عنده تعجّب حتّى نتبيّن مقدار خلقها و صغر صورتها ثمّ لما بيّن بعض مبدعاته و مكوّناته نوّه بزيادة عظمته تعالى و بركته باعتبار كونه معبودا لمن في السماوات و من في الأرض فله يسجدون طوعا و كرها كلّ بعبادة تخصّه و سجود لا يمكن من غيره مع اشتراك الكلّ في الدخول تحت ذلّ الحاجة إلى كمال قدرته و خضوع الإمكان بين يدي رحمته. و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً«» و كذلك قوله: و يعفّر له خدّا و وجها. فما كان ذا وجه و خدّ حقيقة فلفظ التعفير صادق عليه حقيقة، و ما لم يكن السجود صادق عليه استعارة لخضوعه الخاصّ به، و لفظ التعفير و الخدّ و الوجه ترشيحات على أنّ موضوع السجود في اللغة هو الخضوع و كذلك إطلاق إعطاء القياد و وصف الرهبة و الخوف، و نصبهما على المفعول له. و قول ه: فالطير مسخّرة لأمره. كقوله تعالى أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ«» و كونها مسخّرة يعود إلى دخولها تحت حكم تصرّفه العامّ فيها قدرة و علما و الخاصّ تخصيصا و تعيينا، و إحصاء الريش منها و النفس باعتبار تسخيرها تحت تصرّفه العامّ بعلمه تعالى.
و إرساؤها: أى تثبّتها على قوائمها في الندى كطيرالماء و اليبس كطير البرّ باعتبار دخولها تحت قدرته و خلقها كذلك، و تقديره لأقواتها و ما يصلح منها و ما يكفيه باعتبار دخولها تحت قدرته و علمه معها. إذ كان التقدير هو إنزال تلك المقادير و إعدادها على وفق العلم الإلهىّ، و إحصاء أجناسها باعتبار علمه تعالى. و قوله: فهذا غراب. إلى قوله: نعام. تفصيل لأنواعها. و لم يرد الجنس بالاصطلاح الخاصّ بل اللغوىّ و هو النوع في المصطلح العلمىّ، و راعى في كلّ قرينتين من الأربع السجع المتوازى. و قوله: دعا كلّ طاير باسمه. فالدعاء استعارة في أمر كلّ نوع بالدخول في الوجود، و قد عرفت أنّ ذلك الأمر يعود إلى حكم القدرة الإلهيّة العظيمة عليه بالدخول في الوجود، و وجه الاستعارة ما يشترك فيه معنى الدعاء، و الأمر من طلب دخول مهية المطلوب بالدعاء و الأمر في الوجود و هو كقوله تعالى فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ«» الآية، و لما استعار لفظ الدعا رشّح بذكر الاسم لأنّ الشي‏ء إنّما يدعى باسمه، و يحتمل أن يريد الاسم اللغوىّ و هو العلامة فإنّ لكلّ نوع من الطير خاصّة و سمة ليست للآخر، و يكون المعنى أنّه تعالى أجرى عليها حكم القدرة بمالها من السمات و الخواصّ في العلم الإلهىّ و اللوح المحفوظ، و قال بعض الشارحين: أراد أسماء الأجناس، و ذلك أنّ اللّه تعالى كتب في اللوح المحفوظ كلّ لغة تواضع عليها العباد في المستقبل، و ذكر الأسماء الّتي يتواضعون عليها، و ذكر لكلّ اسم مسمّاه فعند إرادة خلقها نادى كلّ نوع باسمه فأجاب دعواه و أسرع في إجابته، و اعلم أنّك إذا تأمّلت حكمة الصانع في خلق الطائر شاهدت عجبا. حين اقتضت الحكمة الإلهيّة أن يكون طائرا في الجوّ خفّف جسمه و أدمج خلقه فاقتصر من القوائم على اثنتين و من الأصابع على أربع من منفذين للزبل و البول على منفذ. ثمّ خلقه تعالى على جؤجؤ محدّب‏ ليسهل عليه خرق الهواء كما يجعل صدر السفينة بهذه الهيئة ليشقّ الماء، و خلق في جناحيه و ذنبه ريشات طوال لينهض بها إلى الطيران، و كسى جسمه كلّه ريشا ليتداخله الهواء فيقيله، و لمّا كان طعامه الحبّ أو اللحم يبلعه بلعا من غير مضغ نقص من خلقه الأسنان و خلق له منقارا صلبا، و أعانه بفضل حرارته في جوفه يستغنى بها عن المضغ. ثمّ خلقه تعالى يبيض بيضا و لا يلد لكيلا يثقل بكون الفراخ في جوفه عن الطيران، و جعل عوض استعداد الولد في البطن استعداده في البيضة بحرارة الحضن بمشاركة من الذكر و الانثى في ذلك، و من العناية اللإلهيّة بدوام نسله و بقائه أن ألهمه العطف على فراخه فيلتقط الحبّ فيغذو به فراخه بعد استقراره في حوصلته ليلين، و إذا فكّرت في الحوصلة وجدتها كالمخلاة المعلّقة أمامه فهو يعبّى فيها ما أراد من الطعم بسرعة ثمّ ينفذ إلى القانصة على مهل، و ذلك أنّ مسلك الطعم إلى القانصة ضيّق لا ينفذ فيه الطعم إلّا قليلا فلو كان هذا الطائر لا يلتقط حبّة ثانية حتّى تصير الاولى إلى القانصة لطال ذلك عليه فخلق تعالى له الحوصلة لذلك. ثمّ انظر إلى الريش الّذي تراه في الطواويس و الدراريج و غيرها عن استواء و مقابلة على نحو ما يخطّ بالأقلام، و كذلك انظر إلى العمود الجامع للريشة الّذي يجرى مجرى الجدول الممدّ للريشة و المغذّى لها، و خلق عصبيّ الجوهر صلبا متينا ليحفظ الريش و يمسكه لصلابته. فسبحان الّذي خلق الأزواج كلّها، و أحصى كلّ شي‏ء عددا، و أحاط بكلّ شي‏ء علما.
و قوله: و أنشأ السحاب. إلى آخره. إشارة إلى كمال قدرته باعتبار خلقه السحاب الثقال بالماء، و إرسال ديمها و هي أمطارها، و تعديد قسمها و هو ما يصيب كلّ بلد و أرض منها من القسم.
و ظاهر أنّه تعالى يعدّ الأرض بتلك البلّه بعد الجفاف لأن يخرج منها النبات بعد الجدب و إليه الإشارة بقوله تعالى أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ«»و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 121

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.