خطبه ۲۴۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام یحث أصحابه على الجهاد
وَ اللَّهُ مُسْتَأْدِیکُمْ شُکْرَهُ وَ مُوَرِّثُکُمْ أَمْرَهُ- وَ مُمْهِلُکُمْ فِی مِضْمَارٍ مَحْدُودٍ لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ- فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ وَ اطْوُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ- لَا تَجْتَمِعُ‏ عَزِیمَهٌ وَ وَلِیمَهٌ- مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْیَوْمِ- وَ أَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاکِیرِ الْهِمَمِ

اللغه

أقول: المضمار: المدّه تضمر فیها الخیل. قیل: إنّها أربعون یوما، و قد سبق بیانه.

و التنازع: التحازب فی الخصومه.

و المئازر: جمع مئزر.

المعنى

و الفصل فی غایه من الفصاحه و الجزاله، و الحثّ على الاستعداد لیوم المعاد.
و قوله: و اللّه مستأدیکم شکره. أى طالب منکم أداء شکره على نعمه، و ذلک فی أوامر القرآن کثیر کقوله تعالى وَ اشْکُرُوا لِلَّهِ إِنْ کُنْتُمْ إِیَّاهُ تَعْبُدُونَ، فَاذْکُرُونِی أَذْکُرْکُمْ وَ اشْکُرُوا لِی وَ و مورثکم أمره: أى سلطانه فی الأرض الّذی کان فیمن سلف من أهل طاعته من الامم السابقه کقوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ«» الآیه و قوله وَ أَوْرَثَکُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِیارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ«» الآیه. و قوله: و ممهلکم. إلى قوله: سبقه. استعار لفظ المضمار لمدّه الحیاه الدنیا، و وجه المشابهه أنّ الناس یستعدّون فی مدّه حیاتهم بالریاضات و المجاهدات فی سبیل اللّه و تحصیل الکمالات النفسانیّه لغایه السبق إلى حضره جلال اللّه کما تضمر الخیل لغایه السبق، و أشار إلى علّه ذلک الإمهال و هى تنازع السبق إلیه تعالى و أراد به ما یعرض للسالکین فی حال إعدادهم لأنفسهم بالریاضات و جدّهم و تشمیرهم فی طاعه اللّه من منافسه بعضهم لبعض فی التقدّم بالفضیله و سبقه بذلک و حرص کلّ امرء منهم على أن یکون هو الأکمل لیفوز بقصب السبق إلى حضره قدسه تعالى و المنافسه فی الفضایل. و الغبطه بها محموده لإدّائها بالغابط إلى کماله، و ذلک هو أقصى مطلوب الشارع من امّته، و یحتمل أن یرید بالسبق ما یسبق إلیه من الفضیله أو الجنّه کما سبقت الإشاره إلى مثل ذلک، و لفظ التنازع ترشیح لاستعاره المضمار و المسابقه لأنّ من شأن ذلک التنازع على السبق و المجاذبه على الفوز بالسبقه. و خلاصه المعنى أنّه تعالى أمهلکم فی الدنیا للاستعداد فیها و تجاذب السبق إلیه. و قوله: فشدّوا عقد المئازر. کنایه عن الأمر بالتشمیر و الاجتهاد فی طاعه اللّه و الاستعداد بها بعد أنّ بیّن أنّ ذلک الغایه من الإمهال فی الدنیا إذ کان من شأن من یهتمّ بالأمر و یتحرّک فیه أن یشدّ عقده مئزره کیلا یشغله عمّا هو بصدده. و قوله: و اطووا فضول الخواصر. کنایه عن الأمر بترک ما یفضل من متاع الدنیا على قدر الحاجه من ألوان الطعوم و الملابس و سایر قینات الدنیا. و أصله أنّ الخواصر و البطون لها احتمال أن یتّسع لما فوق قدر الحاجه من المأکول فذلک القدر المتّسع لما فوق الحاجه هو فضول الخواصر. و کنّى بطیّها عمّا ذکرناه. إذ کان من لوازم ذلک الطىّ ترک تلک الفضول. و قوله: لا یجتمع عزیمه و ولیمه. أراد بالعزیمه العزیمه على اقتناء الفضائل و اکتسابها و العزیمه هى الإراده الجازمه للأمر بعد اختیاره. و کنّى بالولیمه و هی طعام العرس و نحوه عن خفض العیش و الدعه لاستلزام الولیمه ذلک، و المعنى أنّ العزیمه على تحصیل المطالب الشریفه و کرایم الامور ینافی الدعه و خفض العیش و لا یحصل مع الهوینا لما یستلزمه تحصیل تلک المطالب و العزم علیها من المشاقّ و إتعاب النفس و کذا البدن بالریاضات و المجاهدات المنافیه للدعه و الراحه، و یقرب منه قوله تعالى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ«» ثمّ أکدّ ذلک بقوله: ما أنقض النوم لعزائم الیوم. و أصله أنّ الإنسان یعزم فی النهار على المسیر باللیل لیقرب المنزل فإذا جاء اللیل نام إلى الصباح فانتقض بذلک عزمه فضربه مثلا لمن یعزم على تحصیل الامورالکبار و السعى فیها ثمّ یلزم الإناءه و الدعه، و مراده أنّکم مع هذه الدعه و حبّ الراحه من المتاعب و الجهاد لا یتمّ لکم ما تریدونه و تعزمون علیه من تحصیل السعاده فی دینا أو آخره،

و کذلک قوله: و أمحى الظلم لتذاکیر الهمم. و أصله أنّ الرجل یبعثه همّته فی مطالبه على المسیر باللیل فإذا جنّ الظلام أدرکه الکسل و غلبه حبّ النوم عن تذکار مطالبه، و صرفه عنها. فکان الظلام سببا ما لمحو ذلک التذکار من لوح الذکر. فضربه مثلا لمن یدعوه الداعى إلى أمر و یهتمّ به ثمّ یعرض له أدنى أمر فینصرف به عنه. و هو کالّذی قبله. و باللّه التوفیق.

تمّت. هذا آخر الخطب و الأوامر و یتلوه المختار من الکتب و الرسائل إنشاء اللّه تعالى بعونه و عصمته و توفیقه و هدایته.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۳۳۵

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۲۳۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام یذکر فیها آل محمد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

هُمْ عَیْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ- یُخْبِرُکُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَ صَمْتُهُمْ عَنْ حِکَمِ مَنْطِقِهِمْ- لَا یُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَ لَا یَخْتَلِفُونَ فِیهِ- وَ هُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ وَ وَلَائِجُ الِاعْتِصَامِ- بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ وَ انْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مَقَامِهِ وَ انْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ- عَقَلُوا الدِّینَ عَقْلَ وِعَایَهٍ وَ رِعَایَهٍ- لَا عَقْلَ سَمَاعٍ وَ رِوَایَهٍ- فَإِنَّ رُوَاهَ الْعِلْمِ کَثِیرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِیلٌ‏

اللغه

أقول:

الولایج: جمع ولیجه فعلیه بمعنى مفعوله و هى الموضع یعتصم بدخوله.

و النصاب: الأصل.

المعنى
و ذکر لهم أوصافا.
أحدها: عیش العلم: أى حیاته. و قد جعل له حیاه ملاحظه لشبهه بالحىّ فی وجوده و الانتفاع به ثمّ أطلق علیهم لفظ الحیاه مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب.

الثانی: و کذلک کونهم موت الجهل. جعل للجهل موتا استعاره باعتبار عدمه بهم: و أطلق علیهم لفظه مجازا أیضا کالّذی قبله.

الثالث: کونهم یخبر حلمهم عن علمهم لعلمهم بمواقع الحلم، و فی ذلک إشاره إلى تلازم فضیلتى الحلم و العلم فیهم فهم لا یحلمون إلّا عن علم بمواقع الحلم.

الرابع: کونهم یخبر صمتهم عن حکم منطقهم إذا تکلّموا لأنّ من علم مواقع السکوت و ما ینبغی أن یسکت عنه یستلزم حکمه نفوسهم فی منطقهم إذا تکلّموا لأنّ من علم مواقع السکوت و ما ینبغی أن یسکت عنه علم مواقع المنطق و ما ینبغی أن لا یسکت عنه و لو لم یعلم ذلک لجاز أن یتکلّم بما لا ینبغی، و ذلک هو موضع السکوت فلا یکون عالما بمواضع السکوت و قد فرض کذلک. هذا خلف.

الخامس: کونهم لا یخالفون الحقّ: أى لعلمهم به و بطرقه و ذوقهم له فلا یتجاوزونه إلى رذیله الإفراط، و لا یقفون دونه فی مقام رذیله التفریط.

السادس: و کذلک لا یختلفون فیه لعلمهم بحقیقته.

السابع: کونهم دعائم الإسلام، و استعار لهم لفظ الدعائم باعتبار حفظهم له بعلمهم و حراسته و قیامه فی الوجود بهم کما یحفظ البیت بالدعایم و یقوم بها.

الثامن: استعار لهم لفظ الولایج باعتبار کونهم مرجعا للخلق یعتصمون بعلمهم و هدایتهم و اتّباعهم من الجهل و لواحقه و عذاب اللّه فی الآخره کما یعتصم بالولیجه من دخلها.

التاسع: کونهم بهم عاد الحقّ إلى نصابه: أى بولایته علیه السّلام و خلافته عاد الحقّ إلى أصله و انزاح الباطل عن مقامه، و هو إشاره إلى أنّ الأحکام کانت قبله فی أیّام عثمان جاریه على غیر قانون شرعىّ لما نقل عنه من الأحداث و استیلاء بنى امیّه فی زمانه على بیت مال المسلمین و أکلهم له بغیر حقّ کما سبق شرحه فعاد بولایته علیه السّلام کلّ حقّ إلى أهله و هو أصله و مستقرّه، و الحقّ إذا کان فی غیر أهله فهو الباطل و مقامه غیر أهله. و بولایته علیه السّلام انزاح الباطل عن مقامه، و انقطع لسانه: أى اللسان الناصر للباطل و الناطق به. و استعار وصف الانقطاع له باعتبار سکوته ملاحظه لشبهه بالمنقطع فی عدم القول، و رشّح بقوله: من منبته تأکیدا لذلک الانقطاع.

العاشر: کونهم عقلوا الدین رعایه و وعایه لا عقل سماع و روایه، و ذلک أنّک علمت أن للإدراک ثلاث مراتب أدناها تصوّر الشی‏ء بحسب اسمه، و أعلاها تصوّر الشی‏ء بحسب حقیقته و کنهه، و أوسطها بعقله بحسب صفاته و لوازمه الخاصّه به و بها مع بعض أجزائه. فکان عقلهم للدین و علمهم به على أکمل المراتب و هو معنى الرعایه، و رعایتهم له بدراسته و تذکّره و الاحتیاط علیه، و لیس علما به من جهه اسمه و سماع ألفاظه فقط. و قوله: فإنّ رواه العلم کثیر. إلى آخره. أى لیس کلّ من روى العلم و سمعه کان عالما به و مراعیا له فإنّ ذلک أعمّ من العالم به و العامّ لا یستلزم الخاصّ، و نبّه بذلک على قلّه مثلهم فی رعایه العلم و استجماع الفضایل. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۳۳۳

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۳۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام فى شأن الحکمین، و ذم أهل الشام

جُفَاهٌ طَغَامٌ عَبِیدٌ أَقْزَامٌ- جُمِعُوا مِنْ کُلِّ أَوْبٍ وَ تُلُقِّطُوا مِنْ کُلِّ شَوْبٍ- مِمَّنْ یَنْبَغِی أَنْ یُفَقَّهَ وَ یُؤَدَّبَ- وَ یُعَلَّمَ وَ یُدَرَّبَ وَ یُوَلَّى عَلَیْهِ- وَ یُؤْخَذَ عَلَى یَدَیْهِ- لَیْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِینَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ لَا مِنَ الَّذِینَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ أَلَا وَ إِنَّ الْقَوْمَ اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ- أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا یُحِبُّونَ- وَ إِنَّکُمُ اخْتَرْتُمْ‏ لِأَنْفُسِکُمْ- أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تَکْرَهُونَ- وَ إِنَّمَا عَهْدُکُمْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَیْسٍ بِالْأَمْسِ یَقُولُ- إِنَّهَا فِتْنَهٌ فَقَطِّعُوا أَوْتَارَکُمْ وَ شِیمُوا سُیُوفَکُمْ- فَإِنْ کَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِیرِهِ غَیْرَ مُسْتَکْرَهٍ- وَ إِنْ کَانَ کَاذِباً فَقَدْ لَزِمَتْهُ التُّهَمَهُ- فَادْفَعُوا فِی صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ- وَ خُذُوا مَهَلَ الْأَیَّامِ وَ حُوطُوا قَوَاصِیَ الْإِسْلَامِ- أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى بِلَادِکُمْ تُغْزَى وَ إِلَى صَفَاتِکُمْ تُرْمَى

اللغه
أقول:

جفاه: جمع جافی و هو غلیظ الطبع قاسى القلب و الطغام: أوغاد الناس و أراذلهم.

و الأقزام: جمع قزم- بفتح الزاء- و هو الرذل الدنىّ من الناس، و یطلق على الواحد و الجمع و الذکر و الانثى. و یقال: جاءوا من کلّ أوب: أى من کلّ ناحیه.

و الشوب: الخلط.

و یدرّب: یعوّد بالعادات الجمیله و یجرّب فی الامور: و تبوّؤوا الدار: نزلوا.

و شمت السیف: أغمدته.

المعنى

و صدّر الفصل بذکر مذامّ أهل الشام تنفیرا عنهم، و وصفهم بکونهم عبیدا إمّا لأنّهم عبید الدنیا و أهلها أو لأنّ منهم عبیدا، و اللفظ مهمل یصدق بالبعض. و المرفوعات الأربعه الاولى أخبار لمبتدأ محذوف: أى هم جفاه. و محلّ قوله: جمّعوا.
الرفع صفه لأقزام. و یحتمل أن یکون خبرا خامسا، و کذلک قوله: ممّن ینبغی. و قوله: یولىّ علیه و یؤخذ على یدیه. و قوله: لیسوا. کنایه عن کونهم سفهاء لا یصلحون لأنّ یلوا أمرا و یفوّض إلیهم بل ینبغی أن تحجر علیهم و یمنعون من التصرّف لغباوتهم و سفههم، و ذکر کونهم لیسوا من المهاجرین و الأنصار فی معرض الذمّ لهم لکون ذلک نقصانا لهم من تلک الجهه بالنسبه إلى المهاجرین و الأنصار، و کذلک نفى کونهم من الّذین تبّوؤواالدار. و أراد بالدار مدینه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الّذین تبّوؤوها هم الأنصار من أهلها الّذین أسلموا بها قبل هجره الرسول إلیهم بسنتین و ابتنوا بها المساجد. و إلیهم أشار تعالى فی کتابه العزیز و أثنى علیهم فقال وَ الَّذِینَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِیمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ یُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَیْهِمْ إلى قوله فَأُولئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ«» و فی نسخه الرضى- رحمه اللّه- تبّوؤوا الدار فقط، و فی سایر النسخ و الإیمان، و وصف الإیمان بکونه متبّوءا لهم مستعار ملاحظه لشبهه بالمنزل باعتبار أنّهم ثبتوا علیه و اطمأنّت قلوبهم به، و یحتمل أن یکون نصب الإیمان هنا کما فی قوله:
و رأیت زوجک فی الوغا متقلّدا سیفا و رمحا

أى لازموا الإیمان کما أراد القایل و معتقلا رمحا. و قوله: ألا و إنّ القوم. إلى قوله: تکرهون. و القوم هم أهل الشام. و الّذی اختاروه لأنفسهم و کان أقرب القوم ممّا یحبّون هو عمرو بن العاص فإنّهم اختاروه للحکومه و عیّنوا علیه من قبلهم. و کونه أقرب القوم ممّا یحبّون لکثره خداعه و لمیله إلى معاویه و عطائه. و الّذی یحبّونه ممّا هو أقرب إلیه هو الانتصار على أهل العراق و صیروره الأمر إلى معاویه و الّذی اختاره أهل العراق للحکومه هو أبو موسى الأشعرى، و کان أقرب القوم ممّا یکرهون من صرف الأمر عنهم. و کونه أقرب إلى ذلک إمّا لغفلته و بلاهته أو لانّه کان منحرفا عن علىّ علیه السّلام، و ذلک أنّه کان فی زمن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم والیا من قبله على زبید من أعمال الیمن ثمّ ولّاه عمر البصره لمّا عزل المغیره عنها فلمّا عزله عثمان سکن بالکوفه فلمّا کره أهلها سعید بن العاص و دفعوه عنها ولّوا أبا موسى و کتبوا إلى عثمان یسألونه أن یولّیه فأقرّه على الکوفه فلمّا قتل عثمان عزله علىّ علیه السّلام فلم یزل واجدا لذلک علیه حتّى کان منه ما کان فی الکوفه. و قوله و إنّما عهدکم بعبد اللّه إلى آخره احتجاج علیهم فی اختیارهم لعبد اللّه ابن قیس و هو أبو موسى الأشعرى للحکومه. و صوره الاحتجاج: أنّ أبا موسى کان یقول‏ لکم یا أهل الکوفه عند مسیرى إلى أهل البصره: إنّها فتنه من الفتن الّتی وعدنا بها و امرنا باعتزالها فقطّعوا أوتار قسیّکم و أغمدوا سیوفکم. فلا یخلوا إمّا أن یکون صادقا فی ذلک فقد لزمه الخطأ بمسیره معنا غیر مستکره إلى فتنه امرنا بالاعتزال عنها و حضوره صفوف أهل العراق و تکثیر سوادهم، و إن کان کاذبا فقد لزمته التهمه و صار فاسقا بکذبه، و على التقدیرین لا ینبغی أن یعتمد علیه فی هذا الأمر الجلیل.
و أقول: و ممّا یناسب هذا الاحتجاج ما روى عنه سوید بن غفله قال: کنت مع أبی- موسى على شاطى‏ء الفرات فی خلافه عثمان فروى لی خبرا قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: إنّ بنی إسرائیل اختلفوا و لم یزل الاختلاف بینهم حتّى بعثوا حکمین ضالّین ضلّا و أضلّا من اتّبعهما و لا ینفکّ أمر امّتى تختلف حتّى یبعثوا حکمین یضلّان و یضلّان من اتّبعهما. فقلت له: احذر أبا موسى أن تکون أحدهما. قال: فخلع قمیصه و قال: أبرء إلى اللّه من ذلک کما أبرء من قمیصى هذا. فنقول: لا یخلو إمّا أن یکون صادقا فی ذلک الخبر أو کاذبا فإن کان صادقا فقد أخطأ فی دخوله فی الحکومه و شهد على نفسه بالضلال و الإضلال، و إن کان کاذبا فقد لزمته التهمه فلا ینبغی أن یعتمد علیه فی هذا الأمر. و قوله: فادفعوا فی صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن عبّاس. کنایه عن جعله مقابلا له فی الحکومه دافعا له عمّا یرید. و لمّا قدح فی أبی موسى و أشار إلى عدم صلاحیّته لهذا الأمر کان رأیه أن یبعث الحکم من قبله عبد اللّه بن عبّاس فأبى قومه علیه. و روى بعباره اخرى أنّه قال لهم لما لجّوا فی بعث أبی موسى و تعیینه حکما: إنّ معاویه لم یکن لیختار لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأیه و نظره إلّا عمرو بن العاص و إنّه لا یصلح للقرشىّ إلّا قرشىّ و هذا عبد اللّه بن عبّاس فارموه به فإن عمروا لا یعقد عقده إلّا حلّها و لا یبرم أمرا إلّا نقضه و لا ینقض أمرا إلّا أبرمه. فقال الأشعث و من معه: لا و اللّه لا یحکم فیها مضریّان أبدا حتّى تقوم الساعه و لکن یکون رجل من مضر و رجل من الیمن. فقال علیه السّلام: إنّى أخاف أن یخدع یمانیّکم و إنّ عمرو بن العاص لیس و اللّه قرشىّ.

فقال الأشعث: و اللّه‏ لئن یحکمان بما نکره و أحدهما من الیمن أحبّ إلینا أن یکون ما نحبّ و هما مضریّان. فقال علیه السّلام: و إن أبیتم إلّا أبا موسى فاصنعوا ما شئتم. اللّهم إنّى أبرء إلیک من صنیعهم. و قوله: و خذوا مهل الأیّام. أمر لهم باغتنام مهل الأیّام عنهم و فسحتها عمّا ینبغی أن یعملوا فیها و یدبّروه فی أحوالهم على وفق الآراء الصالحه، و کذلک أمرهم بحیاطه قواصى الإسلام و هى أطراف العراق و الحجاز و الجزیره و ما کان فی یده علیه السّلام من البلاد. ثمّ استثار طباعهم و جذبها إلى ذلک بتنبیههم على أنّ بلادهم تغزى و صفاتهم ترمى، و کنّى بصفاتهم عن حوزتهم الّتى استقرّوا علیها من بلاد الإسلام. و أصل الصفات الحجر الأسود الأملس لا ینفذ فیها السهم بل تکسره و تدفعه فأشبهتها الحوزه فی منعتها.

فیقال: لا ترمى صفاتهم و لا یقرع صفاتهم. و یکنّى بذلک عن منعتهم و قوّتهم فلذلک کنّى عن رمى صفاتهم بالطمع فیهم و قصد العدوّ لبلادهم و رمیها بالکتائب. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۳۲۹

 

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۳۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
فَاعْمَلُوا وَ أَنْتُمْ فِی نَفَسِ الْبَقَاءِ- وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَهٌ وَ التَّوْبَهُ مَبْسُوطَهٌ- وَ الْمُدْبِرُ یُدْعَى وَ الْمُسِی‏ءُ یُرْجَى- قَبْلَ أَنْ یَخْمُدَ الْعَمَلُ وَ یَنْقَطِعَ الْمَهَلُ- وَ یَنْقَضِیَ الْأَجَلُ وَ یُسَدَّ بَابُ التَّوْبَهِ- وَ تَصْعَدَ الْمَلَائِکَهُ- فَأَخَذَ امْرُؤٌ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَ أَخَذَ مِنْ حَیٍّ لِمَیِّتٍ- وَ مِنْ فَانٍ لِبَاقٍ وَ مِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمٍ- امْرُؤٌ خَافَ اللَّهَ- وَ هُوَ مُعَمَّرٌ إِلَى أَجَلِهِ وَ مَنْظُورٌ إِلَى عَمَلِهِ- امْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا وَ زَمَّهَا بِزِمَامِهَا- فَأَمْسَکَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِی اللَّهِ- وَ قَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَهِ اللَّهِ

اللغه
أقول:

یقال: فلان فی نفس من أمره: أى فی سعته.

المعنى
و الفصل فی غایه الفصاحه. و قد أمرهم بالعمل حال ما هم فی مهلته على الأحوال الّتى أشار إلیها: أحدها: کونهم فی نفس البقاء و سعته فإنّ الموت مستلزم لانقطاع العمل و عدم إمکانه.

الثانی: کون الصحف منشوره: أى صحف الأعمال فإنّها إنّما تطوى بانقطاع الأعمال بالموت. و قد عرفت وجه الإشاره إلى الصحف و نشرها.

الثالث: کون التوبه مبسوطه، و استعار لفظ البسط ملاحظه لشبهها بالبساط فی کونها ممدوده القبول غیر ممنوع منها فی مدّه العمر یطأها من أرادها کالبساط.
و إنّما تطوى بالموت کما قال تعالى: وَ لَیْسَتِ التَّوْبَهُ لِلَّذِینَ یَعْمَلُونَ السَّیِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّی تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِینَ یَمُوتُونَ وَ هُمْ کُفَّارٌ«».

الرابع: کون المدبر یدعى: أى حال کون المدبر عن طاعه اللّه المعرض عنها یدعى إلیها من الأنبیاء و الرسل و النوامیس الشرعیّه، و ذلک منقطع بالموت.

الخامس: حال کون المسی‏ء یرجى: أى یرجى صلاحه و عوده و ذلک حال البقاء فی الدنیا. و لمّا ذکر هذه الأحوال للترغیب فی العمل علیها و التذکیر بکونها أحوالا یمکن العمل معها أردفها بأحوال یمتنع معها العمل تنفیرا عنها و هی جمود العمل. و استعار لفظ الجمود لوقوفه ملاحظه لشبهه بالماء فی جموده عن الجریان.
و فی نسخه الرضىّ- رحمه اللّه- یخمد- بالخاء المعجمه- من خمد المریض: أى مات. و المعنى ظاهر یقرب معنى یجمد. و کذلک انقطاع المهل و انقضاء المدّه: أى مدّه البقاء و سدّ أبواب التوبه، و لفظ الأبواب مستعار لطرق الاعتبار الّتی یرجع منها إلى اللّه تعالى، و کذلک الملائکه: أى الکرام الکاتبین فإنّ الملائکه الموکّلین تضبط أعمال کلّ شخص یصعدون إلى السماء بعد بطلان الأعمال. و قوله: فأخذ امرء من نفسه. أمر فی صوره الخبر: أى فلیأخذ المرء من نفسه: أى بعض نفسه بالاجتهاد و النصب فی العباده فإنّهما یهزلان البدن و یأخذان من النفس لذّاتها و مشتهیاتها البدنیّه، و یجوز أن یرید بالنفس هنا الشخص. و الأخذ منه ظاهر. و قوله: لنفسه. أى لیکون ذلک کمالا لنفسه و ذخرا لها فی معادها. و قوله: و أخذ من حیّ لمیّت. إلى قوله: امرء. أمر أیضا فی صوره الخبر. و فاعل أخذ هو قوله: امرء. و الحیّ و المیّت هو المرء نفسه: أى فلیأخذ امرء من نفسه باعتبار ما هو حیّ لنفسه باعتبار ما یصیر إلیه من حال الموت. و قوله: من فان لباق. أى فلیأخذ من الأمر الفانى و هی دنیاه و متاعها للأمر الباقی و هو النعیم الباقى الأبدىّ فی الآخره. و معنى ذلک الأخذ أنّ الإنسان مکتسب من الدنیا و متاعها الفانى کمالا باقیا یوصل إلى نعیم دائم و ذلک بالصدقات و الزکوات و الإنفاق فی وجوه البرّ و القربات، و کذلک‏

قوله: و من ذاهب لدایم. ثمّ أخذ فی وصف ذلک المرء کأنّه سئل عنه فقال: امرء خاف اللّه فی حال ما هو معمّر إلى أجله و منظور إلى عمله. و نبّهه بغایه أجله و کون عمله منظورا إلیه أى منظورا للّه و مرئیّا له تخویفا من هجوم الأجل و جذبا إلى صالح الأعمال للّه تذکیر اطّلاعه علیها و علمه بها. و قوله: امرء لجّم نفسه. بدل من امرء الأوّل. و استعار لفظ اللجام للزهد الحقیقىّ و العفّه. و وجه المشابهه کونهما مانعین للنفس الأمّاره من جماحها فی تیه الهوى و معاصى اللّه کما یمنع اللجام الدابّه عن الجماح. و رشّح بذکر الإلجام، و کنّى به عن ورع النفس بالزهد، و أشار إلى ذلک الوجه من المشابهه بقوله: فأمسکها بلجامها عن معاصى اللّه. و کذلک استعار لفظ الزمام للعباده باعتبار ما هى قائده للنفس الأمّاره بالسوء إلى موافقه النفس المطمئنّه فی طاعه اللّه کما تقاد الناقه بزمامها إذ علمت أنّ العباده إنّما وضعت لتطویع النفس الأمّاره للعقل و انقیادها تحت اسره و انجذابها خلفه عند توجّهه فی المعارج القدسیّه إلى حضره ذى الجلال و الإکرام.
و إلى ذلک الوجه من المشابهه أشار بقوله: و قادها بزمامها، و رشّح بذکر الزمام و القود، و کنّى بهما عن إیقاع العباده و تطویع النفس لها. و باللّه التوفیق.
ْ

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۳۲۶

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۲۳۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام
اقتص فیه ذکر ما کان منه بعد هجره النبی صلّى اللّه علیه و آله، ثم لحاقه به فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأْخَذَ رَسُولِ اللَّهِ ص- فَأَطَأُ ذِکْرَهُ حَتَّى انْتَهَیْتُ إِلَى الْعَرَجِ- فِی کَلَامٍ طَوِیلٍ قال الشریف: قوله علیه السّلام «فأطأ ذکره» من الکلام الذى رمى به إلى غایتى الإیجاز و الفصاحه، أراد إنى کنت أعطى خبره، صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من بدء خروجى إلى أن انتهیت إلى هذا الموضع، فکنى عن ذلک بهذه الکنایه العجیبه.

المعنى

أقول: هذا الفصل من کلام یحکى فیه علیه السّلام ما کان جرى من حاله فی خروجه من مکّه إلى المدینه بعد أن هاجر إلیها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. و ذلک أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لمّا عزم على الهجره أعلم علیّا علیه السّلام بخروجه و أمره أن یبیت على فراشه خدعه للمشرکین الّذین کانوا عزموا على قتله فی تلک اللیله و ایهاما لهم أنّه لم یبرح فلا- یطلبونه حتّى یبعد مسافته عنهم، و أن یتخلّف بعده بمکّه حتّی یؤدّى عنه الودایع الّتی کانت عنده للناس فإنّ جماعه من أهل مکّه استودعوه ودائع لما رأوا من أمانته.
و کانوا قد أجمعوا على أن یضربوه بأسیافهم من أیدى جماعه من بطون مختلفه لیضیّع دمه بین بطون قریش فلا یطلبه بنو عبد مناف. و کان ممّن أجمع على ذلک النضر بن الحرث من بنى عبد الدار، و أبو البخترى بن هشام، و حکیم بن حزام، و زمعه بن الأسود بن عبد المطّلب- الثلاثه من بنى أسد بن عبد العزّى- و أبو جهل بن هشام، و أخوه الحرث، و خالد بن الولید بن المغیره- و الثلاثه من بنى مخزوم- و بنیه و منیه ابنا الحجّاج، و عمرو بن العاص- و الثلاثه من بنى سهم- و امیّه بن خلف، و أخوه‏ ابّى من بنى جمح. فنما هذا الخبر من اللّیل إلى عتبه بن ربیعه فلقى قوما منهم و نهاهم عن ذلک و قال إنّ بنى عبد مناف لا تسکت عن دمه و لکن صفّدوه فی الحدید و احبسوه فی دار من دورکم و تربّصوا به أن یصیبه من الموت ما أصاب أمثاله من الشعراء. و کان عتبه بن ربیعه سیّد بنى عبد شمس فأحجم أبو جهل و أصحابه تلک اللیله عن قتله إحجاما ثمّ تسوّروا علیه و هم یظنّونه فی الدار فرأوا إنسانا مسجّى بالبرد الحضرمىّ فلم یشکّوا أنّه هو فکانوا یهمّون بقتله ثمّ یحجمون لما یرید اللّه من سلامه علیّ علیه السّلام. ثمّ قال بعضهم لبعض: ارموه بالحجاره. فرموه فجعل علىّ یتصوّر منها و یتأوّه تأوّها خفیّا و لا یعلمهم بحاله خوفا على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أن یطلب فیدرک. فلم یزالوا حتّى الصباح فوجدوه علیّا، ثمّ تخلّف عنه علیه السّلام بمکه لقضاء ما أمره به. ثمّ لحق به فجاء إلى المدینه راجلا قد تورّمت قدماه و تصادف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نازلا بقبا على کلثوم بن المقدم فنزل معه فی منزله. ثمّ خرج معه من قبا حتّى نزلا بالمدینه على أبی أیّوب الأنصاری.
قوله: فجعلت أتّبع مأخذ رسول اللّه. أى الجهه و الطریق الّتی أخذ فیها و سار حتّى انتهیت إلى الموضع المعروف بالعرج.
و قوله: فأطأ ذکره. استعار وصف الوطى‏ء لوقوع ذهنه على ذکره صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و خبره من الناس فی تلک الطریق کوقوع القدم على الأرض، و وجه المشابهه أنّ الخبر عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ذکره طریق حرکات قدم عقله إلى معرفه حسّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کما أنّ المحسوس طریق لحرکات قدمه إلى الوصول إلیه. و قیل: أراد بذکره ما ذکره لى و وصفه من حال الطریق.
و الأوّل أسبق إلى الفهم. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۳۲۴

بازدیدها: ۲

خطبه ۲۳۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام قاله لعبد اللّه بن عباس

و قد جاءه برساله من عثمان و هو محصور یسأله فیها الخروج إلى ماله بینبع لیقل هتف الناس باسمه للخلافه بعد أن کان سأله مثل ذلک من قبل، فقال علیه السّلام:

یَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا یُرِیدُ عُثْمَانُ- إِلَّا أَنْ یَجْعَلَنِی جَمَلًا نَاضِحاً بِالْغَرْبِ أَقْبِلْ وَ أَدْبِرْ- بَعَثَ إِلَیَّ أَنْ أَخْرُجَ ثُمَّ بَعَثَ إِلَیَّ أَنْ أَقْدُمَ- ثُمَّ هُوَ الْآنَ یَبْعَثُ إِلَیَّ أَنْ أَخْرُجَ- وَ اللَّهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِیتُ أَنْ أَکُونَ آثِماً

اللغه

أقول:

ینبع: قریه صغیره من أعمال المدینه.

و هتف الناس: صیاحهم و دعاؤهم‏ باسمه.

و الناضح: الجمل استقى علیه.

و الغرب: الدلو العظیمه.

المعنى

و سبب الرساله أنّ القوم الّذین حصروه کانوا یکثرون نداه و الصیاح به و توبیخه على أحداثه من تفریق بیت المال على غیر مستحقّیه و وضعه فی غیر مواضعه، و سایر الأحداث الّتی ذکرنا أنّها نسبت إلیه، و استعار لفظ الجمل الناضح، و رشّح بذکر الغرب، و أشار إلى وجه المشابهه بقوله اقبل و ادبر. و قوله: بعث إلىّ. إلى قوله: أخرج. شرح لکیفیّه تصریفه فی حال حصره و مضایقه الناس له و بعثه إلى الناس فی أمره کما أشرنا إلیه من قبل. و قد کان قصده بتلک الرساله من بین سائر الصحابه لأحد أمرین: أحدهما: اعتقاده أنّه کان أشرف الجماعه و الناس له أطوع، و أنّ قلوب الجماعه معه حینئذ. و الثانی: أنّه کان یعتقد أنّ له شرکه مع الناس فی فعلهم به و کانت بینهما هناه فکان بعثه له من بین الجماعه متعیّنا لأنّهم إن رجعوا بواسطته فهو الغرض و إن لم یرجعوا حصلت بعض المقاصد أیضا و هو تأکّد ما نسبه إلیه من المشارکه فی أمره، و بقاء ذلک حجّه علیه لمن بعده ممّن یطلب بدمه حتّى کان لسبب هذا الغرض الثانی ما کان من الوقایع بالبصره و صفّین و غیرهما. و قوله و اللّه. إلى آخره یحتمل وجوها: أحدها: قال بعض الشارحین: إنّى بالغت فی الذبّ عنه حتّى خشیت لکثره أحداثه أن أکون آثما فی الذبّ عنه و الاجتهاد فی ذلک. و الثانی: یحتمل أن یرید أنّى خشیت الإثم فی تغریرى بنفسى لأن دفع الجمع العظیم فی هذا الأمر العظیم مظنّه الخوف على النفس فیکون الإقدام علیه مظنّه إثم. الثالث: یحتمل أنّه یرید أنّه خشى الإثم من الإفراط فی حقّهم کأن یضرب أحدهم بسوطه و یغلظ له فی القول و الشتم. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۳۲۳

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۳۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام تسمى القاصعه و من خطبه له علیه السّلام تسمى القاصعه
و هى تتضمن ذم إبلیس على استکباره و ترکه السجود لآدم علیه السّلام و أنه أول من أظهر العصبیه و تبع الحمیه، و تحذیر الناس من سلوک طریقته و فیها فصول:

الفصل الأوّل:

قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَبِسَ الْعِزَّ وَ الْکِبْرِیَاءَ- وَ اخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ- وَ جَعَلَهُمَا حِمًى وَ حَرَماً عَلَى غَیْرِهِ- وَ اصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ- وَ جَعَلَ اللَّعْنَهَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِیهِمَا مِنْ عِبَادِهِ- ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِکَ مَلَائِکَتَهُ الْمُقَرَّبِینَ- لِیَمِیزَ الْمُتَوَاضِعِینَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَکْبِرِینَ- فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ هُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ‏ وَ مَحْجُوبَاتِ الْغُیُوبِ إِنِّی خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِینٍ- فَإِذا سَوَّیْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِی فَقَعُوا لَهُ ساجِدِینَ- فَسَجَدَ الْمَلائِکَهُ کُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِیسَ اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِیَّهُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ- وَ تَعَصَّبَ عَلَیْهِ لِأَصْلِهِ- فَعَدُوُّ اللَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِینَ وَ سَلَفُ الْمُسْتَکْبِرِینَ- الَّذِی وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِیَّهِ وَ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَ الْجَبْرِیَّهِ- وَ ادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ وَ خَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ أَ لَا تَرَوْنَ کَیْفَ صَغَّرَهُ اللَّهُ بِتَکَبُّرِهِ- وَ وَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ فَجَعَلَهُ فِی الدُّنْیَا مَدْحُوراً- وَ أَعَدَّ لَهُ فِی الْآخِرَهِ سَعِیراً وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ یَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ- یَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِیَاؤُهُ وَ یَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ- وَ طِیبٍ یَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ- وَ لَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَهً- وَ لَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِیهِ عَلَى الْمَلَائِکَهِ- وَ لَکِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ابْتَلَی خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا یَجْهَلُونَ أَصْلَهُ- تَمْیِیزاً بِالِاخْتِبَارِ لَهُمْ وَ نَفْیاً لِلِاسْتِکْبَارِ عَنْهُمْ- وَ إِبْعَاداً لِلْخُیَلَاءِ مِنْهُمْ

أقول: نقل فی سبب هذه الخطبه: أنّ أهل الکوفه کانوا فی آخر خلافته علیه السّلام قد فسدوا و کانوا قبائل متعدّده فکان الرجل یخرج من منازل قبیلته فیمرّ بمنازل قبیله اخرى فیقع به أدنى مکروه فیستعدى قبیلته، و ینادى باسمها مثلا یا للنخع أو یا لکنده نداء عالیا یقصد به الفتنه و إثاره الشرّ فیتّألب علیه فتیان القبیله الّتی قد مرّ بها و ینادون یا لتمیم یا لربیعه فیضربونه فیمرّ إلى قبیلته و یستصرخ بها و تسّل بینهم السیوف و تثور الفتنه، و لا یکون لها أصل فی الحقیقه و لا سبب یعرف إلّا تعرّض الفتیان بعضهم ببعض، و کثر ذلک منهم فخرج علیه السّلام إلیهم على ناقه فخطبهم هذه الخطبه. إذا عرفت ذلک فنقول:

اللغه

القصع: ابتلاع الماء و الجرّه، و قصعت الرجل قصعا: صغّرته و حقّرته، و قصعت هامّته: إذا ضربتها ببسط کفّک، و قصع اللّه شبابه: إذا بقى قمیئا. فهو مقصوع لا یزداد.

و أصل هذه الکلمه للتصغیر و التحقیر.

و الجبریّه و الجبروت: الکبر.

و ادّرعه: لبسه کالدرع.

و الدحر: الطرد.

و خطف بالکسر. یخطف: أخذ البصر بسرعه استلابا.

و تبهر العقول: أى یغلب نوره أنوارها و ینمحق فیه.

و الرواء: المنظر الحسن.

و العرف: الرائحه الطیّبه.

و الخیلاء: الکبر.

و الإحباط: الإبطال.

و الجهد بفتح الجیم: الاجتهاد.

و الهواده: الصلح.

المعنى

و قد ذکر الشارحون فی تسمیه هذه الخطبه القاصعه وجوها:
أحدها: و هو أقربها أنّه علیه السّلام کان یخطبها على ناقته و هى تقصع بجرّتها فجاز أن یقال: إنّ هذه الحال لمّا نقلت عنه فى أسناد هذه الخطبه نسبت الخطبه إلى الناقه القاصعه فقیل: خطبه القاصعه ثمّ کثر استعمالها فجعلت من صفات الخطبه نفسها، أو لأنّ الخطبه عرفت بهذه الصفه لملازمه قصع الناقه لإنشائها. و العرب یسمّى الشی‏ء باسم لازمه. الثانی: إنّها سمیّت بذلک لأنّ المواعظ و الزواجر فیها متتابعه فأشبهت جرّات الناقه و تتابعها. الثالث: سمیّت بذلک لأنّها هاشمه کاسره لإبلیس، و مصغّره و محقّره لکلّ جبّار. و هو وجه حسن أیضا. الرابع: لأنّها تسکّن نخوه المتکبّرین و کبرهم فأشبهت الماء الّذى یسکّن العطش فیکون من قولهم: قصع الماء عطشه إذا سکّنه و أذهبه.

و اعلم أنّ مدار هذه الخطبه على النهى عن الکبر و التوبیخ علیه و على ما یلزمه‏

من الحمیّه و العصبیّه لغیر اللّه تعالى لیکون الناس على ضدّ ذلک من التواضع و الرفق، و قد علمت فی المقدّمات أنّ من شأن الخطیب أن یورد فی صدر الخطبه ما ینبّه على المطلوب الّذی یورده بقول کلّىّ لیتنبّه السامعون لما یریده إجمالا فلذلک صدّر علیه السّلام الخطبه بنسبه العزّ و الکبریاء و العظمه إلى من هو أولى به و هو اللّه تعالى، و أشار إلى أنّ ذلک خاصّه له و حرام على غیره، و ذکر إبلیس و قصّته مع آدم علیه السّلام فی معرض الذمّ بتکبّره علیه لیترتّب على ذکره و ذمّه بتلک الرذیله النهى و التحذیر عن ارتکابها و لیحصل التنفیر بحاله إذ کان بذلک ملعونا مطرودا على ألسنه الأنبیاء بأسرهم. و إذ کان مدار الخطبه ذمّ الکبر و النهى عنه فلنشر إلى حقیقته فی الإنسان أوّلا ثمّ إلى ما یلزمه من الآفات و إلى المذامّ الوارده فیه.
فنقول: أمّا حقیقته فهى هیئه نفسانیّه تنشأ عن تصوّر الإنسان نفسه أکمل من غیره و أعلى رتبه و تلک الهیئه تعود إلى ما یحصل للنفس عن ذلک التصوّر من النفخ و الهزّه و التعزّز و التعظّم و الرکون إلى ما تصوّرته من کمالاتها و شرفها على الغیر، و لذلک قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أعوذ بک من نفخه الکبر. و هى رذیله تحت الفجور تقابل فضیله التواضع. و ما یلزم عن ذلک التصوّر أعنى تصوّر الإنسان فضیلته على الغیر إن قطع النظر فیه عن قیاسه على متکبّر علیه و عن إضافته إلى اللّه تعالى باعتبار أنّه منه و لم یکن خائفا من فوت تلک الفضیله بل کان ساکنا إلیها مطمئنّا فذلک هو العجب فإذن العجب هیئه تلزم عن تصوّر الکمال فی النفس و استقطاعه عن المنعم به و الرکون إلیه و الفرح به مع الغفله عن قیاس النفس إلى الغیر بکونها أفضل منه. و بهذا الفصل الأخیر ینفصل عن الکبر. إذ کان لا بدّ فی الکبر من أن یرى الإنسان لنفسه مرتبه و للغیر مرتبه ثمّ یرى مرتبته فوق مرتبه غیره. و أمّا آفاته و هى ثمراته و ما یلزم عنه من الأعمال و التروک فإنّ هذا الخلق یوجب أعمالا إذا ظهرت على الجوارح قد تسمّى کبرا: فمنها باطنه کتحقیر الغیر و ازدرائه، و اعتقاد أنّه لیس أهلا للمجالسه و المواکله و الأنفه عن ذلک. و اعتقاد أنّه یصلح أن یکون ماثلا بین یدیه قائما، بل قد یعتقد من هو أشدّ کبرا أنّ ذلک لا یصلح للمثول بین یدیه، و کحسده و الحقد علیه، و کنظر العالم المتکبّر إلى الجاهل العامّى بعین الاستخفاف و الاستجهال. و أمّا الظاهره فکالتقدّم علیه فی الطرق و الارتفاع علیه فی المجالس، و کإبعاده عن مجالسته و مؤاکلته، و العنف به فی النصح، و الغضب عند ردّ قوله، و الغلظه على المتعلّمین و إذلالهم و استخدامهم، و الغیبه و التطاول بالقول. و أمّا التروک: فکترک التواضع و الاستنکاف عن مجالسه من دونه و معاشرته و عدم الرفق بذوى الحاجات و نحو ذلک ممّا لا یحصى من الرذائل.

و أمّا المذامّ الوارده فیه: فهى کثیره فی القرآن الکریم و السنّه النبویّه کقوله تعالى کَذلِکَ یَطْبَعُ اللَّهُ عَلى کُلِّ قَلْبِ مُتَکَبِّرٍ جَبَّارٍ«» و قوله وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ کُلُّ جَبَّارٍ عَنِیدٍ«» و قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یقول اللّه عزّ و جلّ الکبریاء ردائى و العظمه إزارى فمن ناز عنى واحدا منهما ألقیته فی جهنّم. و قوله علیه السّلام: لا یدخل الجنّه من فی قلبه مثقال ذرّه من کبر. و إنّما صار حجابا عن الجنّه لأنّه یحول بین العبد و بین أخلاق المؤمنین الّتی هى أبواب الجنّه. فالکبر و العجب یغلق تلک الأبواب کلّها لأنّها لا تقدر على أنّ یحبّ للمؤمن ما یحبّ لنفسه و فیه شی‏ء من العزّه، و لا یتمکّن من ترک هذه الرذائل و فعل أضدادها من الفضائل کالتواضع و کظم الغیظ و قبول النصح و الرفق فی القول و غیرها و فیه شی‏ء من العزّه و الکبریاء. و ما من خلق ذمیم إلّا و صاحب العزّه و الکبر مضطرّ إلیه لیحفظ به عزّه. و ما من خلق فاضل إلّا و هو عاجز عنه خوفا أن یفوته عزّه فلذلک لم یدخل الجنّه من فی قلبه مثقال حبّه من کبر. و بعض الأخلاق الذمیمه مستلزم للبعض. و شرّ أنواع الکبر ما منع العلم و استعماله و قبول الحقّ و الانقیاد له.

إذا عرفت ذلک فنقول: إنّه علیه السّلام حمد اللّه تعالى باعتبارات:
أحدها: لبسه للعزّ و الکبریاء.
و لمّا علمت أنّ الکبریاء لا بدّ فیه من أمرین: أحدهما: العلم بکمال الذات. و الثانی: اعتبار الشرف و العلوّ على الغیر فکان هذان الاعتباران صادقین علیه تعالى أتمّ من صدقهما على کلّ موجود لا جرم کان بالکبریاء و العظمه أحقّ من کلّ موجود أمّا الأوّل: فلأنّه لمّا کان کمالات الذات عباره عن الوجود و کماله فکان وجوده تعالى أتمّ الوجودات بحیث لم یفته من کماله شی‏ء بل کلّ ما ینبغی له فهو حاصل بالفعل لا جرم صدق علیه هذا الاعتبار أتمّ صدق. و أمّا الثانی: فلأنّ وجوده تعالى هو الوجود الّذی یصدر عنه وجود کلّ موجود عداه، و هو تعالى عالم بجمیع المعلومات کلّیّها و جزئیّها فهو إذن عالم بکماله و شرفه على عبیده. و استعار لفظ اللبس باعتبار إحاطه کماله بکلّ اعتبار له کما یحیط القمیص و الرداء بجسد لابسه.

الثانی: کونه تعالى اختارهما لنفسه دون خلقه.
و معنى اختیاره هنا تفرّده باستحقاقهما لذاته فإنّ المستحقّ للعزّ و الکبریاء بالذات لیس إلّا هو، و دلّ على ذلک المنقول و المعقول. و أمّا المنقول: فقوله تعالى عالِمُ الْغَیْبِ وَ الشَّهادَهِ الْکَبِیرُ الْمُتَعالِ«» و الألف و اللام هنا یفید حصر الکبریاء و العلوّ فیه، و أمّا المعقول فلأنّه تعالى لمّا استحقّ ذلک الاعتبار لذاته لا بأمر خارج و إلّا لکان مفتقرا إلى الغیر. ثمّ ذمّ المتکبّرین و توعّدهم فی کتابه العزیز و على لسان نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حیث قال حکایه عنه: الکبریاء ردائى. الخبر. علمنا أنّه قد اختار الاختصاص بهما دون خلقه.

الثالث: و جعلهما حمى و حرما على غیره.
استعار لفظ الحمى و الحرم باعتبار اختیاره لهما و تحریمهما على غیره من خلقه کما یحمى الملک المرعى و الحرم.

الرابع: و اصطفاهما لجلاله
أى لتقدّسه و علوّه عن شبه مخلوقاته استحقّ الانفراد بهذین فتفرّد بهما. و هو معنى اصطفائه لهما.

الخامس: جعله اللعنه على من نازعه فیهما من عباده
إشاره إلى نحو قوله فی الخبر المذکور: فمن نازعنی فیهما ألقیته فی جهنّم. و لا شکّ أنّ الملقى فی جهنّم مبعّد مطرود عن الخیر و الرحمه. و لفظ المنازعه فی الخبر مجاز فی محادّه المتکبّرین‏ و مجانبتهم له و مخالفتهم لأمره فی الاتّصاف بالکبر فکأنّهم یجاذبونه ما اختص به و من لوازم المجاذبه المنازعه القولیّه فاطلقت هنا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه.

السادس: اختباره بذلک ملائکته المقرّبین. إلى قوله: ساجدین
أى ابتلاهم بالتکبّر و عدمه. و قد علمت معنى ابتلائه و اختباره تعالى لخلقه فیما سبق. و نزیده بیانا. فنقول لمّا کانت حقیقه الاختبار طلب الخبر بالشی‏ء و معرفته لمن لا یکون عارفا به، و کان هو تعالى عالما بمضمرات القلوب و خفیّات القلوب فیمیّز المطیعین من عبیده من العصاه لم یکن إطلاق هذا اللفظ فی حقّه حقیقه بل على وجه الاستعاره باعتبار أنّه لمّا کان ثوابه و عقابه للخلق موقوفین على تکلیفهم بما کلّفهم به فإن أطاعوه فیما أمرهم أثابهم و إن عصوه عاقبهم أشبه ذلک اختبار الإنسان لعبیده و تمییزه لمن أطاعه منهم ممّن عصاه، و أطلق علیه لفظه.

و قوله: لیمیز المتواضعین منهم من المتکبّرین.
ترشیح لاستعاره الاختبار لأنّ التمیز من لوازمه و عوارضه. و یحتمل أن یرید لیمیز المطیعین عن العصاه بإعطاء الثواب لهم دونهم فلا یکون التمیز بمعنى العلم بل الانفصال الخارجىّ لکلّ من‏ المطیعین و العصاه بما یستحقّه من ثواب و عقاب.

و قوله: و هو العالم. إلى قوله: العیوب.
 قرینه مخرجه للاختبار عن حقیقته، و هى جمله معترضه بین القول و المقول للملائکه و هو قوله تعالى وَ إِذْ إلى آخره. و المختبر به هو قوله فَقَعُوا لَهُ ساجِدِینَ«» و قال بعض الشارحین: إنّما اختبرهم مع علمه بمضمراتهم لأنّ اختباره تعالى لیس لیعلم بل لیعلم غیره من خلقه طاعه من یطیع و عصیان من یعصى قال: و قوله لِنَعْلَمَ أَیُّ الْحِزْبَیْنِ و قوله لِنَعْلَمَ مَنْ یَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ یَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَیْهِ أى لتعلم أنت و غیرک. و فیه بعد. و قد شرحنا قصّه الملائکه و إبلیس‏ و آدم فی الخطبه الاولى بقدر الوسع فلا حاجه إلى التطویل بالإعاده غیر أنّ هاهنا ألفاظا یحتاج إلى الإیضاح. و افتخار إبلیس و تعصّبه و تکبّره على آدم فی قوله قالَ ما مَنَعَکَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُکَ و قوله: أ أسجد لمن خلقت طینا أ أسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون. فکان تعصّبه علیه و استکباره نظرا إلى أصلهما، و کونه إمام المتعصّبین باعتبار کونه المنشأ لرذیله العصبیّه فی غیر الحقّ و المعتدى به فیها. و أمّا العصبیّه فی الحقّ فهى محموده کما جاء فی الخبر: العصبیّه فی اللّه تورث الجنّه، و العصبیّه فی الشیطان تورث النار. و کذلک کونه سلفا للمتکبّرین باعتبار تقدّمه للمتکبّرین بالاستکبار على آدم. و السلف هو التقدّم.

و قوله: الّذى وضع أساس العصبیّه.
 إذ کانت عصبیّته لأصله کالأساس للخلق یبنى علیه الخلق سائر العصبیّات و یقتدى به فیها.

و قوله: و نازع اللّه رداء الجبریّه.
 أى بتجبّره و تکبّره. و قد عرفت وجه الاستعاره فی المنازعه فی الرداء، و کذلک قوله: و ادّرع لباس التعزّز. لمّا استعار لفظ الادّراع لإبلیس من جهه اشتماله و تلبّسه بالتعزّز رشّح بذکر اللباس، و کذلک قوله: و خلع قناع التذلّل. استعاره للفظ الخلع، و ترشیح بلفظ القناع.

و قوله: أ لا ترون. إلى قوله: بترفّعه.
 تنبیه على کیفیّه تصغیر اللّه إیّاه و وضعه له بسبب تکبّره و تعظّمه، و ذلک التصغیر و الوضع هو جعله فی الدنیا مدحورا بعد إخراجه من الجنّه بقوله تعالى اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً«» و إعداده له فی الآخره سعیرا بقوله تعالى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْکَ وَ مِمَّنْ تَبِعَکَ مِنْهُمْ أَجْمَعِینَ«» و نحوه.

و قوله: و لو أراد اللّه. إلى قوله: على الملائکه.
 فی صوره قیاس اقترانىّ مرکّب من متّصلین صغراهما قوله: و لو اراد اللّه. إلى قوله: لفعل. و کبراهما: قوله: و لو فعل إلى آخره. و تالى الکبرى مرکّب من جملتین عطفت إحداهما على الاخرى. و معنى الصغرى أنّه تعالى لو أراد قبل خلق آدم أن یخلقه من نور شفّاف لطیف یخطف الأبصار، و یبهر العقول حسنه، و طیب یأخذ الأنفاس رائحته و لم یخلقه من طین ظلمانىّ کثیف لفعل لأنّ ذلک أمر ممکن مقدور له، و یحتمل أن یرید بخلقه من النور خلقه روحانیّا مجرّدا عن علاقه الموادّ المظلمه. و قد یوصف المجرّدات بالنور فیقال: أنوار اللّه، و أنوار جلاله، و أنوار حضرته، و قد أضاءنا بنور علمه و یوصف بالرایحه أیضا فیقال: فلان لم یشمّ رائحه العلم. و بالطعم فیقال: فلان لم یذق حلاوه العلم. و کلّ ذلک استعاره لفظ المحسوس للمعقول تقریبا للأفهام. و معنى الکبرى أنّه لو فعل ذلک و خلقه کذلک لظلّت أعناق الملائکه و إبلیس خاضعه له. و ذلک لشرف جوهره على الطین و فضل خلقته على ما یخلق منه و لم یکن ممّن یفسد فی الأرض و یسفک الدماء حتّى تقول الملائکه: أ تجعل فیها من یفسد فیها و یسفک الدماء. و لا من طین منتن حتّى یفخر علیه إبلیس بأصله یقول: أنا خیر منه خلقتنى من نار و خلقته من طین، أ أسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون و لخفّت البلوى فیه على الملائکه. و بیان الخفّه من وجهین: أحدهما: لشرف جوهره فإنّه من العاده أن یستنکف الشریف من الخضوع لمن هو دونه فی أصله و یشقّ علیه التکلیف بذلک فی حقّه فأمّا إذا کان أصله مناسبا لأصله و مقارنا فی الشرف فلا شکّ أنّ تکلیفه بخدمته یکون علیه أسهل و أخفّ. و الثانی: أنّهم ما کانوا عالمین بالسرّ الّذی خلق له آدم و هو کونه صالحا لخلافه اللّه سبحانه فی عماره الأرض و إصلاح أبناء نوعه و إعدادهم للکمالات و غیر ذلک ممّا لا یعلمونه کما قال تعالى فی جواب قولهم أَ تَجْعَلُ فِیها مَنْ یُفْسِدُ فِیها إلى وَ إِذْ قالَ رَبُّکَ لِلْمَلائِکَهِ«» و کما علّمه الأسماء و أمره بعرضها علیهم فقال وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ کُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِکَهِ فَقالَ أَنْبِئُونِی بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ«» و ظاهر أنّ تکلیف النفس بما یطّلع على سرّه و یعلم وجه الحکمه فیه أسهل علیها من تکلیفها بما تجهله. فلو خلقه تعالى من نور مناسبا لخلقهم لعلموا نوعیّته و سرّ خلقه فلم یشقّ علیهم التکلیف بالسجود له. و یؤیّد هذا الوجه قوله: و لکنّ اللّه سبحانه مبتلى خلقه ببعض ما یجهلون أصله و فی هذا الاستثناء تنبیه على عدم إراده خلق آدم من نور. و ذلک العدم هو نقیض مقدّم نتیجه القیاس المذکور اللازم عن استثناء نقیض تالیها. و تقدیر النتیجه أنّه لو أراد خلقه من نور لظلّت الأعناق له خاضعه و خفّت البلوى على الملائکه لکن لم یکن الأمر کذلک فاستلزم أنّه لم یرد خلقه من نور.

فکان معنى قوله: و لکنّ اللّه ابتلى خلقه. أنّه لم یرد خلقه من نور بل أراد أن یبتلى خلقه ببعض ما یجهلون أصله و هو تکلیفهم بالسجود لآدم مع جهلهم بأصل ذلک التکلیف و الغرض منه أو جهلهم بآدم و سرّ خلقته الّذی هو أصل لذلک التکلیف. و نصب قوله: تمییزا و نفیا و إبعادا على المفعول له: أى لیمیّز بذلک التکلیف و بما یستلزم من الذلّه و الانقیاد و الخضوع المطیع من العاصى، و لینفى رذیله الکبر و الخیلاء عنهم و باللّه التوفیق.

الفصل الثانی:

فی أمر السامعین بالاعتبار بحال إبلیس و ما لزمه من اللعنه و بطلان أعماله الصالحه فی المدّه المتطاوله بسبب التکبّر و العصبیّه الفاسده، و التحذیر من سلوک طریقته و اقتفاء أثره فی الکبر و لوازمه من الرذائل الّتی عدّدناها.

و ذلک قوله: فَاعْتَبِرُوا بِمَا کَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِیسَ- إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِیلَ وَ جَهْدَهُ الْجَهِیدَ- وَ کَانَ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ سِتَّهَ آلَافِ سَنَهٍ- لَا یُدْرَى أَ مِنْ سِنِی الدُّنْیَا أَمْ مِنْ سِنِی الْآخِرَهِ- عَنْ کِبْرِ سَاعَهٍ وَاحِدَهٍ- فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِیسَ یَسْلَمُ عَلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِیَتِهِ- کَلَّا مَا کَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِیُدْخِلَ الْجَنَّهَ بَشَراً- بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَکاً- إِنَّ حُکْمَهُ فِی أَهْلِ السَّمَاءِ وَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَاحِدٌ- وَ مَا بَیْنَ اللَّهِ وَ بَیْنَ‏ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَهٌ- فِی إِبَاحَهِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِینَ فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ یُعْدِیَکُمْ بِدَائِهِ- وَ أَنْ یَسْتَفِزَّکُمْ بِنِدَائِهِ وَ أَنْ یُجْلِبَ عَلَیْکُمْ بِخَیْلِهِ وَ رَجْلِهِ- فَلَعَمْرِی لَقَدْ فَوَّقَ لَکُمْ سَهْمَ الْوَعِیدِ- وَ أَغْرَقَ إِلَیْکُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِیدِ- وَ رَمَاکُمْ مِنْ مَکَانٍ قَرِیبٍ- فَقَالَ رَبِّ بِما أَغْوَیْتَنِی لَأُزَیِّنَنَّ لَهُمْ فِی الْأَرْضِ- وَ لَأُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ- قَذْفاً بِغَیْبٍ بَعِیدٍ وَ رَجْماً بِظَنٍّ غَیْرِ مُصِیبٍ- صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِیَّهِ وَ إِخْوَانُ الْعَصَبِیَّهِ- وَ فُرْسَانُ الْکِبْرِ وَ الْجَاهِلِیَّهِ- حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَهُ مِنْکُمْ- وَ اسْتَحْکَمَتِ الطَّمَاعِیَّهُ مِنْهُ فِیکُمْ- فَنَجَمَتِ فِیهِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِیِّ إِلَى الْأَمْرِ الْجَلِیِّ- اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَیْکُمْ- وَ دَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَکُمْ- فَأَقْحَمُوکُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ- وَ أَحَلُّوکُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ- وَ أَوْطَئُوکُمْ إِثْخَانَ الْجِرَاحَهِ طَعْناً فِی عُیُونِکُمْ- وَ حَزّاً فِی حُلُوقِکُمْ وَ دَقّاً لِمَنَاخِرِکُمْ- وَ قَصْداً لِمَقَاتِلِکُمْ وَ سَوْقاً بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ- إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّهِ لَکُمْ- فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِی دِینِکُمْ حَرْجاً- وَ أَوْرَى فِی دُنْیَاکُمْ قَدْحاً- مِنَ الَّذِینَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِینَ وَ عَلَیْهِمْ مُتَأَلِّبِینَ- فَاجْعَلُوا عَلَیْهِ حَدَّکُمْ وَ لَهُ جِدَّکُمْ- فَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِکُمْ- وَ وَقَعَ فِی حَسَبِکُمْ وَ دَفَعَ فِی نَسَبِکُمْ- وَ أَجْلَبَ بِخَیْلِهِ عَلَیْکُمْ وَ قَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِیلَکُمْ- یَقْتَنِصُونَکُمْ بِکُلِ‏ مَکَانٍ وَ یَضْرِبُونَ مِنْکُمْ کُلَّ بَنَانٍ- لَا تَمْتَنِعُونَ بِحِیلَهٍ وَ لَا تَدْفَعُونَ بِعَزِیمَهٍ- فِی حَوْمَهِ ذُلٍّ وَ حَلْقَهِ ضِیقٍ- وَ عَرْصَهِ مَوْتٍ وَ جَوْلَهِ بَلَاءٍ- فَأَطْفِئُوا مَا کَمَنَ فِی قُلُوبِکُمْ- مِنْ نِیرَانِ الْعَصَبِیَّهِ وَ أَحْقَادِ الْجَاهِلِیَّهِ- فَإِنَّمَا تِلْکَ الْحَمِیَّهُ تَکُونُ فِی الْمُسْلِمِ- مِنْ خَطَرَاتِ الشَّیْطَانِ وَ نَخَوَاتِهِ وَ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ- وَ اعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِکُمْ- وَ إِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِکُمْ- وَ خَلْعَ التَّکَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِکُمْ- وَ اتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ- مَسْلَحَهً بَیْنَکُمْ وَ بَیْنَ عَدُوِّکُمْ إِبْلِیسَ وَ جُنُودِهِ- فَإِنَّ لَهُ مِنْ کُلِّ أُمَّهٍ جُنُوداً وَ أَعْوَاناً- وَ رَجْلًا وَ فُرْسَاناً- وَ لَا تَکُونُوا کَالْمُتَکَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ- مِنْ غَیْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ فِیهِ- سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَهِ الْحَسَدِ- وَ قَدَحَتِ الْحَمِیَّهُ فِی قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ- وَ نَفَخَ الشَّیْطَانُ فِی أَنْفِهِ مِنْ رِیحِ الْکِبْرِ- الَّذِی أَعْقَبَهُ اللَّهُ بِهِ النَّدَامَهَ- وَ أَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَاتِلِینَ إِلَى یَوْمِ الْقِیَامَهِ أَلَا وَ قَدْ أَمْعَنْتُمْ فِی الْبَغْیِ وَ أَفْسَدْتُمْ فِی الْأَرْضِ- مُصَارَحَهً لِلَّهِ بِالْمُنَاصَبَهِ- وَ مُبَارَزَهً لِلْمُؤْمِنِینَ بِالْمُحَارَبَهِ- فَاللَّهَ اللَّهَ فِی کِبْرِ الْحَمِیَّهِ وَ فَخْرِ الْجَاهِلِیَّهِ- فَإِنَّهُ مَلَاقِحُ الشَّنَئَانِ وَ مَنَافِخُ الشَّیْطَانِ- الَّتِی خَدَعَ بِهَا الْأُمَمَ الْمَاضِیَهَ وَ الْقُرُونَ الْخَالِیَهَ- حَتَّى أَعْنَقُوا فِی حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ وَ مَهَاوِی ضَلَالَتِهِ- ذُلُلًا عَنْ سِیَاقِهِ سُلُساً فِی قِیَادِهِ- أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبُ فِیهِ وَ تَتَابَعَتِ الْقُرُونُ عَلَیْهِ- وَ کِبْراً تَضَایَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَهِ سَادَاتِکُمْ وَ کُبَرَائِکُمْ- الَّذِینَ تَکَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَ تَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ- وَ أَلْقَوُا الْهَجِینَهَ عَلَى رَبِّهِمْ- وَ جَاحَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ- مُکَابَرَهً لِقَضَائِهِ وَ مُغَالَبَهً لِآلَائِهِ- فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِیَّهِ- وَ دَعَائِمُ أَرْکَانِ الْفِتْنَهِ وَ سُیُوفُ اعْتِزَاءِ الْجَاهِلِیَّهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تَکُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَیْکُمْ أَضْدَاداً- وَ لَا لِفَضْلِهِ عِنْدَکُمْ حُسَّاداً- وَ لَا تُطِیعُوا الْأَدْعِیَاءَ الَّذِینَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِکُمْ کَدَرَهُمْ- وَ خَلَطْتُمْ بِصِحَّتِکُمْ مَرَضَهُمْ وَ أَدْخَلْتُمْ فِی حَقِّکُمْ بَاطِلَهُمْ- وَ هُمْ أَسَاسُ الْفُسُوقِ وَ أَحْلَاسُ الْعُقُوقِ- اتَّخَذَهُمْ إِبْلِیسُ مَطَایَا ضَلَالٍ- وَ جُنْداً بِهِمْ یَصُولُ عَلَى النَّاسِ- وَ تَرَاجِمَهً یَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ- اسْتِرَاقاً لِعُقُولِکُمْ وَ دُخُولًا فِی عُیُونِکُمْ- وَ نَفْثاً فِی أَسْمَاعِکُمْ- فَجَعَلَکُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ وَ مَوْطِئَ قَدَمِهِ وَ مَأْخَذَ یَدِهِ

اللغه

أقول:

الإحباط: الإبطال.

و الجهد بفتح الجیم: الاجتهاد.

و الهواده: الصلح.

و استفزّه: استخفّه و أزعجه.

و فوّق السهم: جعل له فوقا و هو موضع الوتر منه.

و نزع القوس نزعا: أى مدّها.

و الإغراق فی المدّ: استیفائه و استیعابه.

و القذف: الرمى و الطماعیه: الطمع.

و نجمت: ظهرت.

و دلف. مشى و دنا.
و أقحموکم: أدخلوکم قهرا.

و الولجات: جمع و لجه بفتح الجیم و هى الموضع کالکهف و نحوه تستتر به المارّه من المطر و غیره.

و الورطات: جمع ورطه و هى الأرض المطمئنّه لا طریق فیها، و الورطه: الهلاک أیضا.

و الحزّ: القطع.

و الخزائم- جمع خزامه بکسر الخاء- : و هى حلقه من شعر فى أنف البعیر یشدّ فیها الزمام.

و أورى: أفعل من الورى و هو إظهار النار.

و المناصبه: المعاداه و المقابله فی الحرب لأنّ کلّا قد نصب نفسه و شرّه للآخره.

و التألّب: الاجتماع.

و حسب الرجل: ما یعدّه من مفاخر آبائه.

و أجلب علیه: جمع، و أصل الجلبه: الأصوات فی الحرب و الغاره.

و حومه الشی‏ء: معظمه، و ما استدار منه على کثره.

و کذلک الحلقه للقوم. و عرصه موت: أى معرض له، و بصدده. و الجوله: کالحلقه.

و النخوه: الکبر.

و النزع: الإفساد.

و النفث: النفخ و هو أقلّ من التفل.

و المسلحه: قوم ذو سلاح یحفظون الثغور و المراقب، و قد یطلق على تلک الأماکن أنفسها.

و الإمعان فی الشی‏ء: التباعد فیه، و الایصال.

و المصارحه: المکاشفه و المجاهره.

و الملاقح: الفحول- واحدها ملقح بفتح المیم- و یحتمل أن یکون مصدرا.

و الشنئان- بفتح النون و سکونها- : البغضاء.

و أعنق الجمل فی السیر: مدّ عنقه و أوسع خطوته.

و الحنادس جمع حندس بکسر الحاء و الدال- : اللیل شدید الظلمه.

و الذلل: جمع ذلیله فعیله بمعنى مفعوله.

و السلس: جمع سلس و هى سهله القیاد.

و الهجینه: الفعل القبیح بمعنى مفعوله.

و الاعتزاء: الایتماء، و الانتساب إلى أب أو قبیله.

و الأدعیاء: جمع دعىّ و هو الّذی یدعى إلى غیر أبیه و ینسب إلیه.

و الحلس: ما یلزم الشی‏ء.

و أصله من حلس البعیر و هو کساء رقیق یجعل تحت بردعته وقایه لظهره.

و العقوق: مشاقّه الوالد و ذى الرحم، و منع برّه.

 

المعنى

فقوله: فاعتبروا.
 أمر للسامعین باعتبار حال إبلیس فی الکبر بعد شرح حاله فی طاعه اللّه و طول مدّه عبادته له و ما لزمه بسبب کبر ساعه واحده من إحباط عمله و لعنته و البعد عن رحمه اللّه لیتنبّهوا للتخلّی عن هذه الرذیله. وجه الاعتبار أن یقال: إذا کان حال من تکبّر من الملائکه بعد عباده ستّه آلاف سنه کذلک فکیف بالمتکبّرین من البشر على قصر مدّه عبادتهم و کونهم بشرا. فبطریق الأولى أن یکونوا کذلک. و جهده الجهید: أى اجتهاده الّذی جهده و شقّ علیه.

و قوله: و کان قد عبد اللّه. إلى قوله: الآخره.
 فیشبه أن یکون قد أشار بسنى الآخره إلى سنین موهومه عن مثل الیوم المشار إلیه بقوله تعالى: وَ إِنَّ یَوْماً عِنْدَ رَبِّکَ کَأَلْفِ سَنَهٍ مِمَّا تَعُدُّونَ«» و قوله فِی یَوْمٍ کانَ مِقْدارُهُ خَمْسِینَ أَلْفَ سَنَهٍ«» و تقریره أنّ الأیّام فی الآخره ممّا لا یمکن حملها على حقائقها لأنّ الیوم المعهود عباره عن زمان طلوع الشمس إلى مغیبها، و بعد خراب العالم على ما نطقت به الشریعه لا یبقى ذلک الزمان، و على رأى من أثبت بقاء الفلک تکون القیامه عباره عن مفارقه النفوس لأبدانها أو عن أحوال تعرض لها بعد المفارقه، و المجرّدات المفارقات لا یکون لأحوالها زمان و لا مکان حتّى تجرى فی یوم أو سنه فتعیّن حمل الیوم على مجازه و هو الزمان المقدّر بحسب الوهم القایس لأحوال الآخره إلى أحوال الدنیا و أیّامها إقامه لما بالقوّه مقام ما بالفعل.
و کذلک السنه. و هذه الأزمنه هى الّتی أشار إلى مثلها المتکلّمون بقولهم: إنّ تقدّم البارى تعالى على وجود العالم بتقدیر أزمنه لا نهایه لها. إذا عرفت ذلک فاعلم أنّ قوله تعالى فِی یَوْمٍ کانَ مِقْدارُهُ خَمْسِینَ أَلْفَ سَنَهٍ و فی موضع مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَهٍ إشاره إلى تفاوت تلک الأزمنه الموهومه بشدّه أهوال أحوال أهل الآخره و ضعفها و طولها و قصرها و سرعه حساب بعضهم و خفّه ظهره و ثقل أوزار قوم آخرین و طول حسابهم کما روى عن ابن عبّاس فی قوله کانَ مِقْدارُهُ خَمْسِینَ أَلْفَ سَنَهٍ قال: هو یوم القیامه جعله اللّه على الکافرین مقدار خمسین ألف سنه، و أراد أنّ أهل الموقف لشدّه أهوالهم یستطیلون بقاهم فیها و شدّتها علیهم حتّى یکون فی قوّه ذلک المقدار. و عن أبی سعید الخدریّ قال: قیل لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی یوم القیامه کان مقداره خمسین ألف سنه: ما أطول هذا الیوم فقال: و الّذی نفسى بیده إنّه لیخفّ على المؤمن حتّى یکون علیه أخفّ من صلاه مکتوبه یصلّیها فی الدنیا. و هذا یدلّ على أنّه یوم موهوم و إلّا لما تفاوت فی الطول و القصر إلى هذه الغایه. إذا ثبت هذا فنقول: یحتمل أن یکون مراده علیه السّلام أنّ عباده إبلیس و الملائکه الّذین نقلنا فی الخبر فی الخطبه الاولى‏ أنّهم اهبطوا إلى الأرض و طردوا الجنّ إلى البحار و رءوس الجبال و عبدو اللّه فی الأرض زمانا کانت عباده روحانیّه لا یستدعى زمانا موجودا بل أحوالا موهومه تشبه الزمان، و أنّ إبلیس عبد اللّه فی تقدیر أزمنه مبلغها ستّه آلاف سنه قبل خلق آدم. و یحتمل أن یقال: إنّها کانت جسمانیّه فی زمان من أزمنه الدنیا و لکن یکون فی کمیّه کمقدار خمسین ألف سنه من سنى الدنیا.

فأمّا قوله: لا یدرى.
 ففى نسخه الرضى بالبناء للفاعل. و فی غیرها من النسخ بالبناء للمفعول.

و الروایه الاولى تستلزم أنّه ممّن لا یدرى أنّ تلک السنین من أىّ السنین و الثانیه یحتمل فیها کونه ممّن یدرى ذلک. و بالجمله فلمّا کانت مدّه عباده إبلیس قبل آدم یحتمل أن یکون روحانیّه و أن یکون جسمانیّه، و یحتمل أن یکون بحسب ذلک فی زمان موهوم أو موجود. و على تقدیر أن یکون موجودا یحتمل أن یکون ستّه آلاف سنه من السنین المعهوده المتعارفه لنا، و یحتمل أن یکون من سنین کانت قبل ذلک مصطلحا على تقدیر کلّ منها بألف سنه أو بخمسین ألف سنه من سنینا لا جرم لم یمکن الجزم بواحد من هذه الاحتمالات فلذلک قال: لا یدرى. قال بعض الشارحین: و یفهم من تقدیره علیه السّلام تلک المدّه بستّه آلاف سنه لا یدرى من أىّ السنین هی أنّه سمع فیه نصّا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مجملا و لم یفسّره له، أو أنّه سمعه و علم تفصیله لکنّه لم یفصّله للناس بل أبهم القول علیهم فی تعیینه لعلمه أنّ تعیین سنى الآخره ممّا یستعظمونه و لا یحتمله أذهانهم. فإنّ عبادته إذا کانت ستّه آلاف سنه و کل یوم منها خمسین ألف سنه من سنى الدنیا کان مبلغ ذلک ممّا یخرج من ضرب ستّه آلاف سنه فی ثلاث مائه و ستّین مضروبه فی خمسین ألفا و هو مائه و ثمانیه ألف ألف ألف- بتکریر لفظ الألف ثلاث مرات- و على تقدیر أن یکون مقدار کلّ یوم ألف سنه یکون مبلغها ما یخرج من ضرب ستّه آلاف فی ثلاث مائه و ستّین ألفا و هو ألفا ألف ألف سنه- بتکریر الألف ثلاث مرات و تثنیه الأوّل- و مائه ألف ألف- بلفظتین- و ستّون ألف ألف- بلفظتین أیضا- و ذلک مما لا یحتمله أذهان السامعین. فلذلک‏ أبهم القول فیه.

و قوله: فمن. إلى قوله: معصیه.
 استفهام إنکار لوجود من یسلم من لعنه اللّه و عقوبته ممّن یکون فیه رذیله الکبر.

و قوله: یسلم على اللّه.
 فی معنى یرجع إلیه سالما من طرده و لعنته و عذابه. تقول: سلم علىّ هذا الشی‏ء إذا رجع إلیک سالما و لم یلحقه تلف. و الباء فی قوله: بمثل معصیته. للاستصحاب: أى فمن یرجع إلى اللّه سالما من عذابه و قد استصحب مثل معصیه إبلیس: أى تکبّر کتکبّره و خالف أمر ربّه.

و قوله: کلّا.
 ردّ لما عساه یدّعى من تلک السلامه الّتى استنکر وقوعها باستفهامه. و فسّر ذلک الردّ بقوله: ما کان اللّه. إلى قوله: ملکا. و الباء فی قوله: بأمر للاستصحاب أیضا: أى ما کان لیدخل الجنّه بشرا مستصحبا لأمر أخرج به منها ملکا. و ذلک الأمر هو رذیله الکبر الّتی یستصحبها الإنسان بعد الموت ملکه و خلقا فی جوهر نفسه. و القضیّه سالبه عرفیّه عامّه: أى لا یدخل الجنّه بشر بوصف الکبر ما دام له ذلک الوصف.
فإن کان ذلک الوصف یدوم کما فی حقّ الکافر لم یدخل الجنّه أبدا، و إن کان لا یدوم جاز أن یدخل بعد زواله الجنّه. فإذن لا مسکه للرعیه به قول القائلین بتخلید الفاسق من أهل القبله فی هذا الکلام. و أمّا حدیث الإحباط فیقول: إنّما کان بسبب الکفر کما قال تعالى إِلَّا إِبْلِیسَ اسْتَکْبَرَ وَ کانَ مِنَ الْکافِرِینَ«».
فإن قلت: الکلام یقتضى أنّ إحباط عمله و إخراجه من الجنّه کان بسبب تکبّره لا بسبب کفره.
قلت: الأصل هو الکبر إلّا أنّ تکبّره کان تکبّرا على اللّه و إباء لطاعته و استصغارا لما امر به حیث قال: أ أسجد لبشر خلقته من صلصال، أ أسجد لمن خلقت طینا و ذلک محادّه للّه و کفر به مصارحه فکان ذلک مستلزما لکفره. و لا شکّ أنّ‏ الکفر یستلزم إحباط العمل و اللعن و الخروج من الجنّه.

و قوله: إنّ حکمه فی أهل السماء. إلى قوله: لواحد.
 أى فی إفاضته للخیر و الشرّ على من یستعدّ لأحدهما فمن استعدّ من أهل السماء أو أهل الأرض لخیر أو شرّ فحکمه فیه أن یفیض على ما استعدّ له و ذلک حکم لا یختلف اعتباره من جهته تعالى.

و قوله: و ما بین اللّه. إلى قوله: العالمین.
 أى لیس بینه و بین أحد من خلقه صلح فیخصّصه بإباحه حکم حرّمه على سائر خلقه فیختلف بذلک حکمه فیهم لأنّ الصلح من عوارض الحاجه أو الخوف المحالین علیه تعالى. و قال بعض الشارحین: کلّ ما جاء من الإحباط فی القرآن و الأثر فمحمول على أنّ ذلک الفعل المحبط قد أخلّ فاعله ببعض شرائطه اللازمه إذ لم یوقعه على الوجه المأمور به المرضىّ، أو فعله لا على بصیره و یقین بل على ظنّ و تخمین.

و بالجمله فحیث یقع لا على وجه یستحقّ به ثوابا، لا على أنّه استحقّ به شیئا ثمّ احبط. فإنّ ذلک ممّا قام البرهان على استحالته. ثمّ حذّرهم من إبلیس باعتبار کونه عدوّ اللّه بعد أمرهم باعتبار حاله و ما لزمه من الشقاوه بسبب معصیه له أن یعدیهم بذلک الداء و هو الکبر الّذى بسببه لزمته تلک الشقاوه. و معنى عداوته للّه مجانبته لأوامره و مجاوزته لطاعته إلى معصیته و هو مستعار. و لفظ الداء مستعار للکبر یقرب من الحقیقه فإنّ أدواء النفوس أشدّ من أدواء الأبدان. و محلّ أن یعدیکم نصب على البدل من عدوّ، و نقل عن القطب الراوندى- رحمه اللّه- أنّه مفعول ثان عن احذروا. و هو سهو. إذ هذا الفعل لا یتعدّى إلى مفعولین.

و قوله: بخیله و رجله.
 کنایه عن أعوانه من الضالّین المضلّین الّذین یستخفّون الناس بالوسوسه و الدعوه إلى طرق الضلال.

و قوله: فلعمرى. إلى قوله: الشدید.
و قوله: فلعمرى. إلى قوله: الشدید. استعار لفظ السهم لوساوسه و تزییناته فی الوعید المحکىّ عنه بقوله تعالى:قالَ رَبِّ بِما أَغْوَیْتَنِی لَأُزَیِّنَنَّ لَهُمْ فِی«» و وجه الاستعاره کونه یرمى بتلک الوساوس وجوه نفوسهم فیکون سببا لهلاکها فی الآخره کما یکون السهم سببا للقتل. و رشّح بذکر التفویق و الإغراق و النزع و الرمى. و أمّا مکانه القریب فکما نطق به الخبر النبوىّ فی قوله: إنّ الشیطان یجری من ابن آدم مجرى الدم. و قوله: لو لا أنّ الشیاطین یحومون على قلوب بنى آدم لنظروا إلى ملکوت السماوات. و قرب من کان کذلک ظاهر. و الکلام فی قوله: فلعمرى. فی معرض الإغراء به. و فی الباء و ما یتعلّق به وجوه: أحدها: قال أبو عبید: معناها القسم. فإن قلت: کیف نسب الإغواء إلیه تعالى و کیف یصلح الإغواء مقسما به.
قلت: على الأوّل لمّا کان تعالى خالق أسباب الغوایه فیه کالقدره و العلم و غیرهما کانت له تعالى سببیّه فی إیجاد الغوایه و إن کانت بعیده فلذلک صحّ إسناد فعلها إلیه تعالى، و على الثانی أنّه یجوز أن یکون ما بمعنى الّذی و العائد من الصله محذوف و تقدیره بالّذی أغویتنى به لازیّننّ لهم و ذلک هو الأمر بالسجود لآدم إذ کان بسببه استکبر و عصى فغوى، و القسم جایز بأمره تعالى و تکلیفه. و من جعل ما مصدریّه فله أن یقول: إنّ إبلیس أطلق على الأمر و التکلیف الّذی حصل له بسببهما الغوایه لفظ الإغواء مجازا إطلاقا لاسم المسبّب على السبب. ثمّ أقسم به باعتبار ما هو أمر و تکلیف لا باعتبار ما هو غوایه.
الثانی: قال غیره: هی للسببیّه: أی بکونى غاویا لازیّننّ کما یقول: بطاعته لیدخلنّ الجنّه و بمعصیته لیدخلنّ النار. و مفعول التزیین محذوف: أى لازیّننّ لهم الباطل حتّى یقعوا فیه. الثالث: قال بعضهم: یجوز أن یکون الباء للسببیّه و یقدّر قسم محذوف.
و المعنى بسبب ما کلّفتنى فاستلزم غوایتى اقسم لازیّننّ لهم. و قوله: قذفا بغیب بعید.

کقوله تعالى وَ یَقْذِفُونَ بِالْغَیْبِ مِنْ مَکانٍ بَعِیدٍ«» و هو مصدر حذف فعله و سدّ مسدّ الحال. قال المفسّرون: و الغیب هنا بمعنى الظنّ. و فیه نظر لأنّ إطلاق لفظ الغیب على الظنّ مجاز و العدول عن الحقیقه إنّما یکون بعد تعذّر حمل اللفظ علیها و لا تعذّر هاهنا فی ذلک لأنّ مفهوم الغیب هو ما غاب عن الخلق فلم یعلموه فکان القذف بکلّ ما لا یعلم و الحکم به قذفا بالغیب و حکما به. و لمّا کان إبلیس لا یعلم ما حکم به بأنّه یفعله فی الخلق من التزیین و الإغواء و هو بعید عن علمه ثمّ حکم به کان حاکما بما هو غائب عن علمه و عازب عنه و هو معنى قذفه بالغیب البعید. و فی نسخه الرضىّ- رحمه اللّه علیه- بظنّ مصیب. و فی أکثر النسخ غیر مصیب و هو المناسب لقوله: بغیب بعید. لأنّ ما یقال عن غیب بعید قلّما یصیب ظنّه.
فإن قلت: فلم قال غیر مصیب مع أنّ إبلیس صدّق ظنّه فی إغواء الناس و تمّ له ما ظنّ کما قال تعالى وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَیْهِمْ إِبْلِیسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ«» الآیه.
قلت: الجواب عن وجوه: أحدها: أنّه یرید بالظنّ المصیب العلم لأنّه المصیب الحقّ فکأنّه قال: بظنّ لیس بعلم.

الثانی: قال بعض الشارحین: إنّما کان غیر مصیب لأنّه ظنّ أنّ إغوائهم یکون منه فقال: لاغوینّهم. و هذا ظنّ فاسد لأنّ إغواءهم کان منهم اختیارا لأنّهم اختاروا العمى على الهدى فغووا عن طریق اللّه. و تصدیق أبناء الحمیّه له فی ذلک یعود إلى وقوع الغوایه منهم وفق ظنّه لأنّه لمّا ظنّ أنّه یغویهم فقد ظنّ أنّ الغوایه تلحقهم منه فصدّقوه فی الغوایه و أخطأ ظنّه فی تسبّبها إلیه.

الثالث: أنّ الکلام لمّا کان فی معرض ذمّ إبلیس و إغراء الخلق بعداوته وقف علیه السّلام فی الآیه على قوله: أجمعین. فیکون المعنى أنّ إبلیس ظنّ أنّه یغوى جمیع الخلق.
و أمّا استثنائه لعباد اللّه المخلصین فذاک لیس بحسب ظنّه بل تصدیقا لقوله تعالى إِنَ‏ إِنَّ عِبادِی لَیْسَ لَکَ عَلَیْهِمْ«» و معلوم أنّ ذلک الظنّ فاسد و غیر مصیب. إذ کان إنّما قدر على إغواء البعض.

الرابع: قال بعض الشارحین: یحتمل أن یکون أراد بالإغواء الّذی ظنّ أنّه یفعله بالخلق هو إغواء الشرک، و بالإخلاص فی قوله إِلَّا عِبادَکَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِینَ«» العصمه من المعاصى فیکون الناس إذن فی ظنّه إمّا معصوم أو مشرک و هذا ظنّ غیر مصیب إذ وجد من لیس بمشرک و لا معصوم.
و قوله: صدّقه به أبناء الحمیّه.
و قوله: صدّقه به أبناء الحمیّه. فالحمیّه لازم من لوازم الکبر لأنّها مأخوذه من قولک: حمیت. إذا غضبت. فکانت حقیقتها تعود إلى الغضب عن تصوّر المؤذى مع الترفّع على فاعله و اعتقاد الشرف علیه.
و استعار لفظ الأبناء لأصحاب هذه الرذیله و أهل الکبر من الناس. و وجه الاستعاره ملازمتهم لها کما یلازم الولد امّه حتّى صاروا کأنّهم خلقوا منها و هى أصل لهم.
و تصدیقهم له بذلک الظنّ هو ارتکابهم للرذائل و المعاصى اتّباعا له و غوایتهم لها عن سبیل اللّه قال بعض الشارحین: و الباء فی قوله: به. بمعنى فی: أى صدّقه فیه.
و صدّقه فی موضع الجرّ صفه لظنّ.

و قوله: و إخوان العصبیّه.
 یحتمل أن یرید إخوانها فیکون قد جعل لها إخوانا على سبیل الاستعاره و هم ملازموها کما جعل للحمیّه أبناء، و یحتمل أن یرید الإخوان فیها: أى الّذین عقدوا الاخوّه بینهم على العصبیّه الباطله فیها. و کذلک فرسان الکبر و الجاهلیّه، و یحتمل أن یکون قد استعار لفظ الفرسان لمرتکبى الکبر و الأفعال الجاهلیّه. و وجه الاستعاره ظاهر، و یحتمل أن یرید فرسان الجاهلیّه الموصوفین بالکبر.

و قوله: حتّى. إلى قوله: الجلىّ.
 غایه من قوله: فوّق و أغرق و رماکم. و استعار وصف الجامحه للنفوس الّتی کانت عاصیه لإبلیس آبیه عن الانقیاد له.

و قوله: فنجمت الحال.
 أى ظهرت الحال الّتی کان یرومها منکم و یظنّها فیکم و هی الغوایه و الضلال من السرّ الخفىّ إلى الأمر الجلىّ. أى من القوّه فیکم إلى الفعل.

و قوله: استفحل.
 جواب الشرط. و استعار لفظ الاستفحال لشدّه سطوته و سلطانه إشاره إلى کمال قدرته على تطویع النفوس و قهرها. و جنوده کنایه عن أهل الفساد فی الأرض کما علمته فیما سبق. و دلفه بهم دخولهم بالفساد على الناس و تزیینهم لهم رذائل الأخلاق و إغواؤهم إیّاهم. و من لوازم ذلک التحاسد و التباغض و التقاطع و التدابر و تفرّق الکلمه، و من لوازم تفرّق الکلمه أن یقحمهم العدوّ و لجأت الذلّ و یحلّهم و رطات القتل و یوطئهم إثخان الجراحه و یحتمل أن یرید بسلطانه الّذی استفحل علیه هو سلطان عدوّهم و من خالفهم کمعاویه و غیره و قوّتهم علیهم بعد تفرّق کلمتهم و قلّه طاعتهم له علیه السّلام و إضافه ذلک السلطان و جنوده إلى الشیطان ظاهره لأنّ سلطان الحقّ و جنوده یقال له سلطان اللّه و جنود اللّه، و سلطان الباطل یقال له سلطان الشیطان و جنوده جنود الشیطان و أولیائه و أعوانه. و ظاهر أنّهم عند تفرّق کلمتهم قد استفحل علیهم سلطان إبلیس و دلف بجنوده إلیهم و هم مخالفوه علیه السّلام. و انتصب إثخان الجراحه على أنّه مفعول ثان لأوطئوکم. و لفظ الولجات و الورطات مستعار ان للأحوال الّتی هى مظانّ الذلّ و القتل کالأماکن الّتی یفرّون إلیها من عدوّهم ذلا و المواطن الّتی قتلوا فیها، أو لطاعتهم و الاستسلام لهم. و إقحامهم و إحلالهم إیّاها إلجاؤهم لهم إلى تلک الأحوال و الأماکن و لذلک استعار وصف إیطائهم إثخان الجراحه ملاحظه لمشابهه وقوعها بهم للوطء فی استلزامه للأذى. و کنّى بذلک المستعار عن إیقاعهم فی حرارات الجراح. و إثخان مصدر قولک: أثخن فی الجراح إذا کثر فیه و بالغ حتّى فشا فکأنّه ثخن.

و قوله: طعنا. إلى قوله: لمقاتلکم.
 جعل محلّ الطعن العیون، و الحزّ الحلوق، و الدقّ المناخر، و القصد المقاتل‏ لأنّها محالّها المتعارفه عند إراده الإذلال و الإهانه و الإهلاک. لأنّ الطعن و إن کان قد یقع فی سائر البدن إلّا أنّه أبلغ فی العیون و أفحش. و کذلک فی باقیها. قال بعض الشارحین: انتصب طعنا و حزّا و دقّا و قصدا و سوقا على المصادر عن أفعالها المقدّره. و من روى: لإثخان الجراحه.- بوجود اللام- فیحتمل أن یجعل طعنا مفعولا ثانیا لأوطئوکم، و یکون اللام فی الإثخان لام الغرض: أى أوطأوکم طعنا و حزّا و دقّا لیثخنوا الجراحه فیکم قال: و یکون قصدا و سوقا خالصین للمصدریّه لبعدهما عن المفعول به. و الأظهر هو الوجه الأوّل أعنى کون کلّ منها مصدرا لفعله.

و لمّا کان الفاعل بهم هذه الأفعال کلّها هو إبلیس و جنوده فإن کان المراد بجنوده الساعین بین الناس بالوسوسه و الفساد فی الأرض فمعنى فعلهم بهم هذه الأفعال کونهم أسبابا معدّه لهم بالوسوسه المستلزمه لتفریق الکلمه و مخالفه الإمام لوقوع هذه الأفعال بهم من أعدائهم و محاربیهم ثمّ یتبع فعل العدوّ لهم أن یسوقوهم إلى النار بخزائم القهر. و لفظ الخزائم مستعار لما یمکّن فی جواهر نفوسهم من الرذائل الموبقه و ملکات السوء الّتی لا محیص لهم من النار بسببها لمشابهتها الخزائم الّتی یقاد بها الإبل فی کونها لا مخلص عمّا یقاد إلیه بسببها. و لفظ السوق ترشیح للاستعاره. و إن کان المراد بجنوده هم المخالفون له علیه السّلام و المحاربون لأصحابه ففعلهم بهم تلک الأفعال ظاهر. و أمّا السائق لهم إلى النار فیحتمل أن یکون هؤلاء و ذلک بإذلالهم لهم و إدخالهم فی باطلهم عن قهر و ذلّه. و لا شکّ أنّ الدخول فی باطلهم سبب جاذب إلى النار. و لفظ الخزائم مستعار إذن إمّا لما یتمکّن من باطلهم و عبثهم فی النفوس، و إمّا لأوامرهم بالباطل و حملهم على ارتکاب المنکر، و یحتمل أن یکون السائق لهم هو إبلیس و جنوده من أهل الوسوسه. ثمّ رجع إلى إفراده بالفعل نظرا إلى قوله: و دلف بجنوده. فقال بعده: فأصبح أعظم فی دینکم جرحا. فاستعار لفظ الجرح للفساد المعقول الحاصل بسبب إبلیس فی دینهم. و وجه المشابهه کون الجرح فسادا فی العضو أیضا، و کذلک استعار لفظ القدح لوساوس إبلیس المستلزمه لوجود الإحن و التباغض و التحاسد بینهم الموجب لتفریق کلمتهم المستلزم لتشتّت سلطانهم و فساد نظامهم و ما هم علیه من الابّهه و استقامه المعاش فی الدنیا. و وجه المشابهه إفساد تلک الوساوس لأحوال معاشهم کإفساد قدح النار ما یقدح فیه. و جعله فی حرج دینهم و إفساد دنیاهم أشدّ من أعدائهم الّذین هم مناصبون لهم و الحکم ظاهر الصدق.

إذ کانت پپپفتنه إبلیس لهم فی دینهم و دنیاهم أصلا لکلّ فتنه تلحقهم من أعدائهم باعتبار أنّها سبب تفرّقهم کما سبق. ثمّ أمرهم أن یجعلوا علیه حدّهم: أی بأسهم و سطوتهم لأنّ حدّ الرجل بأسه و سطوته، أو منعهم و دفعهم. و أن یجعلوا له جدّهم: أی یجتهدوا للخلاص من فتنته بمقاومته و قهره.

و قوله: فلعمر اللّه. إلى قوله: بلاء.
 عود إلى الإغراء بعداوته یذکر أسباب العداوه المنفّره، و هى کونه فخر على أصلهم، و ذلک قوله تعالى حکایه عنه قالَ ما مَنَعَکَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُکَ قالَ أَنَا خَیْرٌ«» و وقع فی نسبهم. و ذلک قوله قالَ لَم‏ ْ أَکُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ«» فبیّن بذکر أصلهم و هو الصلصال و الحمأ المسنون المنتن و نسبهم منه أنّه ساقط عن درجه الافتخار به. و خیله و رجله کنایه عن جنوده من أهل الباطل، و إجلابه بخلیه علیهم جمعه لجنوده على محاربتهم أو على الوسوسه لهم و الإضلال، و قصده لسبیلهم: أى السبیل الحقّ الّذی هم سالکوه إلى اللّه کقوله تعالى حکایه عنه لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَکَ الْمُسْتَقِیمَ«» و هو کنایه عن جذبه لهم إلى طرف الباطل عند توجّههم إلى طرف الحقّ و سبیل الدین، و اقتناصهم لهم بکلّ مکان کقوله ثُمَّ لَآتِیَنَّهُمْ مِنْ بَیْنِ أَیْدِیهِمْ«» الآیه و هو کنایه عن أخذه بوسوسته لهم من کلّ وجه و إغوائه لهم عن کلّ سبیل حقّ، و ضربهم منهم کلّ بنان کنایه أیضا عن کونه هو و جنوده أسبابا معدّه لقتلهم و قطعهم بأیدی أعدائهم. و على احتمال أن یرید بجنوده هم مخالفوه علیه السّلام من أهل الضلال فمعنى قصدهم لسبیلهم ابتلائهم بالفتن و القتل و منعهم لهم بذلک عن إقامه حدود اللّه و الاستقامه على سبیله، و اقتناصهم‏ بکلّ مکان و ضربهم منهم کلّ بنان کنایه عن استقصائهم و قتلهم و أذاهم، و لفظ الاقتناص مستعار، و ظاهر أنّهم لا یمتنعون من أفعاله بعد استحکام طمعه فیهم و استفحال سلطانه علیهم بحیله، و لا یدفعون عن الفتهم بعزیمه: أى جدّ و اجتهاد و صرامه فی أمر لما سبق منهم من التخاذل و الانفعال، و الحومه و الحلقه و العرصه و الجوله ألفاظ کنّى بها عن الدنیا. إذ کانت محلّ ذلّهم و الضیق علیهم و عرصه موتهم و منصه بلائهم. و الإضافات الأربع بمعنى اللام. ثمّ عاد إلى أمرهم بتطهیر قلوبهم من رذیله العصبیّه و أحقاد الجاهلیّه، و استعار لفظ النیران لما یثور من حراره الغضب و عنه العصبیّه، و قد علمت أنّ مبدء تلک الحراره القلب، و رشّح بذکر الإطفاء، و لک أن تسمّى تلک النیران حمیّه کما سبق فلذلک فسرّها بها فقال: و إنّما تلک الحمیّه. و یفهم من الحمیّه أنّها خبر المبتدأ، و قوله: تکون. خبر بعد خبر، و یحتمل أن یکون صفه لتلک و الخبر تکون، و ظاهر أنّ الحمیّه و العصبیّه الباطله من خطرات الشیطان الّتی یخطرها للنفوس، و نخواته الّتی یحدثها فیها بتحسینه الغلبه و الانتقام و الترفّع و الترأس على الخلق، و من نزغاته الّتی یفسد بها الناس، و نفثاته الّتی یلقیها إلى أذهانهم لغرض الإفساد و الإضلال، و أراد بإضافتها إلى الشیطان التنفیر عنها. ثمّ أردفه بالأمر بالتذلل و أراد به التواضع و أمرهم أن یعتمدوا وضعه على رؤوسهم و هو کنایه عن إعزازهم و العنایه به لکونه فضیله، و أن یلقوا التعزّز تحت أقدامهم و هو کنایه عن إطراحه و عدم العنایه به لکونه رذیله، و أن یخلعوا التکبّر من أعناقهم. و استعار لفظ الخلع لطرح التکبّر و نسبه إلى الأعناق ملاحظه لشبهه بما یلبس من قمیص أو طوق فأمرهم بخلعه إذ لیسوا أهلا له و لیس ممّا ینبغی لهم، و أن یلزموا التواضع. و استعار له لفظ المسلحه، و وجه المشابهه أنّه لمّا کان المتواضعون بسبب تواضعهم و تخلّقهم به حافظین لدینهم و أنفسهم من دخول إبلیس و جنوده علیهم برذیله الکبر و ما یلزمها من سائر الرذائل المعدوده المهلکه أشبه تواضعهم المسلحه الّتی هى محلّ الحفظ بها من غارات العدوّ. و لمّا علمت ما یلزم الکبر من الرذائل فلا یخفى علیک ما یلزم التواضع من أضدادها و نقائضها.

و قوله: فإنّ له من کلّ امّه. إلى قوله: فرسانا.
 بیان لجنوده و إشاره إلى أنّ له من هذه الامّه جنودا و أعوانا و رجلا و فرسانا اتّصفوا بصفته و استشعروا شعاره و هو الکبر فینبغى أن یجتنبوهم و یطرحوا شعارهم.

و قوله: و لا تکونوا کالمتکبّرین على ابن امّه.
 أراد بذلک المتکبّر قابیل حین قتل أخاه هابیل عن کبر و حسد، و هو نهى عن الکبر أیضا من بعضهم على بعض. و إلى قصّه قابیل و هابیل أشار القرآن الکریم بقوله وَ اتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأَ ابْنَیْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً إلى قوله جَزاءُ الظَّالِمِینَ«» و المنقول فی السبب أنّ حوّاء کانت تلد فی بطن اثنین ذکرا و انثى. فولدت فی أوّل بطن قابیل و اخته ثمّ مکثت سنین فولدت هابیل و اخته. فلمّا أدرکوا أمر اللّه آدم أن ینکح قابیل اخت هابیل و ینکح هابیل أخت قابیل فرضى هابیل بذلک و لم یرض قابیل لأنّ أخته کانت أحسنهما فقال آدم: قرّ باقربانا فأیّکما تقبّل قربانه زوّجتها منه. و قیل: بل قال آدم لهابیل و قابیل: إنّ ربّى أوحى إلىّ أنّه یکون من ذرّیّتى من یقرّب القربان فقرّبا قربانا حتّى تقرّ عینى إذا تقبّل قربانکما. و کان قابیل صاحب زرع و هابیل صاحب ضرع. فتقرّب قابیل بأردء قمح عنده، و تقرّب هابیل بأجود حمل عنده و وضعا قربانهما على الجبل فدعا آدم فنزلت نار بیضاء من السماء فدفعت قربان هابیل دون قابیل لأنّ نیّته لم تکن خالصه فی قربانه.

و قیل: لأنّه کان مصرّا على کبیره لا یقبل اللّه معها طاعه. فذلک قوله تعالى وَ اتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأَ ابْنَیْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ یُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ«» فحسده قابیل و کان أکبر منه سنّا. فقال: لأقتلنّک. قال هابیل: إنّما یتقبّل اللّه من المتّقین لئن بسطت إلىّ یدک. الآیه. إلى قوله فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِینَ«» أى لأخیه فی الدنیا و للجنّه فی الآخره. و روى أنّه بقى زمانا یحمله على ظهره لا یدرى ما ذا یصنع به حتّى بعث اللّه غرابا یبحث فی الأرض لیریه کیف یوارى سوأه أخیه. و روى أنّه کان غرابان قتل أحدهما الآخر و احتفر له و دفّنه. فقال قابیل: یا ویلتى أعجزت أن أکون مثل هذا الغراب. الأیه. إذا عرفت ذلک فنقول: قال الثعلبى: إنّما أضافه إلى الامّ دون الأب لأنّ الولد فی الحقیقه من الامّ: أى الولد بالفعل فإنّ النطفه فی الحقیقه لیست ولدا بل جزء مادّى له و نسبه الولد إلیه فی الحکم دون الحقیقه. و قیل: لأنّ قابیل لقتله هابیل فإنّه قطع نسبه عن أبیه کما قال تعالى فی ولد نوح إِنَّهُ لَیْسَ مِنْ أَهْلِکَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَیْرُ صالِحٍ«» و قیل: لأنّ شفقّه الأخ من الامّ أزید من شفقّه الأخ من الأب لزیاده شفقّه الأمّ. و الأوّل ألیق. و قد أشار بهذه الإضافه إلى جهه مساواته له فی کونهما من محلّ واحد لتبیّن قبح تکبّره علیه لیتنبّه السامعون لنهى الإنسان عن التکبّر على غیره من أبناء نوعه. و أکّد ذلک بقوله: من غیر ما فضل جعله اللّه فیه.

و قوله: سوى ما ألحقت العظمه. إلى قوله: ریح الکبر.
 إشاره إلى تکبّره علیه و أسبابه و هى العداوه عن حسد، و جعل تلک العداوه مسبّبه عن العظمه و هو ظاهر کما علمت فإنّ المتعظّم معتقد لکمال نفسه و أنّه أولى بکلّ کمال یلیق به من غیره و أنّه لا ینبغی أن تشارکه فیه أحد، و ذلک یستلزم حسده للغیر على ما یعتقده کمالا یصل إلیه کاعتقاد قابیل أنّه أولى بالأخت الحسناء من أخیه لکونه أکبر سنّا منه إلى غیر ذلک من الأسباب، و عن ذلک الحسد تکون الحمیّه و ثوران نار الغضب و العصبیّه، و لفظ النار مستعار کما سبق، و لفظ القدح ترشیح، و کذلک لفظ الریح مستعار لتلک الوساوس و الخطرات الّتى ینفثها إبلیس فی روع المتکبّر من کونه أولى فأحقّ بذلک الکمال و نحوه، و کذلک لفظ النفخ لإلقاء تلک الخطرات و نفثها.

و قوله: الّذی أعقبه اللّه.
 أى الندامه المشار إلیه کما ذکرناه.

و قوله: و ألزمه آثام القاتلین إلى یوم القیامه.
إشاره إلى مقتضى قوله تعالى مِنْ أَجْلِ ذلِکَ کَتَبْنا عَلى‏ بَنِی إِسْرائِیلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَیْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِی الْأَرْضِ فَکَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِیعاً«» أى یکون عقابه فی الغلظ و الشدّه و التأبید کعقاب قاتل الناس جمیعا کما قال تعالى وَ مَنْ یَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً«» الآیه، و کذلک مقتضى قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: من سنّ سنّه سیّئه فعلیه وزرها و وزر من یعمل بها إلى یوم القیامه. و قابیل هو من أوّل من سنّ القتل فلا جرم لزمه آثام القاتلین إلى یوم القیامه، و کذلک قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: ما من نفس فقتل ظلما إلّا کان على ابن آدم الأوّل کفل منها. ذلک بأنّه أوّل من سنّ القتل. ثمّ شرع فی تنبیههم على إمعانهم و تشمّرهم فی البغى و الإفساد فی الأرض و إعلامهم بذلک من أنفسهم. و الخطاب أشبه أن یکون للبغاه من أصحاب معاویه و هم الّذین کاشفوا اللّه بمحادّه أولیائه و معاداه دینه و بارزوا المؤمنین بالمحاربه. و مصارحه و مبارزه مصدران سدّا مسدّ الحال. ثمّ کرّر التحذیر من اللّه تعالى فی الکبر و أضافه إلى الحمیّه لیتمیّز الکبر المحمود، و کذلک إضافه الفخر إلى الجاهلیّه فإنّ من التکبّر و الفخر ما هو محمود کتکبّر الفقراء على الأغنیاء. ثمّ ذکر فی ذکر ما نفرّ عنه من الأوصاف کونه ملاقح الشنئان و هو البغض و العداوه. و لفظ الملاقح مستعار من الفحول للکبر و الفخر، و وجه المشابهه کونهما مظنّه وجود البغضاء بین الناس و سبب له کما أنّ الفحول سبب الإلقاح، و أمّا على تقدیر کونه مصدرا فاستعاره لإثمار الفخر للبغضاء للمشابهه المذکوره.
ثمّ إنّه أخبر بذلک المصدر نفسه عن الفخر حیث جعله خبر إنّ فکأنّه قال: فإنّ الفخر لقح الشنئان، و لقح الشنئان نفسه لیس عین الفخر بل من ثماره و لوازمه فکان إطلاقا لاسم السبب على المسبّب و هو فی الدرجه الثانیه، و إنّما ذکره بلفظ الجمع نظرا إلى تکثّر معنى الفخر فی موارده و هى أذهان المتکبّرین. و منافخ الشیطان. جمع منفخ مصدر نفخ، و ظاهر أنّ أفراد مهیّه الفخر المنتشره فی الأدمغه نفخات و نفثات من إبلیس. و یقال فی العرف للمتکبّر و المترّفع قدره: قد نفخ‏ الشیطان فی أنفه. و وصف تلک المنافخ بأنّها اللاتى خدع بها الامم الماضیه و القرون الخالیه. و صوره الخداع هاهنا کونهم أراهم الباطل فی صوره الحقّ کتزیه الکبر و تحسینه للوازمه و تخییل أنّ ذلک هو الأصلح و الأنفع مع أنّه فی نفس الأمر لیس بحقّ حتّى کان ذلک سببا لارتکابهم فی ظلمات الجهالات و مهاوى الضلالات، و استعار وصف الإعناق لما یتوهّم من شدّه دخولهم فی ظلمات الجهالات و قوّه سیرهم فیها، و کذلک لفظ الحنادس مستعار لما یتخیّل من ظلمه الجهل، و لفظ المهاوى مستعار لما یتخیّل من کون الضلاله و طرقها محالّ للهوىّ عن افق الکمال و مدارج السعاده، و أضاف الجهاله و الضلاله إلیه إضافه للمسبّب إلى السبب. و ذلل جمع ذلیل، و سلس: جمع سلس و هما سهلا الانقیاد. و انتصابهما على الحال من الضمیر فی أعنقوا: أى أسرعوا سهلى الانقیاد لسوقه.

و قوله أمرا.
 منصوب بفعل مضمر تقدیره فاعتمد أمرا تشابهت قلوبهم فیه و تتابعت القرون الماضیه منهم على اعتماده و هو الفخر و نفخ الشیطان و الإعناق فی جهالته و ضلالته، و کبرا عطف علیه، و کنّى بتضایق الصدور به من کثرته و عظمته. ثمّ عقّب بالتحذیر من طاعه ساداتهم و کبرائهم تذکیرا بما نبّه علیه القرآن الکریم بذمّ المطیعین لساداتهم و کبرائهم على طاعتهم فیما حرّم اللّه علیهم و خروجهم بذلک عن سبیل اللّه، و ذلک قوله تعالى حکایه لما یقولونه یوم القیامه وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ کُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِیلَا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَیْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً کَبِیراً«» و التابعین على متابعه متبوعهم فی قوله حکایه عنهم تَاللَّهِ إِنْ کُنَّا لَفِی ضَلالٍ مُبِینٍ إِذْ نُسَوِّیکُمْ بِرَبِّ الْعالَمِینَ«».

و قوله: الّذین تکبّروا عن حسبهم و ترفّعوا فوق نسبهم.
 فحسبهم و نسبهم إشاره إلى الطین و الصلصال من الحمأ المسنون و الماء المهین الّذى هو أصلهم، و لمّا کان من شأنه أن لا فخر فیه و لا تکبّر لمن هو أصل له ثمّ‏ تکبّروا فقد تکبّروا عن ذلک الأصل و ترفّعوا علیه و ترکوا ما ینبغی لهم من النظر إلیه و التواضع لحسبه، و إلیه أشار القائل: ما بال من أوّله نطفه، و جیفه آخره یفخر لا یملک تقدیم ما یرجو و لا تأخیر ما یحذر.

و قوله: و ألقوا الهجینه على ربّهم.
 أى نسبوا ما فی الإنسان من القبایح بزعمهم إلى ربّهم کما قال بعض الشارحین: کأن یقول أحدهم فی الافتخار على غیره: أنا عربىّ و أنت أعجمىّ. فإنّ ذلک عیب و إزراء لخلق اللّه فهو عیب على اللّه و نسبه للقبح إلیه، و هم فی ذلک مقتفون لأثر إبلیس حیث قال: أ أسجد لبشر خلقته من صلصال. إذ کان ذلک عیبا لخلق اللّه و نسبه للفعل القبیح.

و قوله: و جاحدوا اللّه ما صنع بهم.
 و وجه المجاحده هنا أنّهم لمّا غفلوا عن اللّه تعالى و جحدوا حقّه لم یشکروا على نعمائه و صنیعه بهم. و لمّا کان الشکر یعود إلى الاعتراف بالنعمه کان الجحد و الإنکار منهم عباره عن عدم ذلک الاعتراف لغفلتهم، و أیضا فإنّ الشکر کما یکون بالاعتراف بالنعمه کذلک یکون بالاتیان بما یوافق ذلک الاعتراف و یدلّ علیه من الأقوال و الأفعال الصالحه المطلوبه للمنعم و الموافقه لأوامره و نواهیه و یسمّیان شکرا أیضا فکان الإصرار على ترکهما و عدم الاتیان بهما جحدا لنعمه اللّه، و ذلک هو مجاحدتهم. فأمّا مجاحده اللّه لهم فیعود إلى ما یتخیّل من إنکاره علیهم جحدهم، و تقریره علیهم صنعه بهم، و تذکیره نعمته فی حقّهم. و ما مصدریّه. و یحتمل أن تکون بمعنى الّذی و العائد من الصله محذوف: أى ما صنعه بهم.

و قوله: مکابره لقضائه.
 أى مقابله لحکمه علیهم بوجوب شکره و لزوم طاعته بردّ ذلک الحکم و إنکاره و عدم الانقیاد له. و حقیقه المکابره یعود إلى المقابله بالقول فی الأمر و المنازعه فیه على وجه المغالبه و التکبّر من الطرفین. و هى هنا ترشیح لاستعاره المجاحده. و کذلک المغالبه لآلائه. و النصب فیهما على المفعول له. و المغالبه هنا لشبه الغایه من المجاحده و لیست غایه على الحقیقه. و بیان ذلک أنّه لمّا کان من لوازم المجاحده و کفران النعمه زوالها و انقطاعها کانوا بفعلهم لتلک المجاحده و ذلک الکفران کالمغالبین للنعم و القاصدین لزوالها و عدمها. إذ کان زوالها لازما لفعلهم.

و قوله: فإنّهم. إلى قوله: الجاهلیّه.
 تنبیه على ما یلزم ساداتهم من الرذائل المنفّره، و استعار لفظ الأساس للکبر.
إذ کان مبدء للعصبیّه و أصلا لها، و لفظ القواعد لهم باعتبار قیام الکبر بهم و ثباته فیهم کما یقوم الأساس بقواعده و هى الصخور العظیمه و نحوها. و کذلک استعار لفظ الأرکان لأجزاء الفتنه و أبعاضها، و لفظ الدعائم لهم باعتبار قیام الفتن بهم و اعتمادها علیهم کما یعتمد أرکان البیت و جوانبه بدعائمه. و استعار لفظ السیوف لهم باعتبار صرامه عزومهم و مضیّهم عند الاعتزاء فیما یعتزى له کمضىّ السیوف و صرامتها فی مضاربها. قال بعض الشارحین: و یحتمل أن یرید و أصحاب سیوف اعتزاء الجاهلیّه، و ذلک عند قولهم: یالفلان. کما نقل فی سبب الخطبه. و الاعتزاء منهىّ عنه لکونه مبدء للفتن. و روى أنّ ابىّ بن کعب سمع رجلا یقول: یا لفلان فقال: عضضت بهن أبیک. فقیل له: یا أبا المنذر ما کنت فاحشا. قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: من تعزّى بعزاء الجاهلیّه فأعضّوه بهن أبیه و لا تکنّوا. و العزاء الاسم من الاعتزاء. ثمّ عاد إلى الأمر بتقوى اللّه. فقوله: و لا تکونوا لنعمه علیکم أضدادا. نهى لهم عن ارتکاب ما یزیل نعمه اللّه عنهم و تضادّها فلا یجامعها من کفرانها و مقابلتها بسائر المعاصى الّتی یستلزم تبدیل النعمه نقمه، و کذلک قوله: و لا لفضله عندکم حسّادا. استعار لفظ الحسّاد هنا باعتبار کفرهم المزیل للنعم. فحسّاد النعمه باعتبار حسدهم المزیل لها.

و قوله: و لا تطیعوا الأدعیاء.
 قال بعض الشارحین: مراده بالأدعیاء الّذین ینسبون إلى الإسلام ظاهرا و هم منافقون. قلت: و یحتمل أن یرید بهم حقیقه الأدعیاء، و هم الّذین ینتسبون إلى غیر آبائهم ممّن لا دین له و قد ترأس فی قبیلته الّتی انتسب إلیها. ثمّ وصفهم فقال:الّذین شربتم بصفوکم کدرهم فاستعار لفظ الصفو و هو خالص الشراب إمّا لخلاص دینهم و إیمانهم أو لخالص دنیاهم و صافیها، و لفظ الکدر للنفاق و سایر الرذائل النفسانیّه الّتی تخالط إیمان المرء کالحسد و نحوه فتکدّره و تکدّر بسبب ذلک ما صفا من دنیاه لسبب ثوران الفتنه عنها، و رشّح بذکر الشرب. و المعنى أنّکم مزجتم بایمانکم نفاقهم فشربتموه به کما یمزج بالماء الشراب فیساغ به. و إنّما قال: شربتم بصفوکم کدرهم، و لم یقل: بکدرهم صفوکم لأنّ غرضه أن یقرن علیهم شرب الکدر بالقصد الأوّل و لا یتمّ ذلک الغرض إلّا بعبارته علیه السّلام. و الباء هنا للمصاحبه، و کذلک قوله: و خلطتم بصحّتکم مرضهم. و أراد بمرضهم نفاقهم و کبرهم و سائر الرذائل النفسانیّه فیهم، و بالصحّه سلامه نفوس المؤمنین بایمانهم عن شوب تلک الرذائل. و وبّخهم بتخلیطهم ایمانهم بها، و کذلک قوله: و أدخلتم فی حقّکم باطلهم. و أراد بالحقّ الایمان و الجدّ فی العمل الصالح أو ما یستحقّونه من الملک و الخلافه فی الأرض، و بباطل اولئک الکذب و النفاق و اللعب و سائر الرذائل أو ما لا یستحقّ لهم من أمر الدنیا، و ذلک الخلط و الإدخال بسبب تخاذلهم عن نصرته علیه السّلام و عدم اجتماعهم على ما ینبغی لهم من طاعته. ثمّ عاد إلى وصف اولئک الکبراء بأوصاف: الأوّل: استعار لهم لفظ الأساس باعتبار

کونهم أصلا للفسوق یقوم بهم کما یقوم البناء بأساسه. الثانی: لفظ الأحلاس باعتبار ملازمتهم للعقوق و قطع الرحم کما یلازم حلس البعیر ظهره، و روى: أسئاس- بسکون السین- بوزن أحلاس، و هو جمع أسّ کحمل و أحمال و هو الاسّ. الثالث: کون إبلیس اتّخذهم مطایا ضلال. فاستعار لهم لفظ المطایا باعتبار کونهم أسبابا موصله إلى الضلال لمن اتّبعهم و اعتمد أقوالهم نیابه عن إبلیس، و کانوا فی ذلک المطایا الّتی یرکبها الناس و یقودها فی طرق الضلال. الرابع: کونهم جندا بهم یصول على الناس، و ذلک باعتبار کونهم جاذبین للخلق إلى طریقته داعین لهم إلى الهلاک الأبد من جهته.

الخامس: کونهم تراجمه ینطق على ألسنتهم. و لفظ التراجمه مستعار لهم باعتبار نطقهم بما یریده إبلیس من الوساوس للناس فأشبهوا التراجمه له. ثمّ أشار إلى کیفیّات اتّخاذهم مطایا و جندا و تراجمه فمنها الاستراق لعقول الناس بالأقوال الکاذبه و الأفعال الباطله و العادات المضلّه جذبا إلى محبّه الدنیا و باطلها و التفاتا لهم إلیها عمّا لأجله خلقوا و إلیه دعوا، و منها الدخول فی عیونهم بزینه الحیاه الدنیا أیضا و سائر ما یجذب إلیها من جهه حسّ البصر، و منها النفث فی أسماعهم و إلقاء الوساوس بالأقوال الواصفه للدنیا و باطلها و المنفّره عن الآخره و سائر ما یجذب عن الافق الأعلى من الجواذب السمعیّه. و انتصب استراقا و دخولا و نفثا على المصدر کلّ عن فعله: أى یسترق عقولکم استراقا. و کذلک الآخران.

و قوله: فجعلکم مرمى نبله
 أى غرضا، و استعار لفظ النبل لجزئیّات وساوسه المردیه لکلّ من أصابته إلى مهاوى الهلاک کما یردى النبل من رمى به، و لفظ المرمى باعتبار کونهم مقصد الوساوسه کالهدف، و کذلک استعار لهم لفظ الموطى‏ء باعتبار کونهم مظنّه إذلاله و إهانته. و رشّح بذکر القدم إذ الموطى‏ء یستدعى موطوءا به و هو القدم، و کذلک استعار لفظ المأخذ باعتبار کونهم مقتنصین فی حبایل وساوسه، و رشّح بذکر الید. إذ من شأن المأخوذ أن یکون أخذه بالید.

 

الفصل الثالث:

فی أمرهم بالاعتبار بحال الماضین، و ما أصاب الامم المستکبرین منهم من بأس اللّه و صولاته و عقوباته و مصارعهم و بحال الأنبیاء على جلاله قدرهم فی التواضع لمن ارسلوا إلیه من المتکبّرین، و حال اختبار اللّه تعالى خلقه بأحجار نصبها بیتا لعبادته اختبارا للمتواضعین له و تمییزا لهم من المستکبرین عن عبادته.

إلى غیر ذلک، و ذلک قوله: فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْمُسْتَکْبِرِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ- مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ صَوْلَاتِهِ وَ وَقَائِعِهِ وَ مَثُلَاتِهِ- وَ اتَّعِظُوا بِمَثَاوِی خُدُودِهِمْ وَ مَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ- وَ اسْتَعِیذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْکِبْرِ- کَمَا تَسْتَعِیذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ فَلَوْ رَخَّصَ اللَّهُ فِی الْکِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ- لَرَخَّصَ فِیهِ لِخَاصَّهِ أَنْبِیَائِهِ- وَ مَلائِکَتِهِ وَ لَکِنَّهُ سُبْحَانَهُ کَرَّهَ إِلَیْهِمُ التَّکَابُرَ- وَ رَضِیَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ- فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ- وَ عَفَّرُوا فِی التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ- وَ خَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِینَ- وَ کَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِینَ- قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ بِالْمَخْمَصَهِ وَ ابْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَهِ- وَ امْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ وَ مَحَّصَهُمْ بِالْمَکَارِهِ- فَلَا تَعْتَبِرُوا الرِّضَا وَ السُّخْطَ بِالْمَالِ وَ الْوَلَدِ- جَهْلًا بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَهِ- وَ الِاخْتِبَارِ فِی مَوْضِعِ الْغِنَى وَ الِاقْتِدَارِ وَ قَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى- أَ یَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِینَ- نُسارِعُ لَهُمْ فِی الْخَیْراتِ بَلْ لا یَشْعُرُونَ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ یَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَکْبِرِینَ فِی أَنْفُسِهِمْ- بِأَوْلِیَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِینَ فِی أَعْیُنِهِمْ وَ لَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَ مَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ ع- عَلَى فِرْعَوْنَ وَ عَلَیْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ- وَ بِأَیْدِیهِمَا الْعِصِیُّ فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ- بَقَاءَ مُلْکِهِ وَ دَوَامَ عِزِّهِ- فَقَالَ أَ لَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَیْنِ یَشْرِطَانِ لِی دَوَامَ الْعِزِّ- وَ بَقَاءَ الْمُلْکِ- وَ هُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَ الذُّلِّ- فَهَلَّا أُلْقِیَ عَلَیْهِمَا أَسَاوِرُ مِنْ ذَهَبٍ- إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَ جَمْعِهِ- وَ احْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَ لُبْسِهِ- وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِیَائِهِ- حَیْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ یَفْتَحَ لَهُمْ کُنُوزَ الذِّهْبَانِ- وَ مَعَادِنَ الْعِقْیَانِ وَ مَغَارِسَ الْجِنَانِ- وَ أَنْ یَحْشُرَ مَعَهُمْ طُیُورَ السَّمَاءِ وَ وُحُوشَ الْأَرَضِ لَفَعَلَ- وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَ بَطَلَ الْجَزَاءُ وَ اضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِینَ أُجُورُ الْمُبْتَلَیْنَ- وَ لَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِینَ- وَ لَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِیَهَا- وَ لَکِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِی قُوَّهٍ فِی عَزَائِمِهِمْ- وَ ضَعَفَهً فِیمَا تَرَى الْأَعْیُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ- مَعَ قَنَاعَهٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَ الْعُیُونَ غِنًى- وَ خَصَاصَهٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَ الْأَسْمَاعَ أَذًى وَ لَوْ کَانَتِ الْأَنْبِیَاءُ أَهْلَ قُوَّهٍ لَا تُرَامُ وَ عِزَّهٍ لَا تُضَامُ- وَ مُلْکٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وَ تُشَدُّ إِلَیْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ- لَکَانَ ذَلِکَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِی الِاعْتِبَارِ- وَ أَبْعَدَ لَهُمْ فِی الِاسْتِکْبَارِ- وَ لَآمَنُوا عَنْ رَهْبَهٍ قَاهِرَهٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَهٍ مَائِلَهٍ بِهِمْ- فَکَانَتِ النِّیَّاتُ مُشْتَرَکَهً وَ الْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَهً- وَ لَکِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ یَکُونَ الِاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ- وَ التَّصْدِیقُ بِکُتُبِهِ وَ الْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ- وَ الِاسْتِکَانَهُ لِأَمْرِهِ وَ الِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ- أُمُوراً لَهُ خَاصَّهً لَا یَشُوبُهَا مِنْ غَیْرِهَا شَائِبَهٌ وَ کُلَّمَا کَانَتِ الْبَلْوَى وَ الِاخْتِبَارُ أَعْظَمَ- کَانَتِ الْمَثُوبَهُ وَ الْجَزَاءُ أَجْزَلَ أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ- الْأَوَّلِینَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ص إِلَى الْآخِرِینَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ- بِأَحْجَارٍ لَا تَضُرُّ وَ لَا تَنْفَعُ وَ لَا تَسْمَعُ- وَ لَا تُبْصِرُ فَجَعَلَهَا بَیْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِی جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِیَاماً- ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً- وَ أَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْیَا مَدَراً- وَ أَضْیَقِ بُطُونِ الْأَوْدِیَهِ قُطْراً- بَیْنَ جِبَالٍ خَشِنَهٍ وَ رِمَالٍ دَمِثَهٍ- وَ عُیُونٍ وَشِلَهٍ وَ قُرًى مُنْقَطِعَهٍ- لَا یَزْکُو بِهَا خُفٌّ وَ لَا حَافِرٌ وَ لَا ظِلْفٌ- ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ ع وَ وَلَدَهُ أَنْ یَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ- فَصَارَ مَثَابَهً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ وَ غَایَهً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ- تَهْوِی إِلَیْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَهِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِیقَهٍ- وَ مَهَاوِی فِجَاجٍ عَمِیقَهٍ وَ جَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَهٍ- حَتَّى یَهُزُّوا مَنَاکِبَهُمْ ذُلُلًا- یُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ وَ یَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ- شُعْثاً غُبْراً لَهُ قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِیلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ- وَ شَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ- ابْتِلَاءً عَظِیماً وَ امْتِحَاناً شَدِیداً- وَ اخْتِبَاراً مُبِیناً وَ تَمْحِیصاً بَلِیغاً- جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَ وُصْلَهً إِلَى جَنَّتِهِ- وَ لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ- أَنْ یَضَعَ بَیْتَهُ الْحَرَامَ وَ مَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ- بَیْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ وَ سَهْلٍ وَ قَرَارٍ- جَمَّ الْأَشْجَارِ دَانِیَ الثِّمَارِ- مُلْتَفَّ الْبُنَى مُتَّصِلَ الْقُرَى- بَیْنَ بُرَّهٍ سَمْرَاءَ وَ رَوْضَهٍ خَضْرَاءَ- وَ أَرْیَافٍ مُحْدِقَهٍ وَ عِرَاصٍ مُغْدِقَهٍ- وَ رِیَاضٍ نَاضِرَهٍ وَ طُرُقٍ عَامِرَهٍ- لَکَانَ‏ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلَاءِ- وَ لَوْ کَانَ الْأَسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَیْهَا- وَ الْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا- بَیْنَ زُمُرُّدَهٍ خَضْرَاءَ وَ یَاقُوتَهٍ حَمْرَاءَ وَ نُورٍ وَ ضِیَاءٍ- لَخَفَّفَ ذَلِکَ مُصَارَعَهَ الشَّکِّ فِی الصُّدُورِ- وَ لَوَضَعَ مُجَاهَدَهَ إِبْلِیسَ عَنِ الْقُلُوبِ- وَ لَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّیْبِ مِنَ النَّاسِ- وَ لَکِنَّ اللَّهَ یَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ- وَ یَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ- وَ یَبْتَلِیهِمْ بِضُرُوبِ الْمَکَارِهِ- إِخْرَاجاً لِلتَّکَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ- وَ إِسْکَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِی نُفُوسِهِمْ- وَ لِیَجْعَلَ ذَلِکَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ- وَ أَسْبَاباً ذُلُلًا لِعَفْوِهِ فَاللَّهَ اللَّهَ فِی عَاجِلِ الْبَغْیِ- وَ آجِلِ وَخَامَهِ الظُّلْمِ وَ سُوءِ عَاقِبَهِ الْکِبْرِ- فَإِنَّهَا مَصْیَدَهُ إِبْلِیسَ الْعُظْمَى وَ مَکِیدَتُهُ الْکُبْرَى- الَّتِی تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَهَ السُّمُومِ الْقَاتِلَهِ- فَمَا تُکْدِی أَبَداً وَ لَا تُشْوِی أَحَداً- لَا عَالِماً لِعِلْمِهِ وَ لَا مُقِلًّا فِی طِمْرِهِ- وَ عَنْ ذَلِکَ مَا حَرَسَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِینَ- بِالصَّلَوَاتِ وَ الزَّکَوَاتِ- وَ مُجَاهَدَهِ الصِّیَامِ فِی الْأَیَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ- تَسْکِیناً لِأَطْرَافِهِمْ وَ تَخْشِیعاً لِأَبْصَارِهِمْ- وَ تَذْلِیلًا لِنُفُوسِهِمْ وَ تَخْفِیضاً لِقُلُوبِهِمْ- وَ إِذْهَاباً لِلْخُیَلَاءِ عَنْهُمْ- وَ لِمَا فِی ذَلِکَ مِنْ تَعْفِیرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً- وَ الْتِصَاقِ کَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً- وَ لُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ الصِّیَامِ‏ تَذَلُّلًا- مَعَ مَا فِی الزَّکَاهِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ- وَ غَیْرِ ذَلِکَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْکَنَهِ وَ الْفَقْرِ انْظُرُوا إِلَى مَا فِی هَذِهِ الْأَفْعَالِ- مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ وَ قَدْعِ طَوَالِعِ الْکِبْرِ

اللغه

أقول:

المثلات: العقوبات.

و المثاوى: جمع مثوى و هو المقام.

و التکابر: التعاظم.

و التعفیر: إلصاق الخدود بالعفر و هو التراب.

و المخمصه. المجاعه: و المجهده: المشقّه.

و الإقتار: الفقر.

و الأساوره: جمع أسوره جمع سوار، و یجوز أن یکون جمع أساور، و قال أبو عمرو بن العلاء: هو جمع أسوار، و هو السوار.

و الذهبان: جمع ذهب کحزب لذکر الحبارى و حزبان.

و العقیان: خالص الذهب.

و اضمحلّ: فنى.

و الأنباء: الأخبار.

و الخصاصه: الجوع.

و الشوب: الخلط.

و الوعر بالتسکین: الصعب.

و النتائق: جمع نتیقه فعیله بمعنى مفعوله، و النتق: الجذب، و سمیت المدن و الأماکن المشهوره و المرتفعه نتائق لارتفاع بنائها و شهرتها و علوّها عن غیرها من الأرض کأنّها جذبت و رفعت.

و القطر: الجانب.

و الدمثه: اللیّنه.

و الوشله: قلیله الماء.

و المثابه: المرجع.

و المنتجع: اسم المفعول من الانتجاع و هو طلب الکلاء و الماء. و المفاوز: الفلوات الواسعه.

و القفار: جمع قفر و هى المفازه الّتی لا نبت فیها و لا ماء.

و سحیقه: بعیده.

و الفجاج: جمع فجّ و هی الطریق الواسع بین الجبلین.

و یهلّلون: یرفعون أصواتهم بالتلبیه، و الإهلال: رفع الصوت.

و الرمل بالتحریک: الهروله: و الأشعث: أغبر الراس متفرّق الحال.

و النبذ: الإلقاء.

و السرابیل: القمصان.

و التشویه: تقبیح الخلقه.

و التمحیض: الابتلاء و الاختبار، و أصله التخلیص و التمییز.

و المشاعر: مواضع المناسک.

و القرار: المستقرّ من الأرض.

و الجمّ: الکثیر.

و البنى: جمع بنیه- بالضمّ- .

و الأریاف: جمع ریف بالکسر، و هى الأرض ذات الزرع و الخصب.

و المحدقه: المحیطه.

و المغدقه: کثیره الماء و الخصب.

و المعتلج: اسم المفعول من الاعتلاج و هو التغالب و الاضطراب، یقال: اعتلجت الأمواج: أى تلاطمت و اضطربت.

و فتحا: فعل بمعنى مفعوله: أى مفتوحه موسّعه، و کذلک ذللا مسّهله.

و وخامه الظلم: و باره و سوء عاقبته.

و المصیده- بکسر المیم- : الشبکه و ما یصاد به.

و المساوره: المواثبه.

و أکدى الحافر: إذا بلغ فی حفره إلى موضع صلب لا یمکنه حفره.

و أکدت المطالب: إذا صعبت فی وجه طالبها فعجز عنها.

و أشوت الضربه تشوى: إذا لم تصب المقتل، یقال: أشواه یشویه: إذا رماه فلم یصب مقتله.

و الطمر: الثوب الخلق.

و عتائق: جمع عتیقه و هى کرایم الوجوه و حسانها.

و القمع: الردّ.

و النواجم: الطوالع جمع ناجمه.

و القدع: الکفّ.

المعنى

و اعلم أنّه علیه السّلام أمرهم بأوامر:

أحدها: الأمر بالاعتبار بما أصاب المتکبّرین من سابق الامم من عقوبات اللّه
و وجه الاعتبار أن یفکّر العاقل فی حال اولئک فیرى ما أصابهم إنّما هو بسبب استعدادهم بالاستکبار عن طاعه اللّه و الرفع على عباده کما أشار إلیه تعالى قالَ الْمَلَأُ الَّذِینَ اسْتَکْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِینَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ إلى قوله فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَهُ فَأَصْبَحُوا فِی دارِهِمْ جاثِمِینَ«» و نحوه فی القرآن کثیر فینتقل ذهنه منه إلى نفسه و یقیس حال استکباره على استکبارهم فیما یلزمه من أمثال العقوبات بهم.

الثانی: أن یتّعظوا بمثاوى خدودهم و مصارع جنوبهم
أى یلحظوا مقاماتهم من التراب و محالّ انصراعهم فی القبور لیحصل لهم بذلک الانزجار عن الکبر.
إذ کانت عاقبته و غایته ذلک الهوان و الذلّ فی تلک المثاوى و المصارع.

الثالث: أن یستعیذوا باللّه من لواقح الکبر.
و استعار اللواقح لما یستلزم الکبر من أسبابه، و أراد استعاذه کثیره خالصه کاستعاذتکم من طوارق الدهر و آفاته.
و قوله: فلو رخّص اللّه. إلى قوله: التواضع.
 استدلال على تحریم الکبر مطلقا، و أنّه لا رخصه فیه لأحد من خلق اللّه بقیاس شرطىّ متّصل، و وجه الملازمه فیه أنّ الأنبیاء خواصّ اللّه و أحبّاؤه و أهل‏ طاعته فلو کان له فیه رخصه لم یجعلها إلّا لهم، و تقدیر الاستثناء فیه لنقیض التالى: لکنّه لم یرخّص فیه لهم فینتج أنّه لم یرخّص فیه لأحد من عباده، لکنّه حذف هنا استثناء النقیض و استثنى بعض لوازمه و هو تکریهه التکابر إلیهم، و ذلک بوعیده للمستکبرین على الکبر. ثمّ برضى التواضع لهم، و ذلک بأمرهم فیه کما قال تعالى وَ اخْفِضْ جَناحَکَ لِلْمُؤْمِنِینَ«» و نحوه.

 قوله: فألصقوا. إلى قوله: مستضعفین.
 إشاره إلى امتثالهم لما أمرهم به من التواضع و موافقتهم له فیما رضیه لهم فإلصاق خدودهم بالأرض و تعفیر وجوههم إشاره إلى معاملتهم له فی عبادته مع أنفسهم و خفض أجنحتهم للمؤمنین، و کونهم أقواما مستضعفین إشاره إلى امتثالهم و معاملتهم له فی خلقه، و لفظ الأجنحه مستعار من الطائر لید الإنسان و جانبه باعتبار ما هو محلّ البطش و النفره. و خفض الجناح کنایه عن لین الجانب. و قال ابن عبّاس فی قوله تعالى وَ اخْفِضْ جَناحَکَ لِلْمُؤْمِنِینَ أى ارفق بهم و لا تغلظ علیهم قال: و العرب تقول لمن کان ساکنا و قورا: إنّه خافض الجناح.

و قوله: قد اختبرهم. إلى قوله: بالمکاره.
 إشاره إلى أنّه أعدّهم بأنواع الشقاوه الدنیویّه من الجوع و المشاقّ و المخاوف و المکاره، و التنفیر بها عن الدنیا للإقبال علیه تعالى و محبّه ما عنده من الثواب الجزیل و قد علمت معنى ابتلائه تعالى لعباده و اختباره لهم غیر مرّه.

و قوله: فلا تعتبروا الرضا و السخط بالمال و الولد إلى قوله: الاقتدار [الإقتار خ‏].
 أى لا تعتبروا رضاه تعالى عن عباده بإعطائه لهم المال و الولد و سخطه علیهم بمنعه لهم ذلک. و کأنّه جواب اعتراض مقدّر کأنّ قائلا قال: فإذا کانوا هؤلاء خواصّه و أهل طاعته و رضاه فلم امتحنهم بالشدائد و ابتلاهم بالمخاوف و المکاره و لم یعطهم الأموال و الأولاد کما قال فرعون لموسى علیه السّلام: فلو لا القى علیه أساوره من ذهب، و کما قالت کفّار قریش: أو یلقى إلیه کنز أو تکون له جنّه تأکل منها فأجاب علیه السّلام بأنّ ذلک الوهم للجهل بمواقع الفتنه و الاختبار فی مواضع الغنى و الإقتار: أى أنّ الاختبار کما یکون بالفقر و المشاقّ و المکاره کذلک یکون بالمال و الولد، و لیس المال و الولد من الخیرات الّتی تعجّل فی الدنیا لمن یعطى إیّاهما کما یزعمون، و استشهد على ذلک بقوله تعالى أَ یَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِینَ نُسارِعُ لَهُمْ فِی الْخَیْراتِ بَلْ لا یَشْعُرُونَ«» أى یحسبون أنّا نعجّل فی تقدیم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم حتّى بسطناهم الرزق و أکثرنا لهم أولادهم بل لا یعلمون أنّ ذلک استدراج لهم من اللّه و محنه و بلاء. و جهلا نصب على المفعول له.

و قوله: فإنّ اللّه سبحانه یختبر عباده المستکبرین. إلى قوله: فی أعینهم.
 کلام منقطع یستدعى ابتداء یکون معلّلا به. و قد فصّل الرضىّ- رحمه اللّه- بینه و بین ما قبله بصفر لکنّه بیان لنوع آخر من ابتلاء اللّه تعالى عباده المستکبرین فی أنفسهم و اختبارهم بأولیائه المستضعفین و هم الأنبیاء فی أعینهم: أى فی أعین المتکبّرین و هو فی معنى ما قبله، و فیه تنبیه على بعض أسراره تعالى فی خلقه لسائر أنبیائه و أولیائه المستضعفین، و هو أن یبتلى بهم المستکبرین عن عبادته فی أرضه کما سیشیر إلیه علیه السّلام فی الحکمه فی خلقهم کذلک. ثمّ ضرب مثل ذلک الابتلاء فی موسى و هرون علیهما السّلام حین دخلا على فرعون یدعوانه إلى اللّه تعالى، و ذلک قوله: و لقد دخل. إلى قوله: و لبسه روى الطبرىّ فی تاریخه: أنّ موسى و هرون قدما مصر حین بعثهما اللّه إلى فرعون فمکثا سنتین یغدوان على بابه و یروحان یلتمسان الإذن علیه فلا یعلم بهما و لا یجترى أحد أن یخبره بشأنهما و کانا یقولان فی الباب: إنّا رسولا ربّ العالمین إلى فرعون حتّى دخل علیه بطّال له یلاعبه و یضحکه فقال: أیّها الملک إنّ ببابک رجلا یقول قولا عجیبا، و یزعم أنّ له إلها غیرک. فقال: أدخلوه. فدخل و بیده عصاه و معه أخوه هرون فقال: أنا رسول ربّ العالمین. و ذکر تمام الخبر و صریح قصّتهما و محاورتهما مستوفى فی القرآن الکریم کسوره الشعراء و القصص و غیرهما، و الّذى ذکره علیه السّلام منها واضح بیّن، و قال کعب: کان موسى علیه السّلام من رجال شنوءه، و کان آدم طوالا، و کان أخوه هارون أطول منه و أکثر لحما و أشدّ بیاضا و أغلظ ألواحا و أسنّ من موسى بثلاث سنین، و کانت فی جبهه هرون شامه و فی طرف أرنبه موسى شامه و على طرف لسانه شامه، و لم یعرف أحد قبله و لا بعده کذلک. قال: و هى العقده الّتی ذکرها اللّه تعالى. قال: و فرعون موسى هو فرعون یوسف علیه السّلام عمّر أکثر من أربع مائه سنه. و اسمه الولید بن مصعب، و أنکر غیره ذلک. و قالوا: هو غیره. و قبض هارون قبل موسى و هو ابن مائه و سبع عشره سنه، و بقى موسى بعده ثلاث سنین، و مات موسى فی سنّه یوم مات. فأمّا شرطهما له بقاء ملکه بإسلامه فلما علمته من کون النوامیس الشرعیّه و التمسّک بها و العمل بقوانینها ناظما لحال أبناء النوع الإنسانىّ و سببا لصلاح معاشهم و معادهم. و بانتظام شمل مصلحتهم باستعمال تلک القوانین تکون بقاؤهم و ثبات دولهم و ملکهم و دوام عزّهم. فأمّا استبکاره لشرطهما له دوام العزّ و الملک بإسلامه و تعجّبه منهما فی ذلک فمستنده اعتقاده الجهل أنّ مبدء التمکّن من ذلک الشرط و القدره على الوفاء به هو الغنى و جمع المال فلذلک احتقرهما من حیث کانا بزىّ الفقر و الذلّ و لبس الصوف و لیس علیهما آثار الغنى و المال و هو التحلّى بأساوره الذهب. فکان إعظام الذهب و لبسه الّذی هو شعار الغنىّ و احتقار الصوف و لبسه ممّا هو شعار الفقر سببا حاملا له على ذلک الاستکبار و التعجّب.

و قوله: و لو أراد اللّه سبحانه لأنبیائه. إلى قوله: معانیها.
 قیاس إقترانىّ من الشکل الأوّل من متّصلتین: إحداهما: قوله: و لو أراد اللّه. إلى قوله: لفعل، و الثانیه: قوله: و لو فعل لسقط البلاء. إلى آخره، و النتیجه أنّه لو أراد اللّه بأنبیائه ذلک لزمت المحالات المذکوره. بیان الملازمه فی الصغرى أنّ الامور المعدوده و هى فتح کنوز الذهب و معادنه و مغارس الجنان و حشر الطیر و الوحش امور ممکنه فی أنفسها و اللّه سبحانه قادر على جمیع الممکنات‏ و عالم بها فلو حصل مع قدرته علیها إراده وقوعها عن قدرته کان مجموعها مستلزما لوقوعها عنها، و أمّا الکبرى فإنّه جعل مقدّمتها و هو فعله لتلک الامور ملزوما لامور خمسه: أحدها: أنّه کان یسقط البلاء: أى ذلک البلاء المشار إلیه و هو بلاء المتکبّرین بالمستضعفین من أولیاء اللّه و هو ظاهر. إذ لا مستضعف یبتلون به إذن، و ذلک أنّ الأنبیاء علیه السّلام کانوا ینقطعون إلى الدنیا حینئذ عن جناب اللّه فینقطع عنهم الوحى کما سیشیر إلیه علیه السّلام و حینئذ ینقطع الابتلاء بهم و بما أتوا به من التکلیف، و کذلک یسقط بلاء الأنبیاء بالفقر و الصبر على أذى المسکنه من المکذّبین لهم بالضرب و القتل. الثانی: و کان یبطل الجزاء: أى جزاء العبادات و الطاعات إمّا لسقوط البلاء بها أو لأنّ الطاعات إذن تکون عن رهبه أو رغبه فیسقط الجزاء الاخروىّ علیها و کذلک یبطل جزاء الأنبیاء الّذی کانوا یسحقّونه بحسب فقرهم و صبرهم علیه. الثالث: و کان تضمحلّ الأنباء: أى الأخبار الوارده من قبل اللّه تعالى على ألسنه رسله و الوحى إلیهم، و ذلک أنّک علمت أنّ الدنیا و الآخره ضرّتان بقدر ما یقرب من إحداهما یبعد من الاخرى، و الأنبیاء علیهم السّلام و إن کانوا أکمل الخلق نفوسا و أقواهم استعدادا لقبول الکمالات النفسانیّه کما أشرنا إلیه إلّا أنّهم محتاجون أیضا إلى الریاضه التامّه بالإعراض عن الدنیا و طیّباتها و هو الزهد الحقیقىّ، و إلى تطویع نفوسهم الأمّاره بالسوء لنفوسهم المطمئنّه بالعباده التامّه کما هو المشهور من أحوالهم علیهم السّلام فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کان یربط على بطنه الحجر من الجوع و یسمّیه المشبع لا لأنّه کان لا یقدر على شی‏ء یأکله، و کان یرقع ثوبه لا لعدم قدرته على ثوب یلبسه، و کان یرکب الحمار العارى و یردف خلفه لا لعجزه عن فرس یرکبه و غلام یمشى معه، و کیف و قد توفّى و بیده هذه القطعه العظیمه من المعموره، بل ذلک و أمثاله ممّا سیحکیه عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی آخر هذه الخطبه زهاده فی الدنیا و إعراض عن متاعها و زینتها لأنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم وجد من الکمالات العقلیّه و الموعوده ما هو أشرف و أعلى من هذه الکمالات الحسیّه الفانیه، و اعلم أنّ الوصول إلى تلک الکمالات لا یتمّ و لا یتحقّق إلّا بالإعراض عن هذه فرفض به ما هو أخسّ فی جنب ما هو أشرف و لذلک قام صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی العباده حتّى تورّمت قدماه.

فقیل له: یا رسول اللّه ألیس قد بشّرک اللّه بالجنّه فلم تفعل ذلک قال: أفلا أکون عبدا شکورا. و ذلک لعلمه أنّ الاستعداد بالشکر یفید کمالا أعلى و أزید ممّا اوتى.
و إذا کان حال أشرف الأنبیاء و أکملهم کذلک فما ظنّک بسایرهم و حینئذ تعلم أنّ ترکهم للدنیا و عدم اشتغالهم بها شرط فی بلوغهم درجات الوحى و الرساله و تلقّى أخبار السماء، و أنّهم لو خلقوا منغمسین فی الدنیا و فتحت علیهم أبوابها فاشتغلوا بقیناتها لا نقطعوا إلیها عن حضره جلال اللّه و اضمحلّ بسبب ذلک عنهم الأنباء و انقطع عنهم الوحى و انحطّوا عن مراتب الرساله، و قال بعض الشارحین: أراد باضمحلال الأنباء سقوط الوعد و الوعید و الإخبار عن أحوال الجنّه و النار و أحوال القیامه. و هو لازم من لوازم سقوط النبوّه فیکون راجعا إلى ما قلناه. الرابع: و لکان لا یجب للقابلین اجور المبتلین: أى لقابلى کلام الأنبیاء لأنّه إذا سقط البلاء عنهم لم یکن لهم أجر المبتلین، و کذلک لا یجب لقابلى النبوّه منهم اجور المبتلین بالتکذیب و الأذى. الخامس: و کان لا یستحقّ المؤمنون ثواب المحسنین إلى أنفسهم بمجاهده الشیطان عنها و تطهیرها عن الرذائل و تحلیتها بالفضائل، و ذلک لأنّ ایمانهم بهم یکون عن رغبه أو رهبه کما علمته لا عن حقیقه و إخلاص للّه. السادس: و لا لزمت الأسماء معانیها. روى بنصب الأسماء على أن تکون هى المفعول و معانیها الفاعل، و المعنى أنّه لم تکن المعانی لازمه الأسماء فیمن سمّى بها، مثلا من سمّى مؤمنا لا یکون معنى الإیمان الحقّ لازما لاسمه فیه. إذ کان إیمانه بلسانه فقط عن رغبه أو رهبه، و کذلک من سمّى مسلما أو زاهدا بل من سمّى نبیّا أو رسولا لا یکون فی الحقیقه کذلک لانقطاع النبوّه و الرساله عنه، و فی نسخه الرضىّ- رحمه اللّه- برفع الأسماء، و المراد أنّها کانت تنفکّ عنها فتصدق الأسماء بدون مسمّیاتها و هو کالأوّل. و ببیان هذه اللوازم ظهرت کبرى القیاس. و النتیجه إذن متّصله مقدّمها قوله: لو أراد اللّه. إلى قوله: الأرض، و تالیها قوله: لسقط البلاء. إلى قوله: معانیها، و حاصل النتیجه أنّه کان یلزم من إرادته تعالى بأنبیائه تلک الامور وقوع جمیع هذه المفاسد. ثمّ یرجع البیان إلى استثناء نقیض تالى هذه النتیجه لاستثناء نقیض مقدّمها و هو أنّ هذه المفاسد لم توجد و لیست ممّا ینبغی أن توجد فلذلک لم یرد بهم تلک الامور.

و قوله: و لکنّ اللّه سبحانه جعل رسله. إلى قوله: أذى.
 کاللازم لنقیض مقدّم النتیجه المذکوره ذکره بعد بیانه. إذ کان اللّه تعالى لمّا لم یرد بعث أنبیائه على ذلک الوجه أراد بعثهم على هذا الوجه، و هو أن جعلهم أصحا ب قوّه فی عزائمهم و إجماع على إنفاذ ما امروا به و تبلیغ رسالات ربّهم، و لذلک سمّوا أولى العزم لمضاء عزائمهم و قوّتهم فی دین اللّه بالقتال و المجاهده و الصبر على الأذى، و جعلهم مع ذلک ضعفه فیما ترى الأعین من حالاتهم من المسکنه و الذلّ و الفقر و القناعه و الصبر على العرى و الجوع. و استعار وصف الملأ للقناعه باعتبار استلزامها لقوّه غنائهم و قلّه حاجتهم إلى شی‏ء من متاع الدنیا بحیث لا تمیل نفوسهم و لا عیونهم إلى شی‏ء من زینتها و قیناتها فکأنّها قد امتلأت فلا- تتّسع لشی‏ء من ذلک فتطلبه، و کذلک للخصاصه باعتبار استلزامها لقوّه الأذى فی أسماعهم و أبصارهم. إذ الجوع المفرط مستلزم لأذى هاتین القوّتین لتحلّل الأرواح الحامله لهما و ضعفهما فکان الأذى حشو أبصارهم و أسماعهم بحیث لا یتّسع لغیره کلّ ذلک طلب لکمال الاستعداد لما علمت أنّ البطنه تذهب الفطنه و تورث القسوه و تزیل الرقّه و تستلزم رذائل کثیره لا دواء لها إلّا بالخصاصه و القناعه فضیله تحت العفّه.

و قوله: و لو کانت الأنبیاء. إلى قوله: مقتسمه.
 متّصله اخرى هى کبرى قیاس من الشکل الأوّل أیضا من متّصلتین مقدّم الصغرى منهما هو من مقدّم کبرى القیاس الأوّل، و هو قوله: و لو فعل. و نبّه‏ على تالیها بمقدّم هذه الکبرى، و تقدیر الکلام: و لأنّه تعالى لو فعل بأنبیائه ما ذکرناه لکانوا أهل قوّه لا ترام و عزّه لا تضام و ملک تمتدّ نحوه الأعناق، و لو کانوا کذلک لکان فی کونهم کذلک مفاسد اخرى فینتج أنّه لو فعل بأنبیائه ما ذکرناه للزمت مفاسد اخرى: أحدها: أنّه لکان ذلک أى ما حصلوا علیه من العزّ و الملک أهون على الخلق و أسهل من حیث إنّ اعتبارهم لما یدعوهم إلیه أسهل و إجابتهم إلى دعوتهم أسرع. إذ کانت الملوک فی اعتبار الخلق أهلا لأن یطاعوا فلا تصعب علیهم إجابتهم کما تصعب إجابه الفقراء على من یدعونه من المتکبّرین. الثانی: و أبعد لهم عن الاستکبار، و هو ظاهر لأنّ الملوک أبعد من أن یتکبّر علیهم الناس و یأنفوا من طاعتهم و حینئذ لم یکن للخلق ثواب من ترک رذیله الکبر عن مجاهده نفسه فی ترک الرذیله. الثالث: و لآمنوا عن رهبه قاهره لهم. أى على الایمان أو رغبه مایله بهم إلیه فلم یکن نیّاتهم و لا حسناتهم خالصه للّه بل هى مشترکه و مقتسمه بعضها له و بعضها للرغبه و بعضها للرهبه، و حینئذ لا یکون لهم ثواب من جاهد إبلیس فقهره و قمع نواجم وسوسته الجاذبه عن سبیل اللّه، و استعدّ بذلک للخیرات الباقیه.

و قوله: و ملک تمتدّ نحوه أعناق الرجال، و تشدّ إلیه عقد الرحال.
 کنایتان عن قوّته و عظمته لأنّ الملک إذا کان عظیما قویت الآمال فیه و توجّهت نحوه و امتدّت أعناق الرجال إلیه بالرجاء و شدّت عقد الرحال إلیه.

و قوله: و لکنّ اللّه سبحانه. إلى قوله: شائبه.
 کالمقدّمه لصغرى فی بیان أنّ القسم الأخیر من التالى لیس ممّا ینبغی أن یکون و یراد للّه تعالى. کأنّه قال لو جعل اللّه تعالى الأنبیاء أهل الملک و العزّ لکان ایمان الخلق بهم إمّا لرغبه أو رهبه فکانت النیّات و الایمان و العباده منهم مشترکه غیر خالصه للّه و ذلک مفسده لیس ممّا ینبغی أن تکون و لا أن تراد للّه تعالى لأنّه تعالى إنّما أراد أن یکون ایمانهم بالرسل و اتّباعهم و تصدیقهم لما جاءوا به من کتبه و امروا به من الخشوع‏ لوجهه و الاستکانه لأمره و الاستسلام لطاعته امورا له خاصّه لا یشوبها من غیرها شائبه رغبه و رهبه. و تقدیر الکبرى: و کلّ ما أراد اللّه إخلاصه له فلیس ممّا ینبغی أن یکون مشترکا بینه و بین غیره و لا مشوبا بشائبه غیره فینتج أنّ ایمانهم بأقسامه لیس ممّا ینبغی أن یکون مشترکا لشائبه رغبه أو رهبه.

و قوله: و کلّما کانت البلوى. إلى قوله: أجزل.
 یحتمل أن یکون کبرى قیاس بیّن به أنّ الأجزاء الثلاثه للتالى و هو قوله: لکان ذلک أهون. إلى آخره لیس ممّا ینبغی أن یکون، و تقدیر البیان أنّ ذلک مستلزم کون الاعتبار معه أهون على الخلق و أن یکونوا معه أبعد عن الاستکبار و أن یؤمنوا عن رغبه أو رهبه و هذه الامور لیس ممّا ینبغی أن تکون. و إنّما قلنا ذلک لأن نقایضها و هی مشقّه الاعتبار على الخلق و قربهم من الاستکبار و خلوص إیمانهم للّه ممّا ینبغی أن یکون، و بیان ذلک أنّ مع هذه الامور یکون البلوى و الاختبار علیهم أعظم. و ذلک هو صغرى القیاس. ثمّ نقول: و کلّما کانت البلوى و الاختبار لهم أعظم کانت المثوبه و الجزاء على الایمان و الطاعه موافقه لتلک البلوى أجزل فینتج أنّ مع مشقّه الاعتبار و القرب من الاستکبار و إخلاص الایمان تکون المثوبه لهم و الجزاء على الإیمان و الطاعه أجزل، و یحتمل أن یکون من تمام البیان الأوّل کأنّه قال: و لکنّه تعالى أراد أن تکون هذه الامور خالصه له لا یشوبها شائبه، و ذلک الإخلاص و إن کانت فیه مشقّه و کانت البلوى فیه عظیمه إلّا أنّه کلّما کانت البلوى أعظم کان الثواب فیها أجزل. ثمّ أردف ذلک بالتنبیه على صدق هذه المقدّمه بالمثال و ذلک قوله: أ لا ترون. إلى قوله: و وصله إلى جنّته، و أراد بالأحجار الّتی بنى بها البیت الحرام.

 قوله: جعله للناس قیاما.
 أى مقیما لأحوالهم فی الآخره. یقال: فلان قیام أهله و قوام بیته. إذا کانت به استقامه أحوالهم، و کون مکّه أقلّ بقاع الأرض مدرا لأنّ الحجریّه أغلب علیها. و إنّما أتى بالرمال اللیّنه فی معرض الذمّ لأنّها أیضا ممّا لا یزکو بها الدوابّ‏ لأنّ ذوات الحافر ترسغ فیها و تتعب فی المشى بها. قال الشارحون: و أراد بالخفّ و الحافر و الظلف دوابّها و هی الجمال و الخیل و الغنم و البقر مجازا إطلاقا لاسم الجزء على الکلّ أو على تقدیر إراده المضاف و إقامه المضاف إلیه مقامه، و أراد بکونها لا تزکو: أى لا تسمن و تزید للجدب و خشونه الأرض، و الضمیر فی بها راجع إلى ما دلّ علیه أو عر من الموصوف فإنّه أراد بواد أوعر بقاع الأرض حجرا کما قال: إنّی أسکنت من ذرّیّتى بواد غیر ذى زرع عند بیتک المحرّم.

و قوله: ثمّ أمر آدم و ولده أن یثنوا أعطافهم نحوه
 قد دلّ کلامه علیه السّلام على أنّ البیت الحرام کان منذ آدم علیه السّلام و التواریخ شاهده بذلک. و قال الطبرى: روى عن ابن عبّاس أنّ اللّه تعالى أوحى إلى آدم لما اهبط إلى الأرض أنّ لى حرما حیال عرشى فانطلق فابن لى بیتا فیه ثمّ طف به کما رأیت ملائکتى تحفّ بعرشى فهنا لک استجیب دعاک و دعاء من تحفّ به من ذرّیّتک. فقال آدم: إنّی لست أقوى على بنیانه و لا اهتدى إلیه. فبعث اللّه تعالى ملکا فانطلق به نحو مکّه فکان آدم کلّما رأى روضه أو مکانا یعجبه سأل الملک أن ینزل به هنالک لتبنى فیه فیقول له الملک: لیس هاهنا. حتّى أقدمه مکّه فبنى البیت من خمسه جبال طور سیناء و طور زیتون و لبنان و الجودىّ، و بنى قواعده من حرّاء. فلمّا فرغ من بنیانه خرج به الملک إلى عرفات و أراه المناسک کلّها الّتى یفعلها الناس الیوم، ثمّ قدم به مکّه و طاف بالبیت اسبوعا، ثمّ رجع إلى أرض الهند. و قیل: إنّه حجّ على رجلیه إلى الکعبه أربعین حجّه. و روى عن وهب بن مبنّه أنّ آدم دعا ربّه فقال: یا ربّ أما لأرضک هذه عامر یسّبحک فیها و یقدّسک غیرى فقال له تعالى: إنّى سأجعل فیها من ولدک من یسبّح بحمدى و یقدّسنى، و سأجعل فیها بیوتا ترفع لذکرى یسبّحنى فیها خلقى و یذکر فیها اسمى، و سأجعل من تلک البیوت بیتا اختصّه بکرامتى و اوثره باسمى فاسمیّه بیتى و علیه وضعت جلالتى و عظّمته بعظمتى، و أنا مع ذلک فی کلّ شی‏ء و مع کلّ شی‏ء، أجعل ذلک البیت حرما آمنا یحرم بحرمته من حوله و ما حوله و من تحته و من فوقه فمن‏ حرّمه بحرمتى استوجب کرامتى و من أخاف أهله فقد أباح حرمتى و استحقّ سخطى، و أجعله بیتا مبارکا یأتیه بنوک شعثا غبر اعلى کلّ ضامر من کلّ فجّ عمیق یزجّون بالتلبیه زجیجا و یعجّون بالتکبیر عجیجا، من اعتمده لا یرید غیره و وفد إلىّ و زارنى و استضاف بى أسعفته بحاجته، و حقّ على الکریم أن یکرم و فده و أضیافه. تعمره یا آدم ما دمت حیّا ثمّ تعمره الامم و القرون و الأنبیاء من ولدک امّه بعد امّه و قرنا بعد قرن. ثمّ أمر آدم إلى أن یأتی البیت الحرام فیطوف به کما کان یرى الملائکه تطوف حول العرش. و بقى أساسه بعد طوفان نوح فبوّأه اللّه لإبراهیم فبناه. و لنرجع إلى المتن فنقول: إنّه کنّى بثنى أعطافهم نحوه عن التفاتهم إلیه و قصدهم له.

و قوله: فصار مثابه لمنتجع أسفارهم.
 أى مرجعا لما تنجع من أسفارهم: أى لطلب منه النجعه و الخصب کما قال تعالى وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَیْتَ مَثابَهً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً«» و کقوله تعالى لِیَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ یَذْکُرُوا اسْمَ اللَّهِ«» و ذلک أنّه مجمع الخلق و به یقام الموسم أیّام الحجّ فیکون فیه التجارات و الأرباح کما أشرنا إلیه فی الخطبه الاولى. و کذلک کونه غایه لملقى رحالهم: أى مقصدا.

و قوله: تهوى إلیه ثمار الأفئده.
 أى تمیل و تسقط. و هوى الأفئده میولها و محبّتها إلّا أنّه لمّا کان الّذی یمیل إلى الشی‏ء و یحبّه کأنّه یسقط إلیه و لا یملک نفسه استعیر لفظ الهوى للحرکه إلى المحبوب و السعی إلیه، و أمّا ثمار الأفئده فقال بعض الشارحین: ثمره الفؤاد سوید القلب. و لذلک یقال للولد: ثمره الفؤاد. و أقول: یحتمل أن یکون لفظ الثمار مستعارا للخلق باعتبار أنّ کلّا منهم محبوب لأهله و آبائه فهو کالثمره الحاصله لأفئدتهم من حیث هو محبوب لهم کأنّ أفئدتهم و محبّتهم له قد أثمرته من حیث إنّها أفادت تربیته و العنایه به حتّى استوى إنسانا کاملا، و یحتمل أن یرید بثمار الأفئده الأشیاء المجبیّه المعجبه من کلّ شی‏ء کما قال تعالى یُجْبى‏ إِلَیْهِ ثَمَراتُ کُلِّ شَیْ‏ءٍ«» و وجه إضافتها إلى الأفئده أنّها لمّا کانت محبوبه مطلوبه للأفئده الّتی حصلت عن محبّتها کما تحصل الثمره عن أصلها اضیفت إلیها، و الإضافه یکفى فیها أدنى سبب و نحوه قوله تعالى رَبَّنا إِنِّی أَسْکَنْتُ مِنْ ذُرِّیَّتِی بِوادٍ غَیْرِ ذِی زَرْعٍ عِنْدَ«» و لمّا استعار لفظ الهوى رشّح بذکر المهاوى إذ من شأن الهوى أن یکون له موضع. و عمیقه صفه لفجاج کما قال تعالى یَأْتِینَ مِنْ کُلِّ فَجٍّ عَمِیقٍ«» و وصف العمق له باعتبار طوله و الانحدار فیه من أعالى البلاد إلى مکّه، و وصف الجزائر بالانقطاع لأنّ البحر یقطعها عن سائر الأرض و البحار یحیط بها. و حتّى غایه من قوله: تهوى. بمعنى اللام، و کنّى بهزّ مناکبهم عن حرکاتهم فی الطواف بالبیت. إذ کان ذلک من شأن المتحرّک بسرعه. و ذللا: جمع ذلول. و النصب على الحال من الضمیر فی تهزّ. و قال بعضهم: یحتمل أن یکون من مناکبهم و کذلک موضع یهلّلون النصب على الحال و کذلک شعثا و غبرا من الضمیر فی یرملون. و کنّى بنبذهم للسرابیل وراء ظهورهم عن طرحها و عدم لبسها و تشویههم بإعفاء الشعور محاسن خلقهم لأنّ حلق شعر المحرم أو نتفه و التنظیف منه حرام تجب فیه الفدیه. و ظاهر أنّ إعفاء الشعور یستلزم تقبیح الخلقه و تشویهها و تغییر ما هو معتاد من تحسینها بحلقه و إزالته.

و قوله: ابتلاء. و امتحانا. و اختبارا. و تمحیصا.
 منصوبات على المفعول له. و العامل فیه قوله: أمر اللّه آدم، و یحتمل أن یکون على المصدر کلّ من فعله. و عدّد هذه الألفاظ و إن کانت مترادفه على معنى واحد تأکیدا و تقریرا لکون اللّه تعالى شدّد علیهم فی البلوى بذلک لیکون استعدادهم بتلک القوى العظیمه للثواب أتمّ و أشدّ فیکون الجزاء لهم أفضل و أجزل فلذلک قال: جعله اللّه سببا لرحمته و وصله إلى جنّته: أى سببا معدّا لإفاضه رحمه تستلزم الوصول إلى جنّته. و قد تأکّد بهذا المثال صدق قوله: و کلّما کانت البلوى و الاختبار أعظم کان الثواب أجزل. لأنّ اللّه سبحانه لمّا اختبر عباده بأمر الحجّ و مناسکه الّتی یستلزم شقاء الأبدان و احتمال المشاقّ الکثیره المتعبه فی الأسفار من المسافات‏ البعیده و ترک مفاخر الدنیا عنده و نزع التکبّر حتّى کأنّه لم یوضع إلّا لخلع التکبّر من الأعناق مع ما فی جزئیّات مناسکه و مباشرته من المشاقّ المتکلّفه مع کونه کما ذکر أحجارا لا تضرّ و لا تنفع و لا تسمع و لا تبصر لا جرم کان الاستعداد به لقبول آثار اللّه و إفاضه رحمته أتمّ من أکثر وجوه الاستعدادات لسائر العبادات فکان الثواب علیه و الرحمه النازله بسببه أتمّ و أجزل.

و قوله: و لو أراد اللّه. إلى قوله: ضعف البلاء.

 صغرى قیاس ضمیر استثنائى حذف استثنائه. و هى نتیجه قیاس آخر من متّصلتین تقدیر صغراهما: أنّه لو أراد أن یضع بیته الحرام بین هذه المواضع الحسنه المبهجه لفعل، و تقدیر الکبرى: و لو فعل لکان یجب منه تصغیر قدر الجزاء على قدر ضعف البلاء، و تقدیر استثناء هذه المتّصله: لکنّه لا یجب منه ذلک و لا یجوز لأنّ مراد العنایه الإلهیّه مضاعفه الثواب و بلوغ کلّ نفس غایه کمالها و ذلک لا یتمّ إلّا بکمال الاستعداد بالشدائد و المیثاق فلذلک لم یرد أن یجعل بیته الحرام فی تلک المواضع لاستلزامها ضعف البلاء. و کنّى بدنوّ الثمار عن سهوله تناولها و حضورها، و بالتفاف البنى عن تقارب بعضه من بعض. و البرّه: واحده البرّ و قد یقام مقام اسم الجنس فیقال: هذه برّه حسنه، و لا یراد بها الحبّه الواحده و اعتبار السمره لها لأنّ وصفها بعد الخضره السمره.

و قوله: و لو کان الأساس. إلى قوله: من الناس.
 فی تقدیر قیاس ضمیر آخر استثنائى کالّذی قبله، و تلخیصه أنّه تعالى لو جعل الأساس المحمول علیها بیته الحرام بین هذه الأحجار المنیره المضیئه لخفّف ذلک مسارعه الشکّ فی الصدور. و أراد شکّ الخلق فی صدق الأنبیاء و عدم صدقهم و شکّهم فی أنّ البیت بیتا للّه أو لیس. فإنّه على تقدیر کون الأنبیاء علیهم السّلام بالحال المشهوره من الفقر و الذلّ و کون البیت الحرام من هذه الأحجار المعتاده یقوى الشکّ فی کونهم رسلا من عند اللّه و فی کون البیت بیتا له، و على تقدیر کونهم فی الملک و العزّ و کون البیت من الأحجار النفیسه المذکوره ینتفی ذلک الشکّ.

إذ یکون ملکهم و نفاسه تلک الأحجار من الامور الجاذبه إلیهم و الداعیه إلى محبّتهم و المسارعه إلى تصدیقهم و الحکم بکون البیت بیت اللّه لمناسبته فی کماله ما ینسبه الأنبیاء إلى اللّه سبحانه من الوصف بأکمل طرفی النقیض و لکون الخلق أمیل إلى المحسوس، و استعار لفظ المسارعه هنا للمغالبه بین الشکّ و صدق الأنبیاء و الشکّ فی کذبهم فإنّ کلّا منهما یترجّح على الآخر و کذلک کان وضع مجاهده إبلیس عن القلوب لأنّ الایمان بکونه بیتا للّه ینبغی حجّه و القصد إلیه لا یکون عن مجاهده إبلیس فی تصدیق الأنبیاء فی ذلک و فی وجوب عباده اللّه بل لعزّه البیت و حسن بنیانه و میل النفوس إلى شریف جواهره لکن هذه الامور و هى مسارعه الشکّ و مجاهده إبلیس و معتلج الریب لا تخفّف و لا تنتفى لکونها مراده من الحکمه الإلهیّه لإعداد النفوس بها لتدرک الکمالات الباقیه و السعادات الدائمه فلذلک لم- یجعل تعالى بنیان بیته من تلک الأحجار النفیسه.

و قوله: و لکنّ اللّه یختبر عباده. إلى قوله: المکاره.
 استثناء لعلّه النقائض المذکوره فیقوم مقام استثناء مسارعه الشکّ و مجاهده إیلیس من جمله أنواع الشدائد و ألوان المجاهد و المشاقّ و اختباره لعباده بها علّه لوجودها.

و قوله: إخراجا للتکبّر. إلى قوله: لعفوه.
 إشاره إلى کونها أسبابا غائیّه من العنایه الإلهیّه لإعداد النفوس لإخراج الکبر منها و إفاضه ضدّه و هو التذلّل و التواضع علیها و إلى کونها أسبابا معدّه لفضله و عفوه، و استعار لفظ الأبواب لها باعتبار الدخول منها إلى رضوان اللّه و ثوابه. و لفظ الذلل لکون الدخول منها إلى ذلک سهلا للمستعدّین لها. ثمّ عاد إلى التحذیر من اللّه تعالى فی البغى و الظلم و عاقبته. و حاصل الکلام أنّه جعل عاجل البغى و آجل الهلاک عنه و سوء عاقبه الکبر محلّا للحذر من اللّه تعالى و ذلک باعتبار وعیده تعالى عند التلبّس بالبغى و النظر فی تلک الحال إلى ما یستلزم من الهلاک فی الآخره و ما یستلزمه التکبّر من سوء العاقبه. و الضمیر فی قوله: فإنّها قال‏ السیّد فضل اللّه الراوندى- رحمه اللّه- : یعود إلى الجمله من البغى و الظلم و الکبر و إن لم یجر لها ذکر. و قال غیره: الضمیر للکبر و إنّما أنّثه باعتبار جعله مصیده باعتبار أنّه یصیر الداخل فیه من حزب إبلیس و فی قبضته کالشبکه و حبائل الصاید.

و وصفها بالعظم باعتبار قوّته و کثره ما یستلزمه من الرذائل، و کذلک استعار له لفظ المکیده الکبرى باعتبار ما هو سبب قوىّ فی جذب الخلق إلى الباطل و ضلالهم عن طریق اللّه کالحیله و الخدعه، و استعار وصف المساوره له باعتبار مواثبته النفوس و مغالبته لها بالکبر و ذلک أنّه تاره یلقى إلیها تحسین الکبر و تزیینه فتنفعل عنه و تقبل الکبر و تلک هى الوثبه من جانبه. و تاره تقوى النفس علیه فتردّ وسوسته بقهره و تلک الوثبه من قبلها. ثمّ شبّه مساورته للقلوب بالکبر بمساوره السموم القاتله للطبیعه البدنیّه، و کنّى عن وجه الشبه بقوله: فما تکدى أبدا و لا تشوى أحدا: أى إنّ مساورته بالکبر لا تکاد یقابلها ما یقاومها من العقول و یمنع تأثیرها فی النفوس کما لا یکاد یقاوم مواثبه السموم القاتله من طبایع الحیوان و لا تکاد تخطى‏ء المقاتل کما لا یخطى‏ء السموم و حرکاتها فی الأبدان مقاتلها. و یحتمل أن یکون وجه الشبه کون مساورته غالبه قویّه کمشاوره السموم للأبدان، و یکون قوله: لا تکدى أبدا و لا تشوى أحدا استعارتین لوصفى السمّ الّذی لا یکاد یقف دون المقاتل و لا یخطئها لتلک المساوره باعتبار أنّها لا یخطى‏ء رمیتها القلوب بسهام الکبر و البغى و سایر ما یلقى من الوساوس المهلکه.

و قوله: لا عالما لعلمه و لا مقلّا فی طمره.
 أى أنّ هذه الرذیله تؤثّر فی نفس العالم فی علمه و الفقیر فی فقره فلا یردّها العالم بعلمه أنّها رذیله و لا المقلّ المفتقر فی طمره لمنافاه حاله فی قلّته و فقره الکبر.

و قوله: و عن ذلک ما حرس اللّه. إلى قوله: تذلّلا.
 تنبیه على الامور الّتی حرس اللّه تعالى بها عباده من هذه الرذیله و جعلها أسبابا للتحرّز من نزغات الشیطان بها، و أشار إلى ثلاثه منها و هى الصلوات و الزکوات و مجاهده الصیام فی الأیّام المفروض صومها. أمّا الصلوات فلکونها بأجزائها و أوضاعها منافیه للکبر. إذ کان مدارها على تضرّع و خضوع و خشوع و رکوع.
و کلّ واحد من هذه الأجزاء بکیفیّاته و هیئاته موضوع على المذلّه و التواضع و الاستسلام لعزّه اللّه و عظمته و تصوّر کماله و تذکّر وعده و وعیده و أهوال الموقف بین یدیه و کلّ ذلک ینافی التکبّر و التعظّم، و إلى ذلک أشار بقوله: تسکینا لأطرافهم و تخشّعا لأبصارهم. إلى قوله: تصاغرا، و نصب تسکینا و تخشیعا و تذلیلا و تخفیضا و إذهابا على المفعول له، و العامل ما دلّ علیه قوله: حرس. من معنى الأمر: أى حرسهم بهذه و أمرهم بکذا و کذا. و انتصب تواضعا و تصاغرا، و العاملان المصدران: تعفیر، و التصاق.

فأمّا الزکاه فوجه منفعتها فی دفع هذه الرذیله أمران: أحدهما: أنّها شکر للنعمه المالیّه کما أنّ العبادات البدنیّه شکر للنعمه البدنیّه، و ظاهر أنّ شکر النعمه مناف للتکبّر عن المنعم و الاستنکاف عن عبادته. الثانی: أنّ من أوجبت علیه الزکاه یتصوّر قدره موجبها و سلطانه و قهره على إخراجها فینفعل عن حکمه و ینقهر تحت أوامره مع تصوّره لغنائه المطلق و ذلک مناف لتکبّره و استنکافه عن عبادته. و أمّا مجاهده الصیام فلما فیها من المشقّه الشاقّه و مکابده الجوع و العطش فی الأیّام الصیفیّه کما کنّى عنه علیه السّلام بقوله: و إلصاق البطون بالمتون من الصیام. و الإنسان فی کلّ تلک الأحوال متصوّر لجلال اللّه و عظمته و أنّه إنّما یفعل ذلک امتثالا لواجب أمره و خضوعا تحت عزّ سلطانه، و ذلک مناف للکبر و الترفّع، و قد علمت ما فی الصوم من کسر النفس الأمّاره بالسوء کما قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّ الشیطان لیجرى من ابن آدم مجرى الدم فضیّقوا مجاریه بالجوع، و ذلک أنّ وسیله الشیطان هى الشهوات و مبدء الشهوات و قوّتها مداومه الأکل و الشرب. و بتضییق مجاریه ینقهر و ینکسر نواجم وسوسته بالرذائل عن العبد، و یسکن حرکات الأطراف الّتى مبدءها تلک الوساوس، و تخشع الأبصار، و تذلّ النفوس، و تنخفض القلوب.

و قوله: مع ما فی الزکاه. إلى قوله: الفقیر.
 إشاره إلى سرّ آخر من أسرار الزکاه و هو ظاهر. و قد ذکرنا أسرارها مستقصاه فی الفصل الّذی أوّله: إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون.

قوله: انظروا. إلى آخره.
 أمر باعتبار ما فی هذه الأفعال: أى الّتی تقع فی الصلاه و الزکاه و الصیام من تعفیر عتائق الوجوه و إلصاق کرائم الجوارح و هى الأیدى و الأرجل و لحوق البطون بالمتون إلى غیر ذلک من الأفعال المستلزمه للتواضع و التذلّل تأکیدا لما قرّره أوّلا من کون هذه العبادات حارسه لعباد اللّه عن رذیله الکبر. و باللّه التوفیق.

الفصل الرابع:

فی توبیخهم على المعصیه
من غیر سبب یعرف أو حجّه یقبلها عقل، و أمرهم بالتعصّب لمحامد الأخلاق و مکارمها، و تحذیرهم من العقوبات النازله بمن قبلهم من الامم و النظر فی عاقبه أمرهم، و غیر ذلک من الامور الواعظه.

و ذلک قوله: وَ لَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِینَ- یَتَعَصَّبُ لِشَیْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْیَاءِ إِلَّا عَنْ عِلَّهٍ- تَحْتَمِلُ تَمْوِیهَ الْجُهَلَاءِ- أَوْ حُجَّهٍ تَلِیطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَیْرَکُمْ- فَإِنَّکُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرٍ مَا یُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَ لَا عِلَّهٌ- أَمَّا إِبْلِیسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ- وَ طَعَنَ عَلَیْهِ فِی خِلْقَتِهِ- فَقَالَ أَنَا نَارِیٌّ وَ أَنْتَ طِینِیٌّ- وَ أَمَّا الْأَغْنِیَاءُ مِنْ مُتْرَفَهِ الْأُمَمِ- فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ- فَ قالُوا نَحْنُ أَکْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً- وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِینَ- فَإِنْ کَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِیَّهِ- فَلْیَکُنْ تَعَصُّبُکُمْ لِمَکَارِمِ الْخِصَالِ- وَ مَحَامِدِ الْأَفْعَالِ وَ مَحَاسِنِ الْأُمُورِ- الَّتِی تَفَاضَلَتْ فِیهَا الْمُجَدَاءُ وَ النُّجَدَاءُ- مِنْ بُیُوتَاتِ الْعَرَبِ‏ وَ یَعَاسِیبِ القَبَائِلِ- بِالْأَخْلَاقِ الرَّغِیبَهِ وَ الْأَحْلَامِ الْعَظِیمَهِ- وَ الْأَخْطَارِ الْجَلِیلَهِ وَ الْآثَارِ الْمَحْمُودَهِ- فَتَعَصَّبُوا لِخِلَالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ- وَ الْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ وَ الطَّاعَهِ لِلْبِرِّ- وَ الْمَعْصِیَهِ لِلْکِبْرِ وَ الْأَخْذِ بِالْفَضْلِ- وَ الْکَفِّ عَنِ الْبَغْیِ وَ الْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ- وَ الْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ وَ الْکَظْمِ لِلْغَیْظِ- وَ اجْتِنَابِ الْفَسَادِ فِی الْأَرْضِ وَ احْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَکُمْ- مِنَ الْمَثُلَاتِ بِسُوءِ الْأَفْعَالِ وَ ذَمِیمِ الْأَعْمَالِ- فَتَذَکَّرُوا فِی الْخَیْرِ وَ الشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ- وَ احْذَرُوا أَنْ تَکُونُوا أَمْثَالَهُمْ- فَإِذَا تَفَکَّرْتُمْ فِی تَفَاوُتِ حَالَیْهِمْ- فَالْزَمُوا کُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّهُ بِهِ شَأْنَهُمْ- وَ زَاحَتِ الْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ- وَ مُدَّتِ الْعَافِیَهُ بِهِ عَلَیْهِمْ- وَ انْقَادَتِ النِّعْمَهُ لَهُ مَعَهُمْ وَ وَصَلَتِ الْکَرَامَهُ عَلَیْهِ حَبْلَهُمْ- مِنَ الِاجْتِنَابِ لِلْفُرْقَهِ وَ اللُّزُومِ لِلْأُلْفَهِ- وَ التَّحَاضِّ عَلَیْهَا وَ التَّوَاصِی بِهَا- وَ اجْتَنِبُوا کُلَّ أَمْرٍ کَسَرَ فِقْرَتَهُمْ وَ أَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ- مِنْ تَضَاغُنِ الْقُلُوبِ وَ تَشَاحُنِ الصُّدُورِ- وَ تَدَابُرِ النُّفُوسِ وَ تَخَاذُلِ الْأَیْدِی وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِینَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ قَبْلَکُمْ- کَیْفَ کَانُوا فِی حَالِ التَّمْحِیصِ وَ الْبَلَاءِ- أَ لَمْ یَکُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءً- وَ أَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاءً وَ أَضْیَقَ أَهْلِ الدُّنْیَا حَالًا- اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَهُ عَبِیداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ- وَ جَرَّعُوهُمُ الْمُرَارَ فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِی ذُلِّ الْهَلَکَهِ وَ قَهْرِ الْغَلَبَهِ- لَا یَجِدُونَ حِیلَهً فِی امْتِنَاعٍ وَ لَا سَبِیلًا إِلَى دِفَاعٍ- حَتَّى إِذَا رَأَى اللَّهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى فِی مَحَبَّتِهِ- وَ الِاحْتِمَالَ لِلْمَکْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ- جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَایِقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً- فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَکَانَ الذُّلِّ وَ الْأَمْنَ مَکَانَ الْخَوْفِ- فَصَارُوا مُلُوکاً حُکَّاماً وَ أَئِمَّهً أَعْلَاماً- وَ قَدْ بَلَغَتِ الْکَرَامَهُ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ الْآمَالُ إِلَیْهِ بِهِمْ فَانْظُرُوا کَیْفَ کَانُوا حَیْثُ کَانَتِ الْأَمْلَاءُ مُجْتَمِعَهً- وَ الْأَهْوَاءُ مُتَّفَقَهً وَ الْقُلُوبُ مُعْتَدِلَهً- وَ الْأَیْدِی مُتَرَادِفَهً وَ السُّیُوفُ مُتَنَاصِرَهً- وَ الْبَصَائِرُ نَافِذَهً وَ الْعَزَائِمُ وَاحِدَهً- أَ لَمْ یَکُونُوا أَرْبَاباً فِی أَقْطَارِ الْأَرَضِینَ- وَ مُلُوکاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِینَ- فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَیْهِ فِی آخِرِ أُمُورِهِمْ- حِینَ وَقَعَتِ الْفُرْقَهُ وَ تَشَتَّتَتِ الْأُلْفَهُ- وَ اخْتَلَفَتِ الْکَلِمَهُ وَ الْأَفْئِدَهُ- وَ تَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِینَ وَ تَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِینَ- وَ قَدْ خَلَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ کَرَامَتِهِ- وَ سَلَبَهُمْ غَضَارَهَ نِعْمَتِهِ- وَ بَقِیَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِیکُمْ- عِبْرَهً لِلْمُعْتَبِرِینَ مِنْکُمْ فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِیلَ- وَ بَنِی إِسْحَاقَ وَ بَنِی إِسْرَائِیلَ ع- فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ وَ أَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْأَمْثَالِ- تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِی حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَ تَفَرُّقِهِمْ- لَیَالِیَ کَانَتِ الْأَکَاسِرَهُ وَ الْقَیَاصِرَهُ أَرْبَاباً لَهُمْ- یَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِیفِ الْآفَاقِ وَ بَحْرِ الْعِرَاقِ- وَ خُضْرَهِ الدُّنْیَا إِلَى مَنَابِتِ الشِّیحِ- وَ مَهَافِی الرِّیحِ وَ نَکَدِ الْمَعَاشِ- فَتَرَکُوهُمْ عَالَهً مَسَاکِینَ إِخْوَانَ دَبَرٍ وَ وَبَرٍ- أَذَلَّ الْأُمَمِ دَاراً وَ أَجْدَبَهُمْ قَرَاراً- لَا یَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَهٍ یَعْتَصِمُونَ بِهَا- وَ لَا إِلَى ظِلِّ أُلْفَهٍ یَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا- فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَهٌ وَ الْأَیْدِی مُخْتَلِفَهٌ- وَ الْکَثْرَهُ مُتَفَرِّقَهٌ- فِی بَلَاءِ أَزْلٍ وَ أَطْبَاقِ جَهْلٍ- مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَهٍ وَ أَصْنَامٍ مَعْبُودَهٍ- وَ أَرْحَامٍ مَقْطُوعَهٍ وَ غَارَاتٍ مَشْنُونَهٍ فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَیْهِمْ- حِینَ بَعَثَ إِلَیْهِمْ رَسُولًا- فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ وَ جَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ- کَیْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَهُ عَلَیْهِمْ جَنَاحَ کَرَامَتِهَا- وَ أَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِیمِهَا- وَ الْتَفَّتِ الْمِلَّهُ بِهِمْ فِی عَوَائِدِ بَرَکَتِهَا- فَأَصْبَحُوا فِی نِعْمَتِهَا غَرِقِینَ- وَ فِی خُضْرَهِ عَیْشِهَا فَکِهِینَ- قَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ فِی ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ- وَ آوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى کَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ- وَ تَعَطَّفَتِ الْأُمُورُ عَلَیْهِمْ فِی ذُرَى مُلْکٍ ثَابِتٍ- فَهُمْ حُکَّامٌ عَلَى الْعَالَمِینَ- وَ مُلُوکٌ فِی أَطْرَافِ الْأَرَضِینَ- یَمْلِکُونَ الْأُمُورَ عَلَى مَنْ کَانَ یَمْلِکُهَا عَلَیْهِمْ- وَ یُمْضُونَ الْأَحْکَامَ فِیمَنْ کَانَ یُمْضِیهَا فِیهِمْ- لَا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاهٌ وَ لَا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاهٌ أَلَا وَ إِنَّکُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَیْدِیَکُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَهِ- وَ ثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَیْکُمْ بِأَحْکَامِ الْجَاهِلِیَّهِ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَهِ هَذِهِ الْأُمَّهِ- فِیمَا عَقَدَ بَیْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُلْفَهِ- الَّتِی یَنْتَقِلُونَ فِی ظِلِّهَا وَ یَأْوُونَ إِلَى کَنَفِهَا- بِنِعْمَهٍ لَا یَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِینَ لَهَا قِیمَهً- لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ کُلِّ ثَمَنٍ وَ أَجَلُّ مِنْ کُلِّ خَطَرٍ- وَ اعْلَمُوا أَنَّکُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَهِ أَعْرَاباً- وَ بَعْدَ الْمُوَالَاهِ أَحْزَاباً- مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْمِهِ- وَ لَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِیمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ- تَقُولُونَ النَّارَ وَ لَا الْعَارَ- کَأَنَّکُمْ تُرِیدُونَ أَنْ تُکْفِئُوا الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِهِ- انْتِهَاکاً لِحَرِیمِهِ وَ نَقْضاً لِمِیثَاقِهِ الَّذِی وَضَعَهُ اللَّهُ لَکُمْ- حَرَماً فِی أَرْضِهِ وَ أَمْناً بَیْنَ خَلْقِهِ- وَ إِنَّکُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَیْرِهِ حَارَبَکُمْ أَهْلُ الْکُفْرِ- ثُمَّ لَا جَبْرَائِیلُ وَ لَا مِیکَائِیلُ- وَ لَا مُهَاجِرُونَ وَ لَا أَنْصَارٌ یَنْصُرُونَکُمْ- إِلَّا الْمُقَارَعَهَ بِالسَّیْفِ حَتَّى یَحْکُمَ اللَّهُ بَیْنَکُمْ- وَ إِنَّ عِنْدَکُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ قَوَارِعِهِ- وَ أَیَّامِهِ وَ وَقَائِعِهِ- فَلَا تَسْتَبْطِئُوا وَعِیدَهُ جَهْلًا بِأَخْذِهِ- وَ تَهَاوُناً بِبَطْشِهِ وَ یَأْساً مِنْ بَأْسِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِیَ بَیْنَ أَیْدِیکُمْ- إِلَّا لِتَرْکِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْیَ عَنِ‏ الْمُنْکَرِ- فَلَعَنَ اللَّهُ السُّفَهَاءَ لِرُکُوبِ الْمَعَاصِی وَ الْحُلَمَاءَ لِتَرْکِ التَّنَاهِی أَلَا وَ قَدْ قَطَعْتُمْ قَیْدَ الْإِسْلَامِ- وَ عَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ وَ أَمَتُّمْ أَحْکَامَهُ

اللغه

أقول:

التمویه: التلبیس.

و تلیط: تلتصق و تختلط.

و السفه: خفّه العقل.

و المجداء: جمع ماجد و هو کریم الآباء و شریفهم.

و النجداء: جمع نجید، و هو دو النجده و هى فضیله تحت الشجاعه.

و یعاسیب القبایل: ساداتها.

و زاحت: بعدت.

و التحاضّ: التحاثّ و الفقره: الواحده من خرزات الظهر.

و روى فقرهم: جمع فقره.

و المنّه: القوّه.

و التضاغن: التحاقد.

و التشاحن: التعادى.

و التدابر: التقاطع.

و التخاذل: عدم التناصر.

و العب‏ء: الحمل.

و أجهد: أشقّ.

و سمته کذا: أولیته إیّاه.

و المرار بضمّ المیم: شجر مرّ إذا أکلت منه الإبل قلصت عنه مشافرها.

و الترادف: التعاضد و التعاون.

و غضاره النعمه: طیبها.

و الاحتیاز: الاقتطاع عن الشی‏ء و الأخذ عنه.

و الریف: الأرض ذات الزرع و الخصب.

و مها فی الریح: جمع مهفاه و هى محلّ هفو الریح: أى حرکتها و هبوبها.

و نکد المعاش: قلّته و شدّته و العاله: جمع عائل و هو دو العیله و هى الفقر.

و الدبر: الجرح فی ظهر البعیر.

و الوتر: الحقد.

و فی بعض النسخ: دبر و وبر.

و الأزل: الضیق.

و الموءوده: البنت تدفن فی التراب حیّه.

و شنّ الغاره: فرّقها من کلّ جانب.

و الفکه: طیّب النفس المسرور، و الفکه: الأشر البطر.

و تربّعت: أقامت.

و أصله الإقامه فی الربیع، و یحتمل أن یرید تمکّنت کالمتربّع بجلسته المخصوصه بکونها ذات تمکّن.

و الذرى: جمع ذروه و هى أعلى الجبل.

و عطف علیه و تعطّف: إذا أشفق علیه و التفت إلیه بإحسانه.

و الخطر: المنزله و القدر.

و الأعراب: سکّان البادیه.

و إکفاء الإناء: قلبه لوجهه.

و انتهاک الحرمه: أخذها بما لا یحلّ.

و المقارعه: المضاربه.

المعنى

فقوله: و لقد نظرت. إلى قوله: بمعذّبین.
فقوله: و لقد نظرت. إلى قوله: بمعذّبین.

فی معرض التوبیخ لهم على تعصّبهم الباطل الّذی تثور به الفتن مع أنّه لیس لأمر یعرف من وجه المنفعه و المصلحه الحامله علیه. و لفظ إلّا یقتضى حصر وجدانه لمن یتعصّب لشی‏ء فی وجدانه له متعصّبا عن علّه تحتمل تشبیه الأمر على أهل الجهل بحیث یظنّ سببا صحیحا للتعصّب أو عن حجّه ملتصق بعقول السفهاء فیقبلها، و هذا هو مقتضى العقل. إذ کان الترجیح من غیر مرجّح محال فی بدایه العقول. و تقدیر الکلام: فما وجدت أحدا یتعصّب إلّا وجدته یتعصّب عن علّه.

و قوله: غیرکم.
استثناء من معنى الإثبات فی الجمله المفیده للحصر کأنّه قال: وجدت کلّ أحد یتعصّب عن علّه إلّا أنتم.
و قوله: تتعصّبون لأمر ما یعرف له سبب و لا علّه.
 أی سبب یحتمل التمویه على الجهلاء و علّه ملتصق بعقول السفهاء و لم یرد نفى مطلق السبب. إذ سبب تعصّبهم و ثوران الفتنه بینهم هو الاعتزاء الّذی کان بینهم و کان یقع من جهّالهم کما ذکرناه فی سبب الخطبه لکنّه ترک الوصف هنا لتقدّمه. ثمّ أخذ فی تفصیل وجوه العصبیّه و أسبابها فبدء بذکر مبدء العصبیّه لإبلیس. و سبب عصبیّته لأصله اعتقاده لطف جوهره و شرفه. إذا لنار أشرف من الطین مع جهله بسرّ البشریّه و وضع آدم على هذه الخلقه و خلقته الّتی وضع علیها خلقه فلذلک فضّل نفسه قیاسا للفرع على الأصل فی الشرف و الخسّه فقال: أنا نارىّ و أنت طینىّ. و لذلک قیل: إنّ أوّل من قاس إبلیس. ثمّ بعصبیّه الأغنیاء و الجهّال من مترفه الامم لکونهم تلامذه إبلیس فی العصبیّه، و أشار إلى علّه تعصّبهم و هى آثار مواقع النعم، و مواقعها هى الأموال و الأولاد و سائر ما ینتفع به کما قال‏ تعالى حکایه عنهم نَحْنُ أَکْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً«» و آثار تلک المواقع هى الغنى و الترفّه بها و التنعّم و الالتذاذ، و کان تعصّبهم لذلک و فخرهم به. و یجب أن یعلم أنّ الأموال و الأولاد أنفسها لیست نعما مطلقا لأنّ النعمه من الامور الإضافیّه إنّما یقال بالنسبه إلى منعم و منعم علیه و لیس المال مطلقا کذلک و لا الولد باعتبار ذاته بل إنّما یطلق علیهما لفظ النعمه باعتبار انتفاع الإنسان بهما حتّى لو کانا سببا لهلاکه و أذاه لم یکونا بذلک الاعتبار إلّا نعمه علیه و فتنه له فلذلک جعلها مواقع النعم: أى محالّ قابله لکونها نعما، و یحتمل أن یرید بالنعم الأموال و الأولاد و بمواقعها وقوعها فإنّه کثیرا ما یرید بمفعل المصدر و آثارها هى الغنى و الترفّه کما قدّمناه.
ثمّ لمّا وبّخهم على التعصّبات الباطله نبّههم على مواقع العصبیّه و ما ینبغی أن یکون له و هى مکارم الأخلاق و محامد الأفعال و محاسن الامور الّتی تفاضلت فیها أهل المجد و الشرف و النجده من بیوتات العرب و سادات القبائل. و الباء فی قوله: بالأخلاق. متعلّقه بتفاضلت فإنّ المذکورین تفاضلوا فی محاسن الامور بالأخلاق الرغیبه: أى المرغوب فیها، و قد علمت فیما سبق اصول الأخلاق الفاضله و ما تحتها من أنواعها، و الحلم ملکه تحت الشجاعه و هى الإناءه و الرزانه عند الغضب و موجباته و المفاضله بالأخطار الجلیله مراعاتا للمراتب المحموده و منازل الشرف بالمحافظه على تلک الأخلاق المحموده و ملازمتها، و کذلک المفاضله بالآثار المحموده یعود إلى ملازمه الأفعال الجمیله الموافقه للأخلاق النفسانیّه کفعل البذل عن السخاء و کقتل القریب مثلا مراعاه للعدل و الوفاء. ثمّ أمرهم بعد التنبیه على تلک المکارم بالعصبیّه لها فقال: فتعصّبوا لخلال الحمد. و أشار إلى تفصیلها: فمنها: حفظ الجوار و هى فضیله تتشعّب عن فضیلتین لأنّ حفظه یکون بالکفّ عن أذاه و ذلک فضیله تحت العدل، و یکون بالإحسان إلیه و مصادقته و مسامحته و مواساته و تلک امور تحت العفّه. و منها: الوفاء بالذمام و هو تحت العفّه. و منها: الطاعه للبرّ و الأولى أن یرید بالبرّ هنا ما أراد به القرآن الکریم بقوله لَیْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَکُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لکِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ. إلى قوله لَیْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا و لکِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏«». فإنّ المراد فی هاتین القرینتین بالبرّ کمال الایمان و التقوى و الأعمال الجمیله، و معنى طاعه البرّ التلبّس‏ بهذه الأفعال و ملازمتها و اعتقاد وجوبها، و یحتمل أن یرید و الطاعه للأمر بالبرّ فحذف الأمر للعلم به. و قد یطلق البرّ و یراد به العفّه و بذلک الاعتبار یقابله الفجور، و یحتمل أن یرید هاهنا ما یقابل العقوق و هو الشفقّه على ذوى الرحم و الإحسان إلى الوالدین، و هو داخل تحت العفّه. و منها: المعصیه للکبر و المراد بمعصیه الکبر مجانبته مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب أو معصیه الأمر بالکبر و هو کنایه عن التواضع و هو فضیله تحت العفّه، و المعصیه هنا فی مقابله الطاعه. و منها: الأخذ بالفضل و أراد استکمال الفضیله و لزومها، و یحتمل أن یرید بالفضل التفضّل على الغیر و الإحسان إلیه و الأخذ به فیکون أمرا بالإحسان و الجود و هو فضیله تحت العفّه. و منها: الکفّ عن البغى و یعود إلى فضیله العدل. و منها: تعظیم القتل و هو کنایه عن ترکه لما یستلزمه من رذیله الظلم ثمّ للوعید علیه فی الآخره و یعود إلى فضیله العدل أیضا، و کذلک الانصاف للخلق هو لزوم العدل فی معاملاتهم. و منها: کظم الغیظ و هو فضیله تحت فضیله الشجاعه. و منها: اجتناب الفساد فی الأرض و هو من لوازم فضیله العدل. ثمّ لمّا أمر بلزوم مکارم الأخلاق و الأعمال الجمیله أردفه بالتنفیر عن الکون على ذلک من رذائلها و ذمائمها، و ذلک التنفیر بتذکیر السامعین حال الامم الماضین و ما أصابهم من عقوبات اللّه بسبب سوء أفعالهم و ذمیم أعمالهم، و تحذیرهم أن یرتکبوا تلک الرذائل فیصیبهم ما أصاب اولئک من بأس اللّه. و أمرهم أن یتذکّروا حالهم فی الخیر أوّلا حین کانوا فی طاعه أنبیائهم و الالفه الجامعه بینهم و حالهم فی الشرّ الّتی انقلبوا إلیها عن تلک الحال حین خالفوا صالح الأعمال و حالفوا ذمیم الأفعال، و حذّرهم أن یکونوا أمثالهم: أى فی ذلک الانقلاب و استبدال الشرّ بالخیر و أن یلزموا عند تفکّرهم فی تفاوه حالیهم کلّ أمر لزمت العزّه به حالهم و أزالت الأعداء عنهم و مدّت العافیه فیه بهم. و الباء للاستصحاب: أى مدّت مستصحبه لهم. و فی نسخه الرضى- رحمه اللّه- و مدّت بالفتح على البناء للفاعل کقولک مدّ الماء: أى جرى و سال. و کذلک انقادت النعم لذلک الأمر معهم: أى بسببه. إذ کان سببا معدّا لإفاضه النعم علیهم، و وصلت الکرامه علیه حبلهم. و استعار لفظ الوصل لاجتماعهم عن کرامه اللّه لهم حال کونهم على ذلک الأمر، و رشّح بذکر الحبل.

و قوله: من الاجتناب. إلى قوله: و التواصى بها.
و قوله: من الاجتناب. إلى قوله: و التواصى بها. و ظاهر أنّ لزوم الالفه سبب للامور الّتی عددّها.
و قوله: و اجتنبوا. إلى قوله: و تخاذل الأیدى.
و قوله: و اجتنبوا. إلى قوله: و تخاذل الأیدى. أى و اجتنبوا کلّ أمر استبدلوا به تلک الامور الّتی أوجبت لهم العزّه و الکرامه و کان سببا لکسر فقرتهم و وهن قوّتهم و هو التضاغن و التشاحن و التقاطع و التخاذل لأنّها امور تضادّ الالفه و تنافیها فکانت مضادّه لما یستلزمه الالفه، و أراد التخاذل المطلق. و إضافته إلى الأیدى کنایه لأنّ الأغلب أن یکون التناصر بالأیدی، و هؤلاء الّذین أمر باعتبار حالهم لا یرید بهم امّه معیّنه بل الحال عامّ فی کلّ امّه سبقت فإنّ کلّ امّه ترادفت أیدیهم و تعاونوا و تناصروا کان ذلک سببا لعزّه حالهم و دفع الأعداء عنهم، و کلّ قوم افترقوا و تقاطعوا استلزم ذلک ذلّهم و قهر الأعداء لهم.

و قوله: و تدبّروا أحوال الماضین من المؤمنین. إلى قوله: إلیه بهم.
 أمر لهم باعتبار هذه الأحوال فیمن هو أخصّ و هم المؤمنون من الماضین فی أزمان الأنبیاء السابقین فإنّهم حیث کانوا مع کلّ نبىّ فی مبدء أمرهم فی حال التمحیص و الاستخلاص لقلوبهم بالبلاء أثقل أهل الأرض أعباء قد اتّخذتهم الفراعنه عبیدا یسومونهم سوء العذاب و هؤلاء کیوسف علیه السّلام مع فرعون زمانه، و کموسى و هرون و من آمن معهما من بنی إسرائیل فی مبدء أمرهم فإنّهم کانوا حال التمحیص و البلاء بالصفات الّتی ذکرها علیه السّلام قد اتّخذتهم الفراعنه عبیدا یسومونهم سوء العذاب و یجرّعونهم المرار فلم یزالوا کذلک مقهورین حتّى إذا رأى استعدادهم بالصبر على دینه لإفاضه رحمته علیهم أفاضها علیهم و جعل لهم من مضایق البلاء فرجا فأبدلهم بالعزّ مکان الذلّ و الأمن مکان الخوف کما امتنّ علیهم تعالى فی کتابه حیث قال وَ إِذْ نَجَّیْناکُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ یَسُومُونَکُمْ سُوءَ الْعَذابِ یُذَبِّحُونَ أَبْناءَکُمْ وَ یَسْتَحْیُونَ‏ نِساءَکُمْ وَ فِی ذلِکُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّکُمْ عَظِیمٌ وَ إِذْ فَرَقْنا بِکُمُ الْبَحْرَ«» الآیه. و قبل ذلک ما کان المؤمنون مع نوح علیه السّلام و إبراهیم علیه السّلام و غیرهما. فأمّا کونهم ملوکا و حکّاما و أئمّه أعلاما و بلوغهم الکرامه من اللّه لهم ما لم یذهب آمالهم إلیه فإنّ موسى علیه السّلام و هرون علیه السّلام بعد هلاک فرعون ملکا مصر و استقرّ لهما الملک و الدین و کطالوت و داود بعد مجاهدتهما بجالوت و قتله، و ذلک أنّ طالوت لمّا جاوز النهر هو و من معه لقتال جالوت کان معه داود علیه السّلام فرماه من مقلاعه بحجر فقتله و انکسر أصحابه فکان الملک و الغلبه لطالوت و أصحابه و کان الملک بعده لداود علیه السّلام کما قال تعالى وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْکَ وَ الْحِکْمَهَ«» و کذلک لم یزل الملک و النبوّه فی سلیمان و ولده و أولادهم إلى الأعرج من ولده فطمعت الملوک فی بیت المقدس لضعفه و زمنه و أنّه لم یکن نبیّا فسار إلیه ملک الجزیره و کان یسکن بریّه سنجار و کان بخت نصر کاتبه فأرسل اللّه تعالى علیه ریحا فأهلکت جیشه و أفلت هو و کاتبه فقتله ابنه فغضب له بخت نصر فاغترّه حتّى قتله و ملک بعده و کان ذلک أوّل ملک بخت نصر.

و قوله: فانظروا کیف کانوا. إلى قوله: للمعتبرین منکم.
 أمر لهم باعتبار حالهم فی الفتهم و اجتماعهم، و إشاره إلى أنّ المستلزم لتلک الخیرات کلّها إنّما کان هو الالفه و الاجتماع و باعتبار ما صاروا إلیه فی آخر امورهم حین وقعت الفرقه بینهم و تشتّت الفتهم و اختلفت کلمتهم و أفئدتهم فخلع اللّه عنهم لباس کرامته و سلبهم غضاره نعمته و بقى قصص أخبارهم عبره للمعتبرین، و هو إشاره إلى أنّ المستلزم لتلک الشرور هو ما حصلوا علیه من تفرّق الکلمه و ذلک صادق على کلّ قرن قرن و امّه امّه آمنوا و لحلقتهم المجاهد من الفراعنه و الجبابره ثمّ صبروا فانتصروا على أعدائهم. و أراد باعتدال‏ القلوب استقامتها على الحقّ.

و قوله: و السیوف متناصره.
قال بعضهم: أراد أهل السیوف فحذف المضاف، و یحتمل أن یکون قد استعار وصف التناصر لها باعتبار کونها أسبابا یقوّى بعضها بعضا فصارت کالجماعه الّتی ینصر بعضها بعضا. و نفوذ البصایر خرقها حجب الشبهات عن الحقّ واصله إلیه. و اتّحاد العزائم اتّفاق الإرادات الجازمه على طلب الحقّ. و مختلفین و متحاربین منصوبان على الحال، و کذلک موضع قوله: قد خلع، و کذلک عبرتا.
و قوله: فاعتبروا بحال ولد إسماعیل و بنى إسحاق و إسرائیل علیهم السّلام. إلى قوله: صفاه.
و قوله: فاعتبروا بحال ولد إسماعیل و بنى إسحاق و إسرائیل علیهم السّلام. إلى قوله: صفاه. أمر لهم باعتبار أخصّ. و ولد إسماعیل إشاره إلى العرب من آل قحطان و آل معد، و من بنى إسحاق أولاد روم بن عیص بن إسحاق و بنو إسرائیل و هو یعقوب ابن إسحاق. فأمّا حال تشتّتهم و تفرّقهم و استیلاء الأکاسره و القیاصره علیهم و فعلهم بهم ما ذکر فتفرّق کلمه العرب قبل ظهور محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أمر ظاهر معلوم لکلّ من طالع کتب السیر، و بسبب ذلک کانت الأکاسره أربابا لهم یحتازونهم و یبعّدونهم عن ریف الآفاق و بحر العراق و خضره الدنیا إلى البادیه، و أمّا حال بنی إسحاق و إسرائیل فی ذلک فنحو ما جرى لأولاد روم بن عیص من اختلاف النسطوریّه و الیعقوبیّه و الملکاتیّه حتّى کان ذلک سببا لضعفهم و استیلاء القیاصره علیهم فی الروم و على بنی إسرائیل فی الشام و إزعاج بخت نصر لهم عن بیت المقدس حتّى غزاهم المرّه الثانیه کما أشار إلیه القرآن الکریم بقوله فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَهِ لِیَسُوؤُا وُجُوهَکُمْ وَ لِیَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ«» الآیه. و قد کان غزاهم مرّه اولى حین أحدثوا و غیّروا فرغبوا إلى اللّه تعالى و تابوا فردّه عنهم و هی المرّه الاولى الّتى حکى اللّه تعالى بقوله فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما«» الآیه ثمّ أحدثوا بعد ذلک فبعث اللّه إلیهم أرمیا فقام فیهم بوحى اللّه فضربوه و قیّدوه و سجنوه فغضب اللّه علیهم فبعث إلیهم عند ذلک بخت نصر فقتل منهم و صلب و أحرق و جدع و باع ذراریهم و نسائهم و سارت منهم طایفه إلى مصر و لجئوا إلى ملکها فسار إلیه بخت نصر فأسره و أسر بنی إسرائیل. و الّذین فرّوا منهم ارتحلوا إلى حدود المدینه کیهود خیبر و بنى قریظه و النضیر و وادى قرى و قینقاع. إذا عرفت ذلک فنقول: إنّه علیه السّلام أمر باعتبار حالهم و تأمّل أمرهم فی حال تشتّتهم و تفرّقهم قبل بعثه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و فعل أعدائهم ما کانوا یفعلون کیف فرجّ اللّه عنهم من تلک الشدائد بظهور محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لهم نبیّا.
و اعلم أنّ غایته علیه السّلام عن أمره باعتبار حال المؤمنین من الامم الماضیه قبلهم اقتدائهم فی الصبر على المکاره و لزوم الالفه و الاجتماع مع ذلک و انتظار الفرج به.

و قوله: فما أشدّ اعتدال الأحوال.
 أى تساویها، و أراد أنّ أحوالکم الشبه و المساواه لأحوالهم، و کذلک ما أقرب اشتباه الأمثال: أى إنّ أحوالکم شدیده المماثله لأحوالهم لأنّکم أمثالهم.
و هو إشاره إلى وجه علّه الاعتبار فإنّهم إذا کانوا أمثالهم و اعتدلت أحوالهم و تشابهت امورهم وجب اعتبار حالهم بحالهم و لذلک أتى بالفاء للتعلیل.

و قوله: تأمّلوا أمرهم فی حال تشتّتهم. إلى آخر الکلام.
 إشاره إلى حال شدّتهم و رخائهم لتنقل أذهان السامعین إلى إثبات تلک الحال لأنفسهم. فالماضون أصل ذلک الاعتبار، و السامعون فرعه، و حکم الأصل أحوالهم الخیریّه و الشریّه، و علّه ذلک الحکم کونهم أمثالا لهم.

و قوله: لیالى کانت الأکاسره و القیاصره أربابا لهم.
 أى مالکون لامورهم یحتازونهم: أى کانت القیاصره یحتازون بنی إسرائیل و بنی إسحاق، و الأکاسره یحتازون بنی إسرائیل و یمنعونهم من أعمال العراق فصار الجمیع مطرودا للجمیع عن خضره الآفاق و جنان الشام و بحر العراق. و أراد دجله و الفرات.

و قوله: إلى منابت الشیح و مها فی الریح.
کنایتان عن البریّه و ظاهر أنّها محلّ نکد العیش و ضیقه کما وبّخهم علیه السّلام بوصف معاشهم فی الفصول السابقه. و یختصّ الأکاسره- و هو جمع کسرى- بملوک الفرس و القیاصره بملوک الروم و هو جمع على غیر قیاس. و کنّى بالدبر و الوبر عن الجمال، و فیه إیماء إلى فقرهم و ضیق معاشهم لأنّ دبر الجمال و استعمال الوبر و أکله بالدم من لوازم الفقر و ضیق الحال، و على الروایه الاخرى فالدبر کنایه عن الفقر أیضا، و ظاهر أنّهم أذلّ الأمم دارا لأنّ أهل البادیه لیسوا أصحاب حصون و قلاع یعتصم بها و إن کان لبعضهم حصون فعساه یحمیهم عن أمثالهم فیما یجرى بینهم من الغارات، و لیس ذلک ممّا یدفع عدوّا ذا قوّه أو یحتمل حصارا.

و قوله: و أجد بهم قرارا.
 أى مستقرّا. إذ کانت البادیه لا تقاس إلى المدن فی الخصب، و استعار لفظ الجناح لما ینهض به دعوتهم و یقوى إذا دعوا، و کنّى بذلک عن کونهم لا یأوون إلى من یجیب دعوتهم فیعتصمون به، و کذلک استعار لفظ الظلّ لما یستلزمه الالفه من التعاون و التعاضد و التناصر، و وجه المشابهه هو ما یستلزمه هذه الامور من الراحه و السلامه من حراره نار العدوّ و الحرب کما یستلزمه الظلّ من الراحه من حرّ الشمس.

و قوله: فالأحوال مضطربه.
 شرح لحالهم یومئذ و کونهم على غیر نظام، و کنّى باختلاف أیدیهم عن عدم اتّفاقهم على التناصر و بتفرّق کلمتهم عن عدم الفتهم و اجتماعهم على مصالحهم.
و إضافه بلاء إلى الأزل بمعنى من. و کذلک إضافه أطباق، و قد علمت أنّ للجهل صفات و درکات متراکم بعضها فوق بعض أولاها عدم العلم بالحقّ، و فوقها الاعتقاد بغیر الحقّ، و فوقها اعتقاد شبهه یقوى ذلک و یعضده مع تجویز نقیضه، و فوقها اعتقاد تلک الشبهه جزما. و فی نسخه الرضى- رحمه اللّه- و إطباق بکسر الهمزه على أنّه مصدر و المعنى و جهل مطبق علیهم.

و قوله: من بنات.
تفصیل للوازم ذلک الجهل، و ذکر منها أربعه أنواع: أحدها: وءد البنات، و أشار إلیه القرآن الکریم وَ إِذَا الْمَوْؤُدَهُ سُئِلَتْ‏ بِأَیِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ«» قیل کان ذلک فی بنى تمیم و قیس و أسد و هذیل و بکر بن وابل.
قالوا: و السبب فی ذلک أنّ رسول اللّه دعا علیهم فقال: اللّهمّ اشدد وطأتک على مضر و اجعلها علیهم سنین کسنى یوسف فأجدبوا سبع سنین حتّى أکلوا الوبر بالدم کانوا یسمّونه العلهز فوءدوا البنات لإملاقهم و فقرهم. و یؤیّد ذلک قوله تعالى وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَکُمْ خَشْیَهَ إِمْلاقٍ«» و قال قوم: بل کان وءدهم للبنات أنفه، و ذلک أنّ تمیما منعت النعمان الإماره سنه من السنین فوجّه إلیهم أخاه الریّان بن المنذر و جلّ من معه من بکر بن وایل فاستاق النعم و سبا الذرارى فوفدت بنو- تمیم إلى النعمان فاستعطفوه فرقّ لهم و أعاد علیهم السبى و قال: کلّ امرأه اختارت أباها ردّت إلیه و إن اختارت صاحبها ترکت علیه. فکلهنّ اخترن أباهنّ إلّا ابنه قیس بن عاصم فإنّها اختارت من سباها. فنذر قیس بن عاصم التمیمىّ أنّه لا تولد له بنت إلّا وءدها. ففعل ذلک، ثمّ اقتدى به کثیر من بنى تمیم. الثانی: عباده الأصنام، و قد کان لکلّ قبیله صنم یعبدونه فکان لهذیل سواع، و لبنى کلب ودّ، و لمذحج یغوث و کان بدومه الجندل، و لذى الکلاع نسر، و لهمدان یعوق، و لثقیف اللات و العزّى، و لقریش و بنى کنانه و الأوس و الخزرج مناه، و کان هبل على الکعبه و إساف و نایله کانا على الصفا و المروه و من نوادر جهلهم المشهوره أنّ بنى حنیفه اتّخذوا فی الجاهلیّه صنما من خبش فعبدوه دهرا طویلا ثمّ أصابتهم مجاعه فأکلوه فقال بعضهم فی ذلک:
أکلت حنیفه ربّها زمن التقحّم و المجاعه
لم یحذروا من ربّهم‏
سوء العواقب و التباعه

الثالث: قطع أرحامهم و قد کان أحدهم یقتل أباه و أخاه عند الحمیّه لأدنى سبب کما هو معلوم من حالهم. الرابع: الغارات و الحروب کیوم ذى قار و کأیّام حرب بکر و تغلب فی بنى وابل و کحرب داحس و غیر ذلک من الأیّام المشهوره. و مقاماتهم فی‏ الحروب و الغارات أکثر من أن تحصر و کلّ ذلک من لوازم الجهل.

و قوله: فانظروا إلى مواقع نعم اللّه علیهم.
 أمر باعتبار حالهم عند مقدم محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بعثته فیهم بعد تلک الأحوال الشریّه.
و الضمیر فی عقد و جمع راجعان إلى اللّه تعالى لشهاده القرآن الکریم بنسبه الالفه بینهم إلیه فی قوله لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِی الْأَرْضِ جَمِیعاً ما أَلَّفْتَ بَیْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لکِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَیْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِیزٌ حَکِیمٌ«» و معنى عقده لطاعتهم بملّته جمعها بعد الانتشار و نظمها بعد التفرّق. إذ کانت طاعاتهم فی الجاهلیّه موافقه لأهوائهم المختلفه و منتشره بحسب اختلافها، و استعار لفظ الجناح لما أسبغت علیهم رحمه اللّه من النعمه و عمّتهم به من الکرامه، و رشّح بذکر النشر، و کنّى به عن عمومهم بها. و کذلک استعار لفظ الجداول و هى الأنهار لأنواع نعیمها و سیول الخیرات الّتی جرت علیهم من الکمالات النفسانیّه و البدنیّه ملاحظه لشبه تلک الطرق و الأسباب بالجداول فی جریان الماء بها، و رشّح بذکر الإساله.

و قوله: و التقت الملّه بهم فی عوائد برکتها.
 أى اجتمعت بهم و لقیتهم فی منافعها الّتی حصلت ببرکتها. یقال: التقیت بفلان فی موضع کذا: أى لقیته. و قیل: قوله: فی موضع عواید نصب على الحال: أى الحال کونها کذلک. و لفظ الالتقاء کنایه عن ورود الدین علیهم و تلبّسهم به، و لذلک استعار لفظ الغرقى ملاحظه لشبههم بالغرقى فی شمول نعمه الدین لهم و غمر نعمه الإسلام إیّاهم حتّى کأنّهم لاستیلائها علیهم کالغرقى فاستلزم ذلک لملاحظه تشبیهها بالبحر الذاخر، و کنّى بخضره عیشها عن سعه المعاش بسبب الملّه و طیبه. و أراد بالسلطان هنا إمّا الحجّه و البرهان و الاقتداء، أو الغلبه و الدوله. و استعار لفظ الظلّ لما یستلزمه ذلک السلطان من النعمه: أى و تمکّنت بهم الامور و الأسباب الّتی أعدّتهم لنعمه اللّه فی ذلک الظلّ و کذلک قوله: و آوتهم الحال: أى ألجأتهم و ضمنتهم الحال الّتی کانوا علیها إلى عزّ غالب، و هو عزّ الإسلام و دولته ملاحظه لشبهه بأعالى الجبل المنیع فی علوّه و منعته. و کذلک استعار لفظ التعطّف لإقبال السعادات الدنیویّه و الاخرویّه علیهم بالإسلام و هى الّتی عنى بالامور. و لا حظ فی ذلک مشابهه ذلک الإقبال بتعطّف ذى الرحمه و الشفقّه على غیره.

و قوله: فهم حکّام. إلى قوله: یمضیها فیهم.
ظاهر، و کنّى بکونهم لا تغمز قناتهم عن قوّتهم و عدم انقهارهم للغیر، و کذلک لا یقرع لهم صفاه. و هما یجریان مجرى المثل. ثمّ عقّب بتوبیخهم على قلّه طاعتهم، و استعار لفظ الحبل لما نظم بینهم من طاعتهم للّه و رسوله، و کنّى بوصف نفض الأیدى عن خروجهم من الطاعه و شدّه إطراحهم لها بکثیر من أفعالهم، و کذلک استعار لفظ الحصن للإسلام و وجه المشابهه کونه حافظا لهم من أعدائهم الظاهره و الباطنه کالحصن المضروب على أهله، و رشّح بذکر المضروب، و کذلک استعار لفظ الثلم لکسرهم الإسلام بأحکامهم الجاهلیّه و مخالفتهم لکثیر من أحکامه و نفّر عن تلک المخالفه بما یستلزمه من ذلک الثلم.

و قوله: و إنّ اللّه سبحانه قد امتنّ. إلى قوله: کلّ خطر.
. ترغیب فی لزوم حبل الالفه و التمسّک به. و النعمه الّتی امتنّ اللّه تعالى بها فی عقد حبل الالفه الّتی لا یعرف أحد لها قیمه هى الالفه نفسها باعتبار ما استلزمه من المنافع العظیمه و دفع المضارّ و علّل عدم معرفه الخلق لقیمتها بکونها أرجح من کلّ ثمن و أجلّ من کلّ خطر و هى صغرى قیاس ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ ما کان کذلک لم یعرف أحد قیمته، و صدق الصغرى ظاهر. إذ کانت تلک الالفه و الاجتماع على الدین سببا عظیما فی استعدادهم لسعادتى الدنیا و الآخره.

و قوله: و علموا. إلى قوله: بین خلقه.
 توبیخ لهم بانتقالهم عن الأحوال و الأقوال الإسلامیّه إلى الأحوال الجاهلیّه: أى قد صرتم بعد کونکم مهاجرین أعرابا، و لمّا کانت الأعراب أنقص رتبه من المهاجرین و أهل المدن لجفاهم و قسوتهم و بعدهم عن الفضائل النفسانیّه و تعلّمها و عن سماع ألفاظ الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و مجالسته و اقتباس الآداب من أهل‏ الحضاره کما قال تعالى الْأَعْرابُ أَشَدُّ کُفْراً وَ نِفاقاً«» الآیه لا جرم وبّخهم لصیرورتهم کذلک. و لیس کلّ الأعراب بالصفه المذکوره لقوله تعالى وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ یُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ«» الآیه. و کونهم بعد الموالاه أحزابا فالأحزاب الفرق الّتی ینقسم لمحاربه الرسل و أوصیائهم و یجتمع لمخالفتهم و ظاهر أنّ هؤلاء کذلک لانفسامهم و تشعّبهم إلى ناکثین و مارقین و قاسطین و منافقین و محاربتهم له حتّى لیس لهم إذن جامع فی الإسلام یتعلّقون به إلّا اسم الإسلام و لا یعرفون من الایمان إلّا رسمه و أثره و شعاره الظاهر بالشهادتین و حضور الصلاه دون الشرائط الحقّه و ما ینبغی له. و قولهم: النار و لا العار کلمه یقولها أهل الکبر و الأنفه من احتمال الأذى و الضیم لأنفسهم أو لقومهم فی الاستنهاض إلى الفتنه. و النار و العار منصوبان بفعلین مضمرین تقدیرهما ادخلوا النار و لا تحتملوا العار. ثمّ شبّههم فی حالهم و قولهم ذلک بمن یقصد أن یقلّب الإسلام على وجهه، و کنّى بذلک عن إفساده کنایه بالمستعار ملاحظه لشبههه بالإناء یقلب فیخرج ما فیه عن الانتفاع به، و وجه التشبّه المذکور أنّ أفعالهم المذکوره کأفعال من یقصد ذلک من أعداء الإسلام لإراده إفساده.

و قوله: انتهاکا و نقضا.
 منصوبان على المفعول له و العامل قوله: تکفئوا، و یصلحان غایتین عقیب کلّ فعل نسبه إلیهم یفسّرهما ذکرهما هاهنا، و میثاقه ما اخذ علیهم فیه و أسلموا من جزئیّاته و هى الایمان الصادق باللّه و رسوله و ما جاء به من القوانین الشرعیّه. ثمّ وصف ذلک المیثاق بکون اللّه تعالى قد وضعه لهم حرما فی أرضه یمنعهم من کلّ عدوّ و أمنا بین خلقه لمن دخله و أراد محلّ أمن فحذف المضاف أو تجوّز بلفظ الأمن فی المأمن إطلاقا لاسم الحال على المحلّ.

و قوله: و إنّکم. إلى قوله: بینکم.
 تحذیر من الاعتماد على غیر الإسلام و اللجأ إلیه من شجاعه أو حمیّه أو کثره فی قبیله مع الخروج عن طاعه سلطان الإسلام و التفرّق فیه فإنّ ذلک یستلزم طمع الکفّار فیهم. و عدم نصره الملائکه و المهاجرین و الأنصار حینئذ لهم إمّا لأنّ النصره کانت مخصوصه بوجود الرسول و الاجتماع على طاعته و قد زالت بفقده أو لأنّها مشروطه بالاجتماع على الدین و الالفه فیه و الذبّ عنه و إذا التجئوا إلى غیره و حاربهم الکفّار لم یکن ناصر من الملائکه لعدم اجتماعهم على الدین، و لا من المهاجرین و الأنصار لفقدهم و هذا اللازم مخوف ینبغی أن یحذر منه فالملزوم و هو الالتجاء إلى غیر الإسلام یجب أن یکون کذلک. و الضمیر المضاف إلیه فی حریمه و میثاقه یعود إلى الإسلام. و قال بعض الشارحین: الضمیر فی قوله یعود إلى اللّه و الأوّل ألیق بسیاق الکلام، و النصب فی جبرئیل و میکائیل على أنّهما اسمان ملاحظا فیهما التنکیر و لذلک أتى عقیبهما بعد لا بالنکرتین، و ینصرونکم هو خبرها مفسّرا لمثله عقیب ما یکون منها.

و قوله: إلّا المقارعه بالسیف.
 استثناء منقطع، و حکم اللّه الّذی جعله غایه للمقارعه هو إفاضه لصوره النصر على أحد الفریقین و الانقهار على الآخر.

و قوله: و إنّ عندکم الأمثال. إلى قوله: و وقائعه.
 تذکیر لهم بما ضرب اللّه لهم من الأمثال بالقرون الماضیه و ما أصابهم من بأس اللّه و قوارعه و هى الدواهى العظام و أیّامه و هى کنایه عن الأیّام الّتی أوقع بهم فیها عقوباته و بأسه حین استعدّوا لذلک بمعصیته و تهدید لهم بذلک إن خالفوا أمره.

و قوله: فلا تستبطئوا. إلى قوله: بأسه.
 تهدید لهم أیضا و توعید بقرب العقوبه على المعصیه، و إطلاق لفظ الاستبطاء هنا مجاز لأنّ الاستبطاء للشی‏ء استبعاد لوقوعه مع انتظار وقوعه المستلزم لطلبه و طلب تحقیق الوعید لیس من مقاصد العقلاء حتّى ینهون عنه لکن لمّا کان الإنسان إذا همّ بالمعصیه قد یستبعد تحقیق الوعید و قربه فیکون ذلک ممّا یقوّى معه‏ داعیته و شهوته لفعلها کان لذلک الاستبعاد سببیّه بوجه ما للمعصیه، و لمّا کان ذلک الاستبطاء أطلق علیه إطلاقا لاسم الجزء على الکلّ فیکون التهدید و التوبیخ علیه أبلغ، و لأنّ الّذی یقدم على المعصیه مع علمه بما یستلزمه من الإعداد لنزول العذاب یناسب فی الحقیقه من یستبطى‏ء العقوبه و یطلب تعجیلها بفعله و کانوا بمعصیتهم کالمستبطئین للوعید فأطلق فی حقّهم لفظه الاستبطاء و نهاهم عنه. و نصب جهلا و تهاونا و بأسا على المفعول له لصلوح الثلاثه عللا غائیّه لاستبطاء الوعید بمعنى استبعاده لأنّ جهل العبد بکیفیّه أخذه تعالى له بالموت و أهواله و شدائد الآخره ممّا یستبعد معه وقوع تلک الامور فی حقّه کما هى. و کذلک تهاونه ببسطه و إملائه لعدم علمه بما فی ذلک البسط من الاستدراج ممّا یحمله على استبعاد وعیده، و بعزمه بالمعصیه و کذلک یأسه من بأسه بسبب ذلک الجهل و ذلک البسط ممّا یحمله على ذلک الاستبعاد أیضا.

و قوله: و إنّ اللّه. إلى قوله: التناهى.
 تنبیه لهم على أنّ لعنه اللّه للقرن الماضى بین أیدیهم قبل الإسلام کان لازما مساویا لترکهم الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر منحصرا فیه، و کانت لعنته لسفهائهم و ناقصى عقولهم لرکوبهم المعاصى المنکره، و أمّا للحکماء منهم و لذوى العقول فلعدم إنکارهم و تناهیهم عمّا یشاهدونه من ذلک المنکر. و ذلک اللعن فی قوله تعالى لُعِنَ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْ بَنِی إِسْرائِیلَ عَلى‏ لِسانِ داوُدَ وَ عِیسَى ابْنِ مَرْیَمَ ذلِکَ بِما عَصَوْا وَ کانُوا یَعْتَدُونَ«» و کانوا لا یتناهون عن منکر فعلوه. و نبّههم بقوله: ألا و قد قطعتم قید الإسلام. إلى قوله: أحکامه. على أنّهم من جمله من اتّصف بذلک الملزوم أعنى ترک الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر و رکوب المعاصى فلزمهم الدخول فی زمره من لعنه اللّه بذلک الترک، و غایه هذا الشبه الجذب عن رکوب المعاصى إلى الانتهاء و التناهى عنها. و استعار لفظ قید الإسلام للالفه و الاجتماع علیه و على امتثال أوامر اللّه فیه باعتبار کون ذلک حافظا للإسلام علیهم و مانعا له من التشرّد و الذهاب کما یمنع الجمل قیده من الشرود و التشتّت. و حدود اللّه: أحکامه الّتی حدّها للناس و منعهم من تجاوزها. و تعطیلهم لهم بإطراحها و تجاوزها، و کذلک إماته أحکامه عدم العمل بها و وصف الإماته مستعار لترکها و إهمالها لاعتبار أنّهم أخرجوها بذلک الإهمال عن انتفاعهم بها کما أنّ ممیت الشی‏ء یخرجه عن حدّ الانتفاع. و باللّه التوفیق.

الفصل الخامس:

فی اقتصاصه علیه السّلام لحاله فی تکلیفه و موافقته لأوامر اللّه
ببلائه الحسن فی سبیله، و شرح حاله مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و التنبیه على موضعه منه و کیفیّه تربیته له من أوّل عمره، و الإشاره إلى قوّته فی دین اللّه. و ذلک قوله:

أَلَا وَ قَدْ أَمَرَنِیَ اللَّهُ- بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْیِ وَ النَّکْثِ وَ الْفَسَادِ فِی الْأَرْضِ فَأَمَّا النَّاکِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ- وَ أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ- وَ أَمَّا الْمَارِقَهُ فَقَدْ دَوَّخْتُ- وَ أَمَّا شَیْطَانُ الرَّدْهَهِ فَقَدْ کُفِیتُهُ- بِصَعْقَهٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَهُ قَلْبِهِ وَ رَجَّهُ صَدْرِهِ- وَ بَقِیَتْ بَقِیَّهٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْیِ- وَ لَئِنْ أَذِنَ اللَّهُ فِی الْکَرَّهِ عَلَیْهِمْ- لَأُدِیلَن‏ َّ مِنْهُمْ إِلَّا مَا یَتَشَذَّرُ فِی أَطْرَافِ الْبِلَادِ تَشَذُّراً أَنَا وَضَعْتُ فِی الصِّغَرِ بِکَلَاکِلِ الْعَرَبِ- وَ کَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِیعَهَ وَ مُضَرَ- وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِی مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص- بِالْقَرَابَهِ الْقَرِیبَهِ وَ الْمَنْزِلَهِ الْخَصِیصَهِ- وَضَعَنِی فِی حَجْرِهِ وَ أَنَا وَلِیدٌ یَضُمُّنِی إِلَى صَدْرِهِ- وَ یَکْنُفُنِی فِی فِرَاشِهِ وَ یُمِسُّنِی جَسَدَهُ- وَ یُشِمُّنِی عَرْفَهُ- وَ کَانَ یَمْضَغُ الشَّیْ‏ءَ ثُمَّ یُلْقِمُنِیهِ- وَ مَا وَجَدَ لِی کَذْبَهً فِی قَوْلٍ وَ لَا خَطْلَهً فِی فِعْلٍ- وَ لَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ ص- مِنْ لَدُنْ أَنْ کَانَ فَطِیماً أَعْظَمَ مَلَکٍ مِنْ مَلَائِکَتِهِ- یَسْلُکُ بِهِ طَرِیقَ الْمَکَارِمِ- وَ مَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَیْلَهُ وَ نَهَارَهُ- وَ لَقَدْ کُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِیلِ أَثَرَ أُمِّهِ- یَرْفَعُ لِی فِی کُلِّ یَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً- وَ یَأْمُرُنِی بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ- وَ لَقَدْ کَانَ یُجَاوِرُ فِی کُلِّ سَنَهٍ بِحِرَاءَ- فَأَرَاهُ وَ لَا یَرَاهُ غَیْرِی- وَ لَمْ یَجْمَعْ بَیْتٌ وَاحِدٌ یَوْمَئِذٍ فِی الْإِسْلَامِ- غَیْرَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ خَدِیجَهَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا- أَرَى نُورَ الْوَحْیِ وَ الرِّسَالَهِ وَ أَشُمُّ رِیحَ النُّبُوَّهِ- وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّهَ الشَّیْطَانِ حِینَ نَزَلَ الْوَحْیُ عَلَیْهِ ص- فَقُلْتُ یَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّهُ- فَقَالَ هَذَا الشَّیْطَانُ قَدْ أَیِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ- إِنَّکَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَ تَرَى مَا أَرَى- إِلَّا أَنَّکَ لَسْتَ بِنَبِیٍّ وَ لَکِنَّکَ لَوَزِیرٌ- وَ إِنَّکَ لَعَلَى خَیْرٍ وَ لَقَدْ کُنْتُ مَعَهُ ص لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَیْشٍ- فَقَالُوا لَهُ یَا مُحَمَّدُ إِنَّکَ قَدِ ادَّعَیْتَ عَظِیماً- لَمْ یَدَّعِهِ آبَاؤُکَ وَ لَا أَحَدٌ مِنْ بَیْتِکَ- وَ نَحْنُ نَسْأَلُکَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَیْهِ وَ أَرَیْتَنَاهُ- عَلِمْنَا أَنَّکَ نَبِیٌّ وَ رَسُولٌ- وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّکَ سَاحِرٌ کَذَّابٌ- فَقَالَ ص وَ مَا تَسْأَلُونَ قَالُوا- تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَهَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا- وَ تَقِفَ بَیْنَ‏ یَدَیْکَ فَقَالَ ص- إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدِیرٌ- فَإِنْ فَعَلَ اللَّهُ لَکُمْ ذَلِکَ أَ تُؤْمِنُونَ وَ تَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ- قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنِّی سَأُرِیکُمْ مَا تَطْلُبُونَ- وَ إِنِّی لَأَعْلَمُ أَنَّکُمْ لَا تَفِیئُونَ إِلَى خَیْرٍ- وَ إِنَّ فِیکُمْ مَنْ یُطْرَحُ فِی الْقَلِیبِ وَ مَنْ یُحَزِّبُ الْأَحْزَابَ- ثُمَّ قَالَ ص یَا أَیَّتُهَا الشَّجَرَهُ- إِنْ کُنْتِ تُؤْمِنِینَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ- وَ تَعْلَمِینَ أَنِّی رَسُولُ اللَّهِ فَانْقَلِعِی بِعُرُوقِکِ- حَتَّى تَقِفِی بَیْنَ یَدَیَّ بِإِذْنِ اللَّهِ- وَ الَّذِی بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا- وَ جَاءَتْ وَ لَهَا دَوِیٌّ شَدِیدٌ- وَ قَصْفٌ کَقَصْفِ أَجْنِحَهِ الطَّیْرِ- حَتَّى وَقَفَتْ بَیْنَ یَدَیْ رَسُولِ اللَّهِ ص مُرَفْرِفَهً- وَ أَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص- وَ بِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْکِبِی وَ کُنْتُ عَنْ یَمِینِهِ ص- فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِکَ قَالُوا عُلُوّاً وَ اسْتِکْبَاراً- فَمُرْهَا فَلْیَأْتِکَ نِصْفُهَا وَ یَبْقَى نِصْفُهَا- فَأَمَرَهَا بِذَلِکَ فَأَقْبَلَ إِلَیْهِ نِصْفُهَا- کَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وَ أَشَدِّهِ دَوِیّاً- فَکَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ص- فَقَالُوا کُفْراً وَ عُتُوّاً فَمُرْ هَذَا النِّصْفَ- فَلْیَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ کَمَا کَانَ- فَأَمَرَهُ ص فَرَجَعَ- فَقُلْتُ أَنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنِّی أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِکَ یَا رَسُولَ اللَّهِ- وَ أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَهَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ‏ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى- تَصْدِیقاً بِنُبُوَّتِکَ وَ إِجْلَالًا لِکَلِمَتِکَ- فَقَالَ الْقَوْمُ کُلُّهُمْ بَلْ ساحِرٌ کَذَّابٌ- عَجِیبُ السِّحْرِ خَفِیفٌ فِیهِ- وَ هَلْ یُصَدِّقُکَ فِی أَمْرِکَ إِلَّا مِثْلُ هَذَا یَعْنُونَنِی- وَ إِنِّی لَمِنْ قَوْمٍ لَا تَأْخُذُهُمْ فِی اللَّهِ لَوْمَهُ لَائِمٍ- سِیمَاهُمْ سِیمَا الصِّدِّیقِینَ وَ کَلَامُهُمْ کَلَامُ الْأَبْرَارِ- عُمَّارُ اللَّیْلِ وَ مَنَارُ النَّهَارِ- مُتَمَسِّکُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ یُحْیُونَ سُنَنَ اللَّهِ وَ سُنَنَ رَسُولِهِ- لَا یَسْتَکْبِرُونَ وَ لَا یَعْلُونَ- وَ لَا یَغُلُّونَ وَ لَا یُفْسِدُونَ- قُلُوبُهُمْ فِی الْجِنَانِ وَ أَجْسَادُهُمْ فِی الْعَمَلِ

اللغه

أقول:

النکث: نقض العهد.

و القسوط: الجور.

و دوّخت القوم، غلبتهم و قهرتهم.

و الردهه: نقره فی الجبل یجتمع فیها الماء.

و الصعقه: الغشیه من صیحه و نحوها.

و الوجبه: واحده الوجیب و هو اضطراب القلب.

و الرجّه: واحده الرجّ: و هى الحرکه و الزلزله.

و الکرّه: الرجعه.

و لادیلنّهم: أى لا قهرنّهم و أکون ذا إداله منهم و غلبه علیهم.

و التشذّر: التفرّق.

و الکلکل: الصدر.

و النواجم: جمع ناجمه و هو الطالع و الخارج.

و یکنفنی فی فراشه: أى یحفظنی فیه و یحوطنی و یلفّنى.

و عرفه: رائحته.

و الخطله: السیّئه و القبیحه من قول أو فعل.

و الفطیم: المفطوم.

و حراء- بالمدّ و الکسر- : جبل بمکّه یذکّر و یؤنّث و یصرف و لا یصرف.

و الرنّه: صوت یصدر عند حصول المکاره کالحزن و نحوه.

القلیب: البئر قبل أن تطوى یذکّر و یؤنّث.

و قال أبو عبیده: هى البئر القدیمه العادیه.

و الدوىّ: صوت حفیف الریح و النحل.

و القصف: صوت جناح الطیر و إصفاقه فی الهواء.

و السیما- مقصورا و ممدودا- : العلامه و الأثر فی الشی‏ء یعرف به.

و المنار: الأعلام.

و غلّ من المغنم یغلّ بالضمّ: إذا خان فیه. قال أبو عبید: یقال منه: یغلّ- بالضمّ- و من الحقد:

یغلّ- بالکسر- و من الخیانه المطلقه: أغلّ یغلّ.

المعنى

و اعلم أنّه علیه السّلام نبّه فی هذا الفصل على أنّ قتاله لهذه الفرق کان بأمر اللّه على لسان رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و ذلک الأمر إمّا من القرآن الکریم من قوله تعالى وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏«» أو من السنّه بأمر خاصّ و هو من أوامر اللّه أیضا. و قد ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال: سیقاتل بعدى الناکثین و القاسطین و المارقین. فکان الناکثون أصحاب الجمل لنکثهم بیعته علیه السّلام، و کان القاسطون أهل الشام، و المارقون الخوارج بالنهروان و الفرق الثلاث یصدق علیهم أنّهم أهل البغى و قاسطون لخروجهم عن سواء العدل إلى طرف الظلم و الجور، و تخصیص کلّ فرقه منهم بما سمیّت به عرف شرعىّ. فأمّا وصف الخوارج بالمارقین فمستنده قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لذی الثدیه: یخرج من ضئضئ هذا قوم یمرقون من الدین کما یمرق السهم من الرمیه و قد ذکرناه قبل. و الضئضى‏ء: الأصل. و هذا الخبر من أعلام نبوّته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. و دلّ قوله علیه السّلام: و أمّا القاسطون فقد جاهدت و أمّا المارقه فقد دوّخت. على أنّ هذه الخطبه فی آخر خلافته بعد وقایع صفّین و النهروان. و أمّا شیطان الردهه فالأشبه أنّ المراد به ذو الثدیه من الخوارج لما ورد الحدیث أنّ النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذکره فقال: شیطان الردهه یحتذره رجل من بجیله. فأمّا کونه شیطانا فباعتبار کونه ضالّا مضلّا، و أمّا نسبته إلى الردهه فیشبه أن یکون لما روى أنّه حین طلبه علیه السّلام فی القتلى وجده فی حفره دالیه فیها خریر الماء فنسبه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلیها لما کان یعلم من کیفیّه حاله فی مقتله.

و روى عن یزید بن رویم قال: قال لى على علیه السّلام فی ذلک الیوم: یقتل الیوم أربعه ألف من الخوارج أحدهم ذو الثدیه فلمّا طحن القوم ورام إخراج ذى الثدیه فأتعبه أمرنى أن أقطع أربعه ألف قصبه و رکب بغله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثمّ أمرنى أن أضع على کلّ رجل منهم قصبه فلم أزل کذلک و هو راکب خلفى و الناس حوله حتّى بقیت فی یدی واحده فنظرت إلیه و قد اربدّ وجهه و هو یقول و اللّه ما کذبت و لا کذّبت‏ فإذا نحن بخریر الماء فی حفره عند موضع دالیه. فقال لى: فتّش هذا. ففتشّته فإذا قتیل قد صار فی الماء و إذا رجله فی یدی فجذبتها و قلت: هذه رجل إنسان. فنزل عن البغله مسرعا فجذب الرجل الاخرى و جرّرناه فإذا هو المخدج. فکبّر علیه السّلام ثمّ سجد و کبّر الناس بأجمعهم. و أمّا الصعقه الّتی أشار إلیها فهى ما أصاب ذا الثدیه من الغشى و الموت بضربته علیه السّلام حتّى استلزم ذلک ما حکاه من سماعه لرجّه صدره و وجیب قلبه. و قال بعضهم المراد بالصعقه هنا الصاعقه و هى صیحه العذاب و ذلک أنّه روى أنّ علیّا علیه السّلام لمّا قابل القوم صاح القوم فکان ذو الثدیه ممّن هرب من صیحته حتّى وجد قتیلا فی الحفره المذکوره. و قال بعضهم: یحتمل أن یشیر بالشیطان إلى إبلیس المتعارف کما أشرنا إلیه فی الخطبه الاولى و هو القوّه الوهمیّه فاستعار لفظ الردهه و هى النقره فی الجبل للبطن الأوسط من الدماغ الّذی هو محلّ هذه القوّه لمکان المشابهه، و قد یعبّر بالجبل عن الدماغ فی عرف المجرّدین و عن القوى فیه، و بالجنّ الشیاطین تاره و بالملائکه اخرى. و لمّا کانت الأنبیاء علیهم السّلام و الأولیاء قد یشاهدون الامور المجرّده و المعانی المقبوله کالملائکه و الجنّ و الشیاطین فی صوره محسوسه باستعانه من القوّه المحصّله کما علمت فی المقدّمات و کما سنشیر إلیه عن قرب احتمل أن یقال أنّه علیه السّلام رأى الشیطان المذکور بصوره محسوسه ذات صدر و قلب و أنّه علیه السّلام لمّا کان فی مقام العصمه و ملکه للنصر على الشیطان و قهره و إبعاده سمع من الجناب الإلهىّ صیحه العذاب أرسلت على الشیطان فسمع لها وجیب قلبه ورّجه صدره کما سمعت رنّته فیما یحکیه فی باقى الکلام. و اللّه أعلم. و أمّا البقیّه من أهل البغى فمعاویه و من بقى من جند الشام حیث وقعت الحرب بینهم و بینه بمکیده التحکیم. و حکمه علیه السّلام بأنّه إن أذن اللّه سبحانه فی الرجوع إلیهم لیغلبنّهم و لتکونّن الدایره علیهم ثقه بعموم توعّده تعالى فی قوله و من بغى علیه لینصرنّه اللّه و قوله تعالى یا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْیُکُمْ عَلى‏ أَنْفُسِکُمْ«» و قوله إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ یَنْصُرْکُمْ«» و أمثاله. و کنّى بإذن اللّه عن توفیق أسباب‏ العود إلیهم و إتمامها من الفسحه فی الأجل و غیرها. و استعمل ما هاهنا بمعنى من إطلاقا لاسم العامّ على الخاصّ أو تکون بمعنى الّذی.

و قوله: أنا وضعت فی الصغر بکلکل العرب. إلى آخره.
 تنبیه على فضیلته فی الشجاعه و النجده لغایه أن یخافه أعداؤه و تقوى به قلوب أولیائه لا على سبیل الفخر المجرّد فإن ذلک رذیله قد بنى الخطبه على النهى عنها، و استعار لفظ الکلکل للجماعه من أکابر العرب الّذین قتلهم فی صدر الإسلام و فرّق جمعهم، و وجه المشابهه کونهم محلّ قوّه العرب و مقدّمیهم کما أنّ الصدر من الحیوان کذلک. و من روى کلاکل بلفظ الجمع فهو أیضا استعاره لساداتهم و أشرافهم ممّن قاتلهم و قتلهم، و وجه الاستعاره ما ذکرناه. و یحتمل أن یکون مجازا من باب إطلاق اسم الجزء على الکلّ. و الباء فی قوله: بکلکل. زائده. و المراد بوضعهم إذلالهم و إهانتهم. یقال: وضعه فاتّضع: إذا غضّ منه و حطّ منزلته. و یحتمل أن یکون للإلصاق: أى فعلت بهم الوضع و الإهانه. و کذلک استعار لفظ القرون لأکابر ربیعه و مضر ممّن قاتلهم و قتلهم، و وجه الاستعاره کون کلّ واحد منهم لقبیلته کالقرن یظهر فیها فیصول به و یمنع من عدوّها کذى القرن من الحیوان بقرنه. و أراد بالنواجم من علا منهم و ظهر أمره، و رشّح بذکر الکسر، و کنّى به عن قتلهم. و قتله للأکابر من مضر معلوم فی بدو الإسلام فأمّا القرون من ربیعه فإشاره إلى من قتله منهم فی وقایع الجمل و صفّین بنفسه و جیشه کما یقف على أسمائهم من یقف على تلک الوقایع.

و قوله: و قد علمتم موضعى. إلى آخره.
شرح لتربیه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من أوّل عمره و إعداده بتلک التربیه للکمالات النفسانیّه من العلوم و الأخلاق الفاضله.
و عدّ أحواله الّتی هى وجوه ذلک الاستعداد و أسبابه:

أحدها: القرابه.
و أشار بها إلى نسبته القریب منه و کان علیه السّلام ابن عمّه دنیا و أبواهما أخوان لأب و امّ دون غیرهما من بنى عبد المطلب إلّا الزبیر.

الثانیه: منزلته الخصیصه به
و أشار بها إلى ما شرحه من فعله به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو وضعه له فی حجره ولیدا و سایر ما ذکره. و مبدء ذلک ما روى عن مجاهد قال: کان من نعمه اللّه على علىّ علیه السّلام ما صنعه اللّه له و أراد به من الخیر أنّ قریشا أصابتهم أزمّه شدیده و کان أبو طالب ذا عیال کثیره فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعمّه العبّاس و کان أیسر بنى هاشم: یا عبّاس إنّ أخاک أبا طالب کثیر العیال و قد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمّه فانطلق بنا لنخفّف عنه من عیاله فآخذ واحدا من بنیه و تأخذ واحدا فنکفیهم عنه فانطلقا إلیه و قالا له. فقال: إن ترکتمالى عقیلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیّا علیه السّلام و أخذ العبّاس جعفرا فکفّلاهما. و قد کان أبو طالب کفّل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم دون غیره من أعمامه و ربّاه فی حجره ثمّ حماه من المشرکین فی مبدء أمره و نصره عند ظهور دعوته و ذلک ممّا یؤکّد اختصاص منزله علىّ علیه السّلام عنده. و من منزلته الخصیصه به ما کان بینهما من المصاهره الّتی أفضت إلى النسل الأطهر دون غیره من الأصهار، و فی معنى قوله: فکان یمضغ الشی‏ء ثمّ یلقمنیه ما رواه الحسن بن زید بن علىّ بن الحسین علیهم السّلام قال: سمعت زیدا أبى یقول: کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یمضغ اللحمه أو التمره حتّى تلین و یجعلها فی فم علىّ علیه السّلام و هو صغیر فی حجره.

الثالثه: أنّه لم یجد له کذبه فی قول و لا خطله فی فعل، و ذلک لما استعدّ به من تربیته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سایر متمّمات الریاضه و أعراضها لاستیلاء قوّته العاقله على قوّتى الشهویّه و الغضبیّه و قهر نفسه الأمّاره الّتی هى مبدء خطأ الأقوال و خطل الأفعال حتّى حصلت له عن ذلک ملکه فی ترک الرذائل و اجتناب المئاثم و المعاصى فصار له ذلک خلقا و طبعا. و إذا حقّق معنى العصمه فی حقّه علیه السّلام و فی حقّ من ادّعیت له العصمه من أولاده یعود إلى هذه الملکه. فلیس لاستکبارها [لاستنکارها خ‏] فی حقّهم علیه السّلام معنى، و أشار بالملک الّذی قرنه به إلى جبرئیل و هو العقل الفعّال فی عرف قوم. و اقترانه به إشاره إلى تولّیه بتربیه نفسه القدسیّه بإفاضه العلوم و مکارم الأخلاق و سائر الطرق المؤدّیه إلى اللّه سبحانه من حین صغره صلّى اللّه علیه و آله و سلّم‏ بحسب حسن استعداد مزاجه و قوّه عقله الطفولىّ. ثمّ أشار فی ذکر معرض أحواله معه إلى تربیه الملک له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیعلم أنّه حصل بتبعیّته له على تلک المکارم، و ممّا روى فی حاله مع الملک و عصمته به ما روى الباقر محمّد بن علىّ علیهما السّلام أنّه قال: وکّل اللّه بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ملکا عظیما منذ فصل عن الرضاع یرشده إلى الخیرات و مکارم الأخلاق و یصدّه عن الشرّ و مساوى الأخلاق و هو الّذی کان ینادیه السلام علیک یا محمّد یا رسول اللّه و هو شابّ لم یبلغ درجه الرساله بعد فیظنّ أنّ ذلک من الحجر و الأرض فیتأمّل فلا یرى شیئا. و روى أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال: أذکر و أنا ابن سبع سنین و قد بنى ابن جدعان دارا بمکّه فجئت مع الغلمان نأخذ التراب و المدر فی حجورنا فننقله فملأت حجرى ترابا فانکشفت عورتى فسمعت نداء من فوق رأسى یا محمّد أرخ إزارک فجعلت أرفع رأسى فلا أرى شیئا إلّا أنّنى أسمع الصوت فتماسکت و لم ارخه فکأنّ إنسانا ضربنى على ظهرى فخررت لوجهى فانحلّ إزارى فسترنى و سقط التراب إلى الأرض فقمت إلى دار عمّى أبی طالب و لم أعد.

الرابعه: أشار إلى اتّباعه له و ملازمته إیّاه
بقوله: و لقد کنت أتبعه اتّباع الفصیل أثر امّه. و وجه الشبه فی اتّباعه کونه لا ینفکّ عنه کالفصیل لامّه.

الخامسه: أشار إلى ثمره ذلک الاتّباع
بقوله: یرفع لى فی کلّ یوم علما من أخلاقه و یأمرنى بالاقتداء به. و استعار لفظ العلم لکلّ من أخلاقه باعتبار کونه هادیا إلى سبیل اللّه کما یهدى العلم.

السادسه: أنّه کان یجاور معه فی کل سنه بحراء فیراه دون غیره،
و روى فی الصحاح: أنّه کان صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یجاور بحراء فی کلّ سنه شهرا و کان یطعم فی ذلک الشهر من جاءه من المساکین فإذا قضى جواره انصرف إلى مکّه و طاف بها سبعا قبل أن یدخل بیته حتّى جاءت السنه الّتی أکرمه اللّه فیها بالرساله فجاء فی حراء فی شهر رمضان و معه أهله خدیجه و علىّ و خادم. و روى الطبرىّ و غیره: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قبل مبعثه کان إذا حضرت الصلاه یخرج إلى شعاب مکّه و یخرج معه علىّ مستخفین عن أبی طالب و من سائر أعمامه و قومه یصلّیان الصلاه فإذا أمسیا رجعا. فمکثا کذلک ما شاء اللّه. ثمّ إنّ أبا طالب عثر علیهما یوما و هما یصلّیان. فقال لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یابن أخى ما هذا الّذی أراک تدین به فقال: یا عمّ هذا دین اللّه و دین ملائکته و رسله و دین أبینا إبراهیم بعثنى اللّه رسولا إلى العباد و أنت یا عمّ أحقّ من بذلت له النصیحه و دعوته إلى الهدى و أحقّ من أجابنى إلیه و أعاننى علیه. فقال أبو طالب: یابن أخى إنّى لا أستطیع أن افارق دینى و دین آبائى و ما کانوا علیه و لکن و اللّه لا یخلص إلیک شی‏ء تکرهه ما بقیت. و روى أنّه قال لعلىّ: یا بنىّ ما هذا الّذی تدین به فقال یا أبه: إنّى آمنت باللّه و رسوله و صدّقته فیما جاء به و صلّیت للّه معه. قال: فقال له: أما إنّه لا یدعو إلّا إلى خیر فالزمه.

السابعه: أشار إلى کونه أوّل من أسلم من الذکور
بقوله: لم یجمع بیت واحد. إلى قوله: و أنا ثالثهما. و قد مضى منه علیه السّلام مثل ذلک حیث قال: أکذب على اللّه و أنا أوّل من آمن به و قوله: فلا تتبّروا منّى فإنّى ولدت على الفطره و سبقت إلى الإسلام و الهجره. و روی الطبرى فی تاریخه عن عباد بن عبد اللّه قال: سمعت علیّا علیه السّلام یقول: أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه و أنا الصدّیق الأکبر لا یقولها بعدى إلّا کاذب مفتر صلّیت قبل الناس لسبع سنین، و فی روایه اخرى: أنا الصدّیق و الفاروق الأوّل أسلمت قبل إسلام أبی بکر و صلّیت قبل صلاته لسبع سنین، و روى ذلک أیضا من وجوه: أحدها: عن ابن مسعود قال: قدمت إلى مکّه فانتهیت إلى العبّاس بن عبد- المطّلب و هو یومئذ عطّار جالس إلى زمزم و نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا علیه ثوبان أبیضان، علیه، وفره جعده إلى أنصاف اذنیه، أشم أقنى، أدعج العینین، کثّ اللحیه، أبلج برّاق الثنایا، أبیض تعلوه حمره، و على یمینه غلام مراهق أو محتلم حسن الوجه، تقفوهم امرأه قد سترت محاسنها. فقصدوا نحو الحجر فاستلمه الرجل ثمّ الغلام ثمّ طافوا بالبیت ثمّ استقبلوا الحجر و قام الغلام إلى جانب الرجل و المرأه خلفهما فأتوا بأرکان الصلاه مستوفاه فلمّا رأینا ما لا نعرفه بمکّه قلنا للعبّاس: إنّا لا نعرف هذا الدین فیکم. فقال: أجل و اللّه. فسألناه عن هؤلاء فعرّفنا إیّاهم ثمّ‏ قال: و اللّه ما على وجه الأرض أحد یدین بهذا الدین إلّا هؤلاء الثلاثه. و روى مثله عن عفیف بن قیس. الثانی: روى عن معقل بن یسار قال: کنت عند النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال لی: هل لک أن تعود فاطمه فقلت: نعم یا رسول اللّه فقمنا فدخلنا علیها فقال لها صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: کیف تجدینک قالت: و اللّه لقد طال سقمى و اشتدّ حزنى و قال لى النساء: زوّجک أبوک فقیرا لا مال له فقال لها: أما ترضین أنّى زوّجتک أقدم امّتى سلما و أکثرهم علما و أفضلهم حلما قالت: بلى رضیت یا رسول اللّه.
و روى هذا الخبر عن أبی أیّوب الأنصارىّ، و عن الصادق جعفر بن محمّد علیهما السّلام، و السدى، و ابن عبّاس، و جابر بن عبد اللّه الأنصارىّ، و أسماء بنت عمیس، و امّ أیمن. الثالث: روى عن أبی رافع قال: أتیت أباذرّ بالربذه اودّعه. فقال لى: ستکون فتنه فاتّقوا اللّه و علیکم بالشیخ علىّ بن أبی طالب فاتّبعوه فإنّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول له: أنت أوّل من آمن بى و أوّل من یصافحنی یوم القیامه و أنت الصدّیق الاکبر و أنت الفاروق الّذی یفرّق بین الحق و الباطل و أنت یعسوب المؤمنین. الرابع: عن أبی أیّوب الأنصارىّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال: لقد صلّت الملائکه علىّ و على علىّ سبع سنینّ و ذلک أنّه لم یصلّ معى رجل فیها غیره. و اعلم أنّه ربّما اعترض بعض الجهّال فقال: إنّ إسلامه علیه السّلام لم یکن معتبرا لکونه کان دون البلوغ. فجوابه من وجوه: أحدها: لا نسلّم أنّه کان دون البلوغ. و مستند هذا المنع وجوه: أحدها: روایه شدّاد بن أوس قال سألت خباب بن الأرتّ عن سنّ علىّ یوم أسلم. و قال أسلم و هو ابن خمس عشره سنه و هو یومئذ بالغ مستحکم البلوغ. الثانی: ما رواه أبو قتاده عن الحسن أنّ أوّل من أسلم علیّ بن أبی طالب و هو ابن خمس عشره سنه. الثالث: عن حذیفه بن الیمانىّ قال کنّا نعبد الحجاره و نشرب الخمر و علىّ من أبناء أربع عشره سنه یصلّى مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیلا و نهارا و قریش یومئذ تسافهه ما یذبّ عنه إلّا علىّ. الثانی: أنّ المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ المسلم و الکافر إنّما هو البالغ دون الصبىّ و المبادره إلى الّذهن دلیل الحقیقه فالواجب إذن أن یرجع إلى إطلاق قولهم أسلم علىّ. فإنّ ذلک یشهد بکونه بالغا عاقلا لما یفعله خصوصا فی البلاد الحارّه مثل مکّه فإنّ- العاده فی المزاج الصحیح فیها أن یبلغ صاحبه فیما دون خمس عشره سنه و ربّما احتلم و هو ابن اثنى عشره سنه. الثالث: و هو الحاسم لمادّه الإشکال أنّه علیه السّلام إمّا أن یکون أسلم و هو بالغ أو لم یکن فإن کان الأوّل فقد حصل الغرض و إن لم یکن فلا معنى للکفر فی حقّه إذ کان علیه السّلام مولودا على الفطره فمعنى الإسلام فی حقّه إذن دخوله فی طاعه اللّه و رسوله و الاستسلام لأوامرهما فله إذن الإسلام الفطرىّ و الإیمان الخالص الوارد على نفس قدسیّه لم تتدّنس بأدناس الجاهلیّه و عباده الأصنام و الاعتقادات الباطله المضادّه للحقّ الّتی صارت ملکات فی نفس من أسلم بعد علوّ السنّ. فکان ایمانه باللّه و رسوله واردا على نفس صاف لوحها عن کدر الباطل فهی المنتقشه بالحقّ متمثّله به. و کانت غایه إسلام غیره أن یمحو على طول الریاضه من نفوسهم الآثار الباطله و ملکات السوء فأین أحدهما من الآخر

الثامنه: کونه علیه السّلام یرى نور الوحى بالرساله و یشمّ ریح النبوّه، و سماعه لرنّه الشیطان.
و هذه أعلى مراتب الأولیاء، و استعار لفظ النور لما یشاهده بعین بصیرته الباقیه من أسرار الوحى و الرساله و علوم التنزیل و دقایق التأویل و إشراقها على لوح نفسه القدسیّه، و وجه الاستعاره کون هذه العلوم و الأسرار هادیه فی سبیل اللّه إلیه من ظلمات الجهل کما یهدى النور من الطرق المحسوسه، و رشّح تلک الاستعاره بذکر الرؤیه لأنّ النور حظّ البصر، و کذلک استعار لفظ الریح لما أدرکه من مقام النبوّه و أسرارها، و رشّح بذکر الشمّ لأنّ الریح حظّ القوّه الشامّه، و أمّا سماعه لرنّه الشیطان فقد علمت کیفیّه سماع الإنسان لصوت الملک‏ و الشیطان و کیفیّه رؤیته لصورته و أنّ ذلک باستعانه من النفس بالقوّه المتخیّله فی اقتناص المعانی المعقوله و حطّها إلى لوح الخیال مشاهده للحسّ المشترک مسموعه.

و قد استلزمت هذه الإشاره أنّه علیه السّلام استعدّ لسماع صوت الشیطان فی حزنه حین أیس من اتّباع الخلق له و انقیادهم لأمره و هو معنى عبادته إذ أصل العباده الخضوع.
و کیفیّه ذلک أنّ نفسه القدسیّه أخذت معنى الشیطان مقرونا بمعنى الیأس و الحزن، و کسته المتخیّله صوره حزین صارخ، و حطّته إلى لوح الخیال فصار مسموع الرنّه له. و یؤیّد ذلک قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین سأله عن ذلک: إنّک تسمع ما أسمع و ترى ما أرى إلّا أنّک لست بنبىّ. فإنّه شهد له فی ذلک بالوصول إلى مقام سماع الوحى و کلام الملک و صوت الشیطان و سائر ما یراه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و یسمعه ممّا قویت علیه نفسه القدسیّه إلّا کونه نبیّا فإنّ مقام النبوّه لا یتحقّق للإنسان إلّا بالشرط الّذی أشرنا إلیه فی المقدّمات و فرّقنا بین النبىّ و غیره من سائر النفوس الکامله، و هو کون الإنسان مخاطبا من السماء بإصلاح أمر أبناء نوعه فی معاشهم و معادهم و ذلک مقام أعلى و أکمل من کلّ مقام یبلغه إنسان بقوّته، و روى عن الصادق علیه السّلام أنّه قال: کان علىّ علیه السّلام یرى مع النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قبل الرساله الضوء و یسمع الصوت، و قال له الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: لولا أنّى خاتم الأنبیاء لکنت شریکا فی النبوّه فإن لا تکن نبیّا فأنت وصىّ نبىّ و وارثه بل أنت سیّد الأوصیاء و إمام الأتقیاء. ثمّ لمّا نفى عنه مقام النبوّه جبره [أخبره ح‏] به مقام الوزاره إشاره إلى أنّه الصالح لتدبیر أحوال الخلق فی معاشهم و معادهم من ورائه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بعده المعین له على ذلک.

ثمّ شهد له بأنّه على خیر. و أشار به إلى ما هو علیه من الطریقه المحموده و استقامه السیره فی خدمته و تربیته. و ذلک خیر کثیر. و فی مسند أحمد بن حنبل عن علىّ قال: کنت مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلّم اللیله الّتی اسری به فیها و هو بالحجر یصلّى فلمّا قضى صلاته و قضیت صلاتى سمعت رنّه شدیده فقلت: یا رسول اللّه ما هذه الرنّه و قال ألا تعلم هذه رنّه الشیطان علم أنّى اسرى الیله إلى السماء فأیس من أن یعبد فی هذه الأرض. و أمّا حدیث الوزاره فروى أنّه لمّا نزل قوله وَ أَنْذِرْ عَشِیرَتَکَ‏ الْأَقْرَبِینَ«» دعانى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أمرنى أن أصنع صاعا من طعام و أجعل علیه رجل شاه و أملأ له عسّا من لبن ففعلت ما أمرنى به. ثمّ أمرنى بجمع بنى عبد المطّلب فجمعتهم یومئذ و هم أربعون رجلا فیهم أعمامه أبو طالب و حمزه و العبّاس و أبو لهب فلمّا اجتمعوا دعا بالطعام الّذی صنعه فوضعه ثمّ تناول مضغه من لحم فشقّها بأسنانه ثمّ ألقاها فى نواحى الصحفه و قال: کلوا باسم اللّه فأکلوا حتّى ما بهم إلى شی‏ء من حاجه. و الّذی نفس محمّد بیده کان الرجل الواحد منهم لیأکل ما قدّمته لجمیعهم. ثمّ قال اسق القوم یا علىّ. فجئتهم بذلک العسّ فشربوا منه حتّى رووا جمیعا، و أیم اللّه کان الرجل الواحد لیشرب منه مثله. ثمّ قال لهم: یا بنى عبد المطّلب إنّی و اللّه ما أعلم شابّا فی العرب جاء قومه بأفضل ما جئتکم به إنّی قد جئتکم بخیر الدنیا و الآخره و قد أمرنى اللّه أن أدعوکم إلیه فأیّکم یوازرنی على هذا الأمر على أن یکون أخى و وصیّى و خلیفتى فیکم فأحجم القوم عنها جمیعا فقلت و إنّى لأحدثهم سنّا و أرمصهم عینا و أعظمهم بطنا و أحمشهم ساقا: أنا یا رسول اللّه أکون وزیرک علیه فأعاد القول. فأمسکوا. و أعدت ما قلت. فأخذ برقبتى ثمّ قال لهم: هذا أخى و وصیّى و خلیفتى فیکم فاسمعوا له و أطیعوا. فقام القوم یضحکون یقولون لأبی طالب: قد أمرک أن تسمع لابنک و تطیع.

التاسعه: کونه معه حین أتاه الملأ من قریش و سألوه ما سألوا من دعوه الشجره و تصدیقه علیه السّلام له فی ذلک و ایمانه به. و قد علمت فیما سلف أنّ نفوس الأنبیاء علیهم السّلام لها تصرّف فی هیولى عالم الکون و الفساد فیستعدّ عن نفوسهم لقبول الامور الخارقه للعادات الخارجه عن وسع غیرهم من أبناء نوعهم. و صوره الحال فی سؤالهم و کیفیّه دعوته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم للشجره و إجابتهم و تکذیبهم بذلک و تصدیقه علیه السّلام له مستوفی فی کلامه، و ذلک من قوله: و لقد کنت. إلى قوله: یعنونی. فأمّا حکمه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بأنّهم لا یفیئون إلى خیر و أنّ منهم من یطرح فی القلیب و منهم من یحزّب الأحزاب فمن غیب اللّه الّذی اطّلعه علیه و ارتضاه له فعلمه بحسب قوّته الحدسیّه القدسیّه. و القلیب هو قلیب بدر، و من طرح فیه کعتبه و شیبه ابنى ربیعه و امیّه بن عبد شمس و أبی جهل و الولید بن المغیره و غیرهم طرحوا فیه بعد انقضاء الحرب و کان ذلک الخبر من أعلام نبوّته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من یحزّب الأحزاب هو أبو سفیان و عمرو بن عبدودّ و صفوان بن امیّه و عکرمه بن أبی جهل و سهل بن عمرو و غیرهم.

و أمّا حدیث الشجره فمشهور مستفاض رواه المحدّثون فی کتبهم، و ذکره المتکلّمون فی معجزاته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و منهم من روى ذلک مختصرا أنّه دعا شجره فأقبلت تخدّ الأرض خدّا. و نقله البیهقیّ فی کتاب دلایل النبوّه، و أمّا نداؤه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم للشجره.

و قوله لها: إن کنت تؤمنین باللّه. إلى قوله: بإذن اللّه. فقد علمت أنّ الخطاب مخصوص فی عرف العقلاء لمن یعقل لکنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لمّا وجّه نفسه القدسیّه من إعداد الشجره لما یروم منها و علم أنّه واجبه الاستعداد بذلک لقبول أمر اللّه بما أراد منها خاطبها خطاب من یعقل استعاره ملاحظه لشبهها بمن یعقل فی إجابه ندائه و إتیانه، و فایده ذلک الخطاب أن یکون وجود ما رام منها عقیب خطابه أغرب و فی نفوس الحاضرین أبلغ و أعجب فإذا کان وقوع تلک الحال بها غریبا کان کونها على تلک الحال وفق خطابه و دعائه لها أغرب لزیاده ایهام کونها سمعت ذلک النداء و عقلت ذلک الخطاب مع أنّها لیس من شأنها ذلک، و أعجب فی نفوس السامعین. و لذلک خرج هذا عن کونه سفها و عبثا.
و قال الإمام الوبرىّ- رحمه اللّه- : و نحو ذلک قوله تعالى وَ قِیلَ یا أَرْضُ ابْلَعِی ماءَکِ وَ یا سَماءُ أَقْلِعِی«».
و اعلم أنّ ذلک على رأى الأشعریّه أمر ظاهر لأنّ البنیه المخصوصه لیست شرطا فی حصول الحیاه و ما یکون مشروطا بها من السمع و الفهم فلذلک جاز أن یکون اللّه تعالى خلق فی الشجره علما و سمعا قبلت بها خطابه علیه السّلام.
و قال الإمام الوبرىّ: الخطاب فی الأصل للّه تعالى فکأنّه قال: اللّهم إن کانت هذه الشجره من آثارک الشاهده بوجودک و أنت مرسل لى فاجعل ما سألت‏ منها شاهدا على صدق دعواى. و لمّا کانت الشجره محلّ ما سأل من اللّه خاطبها لذلک. فعلى هذا یکون مجازا من باب إقامه المسبّب مقام السبب. قال: و یحتمل أن یکون الخطاب فی الأصل للملائکه الموکّلین بالشجر.

قوله: و إنّى لمن قوم. إلى قوله: لائم.
 کنایه عن بلوغه فی طاعه اللّه الغایه المطلوبه منه فإنّه علیه السّلام لم یقف دون غایه منها حتّى یلام على النقص فیها.

و قوله: سیماهم سیما الصدّیقین. إلى آخر الصفات.
 فالقوم هم المتّقون الّذین سأله همّام عن صفتهم. و الصفات المذکوره بعض صفاتهم و قد سبقت مستوفاه فی خطبه مفرده. و ذکر هاهنا عشرا: إحداها: أنّ علاماتهم علامات الصدّیقین و هم الملازمون للصدق فی أقوالهم و أفعالهم طاعه للّه تعالى و قد عرفت علاماتهم فی خطبه همّام. الثانیه: و کذلک کلامهم کلام الأبرار من الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر و الذکر الدائم لمعبودهم الحقّ. الثالثه: کونهم عمّار اللیل. و کنّى بعمارتهم له عن قیامهم فیه بالعباده. روى أنّ أحدهم کان إذا کسل عن العمل علّق نفسه بحبل حتّى یصبح عقوبه لها. الرابعه: استعار لفظ المنار لهم بالنهار باعتبار کونهم یهدون الخلق إلى طریق اللّه کالمنار إلى الطریق المحسوس، و کذلک لفظ الحبل للقرآن باعتبار کونه سببا لمتعلّمیه و متدبّریه إلى التروّى من ماء الحیاه الباقیه کالعلوم و الأخلاق الفاضله کالحبل الّذی هو سبب الارتواء و الاستقاء من الماء، أو باعتبار کونه عصمه لمن تمسّک به صاعدا من درکات الجهل إلى أقصى درجات العقل کالحبل یصعد فیه من السفل إلى العلوّ. و لفظ القرآن مجرور بعطف البیان. الخامسه: و کذلک استعار وصف إحیاء السنن لهم باعتبار إقامتها و إبقاء العمل بها. السادسه: عدم الاستکبار و العلوّ منهم. و لمّا کان الاستکبار فی الإنسان‏ رذیله کان عدمه عنه فضیله. السابعه: عدم الغلول. و هو فضیله، لکون الغلول مستلزما لرذائل کالشره و الخیانه و الحرص و الدنائه و غیرها و کان عدمه کمالا. الثامنه: کونهم لا یفسدون. و لمّا کان کلّ فساد مستلزم رذیله أو رذائل کالزنا المستلزم لرذیله الفجور و کالقتل المستلزم لرذیله الظلم و کذلک سائرها کان عدمه کمالا. التاسعه: کون قلوبهم فی الجنان. و ذلک أنّک علمت أنّ أعلى غرفات الجنان و درجاتها هو المعارف الإلهیّه و القعود فی مقاعد الصدق عند الملیک المقتدر و ذلک من مقامات العارفین و أولیاء اللّه الصدّیقین. العاشره: کون أجسادهم فی العمل. فالواو فی قوله: و أجسادهم. یحتمل أن یکون للحال أى أنّ قلوبهم فی الجنان ما یکون أجسادهم مستغرقه الحرکات و السکنات فی الأعمال الصالحات أُولئِکَ الَّذِینَ صَدَقُوا وَ أُولئِکَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۲۳۳

 

بازدیدها: ۱۴

خطبه ۲۳۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَاشِی فِی الْخَلْقِ حَمْدُهُ- وَ الْغَالِبِ جُنْدُهُ وَ الْمُتَعَالِی جَدُّهُ- أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التُّؤَامِ وَ آلَائِهِ الْعِظَامِ- الَّذِی عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا وَ عَدَلَ فِی کُلِّ مَا قَضَى- وَ عَلِمَ مَا یَمْضِی وَ مَا مَضَى- مُبْتَدِعِ الْخَلَائِقِ بِعِلْمِهِ وَ مُنْشِئِهِمْ بِحُکْمِهِ- بِلَا اقْتِدَاءٍ وَ لَا تَعْلِیمٍ- وَ لَا احْتِذَاءٍ لِمِثَالِ صَانِعٍ حَکِیمٍ- وَ لَا إِصَابَهِ خَطَإٍ وَ لَا حَضْرَهِ مَلَإٍ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- ابْتَعَثَهُ وَ النَّاسُ یَضْرِبُونَ فِی غَمْرَهٍ- وَ یَمُوجُونَ فِی حَیْرَهٍ قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّهُ الْحَیْنِ- وَ اسْتَغْلَقَتْ عَلَى‏ أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّیْنِ أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ عَلَیْکُمْ- وَ الْمُوجِبَهُ عَلَى اللَّهِ حَقَّکُمْ وَ أَنْ تَسْتَعِینُوا عَلَیْهَا بِاللَّهِ- وَ تَسْتَعِینُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ- فَإِنَّ التَّقْوَى فِی الْیَوْمِ الْحِرْزُ وَ الْجُنَّهُ- وَ فِی غَدٍ الطَّرِیقُ إِلَى الْجَنَّهِ- مَسْلَکُهَا وَاضِحٌ وَ سَالِکُهَا رَابِحٌ وَ مُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ- لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَهً نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِینَ وَ الْغَابِرِینَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَیْهَا غَداً- إِذَا أَعَادَ اللَّهُ مَا أَبْدَى- وَ أَخَذَ مَا أَعْطَى وَ سَأَلَ عَمَّا أَسْدَى- فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا وَ حَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا- أُولَئِکَ الْأَقَلُّونَ عَدَداً- وَ هُمْ أَهْلُ صِفَهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ یَقُولُ- وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ- فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِکُمْ إِلَیْهَا وَ أَلِظُّوا بِجِدِّکُمْ عَلَیْهَا- وَ اعْتَاضُوهَا مِنْ کُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً- وَ مِنْ کُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً- أَیْقِظُوا بِهَا نَوْمَکُمْ وَ اقْطَعُوا بِهَا یَوْمَکُمْ- وَ أَشْعِرُوهَا قُلُوبَکُمْ وَ ارْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَکُمْ- وَ دَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ وَ بَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ- وَ اعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا وَ لَا یَعْتَبِرَنَّ بِکُمْ مَنْ أَطَاعَهَا- أَلَا وَ صُونُوهَا وَ تَصَوَّنُوا بِهَا- وَ کُونُوا عَنِ الدُّنْیَا نُزَّاهاً- وَ إِلَى الْآخِرَهِ وُلَّاهاً- وَ لَا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى- وَ لَا تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْیَا- وَ لَا تَشِیمُوا بَارِقَهَا وَ لَا تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا- وَ لَا تُجِیبُوا نَاعِقَهَا وَ لَا تَسْتَضِیئُوا بِإِشْرَاقِهَا- وَ لَا تُفْتَنُوابِأَعْلَاقِهَا- فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ وَ نُطْقَهَا کَاذِبٌ- وَ أَمْوَالَهَا مَحْرُوبَهٌ وَ أَعْلَاقَهَا مَسْلُوبَهٌ- أَلَا وَ هِیَ الْمُتَصَدِّیَهُ الْعَنُونُ وَ الْجَامِحَهُ الْحَرُونُ- وَ الْمَائِنَهُ الْخَئُونُ وَ الْجَحُودُ الْکَنُودُ- وَ الْعَنُودُ الصَّدُودُ وَ الْحَیُودُ الْمَیُودُ- حَالُهَا انْتِقَالٌ وَ وَطْأَتُهَا زِلْزَالٌ- وَ عِزُّهَا ذُلٌّ وَ جِدُّهَا هَزْلٌ وَ عُلْوُهَا سُفْلٌ- دَارُ حَرْبٍ وَ سَلَبٍ وَ نَهْبٍ وَ عَطَبٍ- أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَ سِیَاقٍ وَ لَحَاقٍ وَ فِرَاقٍ- قَدْ تَحَیَّرَتْ مَذَاهِبُهَا وَ أَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا- وَ خَابَتْ مَطَالِبُهَا فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ- وَ لَفَظَتْهُمُ الْمَنَازِلُ وَ أَعْیَتْهُمُ الْمَحَاوِلُ- فَمِنْ نَاجٍ مَعْقُورٍ وَ لَحْمٍ مَجْزُورٍ- وَ شِلْوٍ مَذْبُوحٍ وَ دَمٍ مَسْفُوحٍ- وَ عَاضٍّ عَلَى یَدَیْهِ وَ صَافِقٍ بِکَفَّیْهِ- وَ مُرْتَفِقٍ بِخَدَّیْهِ وَ زَارٍ عَلَى رَأْیِهِ- وَ رَاجِعٍ عَنْ عَزْمِهِ- وَ قَدْ أَدْبَرَتِ الْحِیلَهُ وَ أَقْبَلَتِ الْغِیلَهُ- وَ لَاتَ حِینَ مَنَاصٍ هَیْهَاتَ هَیْهَاتَ- قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ وَ ذَهَبَ مَا ذَهَبَ- وَ مَضَتِ الدُّنْیَا لِحَالِ بَالِهَا- فَما بَکَتْ عَلَیْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما کانُوا مُنْظَرِینَ

اللغه
أقول:

الفاشى: الذایع و المنتشر.

و الجدّ هاهنا: العظمه، و منه حدیث أنس: کان أحدنا إذا قرء البقره و آل عمران جدّ فینا: أى عظم.

و التؤام: جمع توأم، و حقیقته الولد یقارنه ولد آخر فی بطن واحد. قال الخلیل: أصله ووءم على وزن فوعل فابدلوا من إحدى الواوین تاء کما قالوا: تولج من و ولج.

و الآلاء: النعم‏

واحدتها ألى بالفتح، و قد یکسر کحرف الجرّ.

و الضرب: السیر.

و الغمره: ما یغمر العقل من الجهل، و الغمره: الشدّه أیضا.

و الحین بالفتح: الهلاک.

و الرین: الطبع و غلبه الذنوب حتّى تتغطّى عن البصیره.

و الغابر: الباقى و للماضى أیضا.

و أسدى: أرسل معروفه.

و أهطع: أسرع.

و واکظ على کذا: واظب علیه و داوم.

و المواکظه: المداومه.

و روى: کظّوا: أى ألزموا، و لزوم الشی‏ء فی معنى المداومه علیه.

و الشعار: مایلى الجسد تحت الدثار، و هو العلامه أیضا.

و الرحض: الغسل.

و النزّاه: جمع نازه و هو المباعد عمّا یوجب الذمّ.

و الولّاه: جمع واله و هو المتحیّر من شدّه الوجد.

و الشیم: النظر إلى البرق أین تمطر سحائبه.

و الناعق: الصائح.

و أعلاقها: نفایسها، جمع علق و هو الشی‏ء النفیس، و برق خالب و خلب: لا مطر معه.

و مال محروب: مأخوذ بکلّیّته.

و المتصدّیه: المتعرّضه.

و العنون: کثیره العنن و هو الاعتراض.

و العنون أیضا: الدابّه المتقدّمه فی السیر.

و الجموح: الدابه الّتی تغلب الفارس فلا یملکها.

و الحرون: الّذی إذا اشتدّ به السوق وقف و المائنه: الکاذبه.

و الکنود: الکفور للنعمه و العنود: المائله عن الطریق و عن المرعى.

و الصدود: المعرضه.

و الحیود: أیضا المائله.

و المیود: المتمایله.

و الحرب بفتح الحاء: سلب المال.

و السلب: ما یسلب من درع و نحوه فی الحرب.

و العطب: الهلاک.

و الساق: الشدّه.

و السیاق: نزع الروح، و السیاق مصدر ساقه سوقا و سیاقا.

و المعاقل: الحصون و ما یلجأ إلیه.

و لفظتهم: ألقتهم و المحاول: جمع محاوله و هى الحیله و معقور: مجروح.

و المجزور: المقطوع.

و الشلو: العضو من اللحم بعد الذبح، و أشلاء الإنسان: أعضاؤه المتفرّقه بعد البلى.

و مسفوح: مسفوک.

و الغیله: الأخذ على غرّه.

و المناص: مصدر قولک ناص ینوص نوصا، أى فرّ و راغ.

و لات: حرف سلب، قال الأخفش: شبّهوها بلیس و أضمروا فیها اسم الفاعل، قال: و لا یکون لات إلّا مع حین و قد تحذف حین کما حذفت فی قول مازن بن مالک: حنت و لات حنت. فحذف حین و هو یریده، و قال: قرء بعضهم و لات حین مناص برفع حین و اضمر الخبر. و قال أبو عبید: هى لا، و التاء إنّما زیدت فی حین و إن کتب مفرده کما قال أبو وجره: العاطفون تحین ما من عاطف. و قال المورّج: زیدت التاء فی لات کما زیدت فی ثمّت و ربّت.

و البال: الحال و الشأن و الأمر.

و البال أیضا: القلب.

المعنى
و قد حمد اللّه سبحانه باعتبارات لا ینبغی إلّا له:
أحدها: الفاشى حمده
أى فی جمیع خلقه و مخلوقاته. إذ کان شی‏ء منها لا یخلو من نعمه له أظهرها وجوده فلا یخلو من حمده بلسان الحال أو المقال. و له الحمد فی السماوات و الأرض و عشیّا و حین تظهرون.
الثانی: الغالب جنده
و جند اللّه ملائکته و أعوان دینه من أهل الأرض کقوله تعالى وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ«» و قوله وَ أَیَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها«» و ظاهر کونه غالبا لقوله وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ«» و قوله فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ«» و فی هذه القرینه جذب للسامعین إلى نصره اللّه لیکونوا من جنده و تثبیت لهم على ذلک.
الثالث: المتعالى جدّه
أى علاؤه و عظمته کقوله تعالى وَ أَنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَهً وَ لا وَلَداً«» و هذه القرینه تناسب ما قبلها لما فی تلک من إیهام الحاجه إلى الجند و النصره، و فی الثانیه تعالیه و عظمته عن کلّ حال یحکم بها فی حقّه الرافع لذلک الإیهام، ثمّ عقّب بذکر سبب الحمد و هو نعمه التؤام و آلاؤه العظام، و معنى کونها توأما ترادفها على العبد و تواترها فإنّه ما من وقت یمرّ علیه إلّا و عنده أنواع من نعمه اللّه تعالى لا تکافؤ بحمد.
الرابع: من الاعتبارات الّذی عظم حلمه فعفا.
فالحلم فی الإنسان فضیله تحت الشجاعه یعسر معها انفعال النفس عن الواردات المکروهه الموذیه له، و أمّا فی حقّ اللّه تعالى فتعود إلى اعتبار عدم انفعاله عن مخالفه عبیده لأوامره و نواهیه، و کونه لا یستفزّه عند مشاهده المنکرات منهم غضب و لا یحمله على المسارعه إلى‏ الانتقام منهم مع قدرته التامّه على کلّ مقدور غیظ و لا طیش. و الفرق بینه تعالى و بین العبد فی هذا الوصف أنّ سلب الانفعال عنه سلب مطلق و سلبه عن العبد عمّا من شأنه أن یکون له ذلک الشی‏ء فکان عدم الانفعال عنه تعالى أبلغ و أتمّ من عدمه عن العبد، و بذلک الاعتبار کان أعظم، و لمّا کان الحلم یستلزم العفو عن الجرائم و الصفح عنها سمّى إمهاله تعالى للعبد و عدم مؤاخذته بجرائمه عفوا فلذلک أردف وصفه لعظمه الحلم بذکر العفو، و عطفه بالفاء لاستعقاب الملزوم لازمه بلا مهله.
الخامس: و عدل فی کلّ ما قضى
و لمّا کان العدل عباره عن التوسّط فی الأفعال و الأقوال بین طرفی التفریط و الإفراط، و کان کلّ ما قضاه تعالى و حکم علیه بوقوعه أو عدم وقوعه جاریا على وفق الحکمه و النظام الأکمل لما بیّن ذلک فی مظانّه من العلم الإلهىّ لا جرم لم یکن أن یقع فی الوجود شی‏ء من أفعاله أو أقواله منسوبا إلى أحد طرفی التفریط و الإفراط بل کان على حاقّ الوسط منهما و هو العدل. و قیل: قضى بمعنى أمر کقوله تعالى وَ قَضى‏ رَبُّکَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ«» و هو داخل فیما قلناه فإنّ ما أمر بإیجاده أو نهى عنه داخل فیما حکم علیهم بوقوعه أو عدم وقوعه.
السادس: و علم ما یمضى و ما مضى.
إشاره إلى إحاطه علمه بکلّ الامور مستقبلها و ماضیها و کلّیّها و جزئیّها، و قد أشرنا إلى ذلک فیما قبل.
السابع: مبتدع الخلایق بعلمه
ظاهر کلامه علیه السّلام ناطق بأنّ العلم هنا سبب لما ابتدع من خلقه و لا شکّ أنّ السبب له تقدّم على المسبّب من جهه ما هو سبب و هذا هو مذهب جمهور الحکماء، و الخلاف فیه مع المتکلّمین. إذ قالوا: إنّ العلم تابع للمعلوم و التابع یمتنع أن یکون سببا. فالباء على رأیهم إذن للاستصحاب، و على الرأى الأوّل للتسبّب. و نحن إذا حقّقنا القول و قلنا: إنّه لا صفه له تعالى تزید على ذاته و کانت ذاته و علمه و قدرته و إرادته شیئا واحدا و إنّما تختلف بحسب اعتبارات تحدثها عقولنا الضعیفه بالقیاس إلى مخلوقاته کما سبق بیانه‏ فی الخطبه الاولى لم یبق تفاوت فی أن یستند المخلوقات إلى ذاته أو إلى علمه أو إلى قدرته أو غیرهما. و أمّا بیان أنّ العلم تابع للمعلوم حتّى یمتنع أن یکون سببا له أو متبوعا حتّى لا یمتنع ذلک فممّا حقّق فی مظانّه. و المسأله ممّا طال الخبط فیها بینهم، و یحتمل أن یرید بالإبداع إحکام الأشیاء و إتقانها بحیث یکون محلّ التعجّب یقال: هذا فعل بدیع و منظر بدیع: أى معجب حسن. فظاهر أنّ ذلک منسوب إلى العلم و لذلک یستدلّ بإحکام الفعل و إتقانه على علم فاعله.
الثامن: و منشئهم بحکمه
أى بحکمته و هو قریب من الّذی قبله، و یحتمل أن یرید حکم قدرته على الموجودات بالوجود. و هو ظاهر.
و قوله: بلا اقتداء و لا تعلیم.
 أى لم یکن إبداعه و إنشاءه للخلق على وجه اقتدائه بغیره ممن سبقه إلى ذلک، و لا على وجه التعلّم منه. و الاقتداء أعمّ من التعلّم.
و قوله: و لا إصابه خطأ.
. أی لم یکن إنشاؤه للخلق أوّلا إتّفاقا على سبیل الاضطراب و الخطأ من غیر علم منه ثمّ علمه بعد ذلک فاستدرک فعله و أحکمه فأصاب وجه المصلحه فیه. و الإضافه بمعنى اللام لما أنّ الإصابه من لواحق ذلک الخطأ. و بمثل هذا اعترض المتکلّمون على أنفسهم حیث استدلّوا على کونه تعالى عالما بکلّ معلوم فقالوا: إنّه تعالى علم بعض الأشیاء لا من طریق أصلا لا من حسّ و لا نظر و استدلال فوجب أن یعلم سائرها کذلک لأنّه لا تخصیص، ثمّ سألوا أنفسهم فقالوا: لم زعمتم ذلک و لم لا یجوز أن یکون قد فعل أفعاله مضطربه ثمّ أدرکها فعلم کیفیّه صنعها بطریق کونه مدرکا لها فأحکمها بعد اختلافها و اضطرابها ثمّ أجابوا عن ذلک بأنّه لا بدّ أن یکون قبل ذلک عالما بمفرداتها من غیر طریق فوجب أن یعلمها بأسرها کذلک لعدم التخصیص.
و هذا الجواب فاسد لأنّ مفرداتها إن لم تکن من فعله کالأجزاء الّتی لا یتجزّى على رأى المثبتین فلیس کلامنا فی علمه بها بل فیما کان من فعله و لا یلزم من العلم بمفردات الفعل العلم بالفعل، و إن کانت من فعله فقولکم: لا بدّ أن یکون عالما بمفرداتها قبل فعلها مصادره على المطلوب. و الجواب الحقّ أنّه لو علمها بعد أن لم یعلمها لکان علمه بها حادثا فی ذاته فکان محلّا للحوادث و هو محال لما سبق.
و قوله: و لا حضره ملأ.
أی و لم یکن خلقه لما خلق بحضره جماعه من العقلاء بحیث یشیر کلّ منهم علیه برأى و یعینه بقول فی کیفیّه خلقه حتّى یکون أقرب إلى الصواب لأنّ کلّ جماعه فرضت فهی من خلقه فلا بدّ أن تصدر عنه الامور لا بحضره أحد، و لأنّ ذلک یستلزم حاجته إلى المعین و الظهیر و الحاجه یستلزم الإمکان المنزّه قدسه عنه. و إلیه الإشاره بقوله تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما کُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّینَ عَضُداً«» و کلّ ذلک تنزیه لفعله عن کیفیّات أفعال عباده. ثمّ أردف ذلک باقتصاص أحوال الخلق حال انبعاث اللّه رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. و الواو فی قوله: و الناس. للحال: أی و الناس یسیرون عند مقدمه فی جهاله. و هو کنایه عن تصرّفاتهم على جهل منهم بما ینبغی لهم من وجوه التصرّف، و یحتمل أن یرید و تسیرون فی شدّه و ذلک أنّ العرب کانت حینئذ فی شدائد من ضیق المعاش و النهب و الغارات و سفک الدماء کما قال علیه السّلام فیما قبل: إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نذیرا للعالمین، و أمینا على التنزیل، و أنتم معشر العرب على شرّ دین و فی شرّ دار. الفصل. و کذلک قوله: و یموجون فی حیره. کنایه عن تردّدهم فی حیره الضلال و الجهل أو فی حیره من الشدائد المذکوره.
و قوله: قد قادتهم أزمّه الحین.
 أی قد تداعوا للموت و الفناء من کثره الغارات و شدائد سوء المعاش و ظلم بعضهم لبعض لأنّ الناس إذا لم یکن بینهم نظام عدلیّ و لم یجر فی امورهم قانون شرعیّ أسرع فیهم ظلم بعضهم البعض و استلزم ذلک فناؤهم، و لمّا استعار لفظ الأزمّه رشّح بذکر القود.
و قوله: و استغلقت. إلى قوله: الرین.
 أراد رین الجهل و تغطیته لقلوبهم عن أنوار اللّه تعالى و الاستضاء بأضواء الشریعه. و استعار لفظ الأقفال لغواشى الجهل و الهیئات الردیئه المکتسبه من الإقبال على الدنیا، و وجه المشابهه أنّ تلک مانعه للقلب و حاجبه له عن قبول الحقّ و الاهتداء به کما تمنع الأقفال ما یغلق علیه من التصرّف، و رشّح بذکر الاستغلاق و إنّما أتى بلفظ الاستفعال لأنّ ذلک الرین کان أخذ فی الزیاده و منتقلا من حال إلى حال فکأنّ فیه معنى الطلب للتمام. ثمّ عقّب بالوصیّه بتقوى اللّه على جرى عادته لأنّها رأس کلّ مطلوب، و رغّب فیها بکونها حقّ اللّه علیهم: أی الأمر المطلوب له المستحقّ علیهم، و بکونها موجبه على اللّه حقّهم و هو جزاء طاعتهم له الّذی أوجبه على نفسه و لزم عن کمال ذاته الفیّاضه بالخیرات بحسب استعدادهم له بالتقوى. ثمّ أشار إلى ما ینبغی للمتصدّی إلى التقوى و هو أن یستعین على قطع عقباتها باللّه و الانقطاع إلیه أن یعینه علیها و یوفّقه بها فإنّ الانقطاع إلى معونته و الالتفات إلیه مادّه کلّ مطلوب. ثمّ إلى فائدتها و هی الاستعانه بها على اللّه تعالى. و لمّا کان المطلوب منه الوصول إلى ساحل عزّته و النظر إلى وجهه الکریم و السلامه من غضبه و نقاش حسابه إذ هو تعالى الحاکم الأوّل کانت التقوى أجلّ ما یستعدّ به لحصول تلک المطالب، و کان السعید من استعان بها على دفع شدائده تعالى فی الآخره من المناقشه فإنّه لاخلاص منها إلّا بها. ثمّ عقّب ذکرها ببیان ما یستلزمه من الامور المرغوب فیها: منها کونها فی الیوم: أی فی مدّه الحیاه حرزا و جنّه: أی من المکاره الدنیویّه لقوله تعالى وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ- من أمره- مَخْرَجاً وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ وَ مَنْ یَتَوَکَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ«» و فی غد: أی فی یوم القیامه الطریق إلى الجنّه. و هو ظاهر، و منها کون مسلکها واضحا و ظاهر أنّ الشارع صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أوضح طرق التقوى و کشف سبلها حتّى لا یجهلها إلّا جاهل، و منها کون سالکها رابحا. و استعار لفظ الربح لما یحصل علیه المتّقى من ثمرات التقوى فی الدنیا و الآخره، و وجه الاستعاره أنّه بحرکاته و تقواه الّتی یشبه رأس ماله یستفید الثواب کما یستفید التاجر مکاسبه، و منها کون مستودعها حافظا. و المستودع بالفتح قابل الودیعه و بکسرهافاعلها. و المراد على الروایه بالفتح کون قابلها حافظا لنفسه بها من عذاب اللّه أو یکون حافظ بمعنى محفوظ، و على الثانیه فالمستودع لها إمّا اللّه سبحانه. إذ هی الأمانه الّتی عرضها على السماوات و الأرض فأبین أن یحملها و أشفقن منها و حملها الإنسان و ظاهر کونه تعالى حافظا على العبد المستودع أحواله فیها من تفریطه و تقصیره أو أمانته و محافظته علیها، و إمّا الملائکه الّتی هی وسائط بین اللّه تعالى و بین خلقه. و ظاهر کونهم حفظه کما قال تعالى وَ یُرْسِلُ عَلَیْکُمْ حَفَظَهً و قوله وَ إِنَّ عَلَیْکُمْ لَحافِظِینَ کِراماً کاتِبِینَ یَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ«».
و قوله لم تبرح عارضه نفسها. إلى قوله الغابرین.
 کلام لطیف، و استعار وصف کونها عارضه نفسها. و وجه الاستعاره کونها مهیّئه لأن تقبل و بصدد أن ینتفع بها کالمرأه الصالحه الّتی تعرض نفسها للتزویج و الانتفاع بها. ثمّ علّل کونها لم تبرح کذلک لحاجه الخلق إلیها غدا: أی یوم القیامه ترغیبا فیها بکونها محتاجا إلیها، و یحتمل أن یدخل ذلک فی وجه الشبه.
و قوله: إذا أعاد. إلى قوله: أسدى.
 کالقرینه المخرجه لغد عن حقیقته إلى مجازه و هو یوم القیامه، و تعیین له بأنّه الوقت الّذی یعید اللّه فیه ما کان أبداه من الخلق و یأخذ فیه ما کان أعطاهم من الوجود الدنیویّ و لواحقه و یقول: لمن الملک الیوم للّه الواحد القهّار. و فی الحدیث: إنّ اللّه تعالى یجمع کلّ ما کان فی الدنیا من الذهب و الفضّه فیجعله أمثال الجبال ثمّ یقول: هذا فتنه بنی آدم. ثمّ یسوقه إلى جهنّم فیجعله مکاوى لجباه المجرمین و یسألهم فیه عمّا أسدى إلیهم فیه من نعمه فیسأل من ادّخرها لم ادّخرها و لم ینفقها فی وجوهها المطلوبه للّه، و یسأل من أنفقها فی غیره وجهها فیقول. أذهبتم طیّباتکم فی حیاتکم الدنیا و استمتعتم بها. و یجازی الأوّلین بادّخارها کما قال وَ الَّذِینَ یَکْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّهَ وَ لا یُنْفِقُونَها فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِیمٍ یَوْمَ یُحْمى‏ عَلَیْها فِی نارِ جَهَنَّمَ«» الآیه، و یجازی الآخرین بصرفها فی غیر وجهها کما قال فَالْیَوْمَ‏ تُجْزَوْنَ ما کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
و قوله: فما أقلّ من قبلها.
 تعجّب من قلّه من قبل التقوى بینهم و حملها حقّ حملها: أی أخذها و حفظها بشرائطها و استعدّ بها لیؤدّی أمانه اللّه فیها. إذ هی الأمانه المعروضه. ثمّ حکم بکون قابلها و حاکمها هم أقلّ الناس عددا، و أنّهم أهل صفه اللّه: أی الّذین وصفهم اللّه تعالى بقوله وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ.
ثمّ أمرهم فیها بأوامر:
أحدها: أن یهطعوا بأسماعهم إلیها
أی یسرعوا إلى سماع وصفها و شرحها لیعرفوها فیعملوا على بصیره.
الثانی: أن یواکظوا علیها بجدّهم
أی یداوموا علیها و یلازموها باجتهاد منهم، و روى و انقطعوا بأسماعکم إلیها: أی انقطعوا عن علائق الدنیا و استصحبوا أسماعکم إلى سماع وصفها. فکأنّ أحد الروایتین تصحیف الاخرى لأنّ النون و القاف إذا تقارنا أشبها الهاء فی الکتابه.
الثالث: أن یعتاضوها خلفا عن کلّ محبوب فی الدنیا سلف لهم
و نعم الخلف ممّا سلف إذ کانت المطالب الحاصله بها أنفس المطالب و هی السعاده الأبدیّه.
و خلفا مصدر سدّ مسدّ الحال.
الرابع: أن یعتاضوها من کلّ مخالف لهم موافقا.
و المراد أنّ کلّ من کان موافقا لک ثمّ خالفک فی أمر من الامور فینبغی أن یکون على طریق الحقّ و التقوى فی ذلک الأمر و لا تمیل میل مخالفک فإنّ التقوى نعم العوض ممّن خالفک. و نحوه ما قال أفلاطون الحکیم: سقراط حبیبنا و الحقّ حبیبنا و إذا اختلفا کان الحقّ أحبّ إلینا.
الخامس: أن یوقظوا بها نومهم.
قال بعض الشارحین: أراد أن یوقظوا بها نوّامکم فأقام المصدر مقام اسم الفاعل مجازا لما فیه من التضادّ فی القرینه. قلت: و یحتمل أن یرید بقوله: أیقظوا: أی اطردوا بتقوى اللّه و عبادته نومکم فی لیلکم و أحیوه بها. فاستعمل لفظ الایقاظ لإفادته ذلک المعنى إذ کان الأمر بإیقاع أحد الضدّین فی محلّ یستلزم الأمر بنفى الضدّ الآخر عن ذلک المحلّ مجازا من باب إطلاق اسم الملزوم على لازمه و لما فیه من التضادّ، و یحتمل أن یرید بالنوم نوم الغفله و الجهل و بإیقاظ النائمین منها بها تنبیههم بها من مراقد الطبیعه و إعدادهم بأجراء العباده و قوانینها لحصول الکمالات العلمیّه و العملیّه على سبیل الاستعاره.
و وجهها ظاهر ممّا سبق.
السادس: و أن یقطعوا بها یومهم
أى یقطعوا بالاشتغال بها نهارهم.
السابع: أن یشعروها قلوبهم
أى یجعلوها شعارا لقلوبهم و یلبسوها إیّاه کما یلبس الشعار. و لفظ الشعار مستعار لها، و وجه الاستعاره کون التقوى الحقیقیّه تلازم النفس و تتّصل بالقلب کما یتّصل الشعار بالجسد، و یحتمل أن یرید اجعلوها لازمه لقلوبکم لیتمیّز بها عن قلوب الظالمین، و یحتمل أن یرید أشعروها قلوبکم: أى أعلموها بها و اجعلوها شاعره بتفاصیلها و لوازمها.
الثامن: أن یرحضوا بها ذنوبهم
أى یغسلوها بالاشتغال بالتقوى. و لفظ الرحض مستعار باعتبار کون التقوى ماحیه لدرن الذنوب و الهیآت البدنیّه عن ألواح النفوس کما یمحق الغسل درن الثوب و أوساخه.
التاسع: أن یداووا بها الأسقام
أى أسقام الذنوب و أمراض القلوب کالجهل و الشکّ و النفاق و الریاء و الحسد و الکبر و البخل و جمیع رذائل الأخلاق الّتی هى فی الحقیقه الأسقام المهلکه، و لاشتمال التقوى على جمیع الأعمال الجمیله و الملکات الفاضله کانت دواء لهذه الأسقام و شفاء لا یعقبه داء.
العاشر: و أن یبادروا بها الحمام
أى یسارعوه و یسابقوه بها. و قد سبق بیانه فی الخطبه السابقه.
الحادى عشر: أن یعتبروا بمن أضاعها
أى ینظروا إلى الامم السابقه قبلهم ممّن أضاع التقوى، و یتفکّروا فی حاله کیف أضاعها لأمر لم یبق له ففاته ما طلب و لم یدرک ما فیه رغب ثمّ حصل بعد الهلاک على سوء المنقلب فیحصّلوا من ذلک عبره لأنفسهم فیحملوها على التقوى خوفا ممّا نزل بمن أضاعها من الخیبه و الحرمان‏ و الرجوع إلى دار الهوان.
الثانی عشر: أن لا یجعلوا أنفسهم عبره لمن أطاعها
أى انقاد للتقوى و دخل فیها أو أطاع موجبها فحذف المضاف، و المراد نهیهم أن یدخلوا فی زمره من أضاعها فیکونوا عبره لمن أطاعها فنهى عن لازم الإضاعه و هو اعتبار غیرهم بهم. و صوره ذلک النهى و إن کانت متعلّقه بغیرهم إلّا أنّه کنایه عن نهیهم عمّا یستلزم عبره الغیر بهم و هو إضاعه التقوى لأنّ النهى عن اللازم یستلزم النهى عن الملزوم، و هذا کما تقول لمن تنصحه: لا یضحک الناس منک: أى لا تفعل ما یستلزم ذلک و یوجبه منهم.
الثالث عشر: أن یصونوها.
و صیانتها شدّه التحفّظ فیها من خلطها بریاء أو سمعه و مزجها بشی‏ء من الرذائل و المعاصى.
الرابع عشر: أن یتصوّنوا بها
أى یتحفّظوا بها عن الذنوب و الرذائل و ثمرتها و یتحرّزوا بالاستعداد لها من لحوق العذاب فی الآخره.
الخامس عشر: أن یکونوا عن الدنیا نزّاها
أى متنزّهین عمّا حرّم اللّه علیهم و کرهه ممّا یوجب لهم الذمّ عاجلا و العقاب آجلا و هو أمر بالتقوى أیضا.
السادس عشر: أن یکونوا إلى الآخره ولّاها
أى متحیّرین من شدّه الشوق إلیها و ذلک مستلزم للأمر بالتقوى و الانقطاع عن الدنیا إلى الأعمال الصالحه لأنّها هى السبب فی محبّه الآخره و الرغبه التامّه فیما عند اللّه.
السابع عشر: أن لا یضعوا من رفعته التقوى.
و وضعه إمّا بقول کذمّه و الاستهزاء به، أو بفعل کضربه، أو فعل ما یستلزم إهانته، أو ترک قول، أو ترک فعل یستلزم ذلک. و لمّا کان کلّ ذلک منافیا للتقوى و داخلا فی أبواب الرذائل لا جرم نهى عن لازمه و هو وضع من رفعته التقوى لاستلزام رفع اللازم رفع الملزوم.
الثامن عشر: أن لا یرفعوا من رفعته الدنیا
و أراد من ارتفاعه وجاهته عند الخلق بسبب الدنیا و اقتناء شی‏ء منها. و التقدیر: من رفعته أهل الدنیا. فحذف المضاف، أو اسند الرفع إلى الدنیا مجازا لأنّ الرافع و المعظم له هم الناس، و لمّا کان من رفعته الدنیا عادلا عن التقوى کان المیل إلیه و احترامه و محبّته یستلزم المحبّه للدنیا و المیل إلیها و کان منهیّا عنه، و کان الانحراف عنه و عدم توقیره زهدا فی الدنیا و أهلها هو من جمله التقوى فکان مامورا به.
التاسع عشر: نهى عن شیم بارقها.
استعار لفظ البارق لما یلوح للناس فی الدنیا من مطامعها و مطالبها، و وصف الشیم لتوقّع تلک المطالب و انتظارها و التطّلع إلیها على سبیل الکنایه عن کونها کالسحابه الّتی یلوح بارقها فیتوقّع منها المطر.
العشرون: و عن سماع ناطقها.
و کنّى بناطقها عن مادحها و ما کشف وصفها و زینها من القول أو فعل أو زینه أو متاع، و بسماعه عن الإصغاء و المیل إلیه و تصدیق مقاله و تصویب شهادته فإنّها هى الّتی ینبغی أن یقتنى و یدّخر و یعتنى بها إلى غیر ذلک فإنّ کلّ ذلک سبب للعدول عن التقوى و طریق الآخره إلى طرق الهلاک.
الحادى و العشرون: و عن إجابه ناعقها.
و کنّى بناعقها عن الداعى إلیها و الجاذب ممّا ذکرنا، و بإجابته عن موافقته و متابعته.
الثانی و العشرون: و الاستضاءه بإشراقها.
و استعار لفظ الإشراق لوجوه المصالح الداعیه إلیها و الآراء الهادیه إلى طرق تحصیلها و کیفیّه السعى فیها، و وصف الاستضاءه للاهتداء بتلک الآراء فی طلبها، و وجه المشابهه أنّ تلک الآراء یهتدى بها فی تحصیلها کما یهتدى بالإشراق المحسوس. و هذه القرینه قریبه المعنى من القرینتین قبلها، و یحتمل أن یرید بإشراقها ما یبتهج به من زینتها و أنوار جنابها، و بالاستضاءه ذلک الابتهاج و الالتذاذ على سبیل الاستعاره، و وجهها مشارکه زینتها للضیاء فی کونه سببا ممدّا للأرواح باسطا لها.
الثالث و العشرون: و من الفتنه بأعلاقها.
و أعلاقها ما یعدّ فیها نفیسا من قیناتها و متاعها، و هو مستلزم للنهى لهم عن محبّه الدنیا و الانهماک فی لذّاتها لأنّ ذلک هو الفاتن لهم و المضلّ عن سبیل اللّه و هو سبب بلائهم و محنتهم و إلیه‏ الإشاره بقوله تعالى أَنَّما أَمْوالُکُمْ وَ أَوْلادُکُمْ فِتْنَهٌ«» قال المفسّرون: بلاء و محنه و اشتغال عن الآخره. و الإنسان بسبب المال و الولد یقع فی العظائم و یتناول الحرام إلّا من عصمه اللّه، و عن أبی بریده قال: کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یخطبنا یوما فجاء الحسن و الحسین علیهما السّلام و علیهما قمیصان أحمران یمشیان و یعثران فنزل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من المنبر فحملهما فوضعهما بین یدیه ثمّ قال: صدق اللّه عزّ و جلّ وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُکُمْ وَ نظرت إلى هذین الصبیّین یمشیان و یعثران فلم أصبر حتّى نزلت إلیهما و رفعتهما. ثمّ أردف ذلک بتعداد معایب و أوصاف لها منفّره عنها معلّلا بها ما سبق من نواهیه عنها.
فقوله: فإنّ برقها خالب.
 تعلیل لنهیه عن شیم بارقها. و استعار وصف الخالب لما لاح من مطامعها، و وجه المشابهه کون مطامعها و آمالها غیر مدرکه و إن ادرک بعضها ففى معرض الزوال کأن لم یحصل فأشبهت البرق الّذی لا ماء فیه و إن حصل معه ضعیف فغیر منتفع به فلذلک لا ینبغی أن یشام بارقها.
و قوله: و نطقها کاذب.
 تعلیل لنهیه عن سماع نطقها: أى النطق الحاصل فی معناها، و فی مدحها، و أنّها ممّا ینبغی أن یطلب و یدّخر، و وصف نفسها و لذّاتها بلسان حالها الّذی تغرّبه الأوهام الفاسده. و کونه کذبا کنایه عن عدم مطابقه ذلک الوصف بحالها فی نفس الأمر.
و قوله: و أموالها محروبه.
 کالتعلیل لنهیه عن الاستضاءه بإشراقها: أى لا ینبغی أن تستعمل الآراء الحسنه و الحیل فی تحصیل أموالها، أو لا ینبغی أن تحبّ زینتها و أموالها و یبتهج بها فإنّها مأخوذه.
و قوله: و أعلاقها مسلوبه.

تعلیل لنهیه عن الافتنان بأعلاقها، و یحتمل أن تکون هذه القرینه مع الّتی قبلها تعلیل للنهى عن الفتنه بأعلاقها.

ثمّ أردف تلک الأوصاف بالتنبیه على أوصاف اخرى و نقایض لها مستعاره نفّر بها عنها:
أحدها: أنّها المتصدّیه العنون
قال بعض الشارحین: هو استعاره وصف المرأه الفاجره الّتی من شأنها التعرّض للرجال لتخدعهم عن أنفسهم، و یحتمل أن یکون استعاره لوصف الفرس أو الناقه الّتی تمشی فی الطریق معترضه خابطا.
و قوله: العنون. استعاره بوصف الدابّه المتقدّمه فی السیر. کنّى بهما عن لحوق الدنیا بالدابّه تکون کذلک. و وجه المشابهه فی الوصف الأوّل أنّ الدنیا فی تغیّراتها و أحوالها و حرکاتها غیر مضبوطه و لا جاریه مع الإنسان على حال واحد فأشبهت الناقه الّتی تعترض فی طریقها و تمشى على غیر استقامه، و وجهها فی الثانی أنّ مدّه الحیاه الدنیا فی غایه الإسراع و شدّه السیر بأهلها إلى الآخره فأشبهت السریعه من الدوابّ المتقدّمه فی سیرها.
الثانی: الجامحه الحرون.
استعار وصف الجماح لها باعتبار کونها لا تملک لأهلها و لا ینقاد لهم کما لا ینقاد الحرون لراکبها، و کذلک وصف الحرون باعتبار عدم انقیاده لأهلها و عدم قدرتهم على تصریفها و هم أحوج ما یکونون إلیها.
الثالث: المائنه الخئون
فاستعار وصف الکاذبه لها باعتبار عدم مطابقه اغترارها للناس بزینتها و متاعها و توهّمهم عن ذلک بقاؤها و نفعها لما علیه الأمر فی نفسه.
إذ کان عن قلیل ینکشف کذبها فیما غرّتهم به و کذب أوهامهم فیها، و کذلک وصف الخئون باعتبار عدم وفائها لمن غرّته و خدعته عن نفسه بزینتها فکأنّها لذلک أعطته عهدا بدوامها له فخانته بزوالها عنه و لم تف بعهده.
الرابع: الجحود الکنود
و استعار لها هذین الوصفین ملاحظه لشبهها بالمرأه الّتی تکفر نعمه زوجها و تنکر صنیعه، و یکون من شأنها الغدر. و ذلک أنّ الدنیا من شأنها أن تنفر عمّن رغب فیها و سعى لها و اجتهد فی عمارتها و إظهارزینتها، و یکون سبب هلاکه ثمّ ینتقل عنه إلى غیره.
الخامس: العنود الصدود
فاستعار وصف العنود لها باعتبار عدولها عن حال استقامتها على الأحوال المطلوبه للناس، و انحرافها عن سنن قصودهم منها کالناقه الّتی ینحرف عن المرعى المعتاد للإبل و ترعى جانبا. و کذلک الصدود باعتبار کثره إعراضها عمّن طلبها و رغب فیها.
السادس: و الحیود المیود
فاستعاره وصف الحیود ظاهره، و أمّا وصف المیود فباعتبار تردّدها فی میلها بالنسبه إلى بعض أشخاص الناس من حال إلى آخر فتاره لهم و تاره علیهم. و یحتمل أن لا یکون قد اعتبر قید التردّد بل أراد مطلق الحرکه استعاره لکثره تغیّرها و انتقالها.
السابع: حالها انتقال.
إخبار عن حالها بأنّها انتقال: أى من شخص إلى آخر و من حال إلى حال. و ظاهر أنّها کذلک. قال بعض الشارحین: یجوز أن یرید به أنّ شیمتها و سجیّتها الانتقال و التغیّر. و یحتمل أن یعنى بالحال الحاضره من الزمان و هو الآن. و یکون مراده أنّ الّذی یحکم علیه العقلاء بالحضور منها لیس بحاضر بل هو سیّال متغیّر لا ثبوت له فی الحقیقه کما لا ثبوت للماضى و المستقبل.
الثامن: و وطأتها زلزال
استعار لفظ الوطأه لإصابتها ببعض شدائدها، و وجه الاستعاره استلزام إصابتها بذلک إهانه من أصابته و الثقل علیه کما یستلزم وطأه الثقیل من الحیوان ذلک، و استعار لفظ الزلزال لاضطراب أحوال من تصیبه بمکروهها کاضطراب الأرض بالزلزال.
التاسع: عزّها ذلّ
أى العزّ الحاصل عنها لأهلها بسبب کثره قیناتها کعزّه ملوکها و منفعتهم ذلّ فی الآخره، و أطلق علیه لفظ الذلّ إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه أو تسمیه الشی‏ء باسم ما یؤول إلیه. إذ کان العزّ بالدنیا و أموالها مستلزما للانحراف عن الدین و التقوى الحقّه، و ذلک مستلزم للذلّ الأکبر عند لقاء اللّه. و إلیه الإشاره بقوله تعالى حکایه عن المنافقین لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِینَهِ لَیُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَ لِلَّهِ الْعِزَّهُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِینَ وَ لکِنَّ الْمُنافِقِینَ لا یَعْلَمُونَ«» و نقل المفسّرون أنّ القائل لذلک عبد اللّه بن ابیّ، و الأعزّ یعنى نفسه و الأذلّ یعنى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فردّ اللّه تعالى علیه بقوله وَ لِلَّهِ الْعِزَّهُ وَ لِرَسُولِهِ«» الآیه.
العاشر: و جدّها هزل.
استعار لفظ الجدّ و هو القیام فی الأمر بعنایه و اجتهاد لإقبالها على بعض أهلها بخیراتها کالصدیق المعتنى بحال صدیقه، و لإدبارها عن بعضهم و إصابتها له بمکروهها کالعدوّ القاصد لهلاک عدوّه. و استعار لجدّها لفظ الهزل الّذی هو ضدّه. و وجه الاستعاره کونها عند إقبالها على الإنسان کالمعتنیه بحالها أو عند إعراضها عنه و رمیه بالمصایب کالقاصده لذلک ثمّ یسرع انتقالها عن تلک الحال إلى ضدّها فهى فی ذلک کالهازل اللاعب. و یحتمل أن یرید جدّ أهلها هزل: أى عنایتهم بها و اجتهادهم فی تحصیلها یشبه الهزل و اللعب فی سرعه تغیّره و الانتقال عنه بزوالها فاستعار له لفظه.
الحادى عشر: و علوّها سفل
أى العلوّ الحاصل بسببها أو علوّ أهلها على تقدیر حذف المضاف، و أخبر عنه بأنّه سفل لاستلزامه السفل و انحطاط المرتبه فی الآخره بین أهلها. و هو کقوله: و عزّها ذلّ.
الثانی عشر: کونها دار حرب
کقوله: أموالها محروبه. و أراد کونها مظنّه أن تسلب قیناتها عن أهلها بالموت و غیره. و استعار لفظ السلب لما فیها من القینات. و وجه المشابهه کون ما فیها یسلب عن أهلها فی کلّ زمان و یصیر إلى من بعدهم کدار حرب. و کذلک نهب و عطب.
الثالث عشر: کون أهلها على ساق
أى على شدّه. و هو ظاهر. إذ کلّ ما عدّد من أوصافها من الحرب و السلب و العطب شدائد علیها أهلها. و قال قطب الدین الراوندىّ: أراد بکونها على ساق أنّ بعضهم یتبع أثر بعض إلى الآخره فأشبه ذلک قولهم: ولدت فلانه ثلاثه بنین على ساق: أى لیس بینهم انثى. و أنکره‏ ابن أبی الحدید. و کنّى بالساق عن الأمر الشدید. قال بعض الشارحین: و یحتمل أن یکون مصدر قولک ساقه سیاقا: أى أنّهم مساقون إلى الآخره، و لحاق- بفتح اللام- أى یلحق بعضهم بعضا فی الوجود و العدم، و فراق یفارق بعضهم بعضا. و هو کقولهم: الدنیا مولود یولد و مفقود یفقد. و یحتمل أن یرید باللحاق لحاق الأحیاء للموتى فی العدم.
الرابع عشر: کونها قد تحیّرت مذاهبها،
و لم یرد بمذاهبها طرقها المحسوسه و لا الاعتقادات بل الطرق العقلیّه فی تحصیل خیرها و دفع شرّها. و أسند الحیره إلى المذاهب مجازا إقامه للعلّه القابله مقام العلّه الفاعله. إذ الأصل تحیّر أهلها فی مذاهبها.
الخامس عشر: و أعجزت مهاربها
أى و أعجزت من طلبها. فحذف المفعول لأنّ الغرض ذکر الإعجاز. و مهاربها مواضع الهرب من شرورها.
السادس عشر: و خابت مطالبها
استعار وصف الخیابه للمطالب، و وجه المشابهه عدم حصولها بعد ظهورها للأوهام و تعلّق الآمال بها فأشبهت من وعد بحصول شی‏ء لم یف به. ثمّ عقّب بذکر بعض لوازم خیابه مطالبها، و هى إسلام المعاقل لهم، و استعار لها لفظ الإسلام باعتبار کونها لا تحفظهم من الرزایا و لا تحصنهم من سهام المنایا فأشبهت فی ذلک من أسلم الملتجى إلیه و خلّى عنه لعدّوه. و لکون ذلک لازما عطفه بالفاء. و کذلک لفظ المنازل لهم مستعار باعتبار خروجهم منها بالموت فهى کاللافظه الملقیه لهم.
ثمّ قسّمهم باعتبار لحوق شرّها لأحیائهم و أمواتهم إلى أصناف:
أحدها: ناج معقور
و أراد الباقین فیها، و کنّى بالمعقور عن من رمته بالمصائب فیها المشبهه للمعقور.
الثانی: و لحم مجزور،و أراد منهم من صار لحما مجزورا.
الثالث: و شلو مذبوح.
و أراد ذى شلو مذبوح: أى قد صار بعد الذبح أشلاء متفرّقه، و یحتمل أن یکون مذبوح صفه للشلو، و أراد بالذبح مطلق الشقّ کما هو فی أصل اللغه.

الرابع: و دم مسفوح
أى و ذى دم مسفوح.
الخامس: و عاضّ على یدیه،
و هو کنایه عن ندم الظالمین بعد الموت على التفریط و التقصیر. إذ کان من شأن النادم ذلک.
السادس: و صافق بکفّیه
أى ضارب إحداهما على الاخرى ندما.
السابع: و- کذلک- مرتفق لخدّیه
أى جاعل مرفقیه تحت خدّیه فعل النادم.
الثامن: و- کذلک- و زار على رأیه
أى رأیه الّذی اقتضى له السعى فی جمع الدنیا و الالتفات إلیها بکلّیّته حتّى لزم من ذلک إعراضه عن الآخره فحاق به سیّى‏ء ما کسب فإذا انکشف له بعد الموت لزوم العقاب و ظهرت له سلاسل الهیئات البدنیّه و أغلالها فی عنقه علم أنّ کلّ ذلک ثمره ذلک الرأى الفاسد فأزرى علیه و عابه و أنکره.
التاسع: و راجع عن عزمه
أى ما کان عزم من عماره الدنیا و السعى فی تحصیلها، و بالموت تنجلى تلک العزوم و یرجع عنها.
و قوله: و قد أدبرت الحیله.
 الواو للحال من الضمیر فی راجع: أى و راجع عن عزمه حال ما قد أدبرت حیلته و هذه الحال مفسّره لمثلها عن الضمائر المرفوعه فی عاضّ، و صافق، و مرتفق، و زار.
و قوله: و أقبلت الغیله.
 أى أخذهم إلى جهنّم و إهلاکهم فیها على غرّه منهم بذلک الأخذ، و قال بعض الشارحین: یحتمل بالغیله الشرّ بمعنى الغائله.
و قوله: و لات حین مناص.
 فی موضع الحال و العامل أقبلت: أى و أقبل الهلاک و الشرّ حال ما لیس لهم وقت فرار و لا تأخّر عنه کقوله تعالى کَمْ أَهْلَکْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَ لاتَ حِینَ مَناصٍ«» أى فنادوا مستغیثین حال ما لیس الوقت وقت مخلص و مفرّ.

و قوله: هیهات هیهات.
 أى بعد الخلاص و الفرار. و أتى به مکرّرا للتأکید، و هو فی مقابله قول الکفّار المنکرین لأحوال المعاد هَیْهاتَ هَیْهاتَ لِما تُوعَدُونَ و کالجزاء له بعد الموت.
و قوله: و قد فات ما فات. إلى قوله: ذهب.
 أى فات ما کنتم فیه من أحوال الدنیا الّتی یتمنّون الرجعه إلیها فلا رجوع لها. و نحوه قوله تعالى حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ«» الآیه.
و قوله: و مضت الدنیا لحال بالها.
 کلمه یخبر بها عمّن مضى، أو یأمر بالمضىّ: أى و مضت عنهم الدنیا لحال بالها. و نحوه قوله علیه السّلام: حتّى إذا مضى الأوّل لسبیله. و قوله: امض لشأنک.
و اللام للغرض فکأنّه استعار لها لفظ البال بمعنى القلب ملاحظه لشبهها بمن یمضى لغرض نفسه و ما یهواه قلبه، و یحتمل أن یرید بالبال الحال أیضا و جواز الإضافه لاختلاف اللفظین، و قال بعض الشارحین: أراد بحال بالها ما کانت علیه من رخائها و سهولتها على أهلها.
و قوله: و أقبلت الآخره.
 أى بشدّتها و صعوبتها. ثمّ ختم بالآیه اقتباسا. و المعنى أنّهم لمّا رکنوا إلى الدنیا فعلت بهم ما فعلت، و حصلوا على ما حصلوا علیه من البداهه، و ولّت عنهم لشأنها فَما بَکَتْ عَلَیْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ قال بعض المفسّرین: أراد أهل السماء و هم الملائکه و أهل الأرض فحذف المضاف. و هو کنایه عن کونهم لا یستحقّون أن یتأسّف علیهم و لا أن یبکون، و قیل: أراد المبالغه فی تحقیر شأنهم لأنّ العرب کانت تقول فی عظیم القدر یموت: بکته السماء و الأرض. فنفى عنهم ذلک، و أراد لیسوا ممّن یقال فیهم مثل هذا القول.
و عن ابن عبّاس- رضى اللّه عنه- لمّا قیل له: أ تبکی السماء و الأرض على أحد فقال: یبکیه مصلّاه فی الأرض و مصعد عمله فی السماء.

فیکون نفى البکاء عنهم کنایه عن أنّه لم یکن لهم فی الأرض موضع عمل صالح حتّى یکون له مصعد فی السماء فلم تبک علیهم، و نحوه عن أنس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: ما من مسلم إلّا و له بابان: باب تصعد فیه عمله، و باب ینزل منه رزقه إلى الأرض فإذا مات بکیا علیه. فذلک قوله عزّ و جلّ فَما بَکَتْ عَلَیْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ«» و اعلم أنّ إطلاق لفظ البکاء على السماء و الأرض مجاز فی فقدهما لما ینبغی أن یکون فیهما من مساجد المؤمنین و مصاعد أعمالهم قیاسا فی ذلک من فقد شیئا یحبّه و یبکى له فاطلق علیه إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۲۱۲

بازدیدها: ۵

خطبه ۲۳۲شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
أَحْمَدُهُ شُکْراً لِإِنْعَامِهِ- وَ أَسْتَعِینُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ- عَزِیزَ الْجُنْدِ عَظِیمَ الْمَجْدِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ وَ قَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَلَى‏ دِینِهِ- لَا یَثْنِیهِ عَنْ ذَلِکَ اجْتِمَاعٌ عَلَى تَکْذِیبِهِ- وَ الْتِمَاسٌ لِإِطْفَاءِ نُورِهِ- فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ لَهَا حَبْلًا وَثِیقاً عُرْوَتُهُ- وَ مَعْقِلًا مَنِیعاً ذِرْوَتُهُ- وَ بَادِرُوا الْمَوْتَ وَ غَمَرَاتِهِ وَ امْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ- وَ أَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ فَإِنَّ الْغَایَهَ الْقِیَامَهُ- وَ کَفَى بِذَلِکَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ وَ مُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ- وَ قَبْلَ بُلُوغِ الْغَایَهِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِیقِ الْأَرْمَاسِ- وَ شِدَّهِ الْإِبْلَاسِ وَ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ- وَ رَوْعَاتِ الْفَزَعِ وَ اخْتِلَافِ الْأَضْلَاعِ- وَ اسْتِکَاکِ الْأَسْمَاعِ وَ ظُلْمَهِ اللَّحْدِ- وَ خِیفَهِ الْوَعْدِ وَ غَمِّ الضَّرِیحِ وَ رَدْمِ الصَّفِیحِ- فَاللَّهَ اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ- فَإِنَّ الدُّنْیَا مَاضِیَهٌ بِکُمْ عَلَى سَنَنٍ- وَ أَنْتُمْ وَ السَّاعَهُ فِی قَرَنٍ- وَ کَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا وَ أَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا- وَ وَقَفَتْ بِکُمْ عَلَى صِرَاطِهَا وَ کَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا- وَ أَنَاخَتْ بِکَلَاکِلِهَا وَ انْصَرَمَتِ الدُّنْیَا بِأَهْلِهَا- وَ أَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا- فَکَانَتْ کَیَوْمٍ مَضَى أَوْ شَهْرٍ انْقَضَى- وَ صَارَ جَدِیدُهَا رَثّاً وَ سَمِینُهَا غَثّاً- فِی مَوْقِفٍ ضَنْکِ الْمَقَامِ وَ أُمُورٍ مُشْتَبِهَهٍ عِظَامٍ- وَ نَارٍ شَدِیدٍ کَلَبُهَا عَالٍ لَجَبُهَا- سَاطِعٍ لَهَبُهَا مُتَغَیِّظٍ زَفِیرُهَا- مُتَأَجِّجٍ سَعِیرُهَا بَعِیدٍ خُمُودُهَا- ذَاکٍ وُقُودُهَا مَخُوفٍ وَعِیدُهَا- عَمٍ قَرَارُهَا مُظْلِمَهٍ أَقْطَارُهَا- حَامِیَهٍ قُدُورُهَا فَظِیعَهٍ أُمُورُهَا- وَ سِیقَ الَّذِینَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّهِ زُمَراً- قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ وَ انْقَطَعَ الْعِتَابُ- وَ زُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ وَ اطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ- وَ رَضُوا الْمَثْوَى وَ الْقَرَارَ- الَّذِینَ کَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِی الدُّنْیَا زَاکِیَهً- وَ أَعْیُنُهُمْ بَاکِیَهً- وَ کَانَ لَیْلُهُمْ فِی دُنْیَاهُمْ نَهَاراً تَخَشُّعاً وَ اسْتِغْفَارًا- وَ کَانَ نَهَارُهُمْ لَیْلًا تَوَحُّشاً وَ انْقِطَاعاً- فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّهَ مَآباً وَ الْجَزَاءَ ثَوَاباً- وَ کانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها- فِی مُلْکٍ دَائِمٍ وَ نَعِیمٍ قَائِمٍ- فَارْعَوْا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَایَتِهِ یَفُوزُ فَائِزُکُمْ- وَ بِإِضَاعَتِهِ یَخْسَرُ مُبْطِلُکُمْ- وَ بَادِرُوا آجَالَکُمْ بِأَعْمَالِکُمْ- فَإِنَّکُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ- وَ مَدِینُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ- وَ کَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِکُمُ الْمَخُوفُ- فَلَا رَجْعَهً تُنَالُونَ وَ لَا عَثْرَهً تُقَالُونَ- اسْتَعْمَلَنَا اللَّهُ وَ إِیَّاکُمْ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَهِ رَسُولِهِ- وَ عَفَا عَنَّا وَ عَنْکُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ- الْزَمُوا الْأَرْضَ وَ اصْبِرُوا عَلَى الْبَلَاءِ- وَ لَا تُحَرِّکُوا بِأَیْدِیکُمْ وَ سُیُوفِکُمْ فِی هَوَى أَلْسِنَتِکُمْ- وَ لَا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ یُعَجِّلْهُ اللَّهُ لَکُمْ- فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْکُمْ عَلَى فِرَاشِهِ- وَ هُوَ عَلَى مَعْرِفَهِ حَقِّ رَبِّهِ- وَ حَقِّ رَسُولِهِ وَ أَهْلِ بَیْتِهِ مَاتَ شَهِیداً- وَ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ- وَ اسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ- وَ قَامَتِ النِّیَّهُ مَقَامَ إِصْلَاتِهِ لِسَیْفِهِ- فَإِنَّ لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ مُدَّهً وَ أَجَلًا

اللغه

أقول:

الوظیفه: ما یقدّر للإنسان فی کلّ یوم من طعام أو رزق أو عمل.

 و یثنیه: یصرفه.

و المعقل: الملجأ.

و ذروته: أعلاه.

و مهّدله: أی اتّخذ له مهادا و هو الفراش.

و الأرماس: جمع رمس و هو القبر.

و الإبلاس: الانکسار و الحزن.

و المطّلع: الاطّلاع من إشراف إلى أسفل.

و هوله: خوفه و فزعه.

و الروعه: الفزعه. و استکاک الأسماع: صممها.

و الصفیح: الحجاره العراض.

و ردمها: سدّ القبر بها.

و السنن: الطریقه.

و القرن: الحبل یقرن به البعیران.

و أشراطها: علاماتها.

و أزفت: دنت.

و أفراطها: مقدّماتها.

و منه أفراط الصبح أوائل تباشیره.

و الرثّ: الخلق.

و الغثّ: المهزول.

و الضنک: الضیق.

و الکلب: الشرّ.

و اللجب: الصوت.

و الساطع: المرتفع.

و سعیرها: لهبها.

و تأجّجه: اشتداد حرّه و وقودها بضمّ الواو: ایقادها و هو الحدث.

و ذکاه- مقصورا- : اشتعاله.

و فضاعه الأمر: شدّته و مجاوزته للمقدار.

و الزمر: الجماعات، واحدتها زمره.

و زحزحوا: بعدوا.

و اطمأنّت: سکنت.

و المثوى: المقام.

و المآب: المرجع.

و المدینون: مجزیّون.

و إصلاته بسیفه. تجرّده به.

المعنى
و اعلم أنّه علیه السّلام أنشأ حمد اللّه على نعمائه. و نصب شکرا على المصدر عن قوله: أحمد. من غیر لفظه. إذ المراد بالحمد هنا الشکر بقرینه ذکر الإنعام. ثمّ أردفه بطلب المعونه على ما وظّف علیه من حقوقه: واجباتها و نوافلها کالصلوات و العبادات الّتى ارتضاها منهم شکرا لنعمائه، و إذا اعتبرت کانت نعما تستحقّ الشکر لما یستلزمه المواظبه علیها من السعاده الحقیقیّه الباقیه کما سبق بیانه. و قوله عزیز الجند. نصب على الحال و الإضافه غیر محضه و العامل أستعینه، و کذلک قوله: عظیم المجد: أى أستعینه على أداء حقوقه حال ما هو بذینک الاعتبارین فإنّه باعتبار ما هو عزیز الجند عظیم المجد یکون مالک الملک قدیرا على ما یشاء فکان مبدأ استعانه به على أداء وظایف حقوقه. ثمّ أردفه بشهادته برساله نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ذکر أحواله الّتی کانت مبادئ لظهور الدین الحقّ لیقتدى السامعون به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی تلک الأحوال.
و هی دعوته إلى الدین و مقاهرته لأعدائه و هم الکفّار على أصنافهم، و نصب جهاداعلى أنّه مصدر سدّ مسدّ الحال، أو نصب المصادر عن قوله: قاهر. من غیر لفظه. إذ فی قاهر معنى جاهد. و عن دینه متعلّق بجهادا إعمالا للأقرب، و یحتمل التعلّق بقاهر. و قوله: لا یثنیه. أی لا یصرفه عن دعوته و مقاهرته لأعدائه اجتماع الخلق على تکذیبه و التماسهم لإطفاء نوره، و لفظ النور مستعار لما جاء به من الکمالات الهادیه إلى سبیل اللّه. ثمّ لمّا نبّههم على تلک الأحوال الّتی مبدؤها تقوى اللّه تعالى أمرهم بالاعتصام بها بقوله: فاعتصموا بتقوى اللّه کما اعتصم نبیّکم بها فی إظهار دینه و مواظبته على ذلک، و لا تخافوا من عدوّ مع کثرتکم کما لا یخفّ هو مع وحدته فإنّ للتقوى حبلا وثیقا عروته من تمسّک به و اعتصم لم یضرّه عدوّ، و معقلا منیعا ذروته من لجأ إلیه لم یصل إلیه سوء. و لفظ الحبل و المعقل مستعاران للتقوى، و قد سبق بیان هذه الاستعارات. ثمّ أکّد ذلک الأمر بالأمر بمبادره الموت و غمراته و معنى مبادرته مسابقته إلى الاستعداد بالأعمال الصالحه کأنّهم یسابقون الموت و غمراته و ما یلحقهم من العذاب فیه و فیما بعده إلى الاستعداد بالأعمال الصالحه فیحصّلوا بها ملکات صالحه یکون مهادا له قبل حلوله بهم کیلا یقدحهم قدحا، و یجعلونها عدّه لأنفسهم قبل نزوله علیهم یلتقونه بها کیلا یؤثّر فی نفوسهم کثیر أثر کأنّه یسابقهم إلى أنفسهم لینقطعهم عن ذلک الاستعداد فیکون سببا لوقوع العذاب بهم. و قوله: فإنّ الغایه القیامه. تحذیر بذکر الغایه و تذکیر بأهوالها الموعوده: أى فإنّ غایتکم القیامه لا بدّ لکم منها.
و لمّا کانت تلک الغایه هی لازم الموت کما قال علیه السّلام: من مات فقد قامت قیامته. کان أمره بالاستعداد للموت أمر بالاستعداد لها، و لذلک أتى بعد الأمر بالاستعداد له بقوله: فإنّ. منبّها على وجوب ذلک الاستعداد بضمیر ذکر صغراه، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کانت غایته القیامه فواجب أن یستعدّ لها. و قوله: و کفى بذلک. أى بذکر الموت و غمراته و القیامه و أحوالها، و خصّص من عقل لکونه‏ المقصود بالخطاب الشرعیّ، و معتبرا: أى محلّا للاعتبار و العلم، و ظاهر کون الموت و نزوله بهذه البنیه التامّه الّتی احکم بنیانها و وضعت بالوضع العجیب و الترتیب اللطیف و هدمه لها واعظا بلیغا یزجر النفوس عن متابعه هواها و معتبرا تقف منه على أنّ وراء هذا الوجود وجود أعلى و أشرف منه لولاه لما عطّلت هذه البنیه المحکمه المتقنه و لکان ذلک بعد إحکامها و إتقانها سفها ینافی الحکمه کما أنّ الإنسان إذا بنى دارا و أحکمها و زیّنها بزینه الألوان المعجبه فلمّا تمّت و حصلت غایتها عمد إلیها فهد مها فإنّه یعدّ فی العرف سفیها عابثا. أمّا لو کان غرضه من ذلک الوصول إلى غایه یحصل بوجودها وقتا ما ثمّ یستغنى عنها جاز هدمها. فکذلک هذه البنیه لمّا کانت الغرض منها استکمال النفوس البشریّه بالکمالات الّتی یستفاد من جهتها و هى العلوم و مکارم الأخلاق ثمّ الانتقال منها إلى عالمها جاز لذلک خرابها و فسادها بعد حصول ذلک الغرض منها. و قوله: قبل بلوغ الغایه ما تعلمون. عطف على قوله: قبل نزوله. و قوله: من ضیق الأرماس. إلى قوله: الصفیح. تفصیل لما یعلمونه من أحوال الموت و أهواله، و ظاهر أنّ القبور ضیّقه بالقیاس إلى مواطن الدنیا، و أنّ للنفوس عند مفارقتها غمّا شدیدا و حزنا قویّا على ما فارقته و ممّا لاقته من الأهوال التی کانت غافله عنها، و أنّ لما أشرفت علیه من أحوال الآخره هولا و فزعا تطیر منه الألباب و فی المرفوع: و أعوذ بک من هول المطّلع.
و إنّما حسن إضافه روعات إلى الفزع و إن کان الروع هو الفزع باعتبار تعدّدها و هى من حیث هى آحاد مجموع أفراد مهیّه الفزع فجازت إضافتها إلیها. و اختلاف الأضلاع کنایه عن ضغطه القبر. إذ یحصل بسببها تداخل الأضلاع و اختلافها، و استکاک الأسماع ذهابها بشدّه الأصوات الهایله و یحتمل أن یرید ذهابها بالموت. و إنّما قال: خیفه الوعد، لأنّ الوعد قد یستعمل فی الشرّ و الخیر عند ذکرهما قال: و لا تعدانی، الخیر و الشرّ مقبل. فإذا أسقطوا ذکرهما قالوا فی الخیر: العده و الوعد، و فی الشرّ الإیعاد و الوعید. و هاهنا و إن سقط ذکرهما إلّا أنّ قوله: خیفه. تدلّ على وجود الشرّ فکان کالقرینه، و غمّ الضریح: الغمّ الحاصل و الوحشه المتوهّمه فیه. إذ کان للنفوس من الهیئات المتوهّمه کونها مقصوره مضیّقا علیها بعد فسح المنازل الدنیویّه و سایر ما ذکره علیه السّلام من الأهوال، و إنّما عدّد هذه الأهوال لکون الکلام فی معرض الوعظ و التخویف و کون هذه الامور مخوفه منفورا عنها طبعا. ثمّ أکّد ذلک التخویف بالتحذیر من اللّه و علّل ذلک التحذیر بکون الدنیا ماضیه على سنن: أى على طریقه واحده لا یختلف حکمها فکما کان من شأنها أن أهلکت القرون الماضیه و فعلت بهم و بآثارهم ما فعلت و صیّرتهم إلى الأحوال الّتى عدّدناها فکذلک فعلها بکم. و قوله: و أنتم و الساعه فی قرن. کنایه عن قربها القریب منهم حتّى کأنّهم معها فی قرن واحد. و قوله: و کأنّها قد جاءت بأشراطها. تشبیه لها فی سرعه مجیئها بالّتی جاءت و حضرت. و أکّد ذلک التشبیه بقد المفیده لتحقیق المجی‏ء.
و علاماتها کظهور الدجّال، و دابّه الأرض، و ظهور المهدىّ و عیسى علیهما السّلام إلى غیر ذلک. و کذلک قوله: و أزفت بأفراطها و وقفت بکم على صراطها. إلى قوله: و سمینها غثّا: أى و تحقّق وقوفها بکم على صراطها و هو الصراط المعهود فیها. و قوله: و کأنّها قد أشرفت بزلازلها. أى أشبهت فیما یتوقّع منها من هذه الأحوال فی حقّکم حالها فی إیقاعها بکم و تحقیقها فیکم، و استعار لفظ الکلاکل لأهوالها الثقیله. و وصف الإناخه لهجومها بتلک الأهوال علیهم ملاحظا فی ذلک تشبّهها بالناقه. و إنّما حسن تعدید الکلاکل لها باعتبار تعدّد أهوالها الثقیله النازله بهم. و لمّا کانت الأفعال من قوله: و أناخت.إلى قوله: فصار سمینها غثّا. معطوفا بعضها على بعض دخلت فی حکم الشبه: أى و کانت الدنیا قد انصرفت بأهلها و کأنّکم قد أخرجتم من حصنها إلى آخر الأفعال.

و المشبّه الأوّل: هو الدنیا باعتبار حالها الحاضره و المشبّه به انصرافها بأهلها و زوالهم و وجه الشبه سرعه المضىّ. أى کأنّها من سرعه أحوالها الحاضره کالّتی وقع انصرافها. و کذلک الوجه فی باقى التشبیهات. و استعار لفظ الحضن لها ملاحظه لشبهها بالآم الّتی تحضن ولدها فینتزع من حضنها. و السمین و الغثّ تحتمل أن یرید بهما الحقیقه و یحتمل أن یکنّى به عن ما کثر من لذّاتها و خیراتها و تغیّر ذلک بالموت و زواله. و قوله: فی موقف. یتعلّق بصار و الموقف هو موقف القیامه. و ظاهر أنّ کلّ جدید للدنیا یومئذ رثّ. و کلّ سمین کان بها غثّ. و ضیق الموقف إمّا لکثره الخلق یومئذ و ازدحامهم أو لصعوبه الوقوف به و طولهم مع ما یتوقّع الظالمون لأنفسهم من إنزال المکروه بهم و الامور المشتبهه العظام أهوال الآخره. و اشتباهها کونها ملبسه یتحیّر فی وجه الخلاص منها. و الاعتبار یحکم بکونها عظیمه. و ظاهر کون النار شدیده الشرّ و قد نطق القرآن الکریم بأکثر ممّا وصفها علیه السّلام به ههینا من علوّ أصواتها، و سطوح لهبها، و تغیّظ زفیرها کقوله تعالى إِذا أُلْقُوا فِیها سَمِعُوا لَها شَهِیقاً وَ هِیَ تَفُورُ تَکادُ تَمَیَّزُ مِنَ الْغَیْظِ«» و قوله سَمِعُوا لَها تَغَیُّظاً وَ زَفِیراً«» و لفظ التغیّظ مستعار للنار باعتبار حرکتها بشدّه و عنف کالغضبان أو باعتبار استلزام حرکتها ظاهر للأذى و الشرّ. و قوله: عم قرارها. أسند العمى إلى قرارها مجازا باعتبار أنّه لا یهتدى فیه لظلمته أو لأنّ عمقها لا یوقف علیه لبعده، و لمّا استعار لفظ الحمى رشّح بذکر القدور، و ظاهر فظاعه تلک الامور و شدّتها.
و کلّ تلک الامور عدّدها فی معرض التخویف لکونها مخوفه تنفیرا لما یلزم عنه من ترک التقوى و اتّباع الهوى ثمّ ساق الآیه اقتباسا و نسق بعدها أحوال المتقیّن فی الآخره اللازمه عن تقویهم و هى أمنهم من العذاب و انقطاع‏ العقاب عنهم و إبعادهم عن النار و اطمینان الدار الّتی هی الجنّه بهم و رضاهم بها مثوى و قرارا ترغیبا فی التقوى بذکر لوازمها. ثمّ أردف ذلک بصفات المتقیّن أیضا عمّا عساه لا یعرفها فقال: هم الّذین کانت أعمالهم فی الدنیا زاکیه: أى طاهره من الریاء و الشرک الخفیّ، و أعینهم باکیه: أى من خشیه اللّه و خوف عقابه و حرمانه، و کان لیلهم فی دنیاهم نهارا فی کونه محلّ حرکاتهم فی عباده ربّهم و تخشّعهم له و استغفارهم إیّاه فأشبه النهار الّذی هو محلّ حرکات الخلق. و لهذا الشبه استعار لفظ النهار للّیل و کذلک استعار لفظ اللیل للنهار، و وجه الاستعاره کون النهار محلا لتوحّشهم من الخلق و انقطاعهم عنه و اعتزالهم إیّاهم کاللیل الّذی هو محلّ انقطاع الناس بعضهم عن بعض و افتراقهم، و فی نسخه الرضىّ- رحمه اللّه- بخطّه: کأنّ. للتشبیه رفع نهارا فی القرینه الاولى، و رفع لیلا فی الثانیه. و وجه التشبیه هو ما ذکرناه. و کأنّه یقول: فلمّا استعدّوا بتلک الصفات للحصول على الفضائل و الکمالات و استوجبوا رضى اللّه تعالى عنهم جعل اللّه لهم الجنّه مرجعا و مآبا أعدّ فیها من جزاء النعیم ثوابا و کانوا أحقّ بها و أهلها. و هو اقتباس. و قوله: فی ملک. إلى قوله: قائم. أى مقیم، تفسیر للجزاء. ثمّ أکّد الأمر بالتقوى برعایتها فی عباره اخرى نبّه فیها على بعض لوازمها، و ذلک أنّ فوز الفایزین إنّما یکون بالتقوى و لزوم الأعمال الصالحات، و المبطلون هم الّذین لا حقّ معهم فهم الخارجون عن التقوى الحقّه.
و إنّما یلحقهم الخسران بالخروج عنها. و قوله: بادروا آجالکم بأعمالکم. کقوله: بادروا الموت: أى و سابقوا آجالکم بالأعمال الصالحات إلى الاستعداد بها قبل أن یسبقکم إلى أنفسکم فیقطعکم عن الاستعداد بتحصیل الأزواد لیوم المعاد، و نبّههم بقوله: فإنّکم. إلى قوله: قدّمتم. على ارتهانهم بذنوبهم السالفه و الجزاء علیها فی القیامه لیسارعوا إلى فکاکها بالأعمال الصالحه و السلامه من الجزاء علیها، و لفظ المرتهن مستعار للنفوس الآثمه باعتبار تقیّدها بالسیّئه و إطلاقها بالحسنه کتقیّد الرهن المتعارف بما علیه من المال و افتکاکه بأدائه و إطلاق لفظ الجزاء على العقاب مجاز إطلاقا لاسم أحد الضدّین على الآخر. و قوله: و کأن قد نزل. هى المخفّفه من کأنّ للتشبیه، و اسمها ضمیر الشأن، و المقصود تشبیه حالهم و شأنهم الحاضر بحال نزول المخوف و هو الموت بهم و تحقّقه فی حقّهم الّذی یلزمه و یترتّب علیه عدم نیلهم للرجعه و إقالتهم للعثره. ثمّ عقّب بالدعاء لنفسه و لهم باستعمال اللّه إیّاهم فی طاعته و طاعه رسوله، و ذلک الاستعمال بتوفیقهم لأسباب الطاعه و إعدادهم لها و إفاضه صوره الطاعه على قواهم العقلیّه و البدنیّه و جوارحهم الّتی بسببها تکون السعاده القصوى، ثمّ بما یلزم ذلک الاستعمال من العفو عن جرائمهم. و إنّما نسبها إلى فضل رحمته لکونه مبدءا للعفو و المسامحه من جهه ما هو رحیم و ذلک من الاعتبارات الّتی تحدثها عقولنا الضعیفه و تجعلها من صفات کماله کما سبق بیانه فی الخطبه الاولى. ثمّ عقّب وعظهم و تحذیرهم و الدعاء لهم بأمرهم أن یلزموا الأرض و یصبروا على ما یلحقهم من بلاء أعدائهم و مخالفیهم فی العقیده کالخوارج و البغاه على الإمام بعده من ولده و الخطاب خاصّ بمن یکون بعده بدلاله سیاق الکلام و لزوم الأرض کنایه عن الصبر فی مواطنهم و قعودهم عن النهوض لجهاد الظالمین فی زمن عدم قیام الإمام الحقّ بعده علیه السّلام. و قوله: و لا تحرّکوا بأیدیکم و سیوفکم فی هوى ألسنتکم. نهى عن الجهاد من غیر أمر أحد من الأئمّه من ولده بعده، و ذلک عند عدم قیام من یقوم منهم لطلب الأمر فإنّه لا یجوز إجراء هذه الحرکات إلّا بإشاره من إمام الوقت. و هوى ألسنتهم میلها إلى السبّ و الشتم موافقه لهوى النفوس. و الباء فی بأیدیکم زائده. و یحتمل أن یکون مفعول تحرّکوا محذوفا تقدیره شیئا: اى و لا تتحرّکوا لهوى ألسنتکم و لا تستعجلوا بما لم یعجّله اللّه لکم من ذلک الجهاد. و قوله: فإنّه من مات منکم. إلى قوله: لسیفه. بیان لحکمهم فی زمن عدم قیام الإمام الحقّ بعده لطلب الأمر و تنبیه لهم‏ على ثمره الصبر، و هو أنّ من مات منهم على معرفه حقّ ربّه و حقّ رسوله و أهل بیته و الاعتراف بکونهم أئمّه الحقّ و الاقتداء بهم لحق بدرجه الشهداء و وقع أجره على اللّه بذلک و استحقّ الثواب منه على ما أتى به من الأعمال و الصبر على المکاره من الأعداء، و قامت نیّته أنّه من أنصار الإمام لو قام لطلب الأمر و أنّه معینه مقام تجرّده بسیفه معه فی استحقاق الأجر. وقوله: فإنّ لکلّ شی‏ء مدّه و أجلا. تنبیه على أنّ لکلّ من دوله العدوّ الباطله و دوله الحقّ العادله مدّه تنقضى بانقضائها و أجل تنتهى به فإذا حضرت مدّه دوله عدوّ فلیس ذلک وقت قیامکم فی دفعها فلا تستعجلوا به. هذا هو المتبادر إلى الفهم من هذا الکلام. و الخطبه من فصیح خطبه علیه السّلام و قد أخذ ابن نبانه الخطیب کثیرا من ألفاظها فی خطبته کقوله: شدید کلبها عال لجبها ساطعا لهبها متغیّظ زفیرها متأجّج سعیرها. إلى قوله: فظیعه امورها، و کقوله: هول المطّلع، و روعات الفزع. إلى قوله: وردم الصفیح.
فانّه أخذ کلّ هذه الألفاظ و رصّع بها کلامه. و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۲۰۲

بازدیدها: ۲

خطبه ۲۳۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
فَمِنَ الْإِیمَانِ مَا یَکُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِی الْقُلُوبِ- وَ مِنْهُ مَا یَکُونُ عَوَارِیَّ بَیْنَ الْقُلُوبِ وَ الصُّدُورِ- إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ- فَإِذَا کَانَتْ لَکُمْ بَرَاءَهٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ- حَتَّى یَحْضُرَهُ الْمَوْتُ- فَعِنْدَ ذَلِکَ یَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَهِ- وَ الْهِجْرَهُ قَائِمَهٌ عَلَى حَدِّهَا الْأَوَّلِ- مَا کَانَ لِلَّهِ فِی أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَهٌ- مِنْ مُسْتَسِرِّ الْإِمَّهِ وَ مُعْلِنِهَا- لَا یَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَهِ عَلَى أَحَدٍ- إِلَّا بِمَعْرِفَهِ الْحُجَّهِ فِی الْأَرْضِ- فَمَنْ‏ عَرَفَهَا وَ أَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ- وَ لَا یَقَعُ اسْمُ الِاسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّهُ- فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ وَ وَعَاهَا قَلْبُهُ إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا یَحْمِلُهُ إِلَّا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ- امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِیمَانِ- وَ لَا یَعِی حَدِیثَنَا إِلَّا صُدُورٌ أَمِینَهٌ وَ أَحْلَامٌ رَزِینَهٌ أَیُّهَا النَّاسُ سَلُونِی قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِی- فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّی بِطُرُقِ الْأَرْضِ- قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَهٌ تَطَأُ فِی خِطَامِهَا- وَ تَذْهَبُ بِأَحْلَامِ قَوْمِهَا

اللغه
أقول:

العوارىّ بالتشدید: جمع عاریه قیل: کأنّها منسوبه إلى العار.إذ فی طلبها عار.

و البراءه: التبرّى.

و شغرت البلده: إذا خلت عن مدبّرها.

و فی الفصل مسائل:
الاولى: قوله: فمن الإیمان. إلى قوله: أجل معلوم.
قسمه للإیمان إلى قسمین، و وجه الحصر فیهما أنّ الإیمان لمّا کان عباره عن التصدیق بوجود الصانع سبحانه و ماله من صفات الکمال و نعوت الجلال، و الاعتراف بصدق الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ما جاء به. فتلک الاعتقادات إن بلغت حدّ الملکات فی النفوس فهى الإیمان الثابت المستقرّ فی القلب، و إن لم یبلغ حدّ الملکه بل کانت بعد حالات فی معرض التغیّر و الانتقال فهى العوارىّ المتزلزله. و استعار لها لفظ العوارىّ باعتبار کونها فی معرض الزوال کما أنّ العوارىّ فی معرض الاسترجاع و الردّ. و کنّى بکونها بین القلوب و الصدور عن کونها غیر مستقرّه فی القلوب و لا متمکّنه من جواهر النفوس، و قال بعض الشارحین: أراد أنّ من الإیمان ما یکون على سبیل الإخلاص و منه ما یکون على سبیل النفاق.
و قوله: إلى أجل معلوم. ترشیح لاستعاره العوارىّ. إذ کانت من شأنها أن تستعار إلى وقت معلوم ثمّ ترد فکذلک ما کان بمعرض الزوال و التغیّر من الإیمان. و هذه القسمه إلى هذین القسمین هى الموجوده فی نسخه الرضى بخطّه و فی نسخ کثیر من الشارحین و نسخ کثیره معتبره، و نقل الشارح عبد الحمید بن أبی الحدید- رحمه اللّه- فی النسخه الّتی شرح الکتاب علیها ثلاثه أقسام هکذا: فمن الإیمان ما یکون ثابتا مستقرّا فی القلوب، و منه ما یکون عوارىّ فی القلوب، و منه ما یکون عوارىّ بین القلوب و الصدور إلى أجل معلوم. ثمّ قال فی بیانها ما هذه خلاصته: إنّ الإیمان إمّا أن یکون ثابتا مستقرّا فی القلوب بالبرهان و هو الإیمان الحقیقىّ، أو لیس بثابت بالبرهان بل بالدلیل الجدلىّ کإیمان کثیر ممّن لم تحقّق العلوم العقلیّه و یعتقد ما یعتقده من أقیسه جدلیّه لا تبلغ درجه البرهان و قد سمّاه علیه السّلام عوارىّ فی القلوب: أى أنّه و إن کان فی القلب الّذی هو محلّ الإیمان الحقیقیّ إلّا أنّ حکمه حکم العاریه فی البیب فإنّها بعرضه الخروج منه، و إمّا أن لا یکون مستندا إلى برهان و لا إلى قیاس جدلىّ بل على سبیل التقلید و حسن الظنّ بالأسلاف أو بإمام یحسن الظنّ به و قد جعله علیه السّلام عوارىّ بین القلوب و الصدور لأنّه دون الثانی فلم یجعله حالّا فی القلب لکونه أضعف ممّا قبله و أقرب إلى الزوال. ثمّ ردّ قوله: إلى أجل معلوم. إلى القسمین الأخیرین لأنّ من ثبت إیمانه بالقیاس الجدلىّ قد یبلغ إلى درجه البرهان إذا أنعم النظر و رتّب المقدّمات الیقینیّه ترتیبا منتجا، و قد یضعف مقدّماته فی نظره فینحطّ إلى درجه المقلّد فیکون إیمان کلّ منهما إلى أجل معلوم لکونه فی معرض الزوال. و أقول: إن صحّت هذه الروایه فالمعنى یعود إلى ما قلناه من القسمه فإنّ العلم بما یستلزمه البرهان أو غیره من الإیمان إن بلغ إلى حدّ الملکه فهو الثابت المستقرّ، و إلّا فهو العاریه و الّذی أراه أنّ القسم الثانی تکرار وقع من قلم الناسخ سهوا. و اللّه أعلم.
الثانیه: قوله: فإذا کانت لکم براءه. إلى قوله: حدّ البراءه.
معناه‏ أنّکم إذا أردتم التبرىّ من أحد من أهل الکبایر فقفوه: أى اجعلوه موقوفا إلى حال الموت و لا تسارعوا إلى البراءه منه قبل الموت فإنّ أشدّ الکبائر و أعظمها الکفر و جایز من الکافر أن یسلم فإذا بلغ منتهى الحیاه و حدّها و لم یقلع عن کبیرته فذلک الحدّ هو حدّ البراءه الّذی یجوز أن یوقعوها معه. إذ لیس بعد الموت حاله ترجى و تنتظر. قال بعض الشارحین: و البراءه الّتی أشار علیه السّلام إلیها هی البراءه المطلقه لا کلّ براءه، إذ یجوز لنا أن نبرء من الفاسق و صاحب الکبیره فی حیاته براءه مشروطه: أى ما دام مصرّا على کبیرته.
الثالثه: قوله: و الهجره قائمه على حدّها الأوّل
لمّا کانت حقیقه الهجره ترک منزل إلى منزل آخر لم تکن تخصیصها عرفا بهجره الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من تبعه و هاجر إلیه من مکّه إلى المدینه مخرجا لها عن حقیقتها و حدّها اللغوىّ. إذ کان أیضا کلّ من ترک منزله إلى منزل آخر مهاجرا إذا عرفت ذلک فنقول: إنّ مراده علیه السّلام من بقاء الهجره على حدّها بقاء صدقها على من هاجر إلیه و إلى الأئمّه من أهل بیته فی طلب دین اللّه و تعرّف کیفیّه السلوک لصراطه المستقیم کصدقها على من هاجر إلى الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. و فی معناها ترک الباطل إلى الحقّ و بیان هذا الحکم بالمنقول و المعقول: أمّا المنقول فمن وجهین: أحدهما: قوله تعالى وَ مَنْ یُهاجِرْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ یَجِدْ فِی الْأَرْضِ مُراغَماً کَثِیراً وَ سَعَهً فقد سمّى من فارق وطنه و عشیرته فی طلب دین اللّه و طاعته مهاجرا.
و قد علمت فی اصول الفقه أنّ من للعموم فوجب أن یکون کلّ من سافر لطلب دین اللّه من معادنه مهاجرا. الثانی: قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: المهاجر من هاجر ما حرّم اللّه علیه. و ظاهر أنّ من هاجر معصیه الأئمّه إلى طاعتهم و الاقتداء بهم فقد هاجر ما حرّم اللّه علیه فکان اسم الهجره صادقا علیه. و أمّا المعقول فلأنّ المفارق لوطنه إلى الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مهاجر فوجب أن یکون المفارق لوطنه إلى من یقوم مقامه من ذریّته الطاهرین مهاجرا لصدق حدّ الهجره فی الموضعین، و لأنّ المقصود من الهجره لیس إلّا اقتباس الدین و تعرّف کیفیّه سبیل اللّه. و هذا المقصود حاصل ممّن یقوم مقام الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الأئمّه الطاهرین علیهم السّلام بحیث لا فرق إلّا النبوّه و الإمامه. و لا مدخل لأحد هذین الوصفین فی تخصیص مسمّى الهجره بمن قصد الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم دون من قصد الأئمّه فوجب عموم صدقه على من قصدهم. فإن قلت: هذا معارض بقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: لا هجره بعد الفتح حتّى شفّع عمّه العبّاس فی نعیم بن مسعود الأشجعى أن یستثناه فاستثناه. قلت. یحمل ذلک على أنّه لا هجره من مکّه بعد فتحها إلى المدینه توفیقا بین الدلیلین. و سلب الخاصّ لا یستلزم سلب العامّ. فاعلم أنّ فائده هذا القول الدعوه إلى الدین و اقتباسه منه و من أهل بیته علیهم السّلام بذکر الهجره، و التنبّه بها و ما یستلزمه من الفضیله على أنّ التارک لأهله و وطنه إلیهم طلبا للدین منهم یلحق بالمهاجرین الأوّلین فی مراتبهم و ثوابهم.
الرابعه: قوله: ما کان فی الأرض. إلى قوله: و معانیها.
قال قطب الدین الراوندى- رحمه اللّه- : ما هاهنا نافیه: أى لم یکن للّه فی أهل الأرض ممّن أسرّ دینه أو أعلنه و أظهره حاجه. و من هنا لبیان الجنس. و أنکر الشارح عبد الحمید بن أبی الحدید کون ما نافیه. و قال: یلزم منه کون الکلام منقطعا بین کلامین متواصلین و جعلها هو بمعنى المدّه: أى و الهجره قائمه على حدّها ما دام للّه فی أهل الأرض ممّن أسرّ دینه أو اعلنه حاجه: أى ما دامت العباده مطلوبه للّه تعالى من أهل الأرض بالتکلیف و هو کقولک فی الدعاء: اللّهمّ أحینى ما کان الحیاه خیرا لی.
و یکون لفظ الحاجه مستعارا فی حقّه تعالى باعتبار طلبه للعباده بالأوامر و غیرها کطلب ذی الحاجه لها. و أقول: إنّه غیر بعید أن یکون نافیه مع اتّصال الکلام بما قبله، و وجهه أنّه لمّا رغّب الناس فی طلب الدین و العباده فکأنّه أراد أن یرفع حکم الوهم بما عساه یحکم به عند تکرار طلب اللّه للدین و العباده من حاجته تعالى إلیها من خلقه حیث کرّر طلبه منهم بتواتر الرسل و الأوامر الشرعیّه، و یصیرمعنى الکلام أنّ الهجره باقیه على حدّها الأوّل فی صدقها على المسافرین لطلب الدین فینبغی للناس أن یهاجروا فی طلبه إلى أئمّه الحقّ و لیس ذلک لأنّ للّه تعالى إلى أهل الأرض ممن أسرّ دینه أو أظهره حاجه فإنّه تعالى الغنىّ المطلق الّذی لا حاجه به إلى شی‏ء.
الخامسه: قوله: لا تقع اسم الهجره. إلى قوله: قلبه
إشاره بالحجّه فی الأرض إلى إمام الوقت لأنّه حجّه اللّه فی أرضه على عباده یوم القیامه و شاهده علیهم. و هذا الکلام تفسیر لمواقع اسم الهجره و بیان لمن تصدق علیه فشرط صدقها على الإنسان بمعرفته لإمام وقته و ذلک لأنّ الإمام هو الحافظ للدین و معدنه الّذی یجب أخذه عنه فیکون قصده لذلک مشروطا بمعرفته فإذن إطلاق اسم الهجره علیه مشروط بمعرفه إمام الوقت فلذلک قال: لا یقع اسم الهجره على أحد إلّا بعد معرفه الحجّه فی الأرض. و قوله: فمن عرفها و أقرّ بها فهو مهاجر. یحتمل أن یرید به أنّ شرط إطلاق اسم المهاجره على الإنسان مشروط بمعرفه إمام الوقت المستلزمه للسفر إلیه کما هو الظاهر من لفظ المهاجره. و یحتمل أن یرید أنّ مجرّد معرفه الإمام و الإقرار بوجوب اتّباعه و الأخذ عنه و إن کان بالإخبار عنه دون المشاهده کاف فی إطلاق اسم الهجره على من عرفه کذلک دون السفر إلیه کما کفى فی إطلاقه على ترک ما حرّم اللّه بمقتضى قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: و المهاجر من ترک ما حرّم اللّه علیه. و قوله: و لا یصدق [یقع خ‏] اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّه. أى أخبار الحجّه فحذف المضاف. و یحتمل أن یرید بالحجّه نفس الأخبار الّتى ینقل عن الإمام و یجب العمل بها قال قطب الدین الراوندى: یمکن أن یشیر بهذا الکلام إلى أحد آیتین: إحداهما: قوله تعالى إِنَّ الَّذِینَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِکَهُ ظالِمِی أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِیمَ کُنْتُمْ قالُوا کُنَّا مُسْتَضْعَفِینَ فِی الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَکُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَهً فَتُهاجِرُوا فِیها فَأُولئِکَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ«» فیکون مراده علیه السّلام على هذا أنّه لا یصدق اسم الاستضعاف على من عرف الإمام و بلغته أحکامه و وعاها قلبه و إن بقى فی وطنه و لم یتجشّم السفر إلى الإمام کما لا یصدق على هؤلاء المذکورین فی الآیه. و الثانیه: قوله تعالى بعد ذلک إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِینَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا یَسْتَطِیعُونَ حِیلَهً وَ لا یَهْتَدُونَ سَبِیلًا فَأُولئِکَ عَسَى اللَّهُ أَنْ یَعْفُوَ عَنْهُمْ«» فیکون مراده على هذا أنّ من عرف الإمام و سمع مقالته و وعاها قلبه لا یصدق علیه الاستضعاف کما صدق على هؤلاء. إذ کان المفروض على الموجودین فی عصر الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المهاجره بالأبدان دون من بعدهم بل یقنع منه بمعرفته و العمل بقوله بدون المهاجره إلیه بالبدن: و أقول: یحتمل أن یرید بقوله ذلک أنّه لا عذر لمن بلغته دعوه الحجّه و سمعها فی تأخّره عن النهوض و المهاجره إلیه مع قدرته على ذلک و لا یصدق علیه اسم الاستضعاف کما یصدق المستضعفین من الرجال و النساء و الولدان حتّى یکون ذلک عذرا له بل یکون فی تأخّره ملوما مستحقّا للعذاب کالّذین قالوا إنّا کنّا مستضعفین فی الأرض، و یکون مخصوصا بالقادرین على النهوص کما قلناه دون العاجزین فإنّ اسم الاستضعاف صادق علیهم. و هذا الاحتمال إنّما یکون جایز الإراده من هذا الکلام على تقدیر أن یکون إطلاق اسم المهاجر على الإنسان فی الکلام المقدّم مشروطا بمعرفه الإمام بالمشاهده و السفر إلیه. إذ لو جاز علیه أن یطلق علیه المهاجره مع عدم السفر إلى الإمام لما کان ملوما فی تأخّره عنه.
السادسه: قوله: إنّ أمرنا صعب مستصعب.
فأمرهم شأنهم و ما هم علیه من الکمال الخارج عن کمالات من عداهم من الامّه و الأطوار الّتی یختصّ بها عقولهم وراء عقول غیرهم فیکون لهم عن ذلک القدره على ما لا یقدر علیه غیرهم و الإدراکات الغیبیّه بالنسبه إلى غیرهم و الإخبار عنه کالوقائع الّتی حکى عنها علیه السّلام ثمّ وقعت على وفق قوله و کالأحکام و القضایا الّتى اختصّ بها و نقلت عنه فإنّ هذا الشأن صعب فی نفسه لا یقدر علیه إلّا الأنبیاء و أوصیاء الأنبیاء و مستصعب‏ الفهم على الخلق معجوز عن احتمال ما یلقى منه من الإشارات و الإخبارات عمّا سیکون و القدره على ما یخرج عن وسع مثلهم و لا تحتمله و لا تقبله إلّا نفس عبد امتحنها اللّه للایمان کقوله تعالى إِنَّ الَّذِینَ یَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ«» أى أعدّها بالامتحان و الابتلاء بالتکالیف العقلیّه و النقلیّه لحصول الإیمان الکامل الیقینىّ باللّه و رسوله و کیفیّه سلوک سبیله، و تجلّت بالکمالات العلمیّه و الفضایل الخلقیّه حتّى عرفت مبادى کمالاتهم و مقادیرها و کیفیّه صدور مثل هذه الغرایب عنها فلا یستنکر ما یأتون به من قول أو فعل و لا یلقاه بالتکذیب کما کانت جماعه من أصحابه علیه السّلام یفعلون ذلک معه فیما کان یخبر به عن الفتن حتّى فهم ذلک منهم فقال: یقولون: یکذب. قاتلهم اللّه تعالى فعلى من أکذب أعلى اللّه و أنا أوّل من آمن به أو على رسوله و أنا أوّل من صدّقه کما حکینا ذلک فیما سبق، بل یحتمل کلّ ما یأتون به على وجهه و یستنده إلى مبدئه و یفرح بوصول ما یرد علیها من أسرارهم الإلهیّه. فأولئک و أمثالهم هم أصحاب الصدور الآمنه الّتی تعى ما یلقى إلیها من تلک الأسرار و یصونها عن الإذاعه إلى من لا ینتفع بها و لیس بأهل لها فهی مأمونه علیها، و أولو الأحلام الرزینه الّتی لا یستفزّها سماع تلک الغرایب و مشاهدتها منهم فیحملهم ذلک على إذاعتها و استنکارها بل یحملها على الصواب ما وجدت لها محملا فإذا عجزت عن معرفتها ثبتت فیها و آمنت بها على سبیل الإجمال و فوّضت علم کنهها إلى اللّه سبحانه. و أراد قلوب صدور أمینه أو أصحاب صدور أمینه و أصحاب أحلام رزینه فحذف المضاف. و یحتمل أن یکون قد أطلق اسم الصدور و الأحلام مجازا عن أهلها إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق و نقل عنه علیه السّلام مثل هذا الکلام فی غیر هذا الموضع من جمله خطبه له: أنّ قریشا طلبت السعاده فشقیت. و طلبت النجاه فهلکت. و طلبت الهدى فضلّت ألم یسمعوا و یحهم قوله تعالى الَّذِینَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّیَّتُهُمْ بِإِیمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ«» فأین العدل و النزع عن ذرّیّه الرسول الّذین شیّد اللّه بنیانهم فوق البنیان و أعلى رؤوسهم و اختارهم علیهم. ألا إنّ‏ الذّریّه أفنان أنا شجرتها و دوحه أنا ساقها. و إنّی من أحمد بمنزله الضوء من الضوء کنّا أظلالا تحت العرش قبل خلق البشر و قبل خلق الطینه الّتی کان منها البشر أشباحا عالیه لا أجساما نامیه. إنّ أمرنا صعب مستصعب لا یعرف کنهه إلّا ملک مقرّب أو نبىّ مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للإیمان فإذا انکشف لکم سرّا و وضح لکم أمر فاقبلوه و إلّا فامسکوا تسلموا و ردّوا علمها إلى اللّه فإنّکم فی أوسع ما بین السماء و الأرض. و فی قوله: و إنّی من أحمد بمنزله الضوء من الضوء، و قوله: کنّا أظلالا. إلى قوله: نامیه إشاره لطیفه: أمّا الأوّل: فأشار إلى أنّ الکمالات الّتی حصلت لنفسه القدسیّه بواسطه کمالات نفس النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أشبه الأشیاء بصدور الضوء عن الضوء کشعله مصباح اقتبست من شعله مصباح أکبر و أعلى. و من العاده فی عرف المجرّدین و أولیاء اللّه و کتابه تمثیل النفوس الشریفه و العلوم بالأنوار و الأضواء لمکان المشابهه بینهما فی حصول الهدایه عنها مع لطفها و صفائها، و أمّا الثانی فیحمل أن یکون قد أشار بکونهم أظلّه تحت العرش قبل خلق البشر أشباحا بلا أجسام إلى وجودهم فی العلم الکلّیّ فإنّه قد یعبّر عنه فی بعض المواضع بالعرش.
و استعار لفظ الأضلال لهم باعتبار کونهم مرجعا للخلق و ملجأ کالأظلال، و قد سبقت الإشاره إلى ذلک أو ما قرب منها ببیان أوضح فی الخطبه الاولى.
السابعه: أیّه بالناس.
و قال: سلونى قبل أن تفقدونى. إلى قوله: الأرض. و أجمع الناس على أنّه لم یقل أحد من الصحابه و أهل العلم: سلونى. غیر علىّ علیه السّلام ذکر ذلک ابن عبد البرّ فی کتاب الاستیعاب. و أراد بطرق السماء وجوه الهدایه إلى معرفه منازل سکّان السماوات من الملأ الأعلى و مراتبهم من حضره الربوبیّه و مقامات أنبیاء اللّه و خلفائه من حظائر القدس، و انتقاش نفسه القدسیّه عنهم بأحوال الفلک و مدبّراتها و الامور الغیبیّه ممّا یتعلّق بالفتن و الوقایع المستقبله إذ کان له علیه السّلام الاتّصال التامّ بتلک المبادی‏ء. فبالحرىّ أن یکون علمه بما هناک أتمّ و أکمل من علمه بطرق الأرض إلى منازلها. و قد سبق مثله لقوله: سلونى قبل أن تفقدونى فو اللّه لا تسألونی عن فئه تضلّ مائه و تهدى مائه إلّا أنبأتکم بسائقها وقائدها. و قد حمله قوم على وجه آخر و قالوا: أراد بطرق السماء الأحکام الشرعیّه و الفتاوى الفقهیّه: أى أنا أعلم بها من الامور الدنیویّه فعبّر عن تلک بطرق السماء لکونها أحکاما إلهیّه، و عبّر عن هذه بطرق الأرض لأنّها من الأرضیّه. و نحوه ما نقل عن الإمام الوبرىّ: أنّه قال: أراد أنّ علمه بالدین أوفر من علمه بالدنیا.
و قوله: قبل أن تشغر برجلها فتنه. إلى آخره.
أراد فتنه بنی امیّه و أحکامهم العادله عن العدل و ما یلحق الناس فی دولتهم من البلاء. و کنّى بشغر رجلها عن خلوّ تلک الفتنه عن مدبّر یدبّرها و یحفظ الامور و ینتظم الدین حین وقوع الجور.
و قوله: تطأ فی خطامها.
استعاره لوصف الناقه الّتی ارسل خطامها و خلت عن القاید فی طریقها فهی تخبط فی خطامها و تعثر فیه و تطأ من لقیت من الناس على غیر نظام عن حالها، و هذا هو وجه الاستعاره. إذ کانت هذه الفتنه تقع فی الناس على غیر قانون شرعیّ.
و لا طریق مرضىّ. و لا قائد ینتظم امور الخلق فیها. و قوله: و یذهب بأحلام قومها. قال بعض الشارحین: أى تحیّر أهل زمانها و تذهلهم بشدّتها حتّى لا یثبتون فیها بل تطیش ألبابهم فلا یهتدون إلى طریق التخلّص عنها و وجه السلامه فیها.
و یحتمل أن یرید بذلک أنّها یستخفّ أهل زمانها فیأتون إلیها سراعا و یجیئون الناعق بها و الداعى إلیها رغبه و رهبه فلا یبالون فی ذلک و لا یفحّصون عن کونها فتنه لغفلتهم عن وجه الحقّ فیها و شدّه وقوعها على الناس. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۹۳

 

بازدیدها: ۴

خطبه ۲۳۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
أُوصِیکُمْ أَیُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللَّهِ- وَ کَثْرَهِ حَمْدِهِ عَلَى آلَائِهِ إِلَیْکُمْ- وَ نَعْمَائِهِ عَلَیْکُمْ وَ بَلَائِهِ لَدَیْکُمْ- فَکَمْ خَصَّکُمْ بِنِعْمَهٍ وَ تَدَارَکَکُمْ بِرَحْمَهٍ- أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَکُمْ وَ تَعَرَّضْتُمْ لِأَخْذِهِ فَأَمْهَلَکُمْ- وَ أُوصِیکُمْ بِذِکْرِ الْمَوْتِ وَ إِقْلَالِ الْغَفْلَهِ عَنْهُ- وَ کَیْفَ غَفْلَتُکُمْ عَمَّا لَیْسَ یُغْفِلُکُمْ- وَ طَمَعُکُمْ فِیمَنْ لَیْسَ یُمْهِلُکُمْ- فَکَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَایَنْتُمُوهُمْ- حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَیْرَ رَاکِبینَ- وَ أُنْزِلُوا فِیهَا غَیْرَ نَازِلِینَ- فَکَأَنَّهُمْ لَمْ یَکُونُوا لِلدُّنْیَا عُمَّاراً- وَ کَأَنَّ الْآخِرَهَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً- أَوْحَشُوا مَا کَانُوا یُوطِنُونَ- وَ أَوْطَنُوا مَا کَانُوا یُوحِشُونَ- وَ اشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا- وَ أَضَاعُوا مَا إِلَیْهِ انْتَقَلُوا- لَا عَنْ قَبِیحٍ یَسْتَطِیعُونَ انْتِقَالًا- وَ لَا فِی حَسَنٍ یَسْتَطِیعُونَ ازْدِیَاداً- أَنِسُوا بِالدُّنْیَا فَغَرَّتْهُمْ-وَ وَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ فَسَابِقُوا رَحِمَکُمُ اللَّهُ إِلَى مَنَازِلِکُمُ- الَّتِی أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا- وَ الَّتِی رَغِبْتُمْ فِیهَا وَ دُعِیتُمْ إِلَیْهَا- وَ اسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَیْکُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ- وَ الْمُجَانَبَهِ لِمَعْصِیَتِهِ- فَإِنَّ غَداً مِنَ الْیَوْمِ قَرِیبٌ- مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِی الْیَوْمِ- وَ أَسْرَعَ الْأَیَّامَ فِی الشَّهْرِ- وَ أَسْرَعَ الشُّهُورَ فِی السَّنَهِ- وَ أَسْرَعَ السِّنِینَ فِی الْعُمُرِ

اللغه

أقول:

أعورتم: أبدیتم عوراتکم.

و العوره: السوءه و کلّ ما یستحیى منه.

و الفصل یشتمل على الوصیّه بامور:
أوّلها: تقوى اللّه تعالى
فإنّها العمده الکبرى فیما یوصى به، ثمّ بکثره حمده تعالى على آلائه إلیهم و نعمائه علیهم و بلائه لدیهم. و قد علمت معنى بلائه و أنّه یکون بالخیر و الشرّ کما قال تعالى وَ نَبْلُوکُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَیْرِ فِتْنَهً«» و أردف ذلک بتقریر تخصیصهم بنعمته تعالى علیهم و تذکیرهم برحمته. و الرحمه کما یراد بها صفه اللّه تعالى کذلک یراد بها آثاره الحسنه الخیریّه کما هو مراده هنا فی حقّ عباده. و أتى بلفظ کم للتکثیر. ثمّ أردفه بذکر ضروب الرحمه و النعمه فمنها ستره علیهم حیث مجاهرتهم له بالمعصیه الّتی ینبغی أن یستحیوا منها و موافقتهم لها بمرأى منه و مسمع. و منها إمهالهم أن یبادرهم بالنقمه و یعاجلهم بالعقوبه حیث تعرّضوا لأخذه بارتکاب مناهیه و مخالفه أوامره.
الثانی: ممّا أوصاهم به ذکر الموت و إقلال الغفله عنه.
و ذلک لما یستلزم ذکره من الانزجار عن المعاصى، و ذکر المعاد إلى اللّه سبحانه و وعده و وعیده، و الرغبه عن الدنیا و تنقیص لذّاتها کما قال الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أکثروا من ذکر هادم اللذّات. و إنّما استلزم ذکره ذلک لکونه ممّا یساعد العقل فیه الوهم على‏ ضروره وقوعه مع مساعدته على ما فیه من المشقّه الشاقّه. ثمّ استفهمهم عن غفلتهم عنه و طمعهم فیه مع کونه لا یغفلهم و لا یمهلهم استفهام توبیخ على ذلک. و لأجل ما فیه من شدّه الاعتبار قال: فکفى واعظا بموتى عاینتموهم. إلى قوله: فصرعتهم. و فی هذا القول زیاده موعظه على ذکر الموت و هى شرح أحوال من عاینوه من الموتى. و ذکر منها أحوالا: أحدها: کیفیّه حملهم إلى قبورهم غیر راکبین مع کونهم فی صوره رکوب منفور عنه. الثانیه: إنزالهم إلى القبور على غیر عاده النزول المتعارف المقصود فکأنّهم فی تلک الحال مع طول مددهم فی الدنیا و عمارتهم لها و رکونهم إلیها لم یکونوا لها عمّارا و کان الآخره لم تزل دارا. و وجه التشبیه الأوّل انقطاعهم عنها بالکلّیّه و عدم خیرهم فیها فأشبهوا لذلک من لم یکن فیها. و وجه الثانی کون الآخره هى مستقرّهم الدائم الثابت الّذی لا معدل عنه فأشبهت فی ذلک المنزل الّذی لم یزل له دارا. الثالثه: ایحاشهم ما کانوا یوطنون من منازل الدنیا و مسالکها. الرابعه: ایطانهم ما کانوا یوحشون من القبور الّتی هی أوّل منازل الآخره. الخامسه: اشتغالهم بما فارقوا. و ذلک أنّ النفوس الراکنه إلى الدنیا العاشقه لها المقبله على الاشتغال بلذّاتها یتمکّن فی جواهرها ذلک العشق لها و تصیر محبّتها ملکه و خلقا فیحصل لها بعد المفارقه لما أحبّته من العذاب به و الشقا الأشقى بالنزوع إلیه و عدم التمکّن من الحصول علیه أعظم شغل و أقوى شاغل و أصعب بلاء هایل بل تذهل فیه کلّ مرضعه عمّا أرضعت و تضع فیه کلّ ذات حمل حملها و ترى الناس سکارى و ما هم بسکارى و لکنّ عذاب اللّه شدید. السادسه: إضاعتهم ما إلیه انتقلوا و هی دار الآخره. و معنى إضاعتهم لها ترکهم الأسباب الموصله إلى ثوابها و المبعّده من عقابها. السابعه: کونهم لا یستطیعون الانتقال عمّا حصلوا علیه من الأفعال القبیحه الّتی ألزمتهم العذاب و أکسبت نفوسهم ملکات السوء. و ذلک ظاهر. إذا لانتقال عن ذلک لا یمکن إلّا فی دار العمل و هی الدنیا. الثامنه: و کذلک لا من حسن یستطیعون ازدیادا: أى من الأعمال الحسنه الموجبه للملکات الخیریّه و الثواب الدائم کما قال تعالى حکایه عنهم حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّی أَعْمَلُ«» الآیه. التاسعه: أنّهم أنسوا بالدنیا حتّی غرّتهم. العاشره: کونهم وثقوا بها حتّى صرعتهم. و السبب فی الاغترار بها و غرورها هم حصول لذّاتها المحسوسه مع قربهم من المحسوس و هو مستلزم للانس بها المستلزم للغرور بها و الغفله عمّا وراها و هو مستلزم للوثوق و هو مستلزم لصرعتهم فی مهاوى الهلاک حیث لا یقال عثره و لا ینفع ندامه. و أعلم أنّ ذکر الموت و إن کان یستلزم الاتّعاظ و الانزجار إلّا أنّ شرح الأحوال الّتی تعرض للإنسان فی موته أبلغ فی ذلک لما أنّ کلّ حال فیها منفور عنها طبعا و إن کانت إنّما تحصل النفره عنها لکونها حاله تعرض للمیّت و المقرون بالمولم و المکروه مکروه و مولم و منفور عنه طبعا.

الثالث: ممّا أمرهم به على طریق الوصیّه أن یسابقوا إلى منازلهم الّتی امروا أن یعمّروها و الّتی رغّبوا فیها و دعوا إلیها و هی منازل الجنّه و مراتب الأبرار فیها. و عمارتها بالأعمال الصالحه الموافقه لمقتضى النوامیس الإلهیّه و تحصیل الکمالات النفسانیّه عنها. و المعنى لیسابق بعضکم بعضا إلى منازلکم و مراتب درجاتکم من الجنّه و عمارتها بتحصیل الکمالات النفسانیّه و موافقه الشرع الإلهیّه.
و إلیه الإشاره بقوله تعالى وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ وَ جَنَّهٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِینَ«» و الترغیب فیها لقوله تعالى وَ لَلدَّارُ الْآخِرَهُ خَیْرٌ لِلَّذِینَ یَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ«» و نحوه.
الرابعه: ممّا أمرهم به الصبر على طاعه اللّه و على مجانبه المعصیه.
و رغّب‏ بکونه سببا یستتمّ به نعمه اللّه علیهم. و لمّا کان استلزامه لها کالثمره له و کانت ثمره الصبر حلاوه قدّمها لیحلو الصبر بذکرها.

و قوله: فإن غدا من الیوم قریب.
 تخویف من الساعه و قربها. و لم یرد بغد و لا الیوم حقیقتهما بل أراد بغد القیامه و بالیوم مدّه الحیاه کقوله فیما سبق: ألا و إنّ الیوم المضمار و غدا السباق.
و هو یجری مجری المثل کقولهم: غد ما غدا، قرب الیوم من غد.

و قوله: ما أسرع الساعات فی الیوم. إلى آخره.
 بیان لقرب الغد الّذی کنّى به عن القیامه من الیوم فإنّ الساعات سریعه الإتیان و الانقضاء. و سرعتهما مستلزم لسرعه مجی‏ء الیوم و انقضائه. و سرعتهما مستلزم لسرعه مجی‏ء الشهر و انقضائه المستلزمین لسرعه مجی‏ء السنه و انقضائها المستلزمین لسرعه انقضاء عمر العاملین فیه لکنّ انقضاؤه بالقیامه. فإذن الساعات مستلزمه لسرعه انقضاء العمر و قرب غده من یومه. و أتى فی الکلّ بلفظ التعجّب تأکیدا لبیان تلک السرعه. و هو کلام شریف بالغ فی الفصاحه و الموعظه. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۹۳

 

بازدیدها: ۹

خطبه ۲۲۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام یختص بذکر الملاحم
أَلَا بِأَبِی وَ أُمِّی هُمْ مِنْ عِدَّهٍ- أَسْمَاؤُهُمْ فِی السَّمَاءِ مَعْرُوفَهٌ وَ فِی الْأَرْضِ مَجْهُولَهٌ- أَلَا فَتَوَقَّعُوا مَا یَکُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِکُمْ- وَ انْقِطَاعِ وُصَلِکُمْ وَ اسْتِعْمَالِ صِغَارِکُمْ- ذَاکَ حَیْثُ تَکُونُ ضَرْبَهُ السَّیْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ- أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ- ذَاکَ حَیْثُ یَکُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِی- ذَاکَ حَیْثُ تَسْکَرُونَ مِنْ غَیْرِ شَرَابٍ- بَلْ مِنَ النِّعْمَهِ وَ النَّعِیمِ- وَ تَحْلِفُونَ مِنْ غَیْرِ اضْطِرَارٍ- وَ تَکْذِبُونَ مِنْ غَیْرِ إِحْرَاجٍ- ذَاکَ إِذَا عَضَّکُمُ الْبَلَاءُ کَمَا یَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِیرِ- مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ وَ أَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ- أَیُّهَا النَّاسُ أَلْقُوا هَذِهِ الْأَزِمَّهَ- الَّتِی تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَثْقَالَ مِنْ أَیْدِیکُمْ- وَ لَا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِکُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِکُمْ- وَ لَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَهِ- وَ أَمِیطُوا عَنْ سَنَنِهَا وَ خَلُّوا قَصْدَ السَّبِیلِ لَهَا- فَقَدْ لَعَمْرِی یَهْلِکُ فِی لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ- وَ یَسْلَمُ فِیهَا غَیْرُ الْمُسْلِمِ انِّمَا مَثَلِی بَیْنَکُمْ کَمَثَلِ السِّرَاجِ فِی الظُّلْمَهِ- یَسْتَضِی‏ءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا- فَاسْمَعُوا أَیُّهَا النَّاسُ- وَ عُوا وَ أَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِکُمْ تَفْهَمُوا

اللغه
أقول:

أحرجه: ألجأه و ضیّق علیه، و تصدّعوا: تفرّقوا.

و غبّ کلّ شی‏ء: عاقبته.

و فور النار: تلهّبا و شدّه حرّها.

و أمطت عن کذا و مطت: تنحّیت عنه.

و السنن: القصد، و الاقتحام: الدخول فی الشی‏ء بشدّه.

المعنى
فقوله: بأبى و امّى. تسمّى البأبأه، و الجار و المجرور فی تقدیر خبر المبتدأ و هو قوله: هم. و قد سبقت الإشاره إلى مثله فی قوله مخاطبا للرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عند تولیه غسله، و الضمیر إشاره إلى أولیاء اللّه فیما یستقبل من الزمان بالنسبه إلى زمانه علیه السّلام و قالت الشیعه: إنّه أراد الأئمّه من ولده علیهم السّلام. و قوله: أسماؤهم فی السماء معروفه.

إشاره إلى علوّ درجتهم فی الملأ الأعلى و إثبات أسمائهم و صفاتهم الفاضله فی دیوان الصدّیقین، و فی الأرض مجهولون بین أهل الدنیا الّذین یرون أنّه لیس وراءها کمال. و من سیماء الصالحین بمجرى العاده القشف و الإعراض عن الدنیا و ذلک یستلزم قلّه مخالطه أهلها و مکاثرتهم و هو مستلزم لجهلهم بهم و عدم معرفتهم لهم. ثمّ شرع فی التنبیه على الأحوال الردیئه المستقبله المضادّه لمصالح العالم الّتی یجمعها سوء التدبّر و تفرّق الکلمه و هى إدبار ما أقبل من امورهم و انقطاع ما اتّصل من وصلهم و أسبابهم. و الوصل: جمع وصله و هى الانتظامات الحاصله لأسبابهم فی المعاش و المعاد بوجود الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تدبیره. ثمّ استعمال صغارهم و أراد لهم فإنّه من جمله أسباب الفساد، و من أسباب صلاح العالم استعمال أهل الشرف و أکابر الناس على الأعمال، و من کلامه علیه السّلام فی ذلک قوله لمالک الأشتر فی عهده إلیه یشیر إلى العمّال: و توخّ منهم أهل التجربه و الحیاء من أهل البیوتات الصالحه و القدم فی الإسلام المتقدّمه فإنّهم أکرم أخلاقا و أصحّ أعراضا و أقلّ فی المطامع إشرافا و أبلغ فی عواقب الامور نظرا.
و صغار الناس مظنّه أضداد الامور المذکوره و بسببها یکون خراب العالم و فساد نظامه. ثمّ أشار إلى أوقاتها و علامات وقوعها: فمنها: حیث یکون ضربه السیف على المؤمن أهون و أقلّ عنده مشقّه من المشقّه الحاصله فی اکتساب درهم حلال. و ذلک لأنّ المکاسب حینئذ یکون قد اختلطت و غلب الحرام الحلال فیها، و أراد بقوله: من الدرهم: أى من کسب الدرهم فحذف المضاف. و منها: حیث یکون المعطى أعظم أجرا من المعطى، و ذلک لأنّ أکثر من یعطى حینئذ و یتصدّق یکون ماله مشوبا بالحرام فیقلّ أجره، و لأنّ أکثرهم یعطى و یقصد بإعطائه الرئاء و السمعه أو لهوى نفسه أو لخطره من خطرات وسواسه من غیر خلوص للّه سبحانه فی ذلک، و أمّا المعطى فقد یکون فقیرا مستحقّا للزکاه ذا عیال لا یلزمه أن یبحث عن أصل ما یعطاه فإذا أخذه‏ لسدّ خلّته کان فی ذلک أعظم أجرا ممّن یعطیه، أو لأنّ المعطى قد یکون أکثر ما ینفق ماله فی غیر طاعه له فی الوجوه المحظوره فإذا أخذ الفقیر منه على وجه الصدقه فوّت على المعطى صرف ماله فی تلک الوجوه فکان للفقیر بذلک المنّه علیه. إذ کان سببا فی منعه عن صرف ماله فیما لا ینبغی فکان أعظم أجرا منه. و منها: حیث یسکرون من غیر شراب. فاستعار وصف السکر لهم باعتبار غفلتهم عمّا ینبغی لهم اللازمه عن استغراقهم فی اللذّات الحاضره کما یلزم السکر الغفله عن المصالح، و قرینه الاستعاره قوله: من غیر شراب بل من النعمه فإنّ السکر حقیقه إنّما یکون عن الشراب. و منها: حیث یحلفون من غیر اضطرار إلى الیمین بل غفله عن عظمه اللّه سبحانه حتّى یتوصّلوا بالیمین به إلى أخسّ المطالب.
و منها: حیث یکذبون من غیر إخراج: أى من غیر أن یلجئهم إلى الکذب ضروره، بل یصیر الکذب ملکه و خلقا. و منها: إذا عضّکم البلاء، و استعار لفظ العضّ لإیلام البلاء الّذی ینزل بقلوبهم و شبّهه بعض- القتب لغارب البعیر، و وجه المشابهه هو شدّه الإیلام و هذا الشبه هو وجه استعاره العضّ للبلاء. و قوله: ما أطول هذا العناء و أبعد هذا الرجاء. کلام منقطع عمّا قبله کما هو عاده الرضى- رضى اللّه عنه- فی التقاط الوصول و إلحاق بعضها ببعض. و وجدت هذا الفصل بخطّه فی حاشیه نسخه الأصل. و ظاهره یقتضى أنّه ذکر فیما کان متّصلا بالکلام ما ینال شیعته من البؤس و القنوط و مشقّه انتظار الفرج. و أنّ قوله: ما أطول. إلى قوله: الرجاء. کلام شیعته. فعلى هذا یکون المعنى أنّهم یصابون بالبلاء حتّى یقولوا: ما أطول التعب الّذی نحن فیه و ما أبعد رجاءنا للخلاص منه بقیام القایم المنتظر. و یحتمل أن یکون الکلام متّصلا، و یکون قوله: ما أطول هذا العناء. کلاما مستأنفا فی معنى التوبیخ لهم على إعراضهم عنه و إقبالهم على الدنیا و إتعابهم أنفسهم فی طلبها. و التنفیر لهم عنها بذکر طول العناء فی طلبهم و بعد الرجاء لما یرجى منها: أى ما أطول هذا العناء اللاحق لکم فی طلب الدنیا و ما أبعد هذا الرجاء الّذی یرجونه منها، و ظاهر أنّ متاعب الدنیا لطالبها أطول المتاعب و مطالبها لراحتها أبعد المطالب کما قال علیه السّلام من قبل: من ساعاها فاتته و کما قال الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: من جعل الدنیا أکبرهمّ فرّق اللّه علیه همّه و جعل فقره بین عینیه و لم یأته منها إلّا ما کتب له.
و هذا الکلام یقتضى أنّ المتجرّد لطلب الدنیا لا یزال ملاحظا لفقره مستحضرا له فهو حامل له على التعب فی تحصیلها و الکدح لها، و یحتمل أن یرید بالعناء المشار إلیه عناؤه فی جذبهم إلى اللّه و دعوته لهم إلى الآخره فی أکثر أوقاته فإنّهم لا یرجعون إلى دعوته و لا یتّفقون على کلمته، و ظاهر أنّه عناء طویل و تعب عظیم. و بالرجاء المشار إلیه رجاؤه لصلاحهم و استبعده ثمّ أیّد بهم. و استعار لفظ الأزمّه للآراء الفاسده المتّبعه و الأهواء القائده لهم إلى المئاثم. و وجه المشابهه کونها قائده لهم کما تقود الأزمّه الجمال، و لفظ الإلقاء للأعراض عن تلک الآراء الباطله و ترک العمل لها. و لفظ الظهور لأنفسهم، و لفظ الأثقال للمعقول من أثقال الذنوب، و وجه المشابهه الاولى کونها حامله لأثقال الخطایا و الأوزار کما یحمل الظهور الأثقال المحسوسه کما قال تعالى وَ هُمْ یَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى‏ ظُهُورِهِمْ«» و قوله وَ لَیَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ«» و وجه الاستعاره الثانیه أنّ الملکات الردیئه الحاصله من اقتراف المئاثم تثقّل النفوس عن النهوض إلى حظایر القدس و منازل الأبرار کما تثقّل الأثقال المحسوسه الظهور الحامله لها. و لمّا استعار لفظ الإلقاء و الأزمّه اللذین من شأنهما أن یکونا بالید و فی الید رشّح بذکر الأیدی فقال: من أیدیکم. و الحاصل أنّه أمرهم بترک الآراء الفاسده و نهاهم عن متابعتها، و نبّه على وجوب ترکها بأنّهم إذا ألزموها و عملوا على وفقها قادتهم إلى حمل أثقال الخطایا. ثمّ أردف ذلک بالنهى عن التفرّق عنه بعد تقدیم النهى عن اتّباع الآراء الفاسده المستلزمه للهلاک تنبیها على أنّ آراءهم فی التصدّع عنه من تلک الآراء غیر المحموده. و قوله: فتذمّوا غبّ فعالکم. تنفیر عن التفرّق عنه بذکر ما یلزمه من العاقبه المذمومه، و هى غلبه العدوّ علیهم و استیلاءه على أحوالهم و تعوّضهم عن عزّتهم ذلّا، و رخائهم و نعمتهم بؤسا و نقمه. و الفاء هی الّتی فی جواب النهى: أى إن تصدّعتم عن سلطانکم ذممتم غبّ فعالکم. ثمّ أردف النهى عن التفرّق عنه بالنهى عن اقتحام ما استقبلوا من الفتنه المنتظره تشبیها على أنّ التفرّق عنه سبب للدخول فی نار الفتنه، و تنفیرا عن مخالفته بکونها اقتحاما لنار الفتنه و تسرّعا إلى دخولها، و لفظ النار مستعار لأحوال الفتنه من الحروب و القتل و الظلم، و وجه المشابهه کونها مستلزمه للأذى کالنار. و وصف الاقتحام لمخالفته و التفرّق عنه، و وجه الاستعاره إسراع تفرّقهم عنه إلى الوقوع فی الفتنه کإسراع المقتحم. و رشّح باستعاره النار بالفور مبالغه فی التنفیر. ثمّ أمرهم بالنهى عن قصدها و طریقها و تخلیه قصد السبیل لها: أى خلوّها لقصد سبیلها و لا تتعرّضوا لها و تقتحموها فکونوا حطبا لنارها. ثمّ أقسم لیهلک فی لهبها المؤمن و یسلم فیها غیر المسلم. و ذلک ظاهر الصدق، و هو من کراماته علیه السّلام و إخباره عمّا سیکون فإنّ الدائره فی دوله بنى امیّه کانت على من لزم دینه و اشتغل بعباده ربّه دون من وافقهم على أباطیلهم و أجاب دعوتهم و تقرّب إلى قلوبهم بالکذب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ظلم العباد کما تقف علیه من أخبارهم فی قتل کثیر من أولیاء اللّه و ذریّه رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و صحابته- رضى اللّه عنهم- و تقریبهم للمنافقین و تولیتهم الأعمال. و اعلم أنّه لیس مراده أنّه یهلک فیها کلّ مؤمن و لا یسلم فیها إلّا غیر مسلم، بل القضیّتان مهملتان. و الغرض منهما أنّ أکثر من یهلک فیها المؤمنون و أکثر من سلم فیها المنافقون و من لیس له قوّه فی الإسلام. و لفظ اللهب ترشیح لاستعاره لفظ النار. ثمّ مثّل نفسه بینهم بالسراج فی الظلمه. و أشار إلى وجه مشابهته للسراج بقوله: فیستضی‏ء به من ولجها. و تقدیره أنّ الطالبین للهدایه منه علیه السّلام و المتّبعین له یستضیئون بنور علومه و هدایته‏ إلى الطریق الأرشد کما یهتدى السالکون فی الظلمه بالسراج. و هذا التمثیل یستلزم تشبیه أحوالهم بالظلمه و نسبتهم بالمغمورین فیها لولا وجوده علیه السّلام فیهم.
و قد علمت فی المقدّمات حقیقه التمثیل. ثمّ لمّا قدّم فضیلته فی التمثیل المذکور أردفه بأمرهم بسماع قوله، و أن یحضروا قلوبهم لفهم ما بلغت إلیهم من الحکمه و الموعظه الحسنه کما هو المعلوم من حال الخطیب. و استعار لفظ الآذان هنا للقلوب.
و وجه الاستعاره أنّ الاذن لمّا کانت مدرکا للأقوال أشبهتها أفهام القلوب المدرکه لأقواله، و طلب إحضارها إذ کان هو المنتفع به دون إحضار الآذان المحسوسه.
و ظاهر أنّ إحضار العقول و توجّهها إلى الفکر فی المسموع مستلزم لحصول الفهم.
و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی )، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۸۳

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۲۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام فى التوحید، و تجمع هذه الخطبه من أصول العلم ما لا تجمعه خطبه
مَا وَحَّدَهُ مَنْ کَیَّفَهُ وَ لَا حَقِیقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ- وَ لَا إِیَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ- وَ لَا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ وَ تَوَهَّمَهُ- کُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ وَ کُلُّ قَائِمٍ فِی سِوَاهُ مَعْلُولٌ- فَاعِلٌ لَا بِاضْطِرَابِ آلَهٍ مُقَدِّرٌ لَا بِجَوْلِ فِکْرَهٍ- غَنِیٌّ لَا بِاسْتِفَادَهٍ- لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ وَ لَا تَرْفِدُهُ الْأَدَوَاتُ- سَبَقَ الْأَوْقَاتَ کَوْنُهُ- وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ الِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِیرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ- وَ بِمُضَادَّتِهِ بَیْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ- وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَیْنَ الْأَشْیَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِینَ لَهُ- ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَهِ وَ الْوُضُوحَ بِالْبُهْمَهِ- وَ الْجُمُودَ بِالْبَلَلِ وَ الْحَرُورَ بِالصَّرَدِ مُؤَلِّفٌ بَیْنَ مُتَعَادِیَاتِهَا مُقَارِنٌ بَیْنَ مُتَبَایِنَاتِهَا- مُقَرِّبٌ بَیْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا مُفَرِّقٌ بَیْنَ مُتَدَانِیَاتِهَا- لَا یُشْمَلُ بِحَدٍّ وَ لَا یُحْسَبُ بِعَدٍّ- وَ إِنَّمَا تَحُدُّ الْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا- وَ تُشِیرُ الْآلَاتُ إِلَى نَظَائِرِهَا مَنَعَتْهَا مُنْذُ الْقِدْمَهَ وَ حَمَتْهَا قَدُ الْأَزَلِیَّهَ- وَ جَنَّبَتْهَا لَوْلَا التَّکْمِلَهَ بِهَا تَجَلَّى‏ صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ- وَ بِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُیُونِ- وَ لَا یَجْرِی عَلَیْهِ السُّکُونُ وَ الْحَرَکَهُ- وَ کَیْفَ یَجْرِی عَلَیْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ- وَ یَعُودُ فِیهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ وَ یَحْدُثُ فِیهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ- إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَ لَتَجَزَّأَ کُنْهُهُ- وَ لَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ- وَ لَکَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ- وَ لَالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ- وَ إِذاً لَقَامَتْ آیَهُ الْمَصْنُوعِ فِیهِ- وَ لَتَحَوَّلَ دَلِیلًا بَعْدَ أَنْ کَانَ مَدْلُولًا عَلَیْهِ- وَ خَرَجَ بِسُلْطَانِ الِامْتِنَاعِ- مِنْ أَنْ یُؤَثِّرَ فِیهِ مَا یُؤَثِّرُ فِی غَیْرِهِ الَّذِی لَا یَحُولُ وَ لَا یَزُولُ وَ لَا یَجُوزُ عَلَیْهِ الْأُفُولُ- لَمْ یَلِدْ فَیَکُونَ مَوْلُوداً وَ لَمْ یُولَدْ فَیَصِیرَ مَحْدُوداً- جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ وَ طَهُرَ عَنْ مُلَامَسَهِ النِّسَاءِ- لَا تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ وَ لَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ- وَ لَا تُدْرِکُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ وَ لَا تَلْمِسُهُ الْأَیْدِی فَتَمَسَّهُ- وَ لَا یَتَغَیَّرُ بِحَالٍ وَ لَا یَتَبَدَّلُ فِی الْأَحْوَالِ- وَ لَا تُبْلِیهِ اللَّیَالِی وَ الْأَیَّامُ وَ لَا یُغَیِّرُهُ الضِّیَاءُ وَ الظَّلَامُ وَ لَا یُوصَفُ بِشَیْ‏ءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ- وَ لَا بِالْجَوَارِحِ وَ الْأَعْضَاءِ وَ لَا بِعَرَضٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ- وَ لَا بِالْغَیْرِیَّهِ وَ الْأَبْعَاضِ- وَ لَا یُقَالُ لَهُ حَدٌّ وَ لَا نِهَایَهٌ وَ لَا انْقِطَاعٌ وَ لَا غَایَهٌ- وَ لَا أَنَّ الْأَشْیَاءَ تَحْوِیهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِیَهُ- أَوْ أَنَّ شَیْئاً یَحْمِلُهُ فَیُمِیلَهُ أَوْ یَعْدِلَهُ- لَیْسَ فِی الْأَشْیَاءِ بِوَالِجٍ وَ لَا عَنْهَا بِخَارِجٍ- یُخْبِرُ لَا بِلِسَانٍ وَ لَهَوَاتٍ- وَ یَسْمَعُ لَا بِخُرُوقٍ وَ أَدَوَاتٍ یَقُولُ وَ لَا یَلْفِظُ- وَ یَحْفَظُ وَ لَا یَتَحَفَّظُ وَ یُرِیدُ وَ لَا یُضْمِرُ- یُحِبُّ وَ یَرْضَى مِنْ غَیْرِ رِقَّهٍ- وَ یُبْغِضُ وَ یَغْضَبُ مِنْ غَیْرِ مَشَقَّهٍ- یَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ کَوْنَهُ کُنْ فَیَکُونُ- لَا بِصَوْتٍ یَقْرَعُ وَ لَا بِنِدَاءٍ یُسْمَعُ- وَ إِنَّمَا کَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَ مَثَّلَهُ- لَمْ یَکُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِکَ کَائِناً- وَ لَوْ کَانَ قَدِیماً لَکَانَ إِلَهاً ثَانِیاً لَا یُقَالُ کَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ یَکُنْ- فَتَجْرِیَ عَلَیْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ- وَ لَا یَکُونُ بَیْنَهَا وَ بَیْنَهُ فَصْلٌ- وَ لَا لَهُ عَلَیْهَا فَضْلٌ فَیَسْتَوِیَ الصَّانِعُ وَ الْمَصْنُوعُ- وَ یَتَکَافَأَ الْمُبْتَدَعُ وَ الْبَدِیعُ- خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى غَیْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَیْرِهِ- وَ لَمْ یَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ أَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَکَهَا مِنْ غَیْرِ اشْتِغَالٍ- وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَیْرِ قَرَارٍ وَ أَقَامَهَا بِغَیْرِ قَوَائِمَ- وَ رَفَعَهَا بِغَیْرِ دَعَائِمَ- وَ حَصَّنَهَا مِنَ الْأَوَدِ وَ الِاعْوِجَاجِ- وَ مَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَ الِانْفِرَاجِ- أَرْسَى أَوْتَادَهَا وَ ضَرَبَ أَسْدَادَهَا- وَ اسْتَفَاضَ عُیُونَهَا وَ خَدَّ أَوْدِیَتَهَا- فَلَمْ یَهِنْ مَا بَنَاهُ وَ لَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَیْهَا بِسُلْطَانِهِ وَ عَظَمَتِهِ- وَ هُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ- وَ الْعَالِی عَلَى کُلِّ شَیْ‏ءٍ مِنْهَا بِجَلَالِهِ وَ عِزَّتِهِ- لَا یُعْجِزُهُ شَیْ‏ءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ- وَ لَا یَمْتَنِعُ عَلَیْهِ‏ فَیَغْلِبَهُ- وَ لَا یَفُوتُهُ السَّرِیعُ مِنْهَا فَیَسْبِقَهُ- وَ لَا یَحْتَاجُ إِلَى ذِی مَالٍ فَیَرْزُقَهُ- خَضَعَتِ الْأَشْیَاءُ لَهُ وَ ذَلَّتْ مُسْتَکِینَهً لِعَظَمَتِهِ- لَا تَسْتَطِیعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَیْرِهِ- فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَ ضَرِّهِ- وَ لَا کُفْ‏ءَ لَهُ فَیُکَافِئَهُ- وَ لَا نَظِیرَ لَهُ فَیُسَاوِیَهُ- هُوَ الْمُفْنِی لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا- حَتَّى یَصِیرَ مَوْجُودُهَا کَمَفْقُودِهَا- وَ لَیْسَ فَنَاءُ الدُّنْیَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا- بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اخْتِرَاعِهَا- وَ کَیْفَ وَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِیعُ حَیَوَانِهَا مِنْ طَیْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا- وَ مَا کَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا- وَ أَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَ أَجْنَاسِهَا- وَ مُتَبَلِّدَهِ أُمَمِهَا وَ أَکْیَاسِهَا- عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَهٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا- وَ لَا عَرَفَتْ کَیْفَ السَّبِیلُ إِلَى إِیجَادِهَا- وَ لَتَحَیَّرَتْ عُقُولُهَا فِی عِلْمِ ذَلِکَ وَ تَاهَتْ- وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ- وَ رَجَعَتْ خَاسِئَهً حَسِیرَهً- عَارِفَهً بِأَنَّهَا مَقْهُورَهٌ مُقِرَّهً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا- مُذْعِنَهً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ یَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْیَا وَحْدَهُ لَا شَیْ‏ءَ مَعَهُ- کَمَا کَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا کَذَلِکَ یَکُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا- بِلَا وَقْتٍ وَ لَا مَکَانٍ وَ لَا حِینٍ وَ لَا زَمَانٍ- عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِکَ الْآجَالُ وَ الْأَوْقَاتُ- وَ زَالَتِ السِّنُونَ وَ السَّاعَاتُ- فَلَا شَیْ‏ءَ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ- الَّذِی إِلَیْهِ مَصِیرُ جَمِیعِ الْأُمُورِ- بِلَا قُدْرَهٍ مِنْهَا کَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا- وَ بِغَیْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا کَانَ فَنَاؤُهَا- وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا-

لَمْ یَتَکَاءَدْهُ صُنْعُ شَیْ‏ءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ- وَ لَمْ یَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَ بَرَأَهُ وَ لَمْ یُکَوِّنْهَا لِتَشْدِیدِ سُلْطَانٍ- وَ لَا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ- وَ لَا لِلِاسْتِعَانَهِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُکَاثِرٍ- وَ لَا لِلِاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ- وَ لَا لِلِازْدِیَادِ بِهَا فِی مُلْکِهِ- وَ لَا لِمُکَاثَرَهِ شَرِیکٍ فِی شِرْکِهِ- وَ لَا لِوَحْشَهٍ کَانَتْ مِنْهُ- فَأَرَادَ أَنْ یَسْتَأْنِسَ إِلَیْهَا- ثُمَّ هُوَ یُفْنِیهَا بَعْدَ تَکْوِینِهَا- لَا لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَیْهِ فِی تَصْرِیفِهَا وَ تَدْبِیرِهَا- وَ لَا لِرَاحَهٍ وَاصِلَهٍ إِلَیْهِ- وَ لَا لِثِقَلِ شَیْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَیْهِ- لَا یُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَیَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَهِ إِفْنَائِهَا- وَ لَکِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ- وَ أَمْسَکَهَا بِأَمْرِهِ وَ أَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ- ثُمَّ یُعِیدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَیْرِ حَاجَهٍ مِنْهُ إِلَیْهَا- وَ لَا اسْتِعَانَهٍ بِشَیْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَیْهَا- وَ لَا لِانْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَهٍ إِلَى حَالِ اسْتِئْنَاسٍ- وَ لَا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَ عَمًى إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَ الْتِمَاسٍ- وَ لَا مِنْ فَقْرٍ وَ حَاجَهٍ إِلَى غِنًى وَ کَثْرَهٍ- وَ لَا مِنْ ذُلٍّ وَ ضَعَهٍ إِلَى عِزٍّ وَ قُدْرَهٍ

اللغه

أقول:

صمده: أى قصده.

و ترفده: تعینه.

و الوضوح و الوضح: البیاض.

و البهمه: السواد.

و الحرور هنا: الحراره.

و الصرد: البرد.

و الافول: الغیبه.

و الوالج: الداخل.

و خلا: مضى و سبق.

و الأود: الاعوجاج.

و التهافت: التساقط.

و الأسداد: جمع سدّ- و قد یضمّ- و هو کلّ ما حال و حجز بین شیئین.

و خدّ: شقّ.

و مراحها: ما یراح منها فی مرابطها و معاطنها.

و سائمها: ما ارسل منها للرعى.

و أسناخها: اصولها.

و المتبلّده: ذو البلاده و هى ضدّ الذکاء.

و الأکیاس: ذوو الذکاء و الفهم.

و تکاءده الأمر: شقّ علیه و صعب.

و آده: أثقله، و المثاور: المواثب.

و اعلم أنّ مدار هذه الخطبه على التوحید المطلق و التنزیه المحقّق،و قد أشار إلى توحیده تعالى و تنزیهه باعتبارات من الصفات الإضافیّه و السلبیّه:
فالأوّل: قوله: ما وحّده من کیّفه.
دلّت هذه الکلمه بالمطابقه على سلب التوحید له تعالى عمّن وصفه بکیفیّه، و بالالتزام على أنّه لا یجوز تکیّفه لمنافاه ذلک التوحید الواجب له تعالى. و لنشر إلى معنى الکیفیّه لیتبیّن أنّه لا یجوز وصفه بها. فنقول: أمّا رسمها فقیل: إنّها هیئه قارّه فی المحلّ لا یوجب اعتبار وجودها فیه نسبه إلى أمر خارج عنه و لا قسمه فی ذاته و لا نسبه واقعه فی أجزائه.
و بهذه القیود یفارق سائر الأعراض، و أقسامها أربعه: فإنّها إمّا أن تکون مختصّه بالکمّ من جهه ما هو کمّ کالمثلثیّه و المربعیّه و غیرها من الأشکال للسطوح. و کالاستقامه و الانحناء للخطوط و کالفردیّه و الزوجیّه للأعداد، و إمّا أن لا تکون مختصّه به و هی إمّا أن تکون محسوسه کالألوان و الطعوم و الحراره و البروده، و هذا ینقسم إلى راسخه کصفره الذهب و حلاوه العسل، و تسمّى کیفیّات انفعالیه إمّا لانفعال الحواسّ عنها و إمّا لانفعالات حصلت فی الموضوعات عنها، أو غیر راسخه إمّا سریعه الزوال کحمره الخجل و تسمّى انفعالات لکثره انفعالات موضوعاتها بسببها بسرعه، و هذا قسم ثانی، و إمّا أن لا یکون محسوسه، و هی إمّا لاستعدادات ما لکمالات کالاستعداد للمقاومه و الدفع، و إمّا لانفعال و یسمّى قوّه طبیعیّه کالمصحاحیّه و الصلابه، أو لنقائص مثل الاستعداد بسرعه الإدغان و الانفعال، و یسمّى ضعفا و لا قوّه طبیعیّه کالممراضیّه، و إمّا أن لا یکون استعداد لکمالات أو نقایص بل یکون فی أنفسها کمالات أو نقایص، و هی مع ذلک غیر محسوسه بذواتها فما کان منها ثابتا یسمّى ملکه کالعلم و العفّه و الشجاعه، و ما کان سریع الزوال یسمّى حالا کغضب الحلیم و مرض الصحاح. فهذه أقسام الکیف. إذا عرفت ذلک فنقول: إنّما قلنا: إنّه یلزم من وصفه بالکیفیّه عدم توحیده لما نبّه فی الخطبه الاولى من‏ قوله علیه السّلام فی وصف اللّه سبحانه: فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه. و کما سبق تقریره فینتج أنّ من وصف اللّه سبحانه فقد ثنّاه. و حینئذ تبیّن أنّ من کیّفه لم یوحّده لأنّ توحیده و تثنیته ممّا لا یجتمعان.

الثانی: و لا حقیقته أصاب من مثّله
أى جعل له مثلا، و ذلک أنّ کلّ ماله مثل فلیس بواجب الوجود لذاته لأنّ المثلیّه إمّا أن یتحقّق من کلّ وجه فلا تعدّد إذن لأنّ التعدّد یقتضى المغایره بأمر ما و ذلک ینافی الاتّحاد و المثلیّه من کلّ وجه هذا خلف، و إمّا أن یتحقّق من بعض الوجوه و حینئذ ما به التماثل إمّا الحقیقه أو جزؤها أو أمر خارج عنها فإن کان الأوّل کان ما به الامتیاز عرضیّا للحقیقه لازما أو زائلا لکن ذلک باطل لأنّ المقتضى لذلک العرضیّه إمّا المهیّه فیلزم أن یکون مشترکا بین المثلین لأنّ مقتضى المهیّه الواحده لا یختلف فما به الامتیاز لأحد المثلین عن الآخر حاصل للآخر هذا خلف. أو غیرها فتکون ذات واجب الوجوده مفتقره فی تحصیل ما تمیّزها من غیرها إلى غیر خارجى هذا محال، و إن کان ما به التماثل و الاتّحاد جزء من المثلین لزم کون کلّ منهما مرکّبا فکلّ منهما ممکن هذا خلف. و بقی أن یکون التماثل بأمر خارج عن حقیقتهما مع اختلاف الحقیقتین لکن ذلک باطل أمّا أوّلا فلامتناع وصف واجب الوجود بأمر خارج عن حقیقته لاستلزام إثبات الصفه له تثنیته و ترکّبه على ما مرّ، و أمّا ثانیا فلأنّ ذلک الأمر الخارجى المشترک إن کان کمالا لذات واجب الوجود فواجب الوجود لذاته مستفید للکمال من غیره هذا خلف، و إن لم یکن کمالا کان إثباته له نقصا لأنّ الزیاده على الکمال نقص. فثبت أنّ کلّ ماله مثل فلیس بواجب الوجود لذاته فالطالب لمعرفته إذا أصاب ما له مثل فقد أصاب ما لیس بواجب الوجود لذاته فلم یصب صانع العالم، و مقصود الکلمه نفى المثل له تعالى فی مقام التوجّه إلیه و النظر لطلب معرفته.
الثالث: و لا إیّاه عنى من شبّهه
و معنى هذه القرینه کالّتی قبله.
الرابع: و لا صمده من أشار إلیه و توهّمه،
و ذلک لأنّ الإشاره إلیه إمّا حسیّه أو عقلیّه. و الاولى مستلزمه للوضع و الهیئه و الشکل و التحیّز کما علم فی غیر هذا الموضع، و ذلک على واجب الوجود محال، و أمّا الثانیه فقد علمت أنّ النفس الإنسانیّه ما دامت فی عالم الغربه إذا توجّهت لاقتناص أمر معقول من عالم الغیب فلا بدّ أن تستتبع القوّه الخیالیّه و الوهمیّه للاستعانه بهما على استثبات المعنى المعقول و ضبطه فإذن یستحیل أن یشیر العقل الإنسانیّ إلى شی‏ء من المعانی الإلهیّه إلّا بمشارکه من الوهم و الخیال و استثباته حدّا و کیفیّه یکون علیها لکن قد علمت تنزیهه تعالى عن الکیفیّات و الصفات و الحدود و الهیئه فکان المشیر إلیه و المدّعى لإصابه حقیقته قاصدا فی تلک الإشاره إلى ذى کیفیّه و حال لیس هو واجب الوجود فلم یکن قاصدا لواجب الوجود، و قد بیّنا فیما سلف امتناع الإشاره إلیه.
الخامس: قوله: کلّ معروف بنفسه مصنوع.
صغرى ضمیر من الشکل الأوّل استغنى معها عن ذکر الدعوى لدلالتها علیها، و هى أنّه تعالى لیس معلوما بنفسه: أى لیس معلوم الحقیقه بالکنه. و تقدیر الکبرى: و لا شی‏ء ممّا هو مصنوع بإله للعالم واجب الوجود لذاته دائما. ینتج أنّه لا شی‏ء من المعلوم بنفسه بواجب الوجود و إله العالم دائما، و ینعکس لا شی‏ء من واجب الوجود معلوم بنفسه. أو من الشکل الثانی، و یکون تقدیر الکبرى: و لا شی‏ء ممّا هو واجب الوجود بمصنوع. و ینتج النتیجه المذکوره، و ینعکس. و یحتمل أن تکون المقدّمه المذکوره هى الکبرى من الشکل الأوّل و لا حاجه إلى العکس المذکوره. و یحتمل أن یبیّن المطلوب المذکور بقیاس استثنائى متّصل، و تکون المقدّمه المذکوره تنبیها على ملازمه المتّصله و بیانا لها و تقدیرها: لو کان تعالى معلوما بنفسه لکان مصنوعا لأنّ کلّ معلوم بنفسه مصنوع لکن التالى باطل فالمقّدم کذلک فأمّا بیان أنّ کلّ معلوم بنفسه مصنوع فهو أنّ کلّ معلوم بحقیقته فإنّما یعلم من جهه أجزائه، و کلّ ذى جزء فهو مرکّب فکلّ مرکّب فمحتاج إلى مرکّب یرکّبه و صانع یصنعه فإذن کلّ معلوم الحقیقه فهو مصنوع، و أمّا بطلان التالى فلأنّه تعالى لوکان مصنوعا لکان ممکنا مفتقرا إلى الغیر فلا یکون واجب الوجود لذاته هذا خلف.
السادس: و کلّ قائم فی سواه معلول
کالمقدّمه الّتی قبلها فی أنّها یحتمل أن تکون صغرى قیاس ضمیر من الشکل الأوّل أو الثانی دلّ به على أنّه تعالى لیس بقائم فی سواه: أى لیس لعرض فیحتاج إلى محلّ یقوم. تقدیره أنّ کلّ قائم سواه فهو معلول، و لا شی‏ء من المعلول بواجب الوجود أولا شی‏ء من واجب الوجود بمعلول فینتج أنّه لا شی‏ء من القائم فی سواه بواجب الوجود، و ینعکس کنفسها لا شی‏ء من واجب الوجود بقائم فی سواه. و یحتمل أن یکون کبرى القیاس و لا حاجه إلى عکس النتیجه، و یحتمل أن یکون ذکرها تنبیها على ملازمه قیاس استثنائىّ: أى لو کان قائما فی سواه لکان معلولا و لکن التالى باطل فالمقدّم کذلک، و بیان الملازمه أنّ القائم بغیره مفتقر إلى محلّ و کلّ مفتقر إلى غیره ممکن و کلّ ممکن معلول فی وجوده و عدمه، و أمّا بطلان التالى فلأنّه لو کان معلولا لما کان واجب الوجود.
السابع: فاعل لا باضطراب آله.
أمّا أنّه فاعل فلأنّه موجد العالم، و أمّا أنّه منزّه فی فاعلیّته عن اضطراب الآله فلتنزّهه عن الآله الّتی هى من عوارض الأجسام.
و قد سبق بیانه.
الثامن: مقدّر لا بحول فکره،
و معنى کونه مقدّرا کونه معطیا لکلّ موجود المقدار الّذی تستحقّه من الکمال من الوجود و لواحق الوجود کالأجل و الرزق و نحوهما على وفق القضاء الإلهى، و کون ذلک لا بحول فکره لأنّ الفکر من لواحق النفوس البشریّه بآله بدنیّه، و قد تنزّه قدسه تعالى عن ذلک.
التاسع: کونه غنیّا لا باستفاده
و کونه غنیّا یعود إلى عدم حاجته فی شی‏ء ما إلى شی‏ء ما. إذ لو حصل له شی‏ء باستفاده من خارج کسائر الأغنیاء لزم کونه ناقصا بذاته مفتقرا إلى ذلک المستفاد موقوفا على حصول سببه فکان ممکنا هذا خلف و هو تنزیه له عن الغنى المشهور المتعارف.
العاشر: کونه لا تصحبه الأوقات،
و ذلک أنّ الصحبه الحقیقیّه تستدعى‏ المعیّه و المقارنه اللذین هما من لواحق الزمان الّذی هو من لواحق الحرکه الّتی هى من لواحق الجسم المتأخّر وجوده عن وجوده بعض الملائکه المتأخّر وجوده عن وجود الصانع الأوّل- جلّت عظمته- فکان وجود الزمان و الوقت متأخّرا عن وجوده تعالى بمراتب من الوجود فلم تصدق صحبه الأوقات لوجوده و لا کونها ظرفا له و إلّا لکان مفتقرا إلى وجود الزمان فکان یمتنع استغناؤه عنه لکنّه سابق علیه فوجب استغناؤه عنه. نعم قد یحکم الوهم بصحبه الزمان للمجرّدات و معیّته لها حیث تقسمها إلى الزمانیّات. إذ کان لا تعقل المجرّدات إلّا کذلک.
الحادى عشر: کونه لا ترفده الأدوات
و ظاهر أنّ المفتقر إلى المعونه بأداه و غیرها ممکن لذاته فلا یکون واجب الوجود لأنّه تعالى خالق الأدوات فکان سابقا علیها فی تأثیره فکان غنیّا عنها فیمتنع علیه الحاجه إلى الاستعانه بها.
الثانی عشر: سبق الأوقات کونه
أى وجوده. و قد مرّ بیانه.
الثالث عشر: و العدم وجوده
أى و سبق وجوده العدم، و بیانه أنّه تعالى مخالف لسائر الموجودات الممکنه فإنّها محدثه فیکون عدمها سابقا على وجودها.
ثمّ إن لم تکن کذلک، وجودها و عدمها بالسبه إلى ذواتها على سواء کما بیّن فی مظانّه و لها من ذواتها أنّها لا تستحقّ وجودا و عدما لذواتها و ذلک عدم سابق على وجودها. فعلى کلّ تقدیر فوجودها یکون مسبوقا بعدم. بخلاف الموجود الأوّل- جلّت عظمته- فإنّه لمّا کان واجب الوجود لذاته کان لما هو هو موجودا فکان لحوق العدم له محالا فکان وجوده سابقا على العدم المعتبر لغیره من الممکنات، و لأنّ عدم العالم قبل وجوده کان مستندا إلى عدم الداعى إلى إیجاده المستند إلى وجوده فکان وجوده تعالى سابقا على عدم العالم. ثمّ تبیّن.
الرابع عشر. و الابتداء أزله،
و ذلک أنّ الأزل عباره عن عدم الأوّلیّه و الابتداء و ذلک أمر یلحق واجب الوجود لما هو هو بحسب الاعتبار العقلىّ و هو ینافی لحوق الابتداء و الأوّلیّه لوجوده تعالى فاستحال أن یکون له مبدء لامتناع اجتماع النقیضین بل سبق فی الأزلیّه ابتداء ما کان له ابتداء وجود من الممکنات‏ إذ هو مبدأها و مصدرها.
الخامس عشر: بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له
و ذلک أنّه تعالى لمّا خلق المشاعر و أوجدها و هو المراد بتشعیره لها امتنع أن یکون له مشعر و حاسّه و إلّا لکان وجودها له إمّا من غیره و هو محال: أمّا أوّلا فلأنّه مشعّر المشاعر و أمّا ثانیا فلأنّه یکون محتاجا فی کماله إلى غیره فهو ناقص بذاته هذا محال، و إمّا منه و هو أیضا محال لأنّها إن کانت من الکمالات الوهمیّه کان موجدا لها من حیث هو فاقد کمالا فکان ناقصا بذاته هذا محال، و إن لم یکن کمالا کان إثباتها له نقصا لأنّ الزیاده على الکمال نقصان فکان إیجاده لها مستلزما لنقصانه و هو محال.
السادس عشر: و بمضادّته بین الامور عرف أنّ لا ضدّ له
لأنّه لمّا کان خالق الأضداد فلو کان له ضدّ لکان خالقا لنفسه و لضدّه و ذلک محال، و لأنّک لمّا علمت أنّ المضادّه من باب المضاف و علمت أنّ المضاف ینقسم إلى حقیقىّ و غیر حقیقىّ فالحقیقىّ هو الّذی لا تعقل مهیّته إلّا بالقیاس إلى غیره، و غیر الحقیقىّ هو الّذی له فی ذاته مهیّه غیر الإضافه تعرض لها الإضافه و کیف ما کان لا بدّ من وجود الغیر حتّى یوجد المضاف من حیث هو مضاف فیکون وجود أحد المضافین متعلّقا بوجود الآخر فلو کان لواجب الوجود ضدّ لکان متعلّق الوجود بالغیر فلم یکن واجب الوجود لذاته هذا خلف، و لأنّ الضدّین هما الأمران الثبوتیان اللذان یتعاقبان على محلّ واحد، و یمتنع اجتماعهما فیه فلو کان بینه و بین غیره مضادّه لکان محتاجا إلى محلّ یعاقب ضدّه علیه، و قد ثبت أنّه تعالى غنىّ من کلّ شی‏ء.
السابع عشر: و بمقارنته بین الأشیاء عرف أن لا قرین له،
و برهانه أمّا أوّلا فلأنّه تعالى خلق المقترنات و مبدء المقارنه بینها فلو کان تعالى مقارنا لغیره لکان خالقا لنفسه و لقرینه و ذلک محال، و لأنّ المقارنه من باب المضاف و یمتنع أن یلحقه. على ما تقدّم.
الثامن عشر: کونه تعالى مضادّا بین الامور.
المضادّه تأکید لقوله: ولمضادّته للأشیاء. فمنها النور و الظلمه، و فی کونهما ضدّین خلاف بین العلماء مبنىّ على کون الظلمه أمرا وجودیّا أو عدمیّا و الأقرب أنّها أمر وجودیّ مضادّ للنور، و قال بعضهم: إنّها عباره عن عدم الضوء عمّا من شأنه أن یضی‏ء و لیست على هذا القول عدما صرفا فجاز أن یطلق علیها أنّها ضدّ مجازا، و منها البیاض و السواد و الجمود و البلل: أى الیبوسه و الرطوبه و الحراره و البروده. و مضادّته بینها خلقه لها على ما هى علیه من الطبایع المتضادّه.
التاسع عشر: کونه مؤلّفا بین متعادیاتها
فی أمزجه المرکّبات من العناصر الأربعه فإنّه جمع بینها فیها على وجه الامتزاج حتّى حصل بینها کیفیّه متوسّطه على ما مرّ بیانه فی الخطبه الاولى.
العشرون:کونه مقارنا بین متبایناتها.
الحادى و العشرون: کونه مقرّبا بین متباعداتها،
و مرّ نظیر هاتین الفقرتین فی الخطبه الاولى.
الثانی و العشرون: کونه مفرّقا بین متدانیاتها
أى بالموت و الفناء لهذه المرکّبات فی هذا العالم. و أشار إلى استناد فسادها إلیه أیضا إذ هو مسبّب الأسباب.
و قد طاوعته علیه السّلام المطابقه فی هذه القرائن فالتألیف بإزاء المعاداه، و المقارنه بإزاء المباینه، و القرب بإزاء البعد، و التفریق بإزاء التدانى.
الثالث و العشرون: کونه تعالى لا یشمله حدّ،
و المراد: إمّا الحدّ الاصطلاحى و ظاهر کونه تعالى لا حدّ له، إذ لا أجزاء له فلا تشمل و تحاط حقیقه بحدّ، و إمّا الحدّ اللغوىّ و هى النهایه الّتی تحیط بالجسم مثلا فیقف عندها و ینتهى بها و ذلک من لواحق الکمّ المتّصل و المنفصل و هما من الأعراض و لا شی‏ء من واجب الوجود سبحانه بعرض أو محلّ له فامتنع أن یوصف بالنهایه. و أمّا وصفه باللانهایه فعلى سبیل سلب النهایه عنه مطلقا بسلب معروضها کالمقدار مثلا لا على سبیل العدول بمعنى أنّه معروض النهایه و اللانهایه لکن لیست النهایه حاصله له.

الرابع و العشرون: کونه لا یحسب بعد
أى لا یلحقه الحساب و العدّ فیدخل فی جمله المحسوبات المعدوده، و ذلک أنّ العدّ من لواحق الکمّ المنفصل الّذی هو العدد کما هو معلوم فی مظانّه و الکمّ عرض، و قد ثبت أنّه تعالى لیس بعرض و لا محلّ له، و استحال أن یکون معدودا. و قوله: و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها. فالأدوات إشاره إلى الآلات البدنیّه و القوى الجسمانیّه، و قد ثبت أنّها لا یتعلّق إدراکها إلّا بما کان جسما أو جسمانیّا على ما علم فی موضعه فمعنى قوله: و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها. أى إنّما تدرک الأجسام و الجسمانیّات ما هو مثلها من الأجسام و الجسمانیّات، و مثل الشی‏ء هو هو فی النوع أو الجنس، و یحتمل أن یدخل فی ذلک النوع الفکر لامتناع انفکاکه عن الوهم و الخیال حین توجّهه إلى المعقولات لما بیّناه من حاجته إلیهما فی التصویر و الشبح فکان لا یتعلّق إلّا بمماثل ممکن، و لا یحیط إلّا بما هو فی صوره جسم أو جسمانیّ، و کذلک قوله: و یشیر الأشیاء إلى نظائرها. و قوله: منعتها منذ القدمیّه و حمتها قد الأزلیّه و جنّبتها لو لا التکمله. الضمائر المتّصله بالافعال الثلاثه تعود إلى الآلات و الأدوات و هى مفعولات اولى. و القدمیّه و الأزلیّه التکمله مفعولات ثانیه، و منذ و قد و لولا محلّها الرفع بالفاعلیّه، و معنى الکلمه الاولى أنّ إطلاق لفظه- منذ- على الآلات و الأدوات فی مثل قولنا: هذه الآلات وجدت منذ کذا یمنع کونها قدیمه.
إذ کان وضعها لابتداء الزمان و کانت لإطلاقها علیها متعیّنه الابتداء و لا شی‏ء من القدیم بمتعیّن الابتداء فینتج أنّه لا شی‏ء من هذه الأدوات و الآلات بقدیم، و کذلک إطلاق لفظه- قد- علیها یحمیها و یمنعها من کونها أزلیّه إذ کانت- قد- تفید تقریب الماضى من الحال فإطلاقها علیها کما فی قولک: قد وجدت هذه الآله وقت کذا. یحکم بقربها من الحال و عدم أزلیّتها و لا شی‏ء من الأزلىّ بقریب من الحال فلا شی‏ء من هذه الآلات بأزلىّ. و کذلک إطلاق لفظ- لولا- على‏ هذه الآلات تجنّبها التکمله. إذ کان وضع لولا دالّا على امتناع الشی‏ء لوجود غیره فإطلاقها علیها فی مثل قولک عند نظرک إلى بعض الآلات المستحسنه و الخلقه العجیبه و الأذهان المتوقّده: ما أحسنها و أکملها لولا أنّ فیها کذا. فیدلّ بها على امتناع کمالها لوجود نقصان فیها فهى مانعه لها من الکمال المطلق، و إنّما أشار إلى حدوثها و نقصانها لیؤکّد کونها غیر متعلّقه بتحدیده سبحانه، و أنّها فی أبعد بعید من تقدیره و الإشاره إلیه. إذ کان القدیم الکامل فی ذاته التامّ فی صفاته أبعد الأشیاء عن مناسبته المحدث الناقص فی ذاته فکیف یمکن أن یدرکه أو یلیق أن یطمع فی ذلک، و قال بعض الشارحین: المراد بالأدوات و الآلات أهلها. و قد روى برفع القدمیّه و الأزلیّه و التکمله على الفاعلیّه. و الضمائر المتّصله بالأفعال مفعولات اولى، و منذ و قد و لولا مفعولات ثانیه، و یکون المعنى أنّ قدمه تعالى و أزلیّته و کماله منعت الأدوات و الآلات من إطلاق منذ و قد و لو لا علیه سبحانه لدلالتها على الحدوث و الابتداء المنافیین لقدمه و أزلیّته و کماله. و الروایه الاولى أولى لوجودها فی نسخه الرضیّ- رضى اللّه عنه- بخطّه. و قوله: بها تجلّى صانعها للعقول. أى بوجود هذه الآلات ظهور وجوده تعالى للعقول. إذ کان وجودها مستلزما لوجود صانعها بالضروره، و إحکامها و إتقانها شاهد بعلمه و حکمته شهاده تضطرّ إلى الحکم بها العقول، و کذلک تخصیصها بما تخصّصت به من الکمالات شاهد بإرادته و کمال عنایته فیکون ما شهد به وجودها من وجود صانعها أجلى و أوضح من أن یقع فیه شکّ أو یلحقه شبهه، و یتفاوت ذلک الظهور و التجلّى بحسب تفاوت صقال النفوس و جلائها فمنها من یراه بعد، و منها من یراه مع، و منها من یراه قبل، و منها من یراه لا شی‏ء معه و اولئک علیهم صلوات من ربّهم و رحمه و اولئک هم المهتدون. و قوله: و بها امتنع عن نظر العیون. أى بإیجادها و خلقها بحیث تدرک بحاسّه البصر علم أنّه تعالى یمتنع أن‏ یکون مرئیّا مثلها، و بیانه أنّ تلک الآلات إنّما کانت متعلّقه حسّ البصر باعتبار أنّها ذات وضع و جهه و لون و غیره من شرائط الرؤیه، و لمّا کانت هذه الامور ممتنعه فی حقّه تعالى لا جرم امتنع أن یکون محلّا لنظر العیون، و قال بعض الشارحین فی بیان ذلک: إنّه لمّا کان بالمشاعر و الحواسّ الّتی هى الآلات المشار إلیها أکملت عقولنا، و بعقولنا استخرجنا الدلیل على أنّه لا یصحّ رؤیته فإذن بخلق هذه الأدوات و الآلات لنا عرفناه عقلا و عرفناه أنّه یستحیل أن یعرف بغیر العقل.
الخامس و العشرون: کونه تعالى منزّها أن یجرى علیه السکون و الحرکه،
و قد أشار علیه السّلام إلى بیان امتناعهما علیه من أوجه: أحدها: قوله: و کیف یجرى علیه. إلى قوله: أحدثه، و هو استفهام على سبیل الاستنکار لجریان ما أجراه علیه و عود ما أبداه و أنشأه إلیه و حدوث ما أحدثه فیه. و بیان بطلان ذلک أنّ الحرکه و السکون من آثاره سبحانه فی الأجسام و کلّ ما کان من آثاره یستحیل أن یجرى علیه و یکون من صفاته: أمّا المقدّمه الاولى فظاهره، و أمّا الثانیه فلأنّ المؤثّر واجب التقدّم بالوجود على الأثر فذلک الأثر إمّا أن یکون معتبرا فی صفات الکمال فیلزم أن یکون تعالى باعتبار ما هو موجد له و مؤثّر فیه ناقصا بذاته مستکملا بذلک الأثر، و النقص علیه تعالى محال، و إن لم یکن معتبرا فی صفات کماله فله الکمال المطلق بدون ذلک الأثر فکان إثباته صفه له نقصا فی حقّه لأنّ الزیاده على الکمال المطلق نقصان و هو علیه تعالى محال. الثانی: لو کان کذلک للزم التغیّر فی ذاته تعالى و لحوق الإمکان له، و دلّ على ذلک بقوله: إذن لتفاوتت ذاته: أى تغیّرت بطریان الحرکه علیها تاره و السکون اخرى لأنّ الحرکه و السکون من الحوادث المتغیّره فیکون تعالى بقوله: لتعاقبهما محلّا للحوادث فی التغیّرات فکان متغیّرا لکن التغیّر مستلزم للإمکان فالواجب لذاته ممکن لذاته هذا خلف. الثالث: لو کان کذلک للزم حقیقته التجزیه و الترکیب لکنّ التالى باطل‏ و المقدّم کذلک. أمّا الملازمه فلأنّ الحرکه و السکون من عوارض الجسم الخاصّه به فلو یوصف تعالى بها لکان جسما و کلّ جسم فهو مرکّب قابل للتجزئه، و أمّا بطلان التالى فلأنّ کلّ مرکّب مفتقر إلى أجزائه و ممکن فالواجب ممکن.
هذا خلف. الرابع: أنّه لو کان کذلک للزم أن یبطل من الأزل معناه: أمّا على طریق المتکلّمین فظاهر لأنّ الحرکه و السکون من خواصّ الأجسام الحادثه فکان الموصوف بهما حادثا فلو کان تعالى موصوفا بهما لبطل من الأزل معناه و لم یکن أزلیّا.
و أمّا على رأى الحکماء فلأنّه تعالى لکونه واجب الوجود لذاته یستحقّ الأزلیّه، و لکون الممکن ممکنا لذاته فهو إنّما یستحقّ الأزلیّه لالذاته بل لأزلیّه علّته و تمامها أزلا حتّى لو توقّفت علّته على أمر ما فی مؤثریّتها لزم حدوث الممکن و لم یکن له من ذاته إلّا کونه لا یستحقّ لذاته وجودا و لا عدما و هو معنى الحدوث الذاتىّ عندهم. فعلى هذا لو کان تعالى قابلا للحرکه و السکون لکان جسما ممکنا لذاته فکان مستحقّا للحدوث الذاتىّ بذاته فلم یکن مستحقّا للأزلیّه بذاته فیبطل من الأزلیّه معناه و هو استحقاقه الأزلیّه بذاته لکن التالى باطل لما مرّ. الخامس: أنّه لو کان کذلک للزم أن یکون له وراء إذ وجد له أمام، و وجه الملازمه أنّه لو جرت علیه الحرکه لکان له أمام یتحرّک إلیه و حینئذ یلزم أن یکون له وراء إذ له أمام لأنّهما إضافیّتان لا تنفکّ إحداهما عن الاخرى لکن ذلک محال لأنّ کلّ ذى وجهین فهو منقسم و کلّ منقسم فهو ممکن على ما مرّ. السادس: لو کان کذلک لالتمس التمام إذ لزمه النقصان، و بیان الملازمه أنّ جریان الحرکه علیه مستلزم لتوجّهه بها إلى غایه إمّا جلب منفعه أو دفع مضرّه. إذ من لوازم حرکات العقلاء ذلک، و على التقدیرین فهما کمال مطلوب له لنقصان لازم لذاته لکنّ النقصان بالذات و الاستکمال بالغیر مستلزم الإمکان‏ فالواجب ممکن. هذا خلف. السابع: لو کان کذلک لقامت آیه المصنوع فیه، و بیان الملازمه أنّه حینئذ یکون قادرا على الحرکه و السکون فقدرته علیهما لیست من خلقه و إلّا لافتقر إیجاده لها إلى قدره اخرى سابقه علیها و لزم التسلسل و کان قادرا قبل أن کان قادرا و هما محالان فهى إذن من غیره فهو إذن مفتقر فی کماله إلى غیره فهو مصنوع و فیه آیات الصنع و علامات التأثیر فلیس هو بواجب الوجود. هذا خلف. الثامن: لو کان کذلک لتحوّل دلیلا بعد أن کان مدلولا علیه، و ذلک أن یکون مصنوعا على ما مرّ و کلّ مصنوع فیستدلّ به على صانعه کما هو المشهور فی الاستدلال بوجود العالم و حدوثه على وجود صانعه، و لأنّه یکون جسما فیکون مصنوعا فکان دلیلا على الصانع لکنّه هو الصانع الأوّل للکلّ و هو المدلول علیه فاستحال أن یکون دلیلا من جهه آثار الصنع فیه فاستحال أن یکون قابلا للحرکه و السکون فاستحال أن یجریا علیه. فانظر إلى هذه النفس الملکیّه له علیه السّلام کیف یفیض عنها هذه الأسرار الإلهیّه فیضا من غیر تقدّم مزاوله الصنائع العقلیّه و ممارسه البحث فی هذه الدقائق الإلهیّه. و أمّا قوله: و خرج بسلطان الامتناع.
إلى قوله: غیره. فقد یسبق إلى الوهم عطفه على الأدلّه المذکوره، و ظاهر أنّه لیس کذلک، بل هو عطف على قوله: امتنع. أى بها امتنع عن نظر العیون و خرج ذلک الامتناع: أى امتناع أن یکون مثلها فی کونها مرئیّه للعیون و محلّا للنظر إلیها عن أن یؤثّر فیه ما یؤثّر فی غیره من المرئیّات، و هى الأجسام و الجسمانیّات، و ظاهر أنّه تعالى لمّا امتنع عن نظر العیون إذ لم یکن جسما و لا قائما به فخرج بسلطان استحقاق ذلک الامتناع عن أن یؤثّر فیه ما یؤثّر فی غیره من الأجسام و الجسمانیّات و عن قبول ذلک. و قال بعض الشارحین: إنّه عطف على قوله: تجلّى: أى بها تجلّى للعقول و خرج بسلطان الامتناع کونه مثلا لها: أى یکون واجب الوجود ممتنع العدم عن أن یکون ممکنا فیقبل أثر غیره کما یقبل الممکنات.
السادس و العشرون: کونه تعالى لا یحول
أى لا ینتقل و یتغیّر من حال‏ إلى حال لما علمت من استلزام التغیّر للإمکان الممتنع علیه.
السابع و العشرون : و کذلک لا یزول.
الثامن و العشرون: و کذلک لا یجوز علیه الافول
و الغیبه بعد الظهور لما یستلزم من التغیّر أیضا.
التاسع و العشرون: کونه لم یلد فیکون مولودا و لم یولد فیکون محدودا.
فالجمله الاولى تشتمل على دعوى و الإشاره إلى البرهان، و هو فی صوره قیاس استثنائىّ تقدیره: لو کان له ولد لکان مولودا و حینئذ یکون الجمله الثانیه و هى قوله: و لم یولد. فی قوّه استثناء نقیض التالى، و قوله: فیکون محدودا فی قوّه قیاس استثنائىّ یدلّ على بطلان التالى، و تقدیره: لأنّه لو کان مولودا لکان محدودا. و اعلم أنّه یحتمل أن یرید بقوله: مولودا. ما هو المتعارف فیکون قد سلک فی ذلک مسلک المعتاد الظاهر فی بادى النظر بحسب الاستقراء أنّ کلّ ماله ولد فإنّه یکون مولودا و إن لم یجب ذلک فی العقل، و قد علمت أنّ الاستقراء ممّا یستعمل فی الخطابه و یحتجّ به فیکون مقنعا. إذ کانت غایتها الاقناع، و یحتمل أن یرید به ما هو أعمّ من المفهوم المتعارف أعنى التولّد عن آخر مثله من نوعه فإنّ ذلک غیر واجب کما فی اصول أنواع الحیوان الحادثه، و حینئذ یکون بیان الملازمه الاولى على الاحتمال الأوّل ظاهر، و أمّا على تقدیر الثانی فنقول فی بیانها: إنّ مفهوم الولد هو الّذی یتولّد و ینفصل عن آخر مثله من نوعه لکن أشخاص النوع الواحد لا یتعیّن فی الوجود مشخّصا إلّا بواسطه المادّه و علاقتها على ما علم ذلک فی مظانّه من الحکمه، و کلّ ما کان مادیّا و له علاقه بالمادّه کان متولّدا عن غیره و هو مادّته و صورته و أسباب وجوده و ترکیبه، و أمّا بیان الملازمه الثانیه فی برهان بطلان التالى فلأنّه لمّا لزم من کونه ذا ولد أن یکون مشارکا فی النوع لغیره ثبت أنّه متولّد من مادّه و صوره و مرکّب عنهما و عن جزئین بأحدهما یشارک نوعه و بالآخر ینفصل. فهو إذن منته إلى حدود و هی أجزاؤه الّتی یقف عندها و ینتهى فی التحلیل إلیها. فثبت أنّه تعالى لو کان مولودا لکان محدودا لأنّه لو کان مولودا لکان محاطا و محدودا بالمحلّ المتولّد منه لکن کلّ محدود على الاعتبارین مرکّب و کلّ مرکّب ممکن. هذا خلف. فإذن لیس هو بمحدود فلیس هو بمولود فلیس هو بذى ولد، و إن شئت أن تجعل المقدّمتین فی قوّه قیاس حملىّ مرکّب من شرطیّتین متّصلتین و الشرکه بینهما فی جزء تامّ، و تقدیره: لو کان تعالى ذا ولد لکان مولودا و لو کان مولودا لکان محدودا، و النتیجه لو کان ذا ولد لکان محدودا. ثمّ یستنتج من استثناء نقیض تالى هذه النتیجه عن المطلوب.
و بیان الملازمتین و نقیض تالى النتیجه ما سبق.
الثلاثون: کونه جلّ عن اتّخاذ الأبناء
أى علا و تقدّس عن ذلک، و هو تأکید لما سبق. و بیانه أنّه یستلزم لحوق مرتبته بمراتب الأجسام الّتی هى فی معرض الزوال و قبول التغیّر و الاضمحلال.
الحادى و الثلاثون: کونه طهر عن ملامسه النساء
و ذلک لما یستلزمه الملامسه من الجسمیّه و الترکیب الّذی تنزّه قدسه عنه، و طهارته تعود إلى تقدّسه عن الموادّ و علائقها من الملامسه و المماسّه و غیرها.
الثانی و الثلاثون: کونه لا تناله الأوهام فیقدّره
أى لو نالته الأوهام لقدّرته لکنّ التالى باطل فالمقدّم کذلک. بیان الملازمه: أنّک علمت أنّ الوهم إنّما یدرک المعانی المتعلّقه بالمادّه و لا ترتفع إدراکه عن المعانی المتعلّقه بالمحسوسات، و شأنه فیما یدرکه أن یستعمل المتخیّله فی تقدیره بمقدار مخصوص و کمیّه معیّنه و هیئه معیّنه و یحکم بأنّها مبلغه و نهایته. فلو أدرکته الأوهام لقدّرته بمقدار معیّن و فی محلّ معیّن. فأمّا بطلان التالى فلأنّ المقدار محدود و مرکّب و محتاج إلى المادّه و التعلّق بالغیر، و قد سبق بیان امتناعه.
الثالث و الثلاثون: و لا یتوهّمه الفطن فتصوّره.
و فطن العقول: سرعه حرکتها فی تحصیل الوسط فی المطالب، و إنّما قال: لا یتوهّمه الفطن لأنّ القوّه العقلیّه عند توجّهها فی تحصیل المطالب العقلیّه المجرّده لا بدّ لها من استتباع الوهم و المتخیّله و الاستعانه بها فی استثباتها بالشبح و التصویر بصوره یحطّها إلى‏ الخیال على ما علم ذلک فی موضعه. و لذلک ما کانت رؤیتها لجبرئیل فی صوره دحیه الکلبىّ. و کذلک المعانی المدرکه للنفوس فی النوم من الحوادث فإنّها لا یتمکّن من استثباتها عند اقتناصها من عالم التجرید و بقائها إلى حال الیقظه فی صوره خیالیّه مشاهده کما علمت ذلک فی صدر الکتاب. فظهر إذن معنى قوله: لا یتوهّمه الفطن فتصوّره: أى لو أدرکته لکان ذلک بمشارکه الوهم فکان یلزم أن یصوّره بصوره خیالیّه لکنّه تعالى منزّه عن الصوره فکان منزّها عن إدراکها.
الرابع و الثلاثون: لا تدرکه الحواسّ فتحسّه.
و أراد لو أدرکته الحواسّ لصدق علیه أنّها تحسّه و لزم کونه محسوسا، و بیان ذلک أنّ الإدراک و إن کان أعمّ من الإحساس لکن بإضافته إلى الحواسّ صار مساویا و ملازما له.
فإن قلت: إنّه لا معنى للإحساس إلّا إدراک الحواسّ فیکون کأنّه قال: لا تحسّه الحواسّ فتحسّه. و ذلک تکرار غیر مفید.
قلت: لیس مقصوده أنّه یلزم من معنى الإدراک معنى الإحساس بل مراده أنّ الّذی یصدق علیه أنّه إدراک الحواسّ هو المسمّى بالإحساس فیکون التقدیر أنّ الحواس لو أدرکته لصدق أنّها أحسّته أى لصدق هذا الاسم و لزم من صدقه علیها أن یصدق علیه کونه محسوسا، و إنّما ألزم ذلک کون الإحساس أشهر و أبین فی الاستحاله علیه تعالى من الادراک فجعله کالأوسط فی نفى إدراکها عنه لشنعته، و أمّا بیان أنّه تعالى لیس بمحسوس فلأنّه تعالى لیس بجسم و لا جسمانىّ و کلّ محسوس فإمّا جسم أو جسمانىّ فینتج أنّه تعالى لیس بمحسوس.
الخامس و الثلاثون: کونه تعالى لا تلمسه الأیدى فتمسّه
أى لو صدق علیها أنّها تلمسه لصدق أنّها تمسّه و هو ظاهر. إذ کان المسّ أعم من اللمس، و کلاهما ممتنعان علیه لاستلرامهما الجسمیّه الممتنعه علیه تعالى.
السادس و الثلاثون: کونه لا یتغیّر بحال
أى أبدا و البتّه و على وجه من الوجوه.
السابع و الثلاثون و لا یتبدّل فی الأحوال
أى لا ینتقل من حال إلى حال.و قد سبق بیان ذلک.
الثامن و الثلاثون: کونه لا تبلیه اللیالى و الأیّام
أمّا أوّلا فلأنّه تعالى لیس بزمانىّ یدخل تحت تصریف الزمان حتّى تبلیه، و أمّا ثانیا فلأنّ لحوق الإبلاء له تغیّر فی ذاته. و قد علمت امتناع التغیّر علیه، و أمّا ثالثا فلأنّ البالى من الامور المادیّه. و کلّ ذى مادّه فهو مرکّب على ما مرّ.
التاسع و الثلاثون: کونه لا یغیّره الضیاء و الظلام،
و ذلک لامتناع التغیّر علیه.
الأربعون: کونه لا یوصف بشی‏ء من الأجزاء
لأنّ کلّ ذى جزء مفتقر إلى جزء الّذی هو غیره فکان مفتقرا إلى غیره فکان ممکنا فی ذاته. هذا خلف.
الحادى و الأربعون: و لا بالجوارح و الأعضاء
لما یلزم من الجسمیّه و الترکیب و التجزیه.
الثانی و الأربعون: و لا بعرض من الأعراض
أقول: الأعراض تنحصر فی تسعه أجناس کما هو معلوم فی مظانّه، و ذلک أنّ کلّ الموجودات سوى اللّه تعالى مقسوم بعشره أقسام واحد منها جوهر و التسعه الباقیه أعراض، و یظهر بتقسیم هکذا: کلّ ما عداه سبحانه فوجوده زاید على مهیّته بالبراهین القاطعه فمهیّته إمّا أن تکون بحیث إذا وجدت کان وجودها لا فی موضوع. و هذا المعنىّ بالجوهر، أو یکون وجودها فی موضوع و هو المعنىّ بالعرض. و نعنی بالموضوع المحلّ الّذی لا یتقوّم بما یحلّ فیه بل یبقى حقیقته کما کانت قبل حلوله کالجسم الّذی یحلّه السواد. ثمّ العرض ینقسم إلى أقسامه التسعه و هى الکم و الکیف و المضاف و أین و متى و الوضع و الملک و أن یفعل و أن ینفعل. و تسمّى هذه الأقسام مع القسم العاشر و هو الجوهر المقولات العشر و الأجناس العالیه، و لنرسم کلّ واحد منها لیظهر أنّه تعالى منزّه عن الوصف بشی‏ء منها. فنقول، أمّا الجوهر فقد عرفت رسمه، و أمّا الکمّ فرسم بأنّه العرض الّذی یقبل لذاته المساواه و اللامساواه و التجزّى. و یقبل الجوهر بسببه هذه الصفات، و أمّا الکیف فقد عرفته و عرفت‏ أقسامه، و أمّا الإضافه فهى حاله للجوهر تعرض بسبب کون غیره فی مقابلته و لا یعقل وجودها إلّا بالقیاس إلى ذلک الغیر کالابّوه و البنوّه و قد عرفتها و عرفت أیضا أقسامها من قبل، و امّا الأین فهی حاله و هیئه تعرض للجسم بسبب نسبته إلى المکان و کونه فیه و لیس مجرّد النسبه إلیه، و أمّا متى فهى حاله تعرض للشی‏ء بسبب نسبته إلى زمانه و کونه فیه أو فی طرفه و هو الآن، و أمّا الوضع فهو هیئه یعرض للجسم بسبب نسبه أجزائه بعضها إلى بعض نسبه یختلف الأجزاء لأجلها بالقیاس إلى سائر الجهات کالقیام و القعود، و أمّا الملک فقد عرفت بأنّه نسبه إلى ملاصق ینقل بانتقال ما هو منسوب إلیه کالتسلّخ و التقمّص، و أمّا أن یفعل فهو کون الشی‏ء بحیث یؤثّر فی غیره ما دام مؤثّرا فیه کالتقطیع حاله التأثیر، و أمّا أن ینفعل و هو کون الشی‏ء متأثّرا عن غیره ما دام متأثّرا کالقطیع.
إذا عرفت ذلک فنقول: أمّا البرهان الجملىّ على امتناع اتّصافه تعالى بهذه الأعراض و استحاله کونه موضوعا لها فما سبق بیانه علیه السّلام بقوله: فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه، و کذلک ما بیّناه من استلزام وصفه بشی‏ء حصول التغیّر فی ذاته و امتناع التغیّر علیه، و أمّا التفصیلىّ فأمّا امتناع وصفه بالکمّ فلأنّه لو صدق علیه الکمّ لصدق علیه قبول المساواه و المقارنه و التجزّى و کلّما قبل التجزیه کان متکثّرا و قابلا للکثره و قد ثبت أنّه تعالى واحد من کلّ وجه فیمتنع علیه الکمّ، و أمّا امتناع وصفه بالکیف فقد علمته فی أوّل الخطبه، و کذلک امتناع وصفه بالمضاف، و أمّا وصفه بالأین فلأنّه یستلزم أن یکون متحیّزا محویّا لکن کونه کذلک محال فکونه فی المکان محال، و أمّا وصفه بمتى فقد عرفته أنّه تعالى لیس بزمانىّ فاستحال أن یوصف بالنسبه إلى زمان یکون له، و أمّا وصفه بالوضع فلأنّ الوضع من خواصّ المحیّزات فإنّ الجسم المتناهی یحیط به سطح لا محاله أو سطوح ینتهى عندها فیکتنف حدّا و حدودا و نهایات و یکون له شکل و هیئه لکنّه تعالى لیس بمتحیّز فاستحال أن یکون ذا وضع، و أمّا الملک فلأنّه أیضا من خواصّ الأجسام المحاط بها إذ ما لیس بجسم و لا یحاط به بشی‏ء ینتقل بانتقاله و قد تنزّه تعالى عن الجسمیّه و أن یحیط به شی‏ء، و أمّا أن یفعل فلأنّ الفعل لا یصدق علیه إلّا بطریق الإبداع و محض الاختراع و الإبداع هو أن یکون للشی‏ء وجود من غیره متعلّق به فقط دون توسّط مادّه أو آله أو زمان و الفعل أعمّ من الإبداع إذ المفهوم من الفعل هو أن یوجد بسبب وجوده شی‏ء آخر سواء کان ذلک لسبب حرکه من الفاعل أو آله أو مادّه أو زمان أو قصد اختیارىّ فیقال للنجّار: إنّه فاعل و للسریر إنّه فعل، و یقال: لا بتوسط شی‏ء من ذلک بل بطبع و تولّد کالشمس فإنّها فاعله للنور و النور فعلها فالفعل إذن ینقسم إلى ما یکون بقصد و اختیار و إلى ما لا یکون کذلک بل یصدر عنه لأنّه ذات تفیض عنها ذلک الشی‏ء. ثمّ إن کان عالما بفیضان الشی‏ء عنه سمیّت تلک الإفاضه جودا و الفاعل بذلک الاعتبار جوادا و إن لم یکن عالما به تسمّى تلک الإفاضه طبعا و تولّدا کفیضان النور عن الشمس فالفاعل إمّا أن یفعل بالقصد و الغرض أو بالجود المحض أو بالطبع المحض، و البارى تعالى لا یجوز أن یفعل لغرض لأنّ الغرض و القصد إن کان أولى به لذاته کانت ذاته مستکمله بتلک الأولیّه ناقصه بعدمها هذا محال، و إن لم تکن أولى به کان ترجیحا من غیر مرجّح. ثمّ لا یجوز أن یکون أولى بالنظر إلى العبد لأنّ تلک الأولیّه و عدمها إن کانا بالنسبه إلیه على سواء فلا ترجیح أولا على سواء فیعود حدیث النقصان و الکمال فکان تعالى منزّها عن الفعل بهذا الوجه بل إنّما یصدر منه على وجه الإبداع بجوده المحض. و فی هذه المسأله بحث طویل لیس هذا موضعه، و أمّا وصفه بأن ینفعل فلأنّ الانفعال یستلزم التغیّر فی ذاته المستلزم للإمکان و قد تنزّه قدسه عنه.
الثالث و الأربعون: و لا بالغیریّه و الأبعاض
أى لیس له أبعاض یغایر بعضها بعضا لأنّ ذلک مستلزم للتجزئه و الترکیب الممتنعین علیه و امتناع اللازم یستلزم امتناع الملزوم.
الرابع و الأربعون: و لا یقال له حدّ و لا نهایه
لأنّ الحدود و النهایات من عوارض الأجسام ذوات الأوضاع و لواحقها. على ما سبق.

الخامس و الأربعون: و کذلک و لا انقطاع و لا غایه
أى لا انقطاع لوجوده و لا غایه له، و ذلک لأنّ الانقطاع عند الغایات من لواحق الامور الزمانیّه المحدثه الکاینه الفاسده، و قد بیّنا امتناع کونه تعالى زمانیّا و کونه مادیّا، و لأنّه تعالى واجب الوجود فیستحیل أن یلحقه العدم أو یتناهى وجوده و ینقطع عند غایه.
السادس و الأربعون. و لا أنّ الأشیاء تحویه فتقلّه أو تهویه
روی ما بعد الفاء منصوبا و علیه نسخه الرضى- رحمه اللّه- و ذلک بإضمار أن عقیبها فی جواب النفى، و روی مرفوعا على العطف. و المعنى أنّه لیس بذى مکان یحویه فیرتفع بارتفاعه و ینخفض بانخفاضه لما أنّ ذلک من لواحق الجسمیّه، و کذلک أو أنّ شیئا یحمله فیمیله أو یعدله.
السابع و الأربعون: لیس فی الأشیاء بوالج و لا عنها بخارج
لأنّ الدخول و الخروج من لواحق الأجسام أیضا فما لیس بجسم و لا جسمانىّ فهما مسلوبان عنه سلبا مطلقا لا السلب المقابل للملکه.
الثامن و الأربعون: کونه یخبر بلا لسان و لهوات
لأنّ اللسان و اللهوات من لواحق الأجسام الحیوانیّه المنزّه قدسه عنها، و السلب هاهنا کالّذی قبله. و الأخبار هو النوع الأکثر من الکلام و لذلک خصّه هنا بالذکر، و زعمت الأشعریّه أنّ الخبر هو أصل الکلام کلّه و إلیه یرجع أنواعه کالأمر و النهى و الاستفهام و التمنّى و الترجىّ و غیرها. ثمّ اختلف المتکلّمون فی حقیقه الکلام فاتّفقت المعتزله على أنّه المرکّب من الحرف و الصوت، و جمهور الأشعریّه على أنّ وراء الکلام اللسانىّ معنى قائم بالنفس یعبّر عنه بالکلام النفسانىّ و لفظ الکلام حقیقه فیه و فی اللسانىّ مجاز، و منهم من جعله حقیقه فی اللسانىّ مجاز فی النفسانىّ، و منهم من جعله مشترکا فیهما فکون اللّه تعالى متکلّما یعود إلى خلقه الکلام فی جسم الشی‏ء عند المعتزله، و عند الأشعریّه أنّه معنى قائم بذاته و

هذه الأصوات و الحروف المسموعه دلالات علیه. و سیفسّر علیه السّلام معنى‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۰
کلامه تعالى.
التاسع و الأربعون: یسمع بلا خروق و أدوات
أى لیس سمعه بأداه هى الاذن و الصماخات کما یسمع الإنسان لتنزّهه تعالى عن الآلات الجسمانیّه، و قد کان هذا البرهان کافیا فی منع إطلاق السمیع علیه تعالى لکن لمّا ورد الإذن الشرعىّ بإطلاقه علیه و لم یمکن حمله على ظاهره و حقیقته وجب صرفه إلى مجازه و هو العلم بالمسموعات إطلاقا لاسم السبب على المسبّب. إذ کان السمع من أسباب العلم فإذن کونه تعالى سمیعا یعود إلى علمه بالمسموعات.
الخمسون: یقول و لا یلفظ
و إطلاق لفظ القول علیه کإطلاق الکلام.
و أمّا التلفّظ فلمّا کان عباره عن إخراج الحرف من آله النطق و هى اللسان و الشفه لا جرم لم یصدق فی حقّه لعدم الآله هنالک و کان الشارع لم یأذن فی إطلاقه علیه تعالى لما أنّ دلالته على الآله المذکوره أقوى من الکلام و القول.
الحادى و الخمسون: کونه یحفظ و لا یتحفّظ.
و حفظه یعود إلى علمه بالأشیاء، و لمّا کان المعروف من العاده أنّ الحفظ یکون بسبب التحفّظ و کان ذلک فی حقّه تعالى محالا لاستلزامه الآلات الجسمانیّه لا جرم احترز عنه. و قال بعض الشارحین: إنّما یرید بالحفظ أنّه یحفظ عباده و یحرسهم و لا یتحفّظ منهم: أى لا یحتاج إلى حراسه نفسه منهم. و هذا بعید الإراده هنا.
الثانی و الخمسون: یرید و لا یضمر
فإرادته تعالى تعود إلى اعتبار کونه تعالى عالما بما فی الفعل من الحکمه و المصلحه الّذی هو مبدء فعله، و لا فرق فی حقّه تعالى بین الإراده و الداعى، و لمّا کان المتعارف من الإراده أنّها میل القلب نحو ما یتصوّر کونه نافعا و لذیذا و ذلک المیل من المضمرات المستکنّه فی القلب لا جرم کان إطلاق الإراده فی حقّه یستلزم تصوّر الإضمار و لمّا تنزّه سبحانه عن الإضمار لا جرم احترز عنه فی إطلاق المرید علیه تعالى فکان ذلک الاحتراز کالقرینه الصارفه للّفظ عن حقیقته إلى مجازه و هو الاعتبار المذکور.
الثالث و الخمسون: کونه یحبّ و یرضى من غیر رقّه
فالمحبّه منه تعالى‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۱
إراده هى مبدء فعل ما فمحبّته للعبد إرادته لثوابه و تکمیله و ما هو خیر له، و أمّا من العبد فهى إراده تقوى و تضعف بحسب تصوّر المنفعه و اللذّه و اعتقاد کمالها و نقصانها، و محبّته للّه هى إراده طاعته، و أمّا الرضا فقریب من المحبّه و یشبه أن یکون أعمّ منها لأنّ کلّ محبّ راض عمّا أحبّه و لا ینعکس. فرضاه تعالى عن العبد یعود إلى علمه تعالى بموافقته لأمره و طاعته له، و المفهوم منه فی حقّ العبد هو سکون نفسه بالنسبه إلى موافقه و ملایمه عند تصوّر کونه موافقا و ملایما، و لمّا کان الرضا و المحبّه من الإنسان لغیره یستلزم الرقّه القلبیّه له و الانفعال النفسانىّ عن تصوّر المعنى الّذی لأجله حصلت المحبّه و المیل إلیه و الداعى إلى الرضا عنه و کان البارى سبحانه منزّها عن الرقّه و الانفعال لتنزّهه عن قوابلها لا جرم احترز بقوله: من غیر رقّه.
الرابع و الخمسون: و یبغض و یغضب من غیر مشقّه
فالبغض منه تعالى للعبد یضادّ محبّته له و یعود إلى کراهته لثوابه، و کراهته یعود إلى علمه بعدم استحقاقه للثواب و أنّه لا مصلحه فی ثوابه و یلزمها إراده إهانته و تعذیبه، و البغض من العبد هو کراهته للغیر و میل نفسه عنه لتصوّر کونه مضرّا و مولما و یلزم ذلک النفره الطبعیّه منه و ثوران القوّه الغضبیّه علیه و إراده إهانته. و أمّا الغضب فیعود من اللّه تعالى إلى علمه بمخالفه أوامره و عدم طاعته له، و المفهوم منه فی حقّ العبد ثوران النفس و حرکه قوّتها الغضبیّه عن تصوّر المؤذى و الضارّ لإراده مقاومته و رفعه. و لمّا کان البغض و الغضب یستلزمان ثوران دم القلب و کان ذى النفس یستلزم مشقّه و کلفه لا جرم احترز عنها فی إطلاق لفظ البغض و الغضب علیه فقال: من غیر مشقّه. و اعلم أنّ إطلاق لفظ المحبّه و الرضا على ما ذکرناه من الاعتبارات فی حقّه مجاز. إذ کانت حقیقه الرضا هى سکون النفس الإنسانیّه و المحبّه میلها إلى النافع فإطلاقهما على العلم إطلاق لاسم اللازم على الملزوم، و کذلک إطلاق لفظى البغض و الغضب فی حقّه تعالى على علمه المخصوص.
الخامس و الخمسون: یقول لما أراد کونه کن فیکون
فإرادته لکونه هو

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۲
عمله بما فی وجوده من الحکمه، و قوله: کن. إشاره إلى حکم قدرته الأزلیّه علیه بالایجاد و وجوب الصدور عن تمام مؤثریّته، و قوله: فیکون. إشاره إلى وجوده. و دلّ على اللزوم و عدم التأخّر و التراخى بالفاء المقتضیه للتعقیب بلا مهله.
السادس و الخمسون: لا بصوت یقرع
أى لیس بذى حاسّه للسمع فیقرعها الصوت، و ذلک أنّ الصوت کیفیّه یحدث فی الهواء عن قلع أو قرع وقوعه لما یصل إلیه من الصماخ أو جسم آخر هو وقع علیه بشدّه و عنف، و ذلک حال تعرض الأجسام فلو کان له تعالى آله سمع لکان جسما لکن التالى باطل فالمقدّم کذلک.
السابع و الخمسون: و لا بنداء یسمع
أى لمّا بیّن فی القرینه الاولى أنّه لا سمع له یقرع بصوت بیّن فی الثانیه أنّه لا یخرج منه الصوت لأنّ النداء صوت مخصوص و الصوت مستلزم المصوّت و هو جسم لما مرّ من استلزام الصوت القرع أو القلع المستلزمین الجسمیّه. و قوله: و إنّما کلامه تعالى. إلى قوله: کاینا. فاعلم أنّ هذا الکلام ممّا استفادت المعتزله منه کون کلامه تعالى محدثا، و فیه تصریح بغیر ما ذهبوا إلیه. فمعنى قوله: فعل منه أنشأه: أى أوجده فی لسان النبىّ. فأمّا قوله: و مثله. فأراد صوّره فی لسان النبىّ و سوّى مثاله فی ذهنه. و قال بعض الشارحین: مثله لجبرئیل فی اللوح المحفوظ حتّى بلّغه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سایر الرسل علیهم السّلام و دلّ بقوله: لم یکن من قبل ذلک کائنا. على أنّه محدث مسبوق الوجود بالعدم، و أشار بقوله: و لو کان. إلى قوله: ثانیا، إلى برهان حدوثه و هو قیاس استثنائىّ و تقریره: لو کان کلامه تعالى قدیما لکان کلامه إلها ثانیا لکن التالى باطل فالمقدّم کذلک. فأمّا بیان الملازمه فلأنّه لو کان قدیما لکان إمّا واجب الوجود و إمّا ممکن الوجود. و التالى باطل لأنّه لو کان ممکنا مع أنّه موجود فی الأزل لکان وجوده مفتقرا إلى مؤثّر فذلک المؤثّر إن کان غیر ذاته فهو محال لوجهین:

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۳
أحدهما: أنّه یلزم افتقاره تعالى فی تحصیل صفته إلى غیره فهو محال. الثانی: انّه یلزم أن یکون فی الأزل مع اللّه غیره یکون مستندا إلیه فی حصول تلک الصفه فیکون إلها ثانیا بل هو أولى بالإلهیّه هذا محال. و إن کان المؤثّر فی کلامه ذاته فهو محال أیضا لأنّ المؤثّر واجب التقدّم بالوجود على الأثر فالکلام إمّا أن یکون من صفات کماله أولا یکون فإن کان الأوّل فتأثیره فیه إن کان- و کلّ کمال له حاصلا له بالفعل- فقد کان وصف الکلام حاصلا له قبل أن کان حاصلا هذا خلف. و إن کان تأثیره فی حال ما هو خال عن صفه الکلام فقد کان خالیا عن صفه کماله فکان ناقصا بذاته و هذا محال، و أمّا إن لم یکن الکلام من صفات کماله کان إثباته له فی الأزل إثباتا لصفه زائده على الکمال و الزیاده على الکمال نقصان. فتعیّن أنّه لو کان قدیما لکان واجب الوجود لذاته فکان إلها ثانیا، و أمّا بطلان التالى فلمّا بیّنا من کونه تعالى واحدا. فثبت بهذا الدلیل الواضح أنّه لا یجوز أن یکون کلامه قدیما.
الثامن و الخمسون: لا یقال. إلى قوله: لم یکن.
إشاره إلى أنّه لیس بمحدث لأنّ کون الشی‏ء بعد أن لم یکن هو معنى حدوثه. و قوله: فتجرى علیه الصفات المحدثات. فالفاء فی جواب النفى لتقدیر الشرط: أى لو صدق علیه أنّه محدث للحقته الصفات المحدثه و إلّا لکانت صفاته قدیمه فکان الموصوف بها قدیما. هذا خلف. و التقدیر لکن لحوق الصفات المحدثه له باطل فکونه محدثا باطل، و أشار إلى بطلان التالى بقوله: و لا یکون بینها و بینه فصل. إلى قوله: و البدیع. و التقدیر أنّه لو لحقته الصفات المحدثات و جرت علیه على تقدیر کونه محدثا لکانت ذاته مساویه لها فی الحدوث المستلزم للإمکان المستلزم للحاجه إلى الصانع فلم یکن بینها و بینه فصل فی ذلک، و لاله علیها فضل لاشتراکه معها فی الحاجه. و قوله: فیستوى. إلى قوله: المبتدع. إشاره إلى ما یلزم تلک المساواه من المحال. إذ کان استواء الصانع و مصنوعه‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۴
ظاهر الفساد. و أصل البدیع من الفعل ما لم یسبق فاعله إلى مثله، و سمّى الفعل الحسن بدیعا لمشابهته ما لم یسبق إلیه فی کونه محلّ التعجب منه، و المبدع هو فاعل البدیع، و المصدر الإبداع. و قد عرفت معناه فیما قبل. و فی نسخه الرضى المبدع بفتح الدال، و هو البدیع بالمعنى الّذی ذکرناه، و یکون مراده بالبدیع الصانع و هو فعیل بمعنى فاعل کقوله تعالى بَدِیعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ«» و إذا ثبت أنّه لا یجرى علیه الامور المحدثه و لواحق الحدوث من سبق العدم و التغیّر و الإمکان و الحاجه إلى المؤثّر و غیر ذلک و إلّا یلزم المحال المذکور أوّلا. و النسخه الاولى بخط الرضىّ- رضى اللّه عنه- .
التاسع و الخمسون: کونه تعالى خلق الخلق. إلى قوله: غیره،
و قد سبق بیانه فی الخطبه الاولى، و هو تنزیه له عن صفات الصانعین من البشر فإنّ صنایعهم تحذو حذو أمثله سبقت من غیرهم أو حصلت فی أذهانهم.
الستّون: کونه لم یستعن على خلق ما خلق بأحد من خلقه
و إلّا لکان ناقصا بذاته مفتقرا إلى ما کان هو مفتقرا إلیه و هو محال.
الحادى و الستّون: کونه أنشأ الأرض فأمسکها
أى أوجدها فقامت فی حیّزها بمساک قدرته، و لمّا کان شأن من تمسک شیئا و یحفظه من سایر الفاعلین لا یخلو عن کلفه و مشقّه فی حفظه و اشتغال بحفظه عن غیره من الأفعال نزّه حفظه تعالى لها عمّا یلزم حفظ غیره لما یحفظه من تلک الکلفه و الاشتغال بحفظها.
الثانی و الستّون: کونه أرساها
أى أثبتها فی حیّزها على غیر قرار اعتمدت علیه فأمسکها، و کذلک رفعه لها بغیر دعائم، بل بحسب قدرته التامّه.
الثالث و الستّون: کونه حصّنها من الأود و الاعوجاج
أى من المیل إلى أحد جوانب العالم عن المرکز الحقیقىّ و ذلک ممّا ثبت فی موضعه من الحکمه.
الرابع و الستّون: کونه منعها عن التهافت و الانفراج
أى جعلها کره واحده ثابته فی حیّزها، و منعها أن یتساقط قطعا أو ینفرج بعضها عن بعض.

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۵
الخامس و الستّون: کونه أرسى أوتادها
أى أنبتها فیها. و أوتادها: جبالها.
و قد بیّنا فی الخطبه الاولى معنى کونها أوتادا لها.
السادس و الستّون. کونه ضرب أسدادها
و أراد بأسدادها ما أحاط بها من الجبال أو الّتی یحجز بین بقاعها و بلادها.
السابع و الستّون: کونه استفاض عیونها.
و استفاض بمعنى أفاض کما قال تعالى وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُیُوناً«» و قد سبقت الإشاره إلى ذلک.
الثامن و الستّون: کونه خدّ أودیتها
أى شقّها و بیّن جبالها و تلالها. و قوله: فلم یهن ما بناه و لا ضعف ما قوّاه. بعد تعدید ما عدّد من الآثار العظیمه إشاره إلى کمال هذه المخلوقات و قوّتها لیبیّن عظمه اللّه سبحانه بالقیاس إلیها.
التاسع و الستّون: کونه هو الظاهر علیها سلطانه و عظمته
فأشار بقوله: هو. إلى هویّته الّتی هى محض الوجود الحقّ الواجب، و لمّا لم یکن تعریف تلک الهویّه إلّا بالاعتبارات الخارجه عنها أشار إلى تعریفها بکونه ظاهرا علیها: أى غالبا قاهرا لها، و لمّا کان الظهور یحتمل الظهور الحسّیّ لا جرم قیّده بسلطانه و عظمته. إذ کان ظهوره علیها لیس ظهورا مکانیّا حسّیا بل بمجرّد ملکه و استیلاء قدرته و عظمه سلطانه.
السبعون: قوله: و هو الباطن لها
أى الداخل فی بواطنها بعلمه، و لمّا کان البطون یحتمل الحسّىّ قیّده بعلمه تنزیها له عن سوء الأفهام و أحکام الأوهام. و الضمائر فی قوله: علیها و لها یعود إلى الأرض و ما فیها ممّا بناه و سوّاه.
الحادى و السبعون: کونه عالیا على کلّ شی‏ء
أى من الأرض و سایر مخلوقاته بها بجلاله و عزّته: فجلاله و عزّته بالنسبه إلیها هو اعتبار کونه تعالى منزّها عن کلّ مالها من الصفات المحدثه و الکمالات المستفاده من الغیر المستلزمه للنقصان الذاتىّ، و لمّا کانت هذه الاعتبارات الّتی تنزّه عنها فی حضیض النقصان‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۶
کان هو باعتبار تنزیهه عنها فی أوج الکمال الأعلى فکان عالیا علیها بذلک الاعتبار و لأنّه تعالى خالقها و موجدها فعلوّه علیها بجلال سلطان، و عزّته عن خضوع الحاجه و ذلّتها.
الثانی و السبعون: کونه لا یعجزه شی‏ء منها طلبه. إلى قوله: فیسبقه،
و ذلک لکونه تعالى واجب الوجود تامّ العلم و القدره لا نقصان فیه باعتبار، و کون کلّ ما عداه مفتقرا فی وجوده و جمیع أحوال وجوده إلیه فلا جرم لم یتصوّر أن یعجزه شی‏ء طلبه أو یمتنع علیه شی‏ء بقوّه فیغلبه، أو یفوته سریع بحرکته فیسبقه لما یستلزمه ذلک العجز عن الحاجه و الإمکان الممتنعین علیه.
الثالث و السبعون: و کذلک کونه لا یحتاج إلى ذى المال فیرزقه
لما یستلزمه الحاجه من الإمکان. و کلّ ذلک نفى الأحوال البشریّه عنه.
الرابع و السبعون: قوله: خضعت له الأشیاء. إلى قوله. لعظمته
فخضوعها و ذلّها یعود إلى دخولها فی ذلّ الإمکان تحت سلطانه و انقیادها فی اسر الحاجه إلى کمال قدرته، و بذلک الاعتبار لم یستطع الهرب من سلطانه للزوم الحاجه لذواتها إلیه و استناد کمالاتها إلى وجوده. فهو النافع لها بإفاضه کمالاتها و الضارّ لها بمنع ذلک. فإن قلت: إنّ النفع لا یهرب منه و لا یمتنع فکیف ذکره هنا.
قلت: المراد منه سلب قدرته علیها على تقدیر امتناعها منه، و هذا کما تقول لمن عجز عنک: إنّ فلانا لا یقدر على نفع و لا ضرّ، و لأنّ النفع جاز أن یمتنع منه لأنفه و استغناء بالغیر، و لا شی‏ء من الموجودات یمتنع من سلطانه و نفعه باستغناء عنه و أنفه و نحوها.
الخامس و السبعون: کونه لا کف‏ء له یکافیه
أى لیس له مثل فیقابله و یفعل بإزاء فعله، و قد علمت تنزیهه تعالى عن المثل، و کذلک لا نظیر له فیساویه.
السادس و السبعون: هو المفنى لها. إلى قوله: کمفقودها
عرّف هویّته باعتبار کونه معدما للأشیاء بعد وجودها، و قد ورد فی القرآن الکریم إشارات‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۷
إلى ذلک کقوله تعالى یَوْمَ نَطْوِی السَّماءَ کَطَیِّ السِّجِلِّ لِلْکُتُبِ کَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِیدُهُ«» و معلوم أنّ الإعاده إنّما تکون بعد العدم، و قوله إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَ إِذَا الْکَواکِبُ انْتَثَرَتْ«» و أمثالها. و قد أجمعت الأنبیاء على ذلک، و علم التصریح من دین محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بانّه سیکون، و هو الّذی علیه جمهور المتکلّمین و الخلاف فی جواز خراب العالم مع الحکماء فإنّهم اتّفقوا على أنّ الأجرام العلویّه و العقول و النفوس الملکیّه، و کذلک هیولى العالم العنصرىّ و أجرام العناصر، و ما ثبت قدمه امتنع عدمه لا لذاته بل لدوام علّه وجوده، و ما عدا ذلک فهو حادث و لیس کلّه ممّا یعاد بالاتّفاق، بل الخلاف فی المعاد الإنسانی البدنى فأنکره بعضهم. و الإسلامیّون منهم قالوا: لیس للعقل فی الحکم بوجوده أولا وجوده محال، بل إنّما یعلم بالسمع. هذا مع اتّفاقهم على القول بامتناع إعاده المعدوم. فإن أمکن الجمع بین القول بجواز المعاد الجسمانىّ مع القول بامتناع إعاده المعدوم فلیکن على ما ذهب إلیه أبو الحسین البصرىّ من المعتزله و هو قوله: إنّ الأجزاء یتشذّب و یتفرّق بحیث یخرج عن حدّ الانتفاع بها و لا تدخل فی العدم الصرف. لکن فی ذلک نظر لأنّ بدن زید مثلا لیس عباره عن تلک الأجزاء المتشذّبه و المتفرّقه فقط فإنّ القول بذلک مکابره للعقل بل عنها مع سائر الأعراض و التألیفات المخصوصه و الأوضاع فإذا شذب البدن و تفرّق فلا بدّ أن یعدم تلک الأعراض و تفنى و حینئذ یلزم فناء البدن من حیث هو ذلک البدن فعند الإعاده إن اعید بعینه وجب إعاده تلک الأعراض بعینها فلزمت إعاده المعدوم، و إن لم یعد بعینه عاد غیره فیکون الثواب و العقاب على غیره و ذلک مکذّب للقرآن الکریم فی قوله قُلْ أَ غَیْرَ اللَّهِ أَبْغِی رَبًّا«» اللهمّ إلّا أن یقال: إنّ الإنسان المثاب و المعاقب إنّما هو النفس الناطقه و هذا البدن کالآله فإذا عدم لم یلزم عوده بعینه بل جاز عود مثله. لکن هذا إنّما یستقیم على مذهب الحکماء القائلین بالنفس الناطقه، و أمّا على رأى أبى الحسین البصرىّ‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۸
فلا، و مذهب أکثر المحقّقین من علماء الإسلام یؤول إلى هذا القول.
و قوله: و لیس فناء الدنیا. إلى قوله: اختراعها.
و قوله: و لیس فناء الدنیا. إلى قوله: اختراعها. رفع لما یعرض لبعض الأذهان من التعجّب بفناء هذا العالم بعد ابتداعه و خلقه بالتنبیه على حال إنشائه و اختراعه: أى لیس صیروره ما خلق إلى العدم بقدرته بعد الوجود بأعجب من صیرورته إلى الوجود بعد العدم عنها. إذ کانت کلّها ممکنه قابله للوجود و العدم لذواتها، بل صیرورتها إلى الوجود المشتمل على أعاجیب الخلقه و أسرار الحکمه الّتی لا یهتدی لها و لا یقدر على شی‏ء منها أعجب و أغرب من عدمها الّذی لا کلفه فیه.
و قوله: و کیف لو اجتمع. إلى قوله: إفنائها.
و قوله: و کیف لو اجتمع. إلى قوله: إفنائها. تأکید لنفى کون عدمها بعد وجودها أعجب من إیجادها بالتنبیه على عظم مخلوقاته تعالى و مکوّناته و ما اشتملت علیه من أسرار الحکمه المنسوبه إلى قدرته.
و المعنى و کیف یکون عدمها أعجب و فی إیجاده أضعف حیوان و أصغره ممّا خلق کالبعوضه من العجائب و الغرائب و الإعجاز ما یعجز عن تکوینه و إحداثه قدره کلّ من تنسب إلیه القدره، و تقصر عن معرفه الطریق إلى إیجادها ألباب الألبّاء، و یتحیّر فی کیفیّه خلقها حکمه الحکماء، و یقف دون علم ذلک و یتناهى عقول العقلاء، و ترجع خاسئه حسیره مقهوره معترفه بالعجز عن الاطّلاع على کنه صنعه فی إنشائها مقرّه بالضعف عن إفنائها. فإن قلت: کیف تقرّ العقول بالضعف عن إفناء البعوضه مع إمکان ذلک و سهولته.
قلت: إنّ العبد إذا نظر إلى نفسه بالنسبه إلى قدره الصانع الأوّل- جلّت عظمته- وجد نفسه عاجزه عن کلّ شی‏ء إلّا بإذن إلهىّ، و أنّه لیس له إلّا الإعداد لحدوث ما ینسب إلیه من الآثار. فأمّا نفس وجود الأثر فمن واهب العقل- عزّ سلطانه- فالعبد العاقل لما قلناه یعترف بالضعف عن إیجاد البعوضه و إعدامها، و ما هو أیسر من ذلک عند مقایسه نفسه إلى موجده و واهب کماله کما عرفت ذلک فی‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۹
موضعه، و أیضا فإنّ اللّه سبحانه کما خلق للعبد قدره على الفعل و الترک و الإیذاء و الإضرار بغیره کذلک خلق للبعوضه قدره على الامتناع و الهرب من ضرره بالطیران و غیره بل أن تؤذیه و لا یتمکّن من دفعها عن نفسه فکیف یستسهل العاقل إفناها من غیر معونه صانعها له علیه.
و قوله: و إنّه سبحانه یعود. إلى قوله: الامور.
و قوله: و إنّه سبحانه یعود. إلى قوله: الامور. إشاره إلى کونه تعالى باقیا أبدا فیبقى بعد فناء الأشیاء وحده لا شی‏ء معه منها کما کان قبل وجوده کذلک بریئا عن لحوق الوقت و المکان و الحیّز و الزمان.
و قوله: یعود بعد.
و قوله: یعود بعد. إشعار بتغیّر من حاله سبقت إلى حاله لحقت، و هما یعودان إلى ما یعتبره أذهاننا له من حاله تقدّمه على وجودها و حاله تأخّره عنها بعد عدمها، و هما اعتباران ذهنیّان یلحقانه بالقیاس إلى مخلوقاته.
و قوله: عدمت عند ذلک. إلى قوله: الساعات.
و قوله: عدمت عند ذلک. إلى قوله: الساعات. ظاهر لأنّ کلّ ذلک أجزاء للزمان الّذی هو من لواحق الحرکه الّتی هى من لواحق الجسم فیلزم من عدم الأجسام عدم عوارضه.
و قوله: فلا شی‏ء. إلى قوله: الامور.
و قوله: فلا شی‏ء. إلى قوله: الامور. أى لا شی‏ء یبقى بعد فناء العالم إلّا هو، و ذکر الواحد لبقائه کذلک، و القهّار باعتبار کونه قاهرا لها بالعدم و الفناء، و کونه إلیه مصیر جمیع الامور فمعنى مصیرها إلیه أخذه لها بعد هبته لوجودها.
و قوله: بلا قدره. إلى قوله: فناؤها.
و قوله: بلا قدره. إلى قوله: فناؤها. إشاره إلى أنّه لا قدره لشی‏ء منها على إیجاده نفسه، و لا على الامتناع من لحوق الفناء له.
و قوله: و لو قدرت. إلى قوله: بقائها.
و قوله: و لو قدرت. إلى قوله: بقائها. استدلال بقیاس شرطىّ متّصل على عدم قدره شی‏ء منها على الامتناع من‏ الفناء، و إنّما خصّ الحکم بالاستدلال دون الأوّل لکون الأوّل ضروریّا. و بیان الملازمه أنّ الفناء مهروب منه لکلّ موجود فإمکان الامتناع منه مستلزم للداعى إلى الامتناع المستلزم للامتناع منه المستلزم للبقاء، و أمّا بطلان التالى فلمّا ثبت أنّه تعالى یفنیها فلزم أن لا یکون لها قدره على الامتناع.
و قوله: لم یتکاءده. إلى قوله: خلفه.
و قوله: لم یتکاءده. إلى قوله: خلفه. ظاهر لأنّ المشقّه فی الفعل و ثقله إنّما یعرض لذى القدره الضعیفه من الحیوان لنقصانها. و قدرته تعالى بریّه عن أنحاء النقصان لاستلزامه الإمکان و الحاجه إلى الغیر.
و قوله: و لم یکوّنها. إلى آخره.
و قوله: و لم یکوّنها. إلى آخره. إشاره إلى تعدید وجوه الأعراض المتعارفه للفاعلین فی إیجاد ما یوجدونه و إعدامه. و نفى تلک الأعراض عن فعله فی إیجاده ما أوجده و إعدامه ما أعدمه من الأشیاء: أمّا الأعراض المتعلّقه بالإیجاد فهو إمّا جلب منفعه کتشدید السلطان و جمع الأموال و القینات و تکثیر الجند و العدّه و الازدیاد فی الملک بأخذ الحصون و القلاع و مکابره الشریک فی الملک کما یکابر الإنسان غیره ممّن یشارکه فی الأموال و الأولاد أو رفع مضرّه کالتخوّف من العدم و الزوال فخلقها لیتحصّن بها من ذلک أو خوف النقصان فخلقها لیستکمل بها أو خوف الضعف عن مثل تکاثره فخلقها لیستعین بهما علیه أو خوف ضدّ یقاومه فأوجدها لیختزل منه و یدفع مضرّته أو لوحشه کانت له قبل إیجادها فأوجد لیدفع ضرر استیحاشه بالانس بها، و کذلک الأغراض المتعلّقه بعدمها: إمّا إلى دفع المضرّه کرفع السأم اللاحق له من تصریفها و تدبیرها و الثقل فی شی‏ء منها علیه و الملال من طول بقائها فیدعوه ذلک إلى إفنائها، أو جلب المنفعه کالراحه الواصله إلیه. فإنّ جلب المنفعه و دفع المضرّه من لواحق الإمکان الّذی تنزّه قدسه عنه.
و قوله: لکنّه سبحانه. إلى قوله: لقدرته.
و قوله: لکنّه سبحانه. إلى قوله: لقدرته. فتدبیرها بلطفه إشاره إلى إیجاده لها على وجه الحکمه و النظام الأتمّ‏ الأکمل الّذی لیس فی الإمکان أن یکون جملتها على أتمّ منه و لا ألطف، و إمساکه لها بأمره قیامها فی الوجود بحکم سلطانه، و إتقانها بقدرته إحکامها على وفق منفعتها و إن کان عن قدرته فعلى وفق علمه بوجوه الحکمه. کلّ ذلک بمحض الجود من غیر غرض من الأغراض المذکوره تعود إلیه.
و قوله: ثمّ یعیدها بعد الفناء.
و قوله: ثمّ یعیدها بعد الفناء. تصریح بإعاده الأشیاء بعد فنائها. و فناؤها إمّا عدمها کما هو مذهب من جوّز إعاده المعدوم، أو تشذّبها و تفرّقها و خروجها عن حدّ الانتفاع بها کما هو مذهب أبی الحسین البصرىّ من المعتزله.
و قوله: من غیر حاجه. إلى آخره.
و قوله: من غیر حاجه. إلى آخره. ذکر وجوه الأغراض الصالحه فی الإعاده، و الإشاره إلى نفیها عنه تعالى، و هو أیضا کالحاجه إلیها و الاستعانه ببعضها على بعض، أو لانصراف من حال وحشه إلى حال استیناس، أو انصراف من حال جهل و عمى فیه إلى حال علم و بصیره، و کذلک من فقر و حاجه إلى غنى و کثره و من ذلّ وضعه إلى عزّ و قدره. و قد عرفت أنّ کلّ هذه الأغراض من باب دفع المضرّه المنزّه قدسه تعالى عنها، و قد بیّنا فیما سلف البرهان الإجمالىّ على تنزیهه تعالى فی أفعاله من الأغراض بل إیجاده لما یوجد لمحض الجود الإلهىّ الّذی لا بخل فیه و لا منع من جهته. فهو الجواد المطلق و الملک المطلق الّذی یفید ما ینبغی لا لغرض و یوجد ما یوجد لا لفائده تعود إلیه و لا غرض. و هو مذهب جمهور أهل السنّه و الفلاسفه، و الخلاف فیه مع المعتزله.
فإن قلت: ظاهر کلامه علیه السّلام مشعر بأنّ الدنیا کما تفنى تعاد، و الّذی وردت به الشریعه، و فیه الخلاف بین جمهور المتکلّمین و الحکماء هو إعاده الأبدان البشریّه.
قلت: الضمیر فی قوله: تعیدها. سواء کان راجعا إلى الدنیا أو إلى الامور فی قوله: مصیر جمیع الامور. فإنّه مهمل کما یرجع إلى الکلّ جاز أن یرجع إلى البعض و هى الأبدان البشریّه. قال بعضهم: إنّ للسالکین فی هذا الکلام تأویلا عقلیّا و إن جزموا بکون مراده علیه السّلام هو ما ذکرناه من الظاهر فإنّهم قالوا یحتمل أن یشار بقوله: و إنّه یعود سبحانه. إلى قوله: الامور. إلى حال العارف إذا حقّ له الوصول التامّ حتّى غاب عن نفسه فلحظ جناب الحقّ سبحانه بعد حذف کلّ قید دنیاوىّ أو اخروىّ عن درجه الاعتبار فإنّه صحّ کما یفنى هو عن کلّ شی‏ء کذلک یفنى عنه کلّ شی‏ء حتّى نفسه فلا یبقى بعد فنائها عنه إلّا وجه اللّه ذو الجلال و الإکرام فکما کانت الأشیاء عند اعتبار ذواتها غیر مستحقّه للوجود و لواحقه کذلک یکون عند حذفها عن درجه الاعتبار و ملاحظه جلال الواحد القهّار لیس إلّا هو.
و قوله: ثمّ یعیدها بعد الفناء.
و قوله: ثمّ یعیدها بعد الفناء. فدلّ عودها إلى اعتبار أذهان العارفین لها عند عوجهم من الجناب المقدّس إلى الجنبه السافله و اشتغالهم بمصالح أبدانهم. و الکلّ منسوب إلى تصریف قدرته تعالى بحسب استعداد الأذهان لقبولها و حذفها. و قد علمت من بیانها لهذه الخطبه صدق کلام السیّد الرضى- رضى اللّه عنه- فی مدحها حیث قال: و تجمع هذه الخطبه من اصول العلم ما لا تجمعه غیرها. فإنّها بالغه فی علم التوحید کامله فی علم التنزیه و التقدیس لجلال الواحد الحقّ- جلّت عظمته- و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۴۶

 

 

 

 

بازدیدها: ۷

خطبه ۲۲۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
القسم الأول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَا تُدْرِکُهُ الشَّوَاهِدُ- وَ لَا تَحْوِیهِ الْمَشَاهِدُ- وَ لَا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ- وَ لَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ- الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ- وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ- وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ لَهُ- الَّذِی صَدَقَ فِی مِیعَادِهِ- وَ ارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ- وَ قَامَ بِالْقِسْطِ فِی خَلْقِهِ- وَ عَدَلَ عَلَیْهِمْ فِی حُکْمِهِ- مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْیَاءِ عَلَى أَزَلِیَّتِهِ- وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ- وَ بِمَا اضْطَرَّهَا إِلَیْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ- وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ وَ دَائِمٌ لَا بِأَمَدٍ وَ قَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ- تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لَا بِمُشَاعَرَهٍ- وَ تَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِی لَا بِمُحَاضَرَهٍ- لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا- وَ بِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا وَ إِلَیْهَا حَاکَمَهَا- لَیْسَ بِذِی کِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَایَاتُ فَکَبَّرَتْهُ تَجْسِیماً- وَ لَا بِذِی عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَایَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِیداً- بَلْ کَبُرَ شَأْناً وَ عَظُمَ سُلْطَاناً وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ الصَّفِیُّ- وَ أَمِینُهُ الرَّضِیُّ ص أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ وَ ظُهُورِ الْفَلَجِ وَ إِیضَاحِ الْمَنْهَجِ- فَبَلَّغَ الرِّسَالَهَ صَادِعاً بِهَا- وَ حَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّهِ دَالًّا عَلَیْهَا- وَ أَقَامَ أَعْلَامَ الِاهْتِدَاءِ وَ مَنَارَ الضِّیَاءِ- وَ جَعَلَ أَمْرَاسَ الْإِسْلَامِ مَتِینَهً- وَ عُرَى الْإِیمَانِ وَثِیقَهً

اللغه
أقول:

المشاهد: المحاضر و المجالس.

و المرائى: جمع مرآه بفتح المیم و هى المنظر یقال: فلان حسن فی مرآه العین و فی رأى العین: أى فی المنظر.

و الفلج: الظفر و أصله بسکون اللام.

و الأمراس: جمع مرس بفتح الراء و هى جمع مرسه و هى الحبل.

المعنى
و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات من التنزیه:
الأوّل: کونه لا تدرکه الشواهد
و أراد الحواسّ، و سمّاها شواهد لکونها تشهد ما تدرکه و تحضر معه، و قد علمت تنزیهه عن إدراک الحواسّ غیر مرّه.
الثانی: و لا تحویه المشاهد
و قد علمت تنزیهه تعالى عن الأمکنه و الأحیاز.
الثالث: و لا تراه النواظر
أى نواظر الأبصار، و إنّما خصّص البصر بالذکر بعد ذکر الشواهد لظهور تنزیهه تعالى عن سایر الحواسّ و وقوع الشبهه و قوّتها فی أذهان کثیر من الخلق فی جواز إدراکه تعالى بهذه الحاسّه حتّى أنّ مذهب کثیر من العوامّ أن تنزیهه تعالى عن ذلک ضلال بل کفر تعالى اللّه عمّا یقول العادلون.
الرابع: و لا تحجبه السواتر
و قد علمت أنّ السواتر الجسمانیّه إنّما تعرض للأجسام و عوارضها، و علمت تنزیهه تعالى عن ذلک.
الخامس: کونه دالّا على قدمه بحدوث خلقه
و اعلم أنّه علیه السّلام جعل حدوث خلقه هنا دالّا على الأمرین: أحدهما: قدمه تعالى. و الثانی: وجوده. و قد سبق تقریر ذلک فی قوله علیه السّلام: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه و بحدوث خلقه على أزلیّته. غیر أنّه جعل هناک الدلیل على الوجود هو نفس الخلق و جعله هنا هو الحدوث، و لمّا کان مجرّد الوجود للممکنات و خلقها یدلّ على وجود صانع لها فأولى أن یدلّ حدوثها علیه. و قدمه و أزلیّته واحد.
السادس
و کذلک مرّ تقریر قوله: و باشتباههم على أن لا شبیه له. فی الفصل المذکور.

السابع: الّذی صدق فی میعاده،
و صدقه تعالى یعود إلى مطابقه ما نطقت به کتبه على ألسنه رسله الصادقین علیهم السّلام للواقع فی الوجود ممّا وعد به أمّا فی الدنیا کما وعد به رسوله و المؤمنین بالنصر أو الاستخلاف فی الأرض کقوله تعالى وَعَدَکُمُ اللَّهُ مَغانِمَ کَثِیرَهً تَأْخُذُونَها«» الآیه و قوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ«» و أمّا فی الآخره کما وعد عباده الصالحین بما أعدّ لهم فی الجنّه من الثواب الجزیل، و الخلف فی الوعد کذب و هو على اللّه سبحانه محال، و هو کقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا یُخْلِفُ الْمِیعادَ«».
الثامن: و ارتفع عن ظلم عباده
و هو تنزیه له عن حال ملوک الأرض الّذین من شأنهم ظلم رعیّتهم إذا رأوا أنّ ذلک أولى بهم، و أنّ فیه منفعه ولدّه أو فی ترکه ضرر و تألّم، و کلّ ذلک من توابع الأمزجه و عوارض البشریّه المحتاج إلى تحصیل الکمال الحقیقى أو الوهمىّ. و جناب الحقّ تعالى منزّه عن ذلک.
التاسع: و قام بالقسط فی خلقه
فقیامه بالقسط و هو العدل فیهم و إجراؤه لأحکامه فی مخلوقاته على وفق الحکمه و النظام الأکمل و هو أمر ظاهر و کذلک عدله علیهم فی حکمه.
العاشر: کونه یستشهد بحدوث الأشیاء على أزلیّته.
و الاستشهاد الاستدلال، و کرّره هنا تأکیدا باختلاف العباره.
الحادى عشر: و بما و سمها به من العجز عن قدرته.
العجز عباره عن عدم القدره عمّا من شأنه أن یقدر. إذ لا یقال مثلا للجدار: إنّه عاجز، و قد علمت أنّ کلّ موجود سواه فهو موصوف و موسوم بعدم القدره على ما یختصّ به قدرته تعالى من الموجودات بل بعدم القدره على شی‏ء أصلا. إذ کلّ موجود فهو منته فی سلسله الحاجه إلیه و هو تعالى مبدء وجوده. و سایر ما یعدّ سببا له فإنّما هو واسطه معدّه کما علم تحقیقه فی موضع آخر فإذن لا قدره فی الحقیقه إلّا له و منه. و وجه الاستدلال أنّه لو کان موسوما بالعجز عن شی‏ء لما کان مبدء له لکنّه مبدءلکلّ موجود فهو ثابت القدره تامّها.
الثانی عشر: و بما اضطرّها إلیه من الفناء دوامه.
و اضطراره لها إلى الفناء حکم قدرته القاهره على ما استعدّ منها للعدم بإفاضه صوره العدم علیه حین استعداده لذلک على وفق قضائه تعالى بذلک، و هو المشار إلیه بقوله تعالى وَ نُفِخَ فِی الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ مَنْ فِی الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ«» و وجه الاستدلال أنّه تعالى لو کان مضطرّا إلى الفناء کسایر الأشیاء لکان جایز الفناء فکان ممکنا لکن التالى باطل فهو واجب الوجود دائما.
الثالث عشر، کونه تعالى واحدا لا بعدد
أى أنّه لیس واحدا بمعنى أنّه مبدء لکثره یکون عادّا لها و مکیالا، و قد سبق بیان ذلک، و بیان إطلاق وجه الوحده علیه، و بأىّ معنى هو غیر مرّه. فلا معنى لإعادته.
الرابع عشر: کونه دائما لا بأمد
و قد سبق أیضا بیان أنّ کونه دائما بمعنى أنّ وجوده مساوق لوجود الزمان. إذ کان تعالى هو موجد الزمان بعد مراتب من خلقه، و مساوقه الزمان لا یقتضى الکون فی الزمان، و لمّا کان الأمد هو الغایه من الزمان و منتهى المدّه المضروبه لذى الزمان من زمانه، و ثبت أنّه تعالى لیس بذى زمان یعرض له الأمد ثبت أنّه دائم لا أمد له.
الخامس عشر: کونه قائما لا بعمد
أى بعمد ثابت الوجود من غیر استناد إلى سبب یعتمد علیه و یقیمه فی الوجود کسایر الموجودات الممکنه، و ذلک هو معنى کونه واجب الوجود، و قد أشرنا إلى برهان ذلک فی قوله: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه. و کثیر من قرائن هذا الفصل موجود هناک.
السادس عشر: کونه تتلقّاه الأذهان لا بمشاعره،
و تلقّى الأذهان له یعود إلى استقبالها و تقبّلها لما یمکنها أن یتصوّره به من صفاته السلبیّه و الإضافیّه، و کون ذلک لا بمشاعره: أى لیس تلقّیها لتلک التصوّرات من طریق المشاعره و هى الحواسّ، و لا على وجه شعورها بما یشعر به منها، بل تتلقّاها على وجه أعلى‏ و أشرف بتعقّل صرف برىّ عن علایق الموادّ مجرّد عن إدراک الحواسّ و توابع إدراکاتها من الوضع و الأین و المقدار و الکون و غیر ذلک.
السابع عشر: کونه و تشهد له المرائى لا بمحاضره.
إشاره إلى کون المرائى و النواظر طرقا للعقول إلى الشهاده بوجوده تعالى فی آثار قدرته و لطایف صنعته و ما یدرک بحسّ البصر منها، و لوضوح العلم به تعالى و شهاده العقول بوجوده فی المدرکات بهذه الآله صار کأنّه تعالى مشاهد مرئىّ فیها و إن لم تکن هذه الآله محاضره له و لا یتعلّق إدراکها به، و یحتمل أن یرید بالمرائى المرئیّات الّتی هى مجال أبصار الناظرین و مواقعها. و ذلک أنّ وجودها و ما اشتملت علیه من الحکمه شاهد بوجود الصانع سبحانه من غیر حضور و محاضره حسیّه کما علیه الصنّاع فی صنایعهم من محاضرتها و مباشرتها.
الثامن عشر: کونه تعالى لم تحط به الأوهام.
لمّا کان تعالى غیر مرکّب لم یمکن الإحاطه به بعقل أو وهم البتّه، و الأوهام أولى بذلک. إذ کانت إنّما یتعلّق بالمعانى الجزئیّه المتعلّقه بالمحسوسات و الموادّ الجسمانیّه فیترتّب فی تنزیهه تعالى عن إحاطه الأوهام به قیاس هکذا: لا شی‏ء من مسمّى واجب الوجود بمدرک بمادّه و وضع. و کلّ مدرک للوهم فهو متعلّق بذى مادّه و وضع. ینتج لا شی‏ء ممّا هو واجب الوجود بمدرک للأوهام أصلا فضلا أن یحیط به و یطّلع على حقیقته.و قد مرّ ذلک مرارا.
التاسع عشر: کونه تعالى تجلّى لها
و لمّا ثبت أنّها لا تدرک إلّا ما کان معنى جزئیّا فی محسوس فمعنى تجلّیه لها هو ظهوره لها فی صوره وجود سایر مدرکاتها من جهه من هو صانعها و موجدها. إذ کانت الأوهام عند اعتبارها لأحوال أنفسها من وجوداتها و عوارض وجوداتها و التغیّرات اللاحقه لها مشاهده لحاجتها إلى موجد و مقیم و مغیّر و مساعده للعقول على ذلک، و أنّ إدراکها لذلک فی أنفسها على وجه جزئىّ مخالف لإدراک العقول، و کانت مشاهده له بحسب ما طبعت علیه و بقدر إمکانها و هو متجلّى لها کذلک. و الباء فی- بها- للسببیّه. إذ وجودها هو السبب المادىّ فی تجلّیه لها، و یحتمل أن یکون بمعنى فی: أى تجلّى لها فی وجودها. و بل هنا للإضراب عمّا امتنع منها من الإحاطه به، و الإثبات لما أمکن و وجب فی تجلّیه لها.
العشرون: و بها امتنع منها
أى لمّا خلقت قاصره عن إدراک المعانی الکلیّه و عن التعلّق بالمجرّدات کانت بذلک مبدء الامتناعه عن إدراکها له و إن کان لذلک الامتناع أسباب اخر اولیها: کونه بریئا عن أنحاء التراکیب، و یحتمل أن یرید بقوله: بها: أى أنّها لمّا خلقت على ذلک القصور و کان هو تعالى ممتنع الإدراک بالکنه اعترفت عند توجّهها إلیه و طلبتها لمعرفته بالعجز عن إدراکه و أنّه ممتنع عنها فیها: أى باعترافها امتنع منها.
الحادى و العشرون: کونه إلیها حاکمها
أى جعلها حکما بینها و بینه عند رجوعها من توجّهها فی طلبه منجذبه خلف العقول حسره معترفه بأنّه لا تنال بجود الاعتساف کنه معرفته، و لا یخطر ببال اولى الرویّات خاطر من تقدیر جلاله مقرّه بحاجتها و استغنائه و نقصانها و کماله و مخلوقیّتها و خالقیّته. إلى غیر ذلک بما لها من صفات المصنوعیّه، و له من صفات الصانعیّه موافقه للعقول فی تلک الأحکام.
و استناد المحاکمه إلیها مجاز لمناسبته ما ذکرناه، و قال بعض الشارحین: أراد بالأوهام هاهنا العقول، و ظاهر أنّها لا تحیط به لکونه غیر مرکّب محدود. و تجلّیه لها هو کشف ما یمکن أن یصل إلیه العقول من صفاته الإضافیّه و السلبیّه. و قوله: و بها امتنع منها. أى بالعقول و نظرها علم أنّها لا تدرکه. و قوله: إلیها حاکمها: أى جعل العقول المدّعیه أنّها أحاطت به و أدرکته کالخصوم له سبحانه. ثمّ حاکمها إلى العقول السلیمه الصحیحه. فحکمت له العقول السلیمه على المدّعیه لما لیست أهلا له. و ما ذکره هذا الفاضل محتمل إلّا أنّ إطلاق لفظ الأوهام على العقول إن صحّ فمجاز بغیر قرینه و عدول عن الحقیقه من غیر ضروره، و قال غیره: أراد لم تحط به أهل الأوهام. فحذف المضاف‏ و عند تأمّل ما بیّناه یلوح أنّه هو مراده علیه السّلام أو قریب منه، و هذه الألفاظ الیسیره من لطائف إشاراته علیه السّلام و إطلاقه على أسرار الحکمه.
الثانی و العشرون: کونه تعالى لیس بذى کبر. إلى قوله: تجسیما.
الکبیر یقال لعظیم الحجم و المقدار، و یقال لعالى السنّ من الحیوان، و یقال لعظیم القدر و رفیعه. و مراده نفى الکبر عنه بالمعنى الأوّل. إذ من لوازم ذلک کون الکبر ممتدّا فی الجهات الثلاث طولا و عرضا و عمقا فیحصل الکبیر الجسمىّ، و قد تقدّس تعالى عن ذلک، و تقدّسه عن الکبر بالمعنى الثانی ظاهر. و تجسیما مصدر فی موضع الحال: أى فکبّرته مجسّما له أو مجسّمه، و إنّما أسند الامتداد به إلى النهایات لأنّها غایه الطبیعه بالامتداد یقف عندها و ینتهى بها فکانت من الأسباب الغائیه فلذلک أسند إلیها، و کذلک إسناد التکبیر إلیها. إذ کان التکبیر من لوازم الامتداد إلیها.
الثالث و العشرون: و لا بذى عظم، إلى قوله: تجسیدا،
و العظیم یقال على الکبیر بالمعنى الأوّل و الثالث دون الثانی، و مراده سلب العظیم عنه بالمعنى الأوّل لما مرّ، و إسناد التناهى إلى الغایات ظاهر. إذ کانت سببا لوقوفه و بها انقطع و إلیها یبلغ، و کذلک إسناد التعظیم إلیها کإسناد التکبیر و إن أسند التناهى إلیه بها جاز.
الرابع و العشرون:کونه کبر شأنا.
الخامس و العشرون: کونه عظم سلطانا.
لمّا سلب الکبر و العظم عنه بالمعنیین الأوّلین أشار إلى أنّ إطلاقهما علیه بالمعنى الثالث. و نصب شأنا و سلطانا على التمیز. فهو الکبیر شأنا إذ لا شأن أعلى من شأنه، و العظیم سلطانا إذ لا سلطان أرفع من سلطانه، و هو مبدء شأن کلّ ذى شأن، و منتهى سلطان کلّ ذى سلطان لا إله إلّا هو الکبیر المتعال ذو الکبریاء و العظمه و الجلال. ثمّ أردف تمجیده تعالى بما هو أهله بالکلمه المتمّمه لکلمه الإخلاص و الشهاده الّتی هى مبدء لکمال القوّه العلمیّه من النفوس البشریّه بعد کمال قوّتها النظریّه بالشهاده الاولى.

و ظاهر کونه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم صفیّا للّه و أمینا على وحیه و مرتضى لذلک. ثمّ أردف ذلک بالإشاره إلى کونه رسولا، و إلى وجوه ما ارسل به و هو وجوب الحجج، و أراد بها إمّا المعجزات أو ما هو أعمّ من ذلک و هو ما یکون حجّه للّه على خلقه فی تکلیفهم أن یقولوا لو لا أرسلت إلینا رسولا فنتّبع آیاتک. و یدخل فی ذلک دلائل الأحکام و طرق الدین التفصیلیّه. و کونه ارسل بوجوبها: أى وجوب قبولها على الخلق و وجوب العمل على وفقها، و ظهور الفلج و هو الظهور على سائر الأدیان و الظفر بأهلها و بالعادلین باللّه و الجاحدین له، و إیضاح المنهج و هى طریق اللّه و شریعته. و ظاهر کونه موضحا لها و مبیّنا، و إلى ذلک الإشاره بقوله تعالى هُوَ الَّذِی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِینِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدِّینِ کُلِّهِ«» فالهدى هو إیضاح المنهج، و قوله: لیظهره على الدین کلّه إشاره إلى بعض غایات بعثته و هى المراد بظهور الفلج، و روى بضمّ الفاء و اللام و هو بضمّ الفاء و سکون اللام للفوز، و یجوز ضمّ اللام للشاعر و الخطیب.
و قوله: فبلّغ الرساله. إلى آخره.
و قوله: فبلّغ الرساله. إلى آخره. إشاره إلى أدائه الأمانه فیما حمّل من الوحى، و صدعه بالرساله إظهارها و المجاهره بها، و قد علمت أن أصل الصدع الشقّ فکأنّه شقّ بالمجاهره بها عصا المشرکین و فرّق ما اجتمع من شرّهم، و حمله على المحجّه- و هى طریق اللّه الواضحه و شریعته- دعوته إلیها و جذبه للخلق إلى سلوکها بالحکمه و الموعظه الحسنه و المجادله بالّتی هى أحسن. ثمّ بالسیف لمن لم تنفعه المجادله. و أراد بأعلام الاهتداء أدلّته و هى المعجزات و قوانین الدین الکلّیّه، و کذلک منار الضیاء و إقامته له إظهارها و إلقاؤها إلى الخلق، و لفظ المحجّه و الأعلام و المنار مستعاره کما سبق غیر مرّه. و صادعا و دالّا نصب على الحال. و استعار لفظ الأمراس و العرى لما یتمسّک به من الدین و الإیمان، و رشّح بذکر المتانه و الوثاقه، و أشار بجعله کذلک إلى تثبیت قواعد الإسلام و غرسها فی قلوب الخلق واضحه جلیّه بحیث تکون عصمه للتمسّک بها فی طلب النجاه من مخاوف الدارین، و سببا لا ینقطع دون الغایه القصوى. و باللّه‏ التوفیق.

القسم الثانی منها: فى صفه عجیب خلق أصناف من الحیوانات:
وَ لَوْ فَکَّرُوا فِی عَظِیمِ الْقُدْرَهِ وَ جَسِیمِ النِّعْمَهِ- لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِیقِ وَ خَافُوا عَذَابَ الْحَرِیقِ- وَ لَکِنِ الْقُلُوبُ عَلِیلَهٌ وَ الْبَصَائِرُ مَدْخُولَهٌ- أَ لَا یَنْظُرُونَ إِلَى صَغِیرِ مَا خَلَقَ کَیْفَ أَحْکَمَ خَلْقَهُ- وَ أَتْقَنَ تَرْکِیبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ- وَ سَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَ الْبَشَرَ- انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَهِ فِی صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَهِ هَیْئَتِهَا- لَا تَکَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَ لَا بِمُسْتَدْرَکِ الْفِکَرِ- کَیْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا- تَنْقُلُ الْحَبَّهَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِی مُسْتَقَرِّهَا- تَجْمَعُ فِی حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِی وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا- مَکْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَهٌ بِوِفْقِهَا- لَا یُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ وَ لَا یَحْرِمُهَا الدَّیَّانُ- وَ لَوْ فِی الصَّفَا الْیَابِسِ وَ الْحَجَرِ الْجَامِسِ- وَ لَوْ فَکَّرْتَ فِی مَجَارِی أَکْلِهَا- فِی عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا- وَ مَا فِی الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِیفِ بَطْنِهَا- وَ مَا فِی الرَّأْسِ مِنْ عَیْنِهَا وَ أُذُنِهَا- لَقَضَیْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِیتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً- فَتَعَالَى الَّذِی أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا- وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا- لَمْ یَشْرَکْهُ فِی فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ- وَ لَمْ‏ یُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ- وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِی مَذَاهِبِ فِکْرِکَ لِتَبْلُغَ غَایَاتِهِ- مَا دَلَّتْکَ الدَّلَالَهُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَهِ- هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَهِ- لِدَقِیقِ تَفْصِیلِ کُلِّ شَیْ‏ءٍ- وَ غَامِضِ اخْتِلَافِ کُلِّ حَیٍّ- وَ مَا الْجَلِیلُ وَ اللَّطِیفُ وَ الثَّقِیلُ وَ الْخَفِیفُ- وَ الْقَوِیُّ وَ الضَّعِیفُ فِی خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ- وَ کَذَلِکَ السَّمَاءُ وَ الْهَوَاءُ وَ الرِّیَاحُ وَ الْمَاءُ- فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ- وَ الْمَاءِ وَ الْحَجَرِ وَ اخْتِلَافِ هَذَا اللَّیْلِ وَ النَّهَارِ- وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَ کَثْرَهِ هَذِهِ الْجِبَالِ- وَ طُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ- وَ الْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ- فَالْوَیْلُ لِمَنْ أَنْکَرَ الْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ- زَعَمُوا أَنَّهُمْ کَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ- وَ لَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ- وَ لَمْ یَلْجَئُوا إِلَى حُجَّهٍ فِیمَا ادَّعَوْا- وَ لَا تَحْقِیقٍ لِمَا- أَوْعَوْا وَ هَلْ یَکُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَیْرِ بَانٍ أَوْ جِنَایَهٌ مِنْ غَیْرِ جَانٍ وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِی الْجَرَادَهِ- إِذْ خَلَقَ لَهَا عَیْنَیْنِ حَمْرَاوَیْنِ- وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَیْنِ قَمْرَاوَیْنِ- وَ جَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِیَّ وَ فَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِیَّ- وَ جَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِیَّ وَ نَابَیْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ- وَ مِنْجَلَیْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ- یَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِی زَرْعِهِمْ- وَ لَا یَسْتَطِیعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ- حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِی نَزَوَاتِهَا وَ تَقْضِیَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا- وَ خَلْقُهَا کُلُّهُ لَا یُکَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّهً- فَتَبَارَکَ اللَّهُ الَّذِی یَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ- طَوْعاً وَ کَرْهاً وَ یُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً- وَ یُلْقِی إِلَیْهِ بِالطَّاعَهِ إِلَیْهِ سِلْماً وَ ضَعْفاً- وَ یُعْطِی لَهُ الْقِیَادَ رَهْبَهً وَ خَوْفاً- فَالطَّیْرُ مُسَخَّرَهٌ لِأَمْرِهِ- أَحْصَى عَدَدَ الرِّیشِ مِنْهَا وَ النَّفَسِ- وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَ الْیَبَسِ- وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا- فَهَذَا غُرَابٌ وَ هَذَا عُقَابٌ- وَ هَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامٌ- دَعَا کُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وَ کَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ- وَ أَنْشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِیَمَهَا- وَ عَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا- وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا

اللغه
أقول:

الدخل: العیب.

و البشره: ظاهر الجلد.

و الجامس: الجامد.

و الشراسیف: أطراف الأضلاع المشرفه على البطن.

و الضرب فی الأرض: السیاحه فیها.

و الحدقه: سواد العین.

و القمر: بیاضها و ضیاؤها، یقال: حدقه قمراء: مضیئه.

و أجلبوا: جمعوا. و النزوات: الوثبات.

و التعفیر: التمریغ فی العفر و هو التراب.

المعنى
و قوله: و لو فکّروا. إلى قوله: مدخوله. وضع حرف لو لیدلّ على امتناع الشی‏ء لامتناع غیره لکن الأغلب علیه أن یستعمل للدلاله على امتناع اللازم لامتناع ملزومه، و ذلک على وجهین: أحدهما: أن یکون ذلک اللازم مساویا لملزومه إمّا حقیقه أو وضعا.
و الثانی: أن یکون الملزوم علّه لذلک لیلزم من رفع الملزوم رفع اللازم و یمکن الاستدلال به فأمّا إذا لم یکونا کذلک جاز أن یدلّ به على امتناع الملزوم‏ لامتناع لازمه کما فی قوله تعالى لَوْ کانَ فِیهِما آلِهَهٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا«» و قد استعمله علیه السّلام هنا بالوجه الثانی من الوجهین الأوّلین، و استدلّ على أنّ الخلق لم یرجعوا إلى طریق اللّه عن غیّهم و جهالاتهم و لم یخافوا من وعیده بعذاب الحریق فی الآخره لأنّهم لم یفکّروا فیما عظم من قدرته فی خلق مخلوقاته و عجائب مصنوعاته و ما جسم من نعمته على عباده، و یحتمل أن یرید بالقدره المقدور مجازا إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق، و کان ذلک من باب الاستدلال بعدم العلّه على عدم المعلول. إذ کان الفکر فی ذلک سببا عظیما فی الجذب لهم إلى اتّباع شریعته و سلوک سبیله إلیها، و إلیه الإشاره بقوله تعالى أَ وَ لَمْ یَنْظُرُوا فِی مَلَکُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَیْ‏ءٍ«» و قوله أَ فَلَمْ یَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ کَیْفَ بَنَیْناها«» الآیه و نحوه. و قوله: و لکنّ القلوب. إلى قوله: مدخوله. بیان لعدم العلّه المذکوره منهم و هو الفکر، و أشار إلى عدمها بوجود ما ینافی وجود شرطها. إذ کان کون القلوب علیله و کون الأبصار معیبه ینافیان صحّتها و سلامتها الّذین هما شرطان فی وجود الفکر الصحیح، و مع وجود المنافى لصحّه قلوبهم و سلامه أبصار بصائرهم لا یحصل الصحّه الّتی هى شرط الفکر فلا یحصل الفکر فلا یحصل معلوله و هو الرجوع إلى اللّه، و علل القلوب و ما یلحق إبصار البصائر من العیوب یعود إلى الجهل و أغشیه الهیئات البدنیّه و الأخلاق الردیئه المکتسبه من جواذب الشهوات إلى خسایس اللذّات المغطّیه لأنوار البصائر الحاجبه عن إدراک واضح الطریق الحقّ. و قوله: ألا ینظرون. إلى قوله: البشر. تنبیه لهم على بعض مخلوقاته تعالى و مقدوراته الّتی أشار إلى عظمه القدره فیها. و أحسن بهذه الترتیب و التدریج الحسن فإنّک علمت من آداب الخطیب إذا أراد القول فی أمر نبّه علیه أوّلا على سبیل الإجمال بقول کلّىّ لیستعدّ السامعون‏ بذلک لما یرید قوله و بیانه. ثمّ یشرع فی تفصیله، و لمّا أراد علیه السّلام أن ینبّه على عظمه اللّه بتفصیل بعض مخلوقاته کالنمل و الجراد و نحوه أشار أوّلا إلى عظیم القدره، و وبّج السامعین على إغفالهم الفکر فیها لیعلم أنّه یرید أن ینبّه على تفصیل أمر. ثمّ تلاه بالتنبیه على لطیف الصنع فی صغیر ما خلق و کیف أحکم خلقه و أتقن ترکیبه على صغره و فلق له البصر و سوّى له العظم و لم یعیّن إلى أن استعدّت بذلک لتعظیم اللّه القلوب و أقبلت بإفهامها النفوس فتلاه بذکر النمله، و ذلک قوله: انظروا إلى النمله. إلى قوله: تعبا. و هیئتها: کیفیّتها الّتی علیها صورتها و صوره أعضائها، و ظاهر أنّ الإنسان لا یدرکها بلحظ البصر إلى أن یعید إلیها بعنایه، و لا یکاد عند مراجعه فکره و استدراک أوّله و بادیه یعلم حقیقتها و کیفیّه خلقتها و تشریح أعضائها، بل بإمعان فیه و تدقیق لا بدّ أن ینظر فی ذلک. و الباء فی قوله: بمستدرک یتعلّق بتنال.
و لا ینبغی أن یفهم من قوله: و لا ینال بمستدرک الفکر: أى فی صورتها الظاهره الّتی یدرکها البصر فربّما یسبق ذلک إلى بعض الأفهام لمکان العطف بل ما ذکرناه من شرح حقیقتها فإنّه لیس حظّ الفکر أن یدرک صورتها المحسوسه بالبصر بل أن یبحث عن عجائب صنعتها لیستدلّ بذلک على حکمه صانعها- جلّت عظمته- و محلّ قوله: لا تکاد تنال یحتمل أن یکون نصبا على الحال و العامل انظروا، و یحتمل أن یکون مستأنفا، و کیف فی محلّ الجرّ بدل من النمله، و یحتمل أن یکون کلاما مستانفا و فیه معنى التعجّب. و کیف صبّت: أى القیت على رزقها و بعثت علیه بهدایه و إلهام، و قیل: ذلک على العکس: أى صبّ علیها رزقها، و لفظ الصبّ مستعار لحرکتها فی طلبه ملاحظا لشبهها بالماء المصبوب.
فإن قلت: کیف جعل دبیبها على الأرض محلّ التعجّب و الفکر مع سهولته و وجوده لسائر الحیوان.

قلت: لم یجعل محلّ التعجّب هو دبیبها من حیث هو دبیب فقط بل مع الاعتبارات الاخر المذکوره فإنّک إذا اعتبرتها من حیث هى فی غایه اللطافه ثمّ‏ اعتبرت قوائمها و حرکات مفاصلها و خفضها و رفعها و بعد ذلک من استثبات الحسّ له و نسبتها إلى جرمها و إلى أجزاء المسافه الّتی تقطعها بل جزء من حرکتها، و کذلک انصبابها على رزقها بهدایه تامّه إلیه و نقلها إلى جحرها و غیر ذلک من الاعتبارات المذکوره فإنّک إذا اعتبرت ذلک منها وجدت لنفسک منه تعجّبا و تفکّرا فی لطف جزئیّات صنعتها و حکمه خالقها و مدبّرها. و قوله: تجمع فی حرّها لبردها: أى فی الصیف للشتاء، و فی ورودها لصدرها: أى فی أیّام ورودها و تمکّنها من الحرکه لأیّام صدورها و رجوعها عن الحرکه للعجز فإنّها تعجز فی أیّام الشتاء عن ملاقاه البرد فتطلب بطن الأرض لکمون الحراره فیه. و من العجایب الّتی حکاها أهل التجارب من أفعال النمل و إلهاماتها ما حکاه أبو- عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فی کتاب «الحیوان» بفصیح عباراته. قال: إنّ النمله تدّخر فی الصیف للشتاء فتقدم فی أیّام المهمله و لا تضیّع أوقات إمکان الحزم، و تبلغ من تفقّدها و صحّه تمیزها و النظر فی عواقب امورها أنّها تخاف على الحبوب الّتی ادّخرتها للشتاء أن تعفّن و تسوس فی بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها لتنشرها و تعید إلیها جفافها و یضربها النسیم فینفى عنها العفن و الفساد. قال: و ربّما تختار فی الأکثر أن یکون ذلک العمل لیلا لیکون أخفى، و فی القمر لأنّها فیه أبصر. فإن کان مکانها ندیّا و خافت أن تنبت الحبّه نقرت موضع الطمیر من وسطها لعلمها أنّها من ذلک الموضع تنبت، و ربّما فلقت الحبّه بنصفین.
فأمّا إن کان الحبّ من الکزبره فإنّها تفلقه أرباعا لأنّ أنصاف حبّ الکزبره ینبت من بین جمع الحبّ. فهى بهذا الاعتبار مجاوزه لفطنه جمیع الحیوان. قال: و نقل إلىّ بعض من أثق به أنّه احتفر بیت النمل فوجد الحبوب الّتی جمعتها کلّ نوع وحده. قال: و وجدنا فی بعضها أنّ بعض الحبوب فوق بعض و بینها فواصل حائله من التبن و نحوه. ثمّ إنّ لها مع لطافه شخصها و خفّه حجمها فی الشمّ و الاسترواح ما لیس لسائر الحیوان، و ذلک أنّه ربّما سقط من ید الإنسان جراده أو عضو منها مثلا فی موضع لیس بقربه ذرّد و لا عهد لذلک المنزل به فلا یلبث أن یقبل ذرّه قاصده إلى تلک الجراده فتروم حملها فإذا أعجزتها بعد أن تبلى عذرا مضت إلى جحرها راجعه فلا یلبث الإنسان أن یجدها و قد أقبلت و خلفها کالخیط الأسود من أخواتها حتّى یتعاونّ علیها لیحملنها فأعجب من صدق شمّها لما یشمّه الإنسان الجائع. ثمّ انظر إلى بعد همّتها فی ذلک و جرأتها على محاوله نقل شی‏ء فی وزن جسمها مائه مرّه و أضعافها، و لیس من الحیوان ما یحمل أضعاف وزنه مرارا کثیره کالنمله. قال: و الّذی ینبّه على إعلامها لأخواتها و إشعارها بمثل ما أشرنا إلیه قصّه سلیمان علیه السّلام مع النمل حیث حکى القرآن الکریم عنها قالَتْ نَمْلَهٌ یا أَیُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساکِنَکُمْ لا یَحْطِمَنَّکُمْ سُلَیْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا یَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِکاً مِنْ قَوْلِها«» فإنّ القول المشار إلیه منها و إن لم یحمل على حقیقته فهو محمول على مجازه، و هو إشعارها لأخواتها بالحال المخوّفه للنمل من سلیمان و جنوده.
قال: و من عجیب ما یحکى عن النمل ما حکى عن بعض من یعمل الاصطرلاب أنّه أخرج طوقا من صفر من الکیر بحرارته فرمى به على الأرض لیبرد فاشتمل على نمله فکانت کلّما طلبت جانبا منه لتخرج منعتها الحراره فکانت مقتضى هروبها من الجوانب أن استقرّت ثم ماتت فوجدها قد استقرّت فی موضع رجل البرکار من نقطه المرکز و ما ذاک إلّا للطف حسّها و قوّه و همها أنّ ذلک الموضع هو أبعد الأمکنه عن الخطّ المحیط. قال: و من عجائبها إلهامها أنّها لا تعرض لجعل و لا جراده و لا خنفساء و لا نحوها ما لم یکن بها خبل أو عقر أو قطع ید أو رجل فإذا وجدت شیئا من ذلک و ثبت علیها حتّى لو أنّ حیّه بها ضربه أو خدش ثمّ کانت من ثعابین مصر لو ثبت علیها الذروره حتّى تأکلها، و لا تکاد الحیّه تسلم من الذرّ إذا کان بها أدنى عقر. و کلّ ذلک من الإلهامات الّتی إذا فکّر اللبیب فیها کاد أن یحکم بکونها أعلم بقوانین معاشها و تدبیر أحوال وجودها من کثیر من الناس فإنّ الإنسان قد تهمل ذلک التدبیر فلا یضبطه، و یستمرّ فیه على قانون واحد.

و قوله: مکفوله و مرزوقه. نصب على الحال.
و قوله: رزقها و وفقها: أى موافق و مطابق لقوّتها و على قدر کفایتها.
و یروى مکفول برزقها مرزوقه لوفقها. ثمّ ذکر نسبه ذلک إلى ربّها. فأشار إلى أنّه لا یغفلها: أى لا یترکها من لطفه و عنایته فإنّه باعتبار ما هو منّان على خلقه لا یجوز فی حکمته إهمال بعضها من رزق یقوم به فی الوجود، و کذلک لا یحرمها باعتبار کونه دیّانا: أى مجازیا، و وجه ذکر المجازاه هنا أنّها حیث دخلت فی الوجود طائعه لأمره و قامت فیه منقاده لتسخیره وجب فی الحکمه الإلهیّه جزاؤها و مقابلتها بما یقوم بوجودها فلا یکون محرومه من مادّه بقائها على وفق تدبیره، و لو کانت فی الصفاء الیابس و الحجر الجامس، بل یفتح لها أبواب معاشها فی کلّ مکان. ثمّ نبّه على محال اخرى للفکر فی النمله: فمنها مجارى أکلها ما تأکله و تلک المجارى کالحلق و الأمعاء، و منها علوها و سفلها و علوها بسکون اللام نقیض سفلها و هو رأسها و ما یلیه إلى الجزء المتوسّط منها و سفلها هو ما جاوز الجزء من طرفها الآخر، و منها ما اشتمل علیه جوفها من شراسیف بطنها أو ما یقوم مقامه فأطلق علیه أنّه شراسیف بالمجاز، و منها ما فی رأسها من عینها و اذنها و هى محلّ القوّه السامعه منها فإنّ کلّ ذلک على غایه صغره و لطافته محلّ العجب و محلّ النظر اللطیف المستلزم للشهاده بحکمه الصانع و لطف تدبیره الّذی یقضى الإنسان من تأمّله عجبا، و القضاء هاهنا بمعنى الأداء: أى لأدّیت عجبا، و یحتمل أن یکون بمعنى الموت: أى لقضیت نحبک من شدّه تعجّبک، و یکون عجبا نصب على المفعول له. ثمّ لمّا نبّه على محال الفکر و وجوه الحکمه فیها أردف ذلک بتنزیه صانعها و تعظیمه تعالى، و قرن ذلک التعظیم و التنزیه بنسبته إلى بعض صنعه بها، و هو إقامته لها على قوائمها و بناها على دعائمها، و أراد بدعائمها ما یقوم به بدنها من الامور الّتی مقام العظام و العصب و الأوتار و نحوها لیحصل التنبیه على عظمته من لطف تلک القوائم و اعتبار ضعف تلک الدعائم مع ما رکّب فیها من لطائف الصنعه و أودعها من عجایب الحکمه من غیر أن یشرکه فی فطر تلک الفطره فاطر أو یعینه على لطیف خلقها قادر فسبحانه ما أعظم شأنه و أبهر برهانه. و قوله: و لو ضربت. إلى قوله: النخله. أى لو سارت نفسک فی طرق فکرها و مذاهب نظرها، و هى الأدلّه و أجزاء الأدلّه من المقدّمات و أجزائها المستنبطه من عالم الخلق و الأمر لتصل إلى غایات فکرک فی الموجودات لم یمکن أن یدلّک دلیل إلّا على أنّ خالق النمله على غایه صغرها و خالق النخله على عظمها و طولها واحد و هو المدبّر الحکیم. و قوله: لدقیق تفصیل کلّ شی‏ء. إلى قوله: حىّ. إشاره إلى أوسط الحجّه على ما ادّعاه من اشتراک النمله و النخله فی الاستناد إلى صانع واحد مدبّر حکیم، و معنى ما ذکر أنّ لکلّ شی‏ء من الموجودات الممکنه تفصیل لطیف دقیق و اختلاف شکل و هیئه و لون و مقدار و وجوه من الحکمه تدلّ على صانع حکیم خصّصه بها دون غیره، و تقریر الحجّه أنّ وجود النمله و النخله اشتمل کلّ منهما على دقیق تفصیل الخلقه و غامض اختلاف شکل و هیئه و کلّ ما اشتمل على ذلک فله صانع مدبّر حکیم خصّصه بذلک فینتج أنّهما یشترکان فی الحاجه إلى صانع مدبّر حکیم خصّ کلّا منهما بما یشتمل علیه، و هذه الحجّه هى المسمّاه فی عرف المتکلّمین بالاستدلال بإمکان الصفات کما بیّناه قبل فی قوله: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه. و قوله: و ما الجلیل و اللطیف. إلى قوله: سواء. مؤکّد لما سبق من الدعوى، و کاسر لما عساه یعرض لبعض الأوهام من استبعاد نسبه الخلقه العظیمه و الخلقه اللطیفه الحقیره کالنمله إلى صانع واحد. فأشار إلى أنّ کلّ المخلوقات و إن تباینت أوصافها و تضادّت صورها و أشکالها فإنّه لا تفاوت بالنظر إلى قدرته و کمالها بین أن یفیض عنه صوره النخله أو صوره الذرّه، و لیس بعضها بالنسبه إلیه أولى و أقرب من بعض، و لا هو أقوى بعضها من بعض و إلّا لکان ناقصا فی ذاته، و کان بما هو أولى به مستفیدا کما لا یفوته بعدمه عنه، و قد ثبت تنزیه جنابه المقدّس عن ذلک فی مظانّه من الکتب الحکمیّه و الکلامیّه بل إن کان فیهما تفاوت و اختلاف فمن جانب القابل و اختلاف استعدادات الموادّ بالشدّه و الضعف و الأقدم و الأحدث على ما أشرنا إلیه غیر مرّه، و اللطیف کما یراد به صغر الخلقه کذلک قد یراد به دقیق الصفه، و قد یراد به الشفّاف کالهواء، و الأوّل هو مراده و لذلک جعله مقابلا للجلیل. و قوله: و کذلک السماء. إلى قوله: و الماء. فالمشبّه به هو الامور المضادّه السابقه و المشبّه هو السماء و الهواء و الریاح و الماء، و وجه الشبه هو حاجتها فی خلقها و ترکیبها و أحوالها المختلفه و المتّفقه إلى صانع حکیم، و أشار إلى الامور الاولى المتضادّه أوّلا و نسبها إلى قدرته تعالى باعتبار کلّیّتها و من جهه تضادّها لأنّها أدلّ على کمال قدرته، و أشار إلى الثانیه و هى السماء و ما عدّده معها لا لاعتبار تضادّها بل باعتبار ما اشتمل علیه کلّ منها من الحکمه و المنفعه و کونها موادّ الأجسام المرکّبات، و الهواء أعمّ من الریاح لتخصیص مسمّى الریاح بالحرکه دون الهواء. و قوله: فانظروا. إلى قوله: المختلفات. أمر باعتبار حال ما عدّد من المخلوقات و ما اختصّ به کلّ منها من الصفات و الأشکال و المقادیر و الأضواء و الألوان و المنافع إلى غیر ذلک ممّا یدلّ على حاجه کلّ منها إلى مخصّص حکیم یخصّصه بما هو ألیق به و أوفق للحاجه اللازمه له و أنسب إلى استعداده بعد اشتراک جمیعها فی الجسمیّه، و هو أمر بتقریر الحجّه الّتی ذکرناها فی کلّ واحد من الامور المذکوره، و لمّا کان حال أکثر هذه الامور المذکوره مفتقرا إلى تقدیم النظر البصرىّ لغایه التفکّر و الاعتبار فیها أمر به، و أمّا وجوه الاعتبارات فأکثر من أن یحصر فإنّک إذا اعتبرت حال الشمس و القمر فی عظم أجرامهما و الضیاء الصادر عنهما و حرکاتهما و تنقّلهما فی منازلهما، و ما تستلزمه تلک الحرکات من التأثیرات و الإعدادات لوجود المرکّبات العنصریّه من المعدن و النبات و الحیوان ثمّ اعتبرت ما ینفصل به أحدهما عن الآخر من الجرم و زمان السیر و کون القمر مستفیدا للنور من الشمس و غیر ذلک ممّا لا یعلم تفصیله إلّا اللّه سبحانه، و کذلک إذا نظرت إلى النبات و الشجر و جواهرهما و أشکالهما و اختلاف أجزائهما فی الألوان و المقادیر و الثمار و ما یستلزمه من المنفعه لوجود الحیوان و المضرّه لبعضها إلى غیر ذلک ممّا علمته فیما سلف، و کذلک الماء فی کونه على غایه من الرقّه و اللطافه و کون الحجر بعکس الوصفین مع أنّ أکثر المیاه إنّما تنبع من الأحجار ثمّ نظرت إلى المنافع الموجوده فیهما و المضارّ العارضه عنهما، و کذلک النظر إلى هذا اللیل و النهار و اختلافهما فی هذا العالم و تعاقبهما، و ما یستلزمانه من المنفعه المختصّه بکلّ منهما ممّا امتنّ اللّه تعالى على عباده بها حیث قال هُوَ الَّذِی جَعَلَ الشَّمْسَ ضِیاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِینَ وَ الْحِسابَ«» و قال یُنْبِتُ لَکُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّیْتُونَ«» الآیه و قال قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَکْفَرَهُ. إلى قوله مَتاعاً لَکُمْ وَ لِأَنْعامِکُمْ«» إلى غیر ذلک من الآیات و قال أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَکَهُ یَنابِیعَ فِی الْأَرْضِ«» و قال وَ جَعَلْنَا اللَّیْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً إلى قوله أَلْفافاً«» و کذلک إذا اعتبرت تفجیر هذه البحار و ما تستلزمه من المنفعه کما قال تعالى مَرَجَ الْبَحْرَیْنِ یَلْتَقِیانِ«» و قال یَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ«» و کذلک إذا اعتبرت کثره الجبال و قلالها و عروضها و أطوالها و ما اشتملت علیه من معادن الجواهر و غیرها، و کذلک تفرّق اللغات و اختلاف الألسنه وجدت ذلک النکر و الاختلاف شاهدا بوجود صانع حکیم. و تقریرها کما علمت أن تقول: إنّ هذه الأجسام کلّها مشترکه فی الجسمیّه و اختصاص کلّ منها بما یمیّز به من الصفات المتعدّده لیس للجسمیّه و لوازمها و إلّا وجب لکلّ منها ما وجب للآخر ضروره اشتراکها فی علّه الاختصاص فلا ممیّز له. هذا خلف، و لا لشی‏ء من عوارض الجسمیّه لأنّ الکلام فی اختصاص کلّ منها بذلک العارض کالکلام فی الأوّل و یلزم التسلسل فیبقى أن یکون لأمر خارج عنها هو الفاعل الحکیم المخصّص لکلّ منها بحدّ من الحکمه و المصلحه، و قد مرّ تقریر هذه الحجّه مرارا. ثمّ لمّا نبّه على وجود الصانع سبحانه أردف ذلک بالدعاء على من جحده، أو الإخبار عن لحوق الویل له. قال سیبویه: الویل مشترک بین الدعاء و الخبر، و نقل عن عطاء بن یسار أنّ الویل واد فی جهنّم لو ارسلت فیه الجبال لماعت من حرّه. و رفعها بالابتداء، و الخبر لمن أنکر. و المدبّر: هو العالم بعاقبه الأمر و ما یشتمل علیه من المصلحه و یعود إلى القضاء، و القدر هو الموجد على وفق ذلک العلم کما سبق بیانه، و تأخیر الدعاء على الجاحدین بعد إیضاح الحجّه علیهم هو الترتیب الطبیعى، و الإشاره بالجاحدین إلى صنف من العرب أنکروا الخالق و البعث، و قالوا: بالدهر المفنى. کما حکیناه عنهم فی الخطبه الاولى، و هم الّذین أخبر القرآن المجید عنهم بقوله وَ قالُوا ما هِیَ إِلَّا حَیاتُنَا الدُّنْیا نَمُوتُ وَ نَحْیا وَ ما یُهْلِکُنا«». و قوله: زعموا. إلى قوله: صانع. إشاره إلى شبهتهم و هى من باب التمثیل فالأصل فیها هو النبات، و الفرع أنفسهم، و الحکم هو ما تو من کونهم بلا صانع کما أنّ النبات بلا زارع، و لعلّ الجامع فی اعتبارهم هو اختلاف الحیاه و الموت علیهم کما أشار إلیه القرآن الکریم حکایه عنهم نَمُوتُ وَ نَحْیا أو نحوه من الامور المشترکه و إن کانوا لا یلتفتون لفتا إلى هذا الجامع. إذ مراعاه هذه الامور و تحقیق أجزاء التمثیل من صناعه هم عنها بمعزل، و قد علمت أنّ التمثیل بعد تمام أجزائه إنّما یفید ظنّا یختلف بالشدّه و الضعف، و علمت وجوه‏

الفساد فیه. و قوله: و لم یلجئوا. إلى قوله: جان. إنکار و منع لما ادّعوه و أنّهم لم یأتوا فیه بحجّه و لا تحقیق برهان، ویحتمل أن یکون قوله: و هل یکون. إلى قوله: جان. تنبیها على وجود نقیض الحکم المدّعى، و هو کون خلقهم و خلقه النبات شاهده بوجود صانع لها، و ذلک التنبیه بالإشاره إلى أوسط قیاس من الشکل الأوّل، و کبراه فی صوره الاستفهام.
و تقریر القیاس: أنّهم صنعه و لا شی‏ء ممّا هو صنعه بلا صانع ینتج فلا شی‏ء منها بلا صانع و هو نقیض المدّعى، و لمّا کانت الکبرى ضروریّه اقتصر على التنبیه علیها بامتناع وجود البناء من غیر بان و الجنایه من غیر جان فإنّ ترجیح أحد طرفی الممکن على الآخر من غیر مرجّح محال بالبدیهه و ممتنع فی فطن الصبیان و البهائم. إذ کان الحمار عند صوت الخشبه یعد و خوفا من الضرب، و ذلک لما تقرّر فی فطرته أنّ حصول صوت الخشبه بدونها محال. ثمّ لو سلّم لهم ثبوت الحکم فی الأصل و هو کون النبات بلا زارع فلم کان عدم الزارع یدلّ على أنّ النبات لا فاعل له. و إنّما یلزم ذلک أن لو کان الفاعل إنّما هو الزارع و ذلک من الأوهام الظاهره کذبها بأدنى تأمّل إذا استعقب بالبذر. إذ کان الزارع لیس إلّا إعدادا ما للأرض و البذر: و أمّا وجود الزرع و النبات فمستند إلى مدبّر حکیم متعال عن الحسّ و المحسوس لا تدرکه الأبصار و لا تکتنفه الأوهام و الأفکار سبحانه و تعالى عمّا یقول الظالمون علوّا کبیرا. و قوله: إن شئت قلت فی الجراده. إلى قوله: مستدقّه. تنبیه آخر على وجود الصانع الحکیم- جلّت عظمته- فی وجود بعض جزئیّات مخلوقاته و صغیرها و هى الجراده: أى و إن شئت قلت فیها ما قلت فی النمله و غیرها قولا بیّنا کاشفا عن وجوه الحکمه فیها بحیث یشهد ذلک بوجود صانع حکیم لها فنبّه على بعض دقایق الحکمه فی خلقها و هى خلق العینین الحمراوین مع کون حدقتها قمراوین، و استعار لفظ السراج للحدقتین باعتبار الحمره الناریه و الإضاءه.
ثمّ خلق السمع الخفیّ: أى عن أعین الناظرین، و قیل: أراد بالخفیّ اللطیف السامع لخفىّ الأصوات فوصفه بالخفاء مجازا إطلاقا لاسم المقبول على قابله. ثمّ فتح الفم السوىّ. السوىّ: فعیل بمعنى مفعول: أى المسوىّ. و التسویه: التعدیل بحسب‏ المنفعه الخاصّه بها. ثمّ خلق الحسّ القوىّ، و أراد بحسّها قوّتها الوهمیّه و بقوّته [بقوّه خ‏] حذقها فیما الهمت إیّاه من وجوه معاشها و تصرّفها. یقال: لفلان حسّ حاذق إذا کان ذکیّا فطنا درّاکا. ثمّ خلق النابین، و استعار لفظ المنجلین لیدیها، و وجه المشابهه تعوّجهما و خشونتهما، و قرن بذکر النابین و المنجلین ذکر غایتهما و هما القرض و القبض، و من لطیف حکمته تعالى فی الرجلین أن جعل نصفهما الّذین تقع علیها اعتمادها و جلوسها شوکا کالمنشار لیکون لها معینا على الفحص و وقایه لذنبها عند جلوسها و عمده لها عند الطیران. و قوله: یرهبها الزرّاع. إلى قوله: شهواتها. أى أنّها إذا توجّهت بعساکرها من أبناء نوعها إلى بقعه و هجمت على زرعها و أشجارها أمحته و لم یستطع أحد دفعها حتّى لو أنّ ملکا من الملکوت أجلب علیها بخیله و رجله لیحمى بلاده منها لم یتمکّن من ذلک، و فی ذلک تنبیه على عظمه الخالق سبحانه و تدبیر حکمته. إذ کان یبعث أضعف خلقه على أقوى خلقه و یهیّى‏ء الضعیف من أسباب الغلبه ما لا یستطاع دفعه معها حتّى ترد ما ترید وروده و تقضى منه شهواته فیحلّ باختیار منه و ترحل باختیار، و من عجایب الخواصّ المودعه فی الجراد أنّها تلتمس لبیضها الموضع الصلد و الصخور الملس ثقه بأنّها إذا ضربت فیها بأذنابها انفرجت لها، و معلوم أنّ ذلک لیس بقوّه إذ لیس فی ذنب الجراده من القوّه أن یخرق الحجر الّذی یعجز عنه المعول بمجرّد قوّته لولا خاصیّه لها هناک.
ثمّ إذا ضربت فی تلک البقاع و ألقت بیضها و أنضمّت علیها تلک الأخادید الّتی أحدثتها و صارت لها کالأفاحیص صارت خاضنه لها و مربّیه و حافظه و واقیه حتّى إذا جاء وقت دبیب الروح خرجت من البیض صهیا إلى البیاض. ثمّ تصفرّ و تتلوّن فیه خطوط إلى السواد. ثمّ یصیر فیه خطوط سود و بیض، ثمّ یبدو حجم جناحیه. ثمّ یستقلّ فیموج بعضه فی بعض، و قیل: إنّ الجراد إذا أراد الخضره و دونه نهر جار صار بعضه جسر البعض لیعبر إلیها فمن الناس من جعل ذلک حیله لها الهمت إیّاها. و أباه قوم و قالوا: بل الزحف الأوّل من الدبى إذا أراد الخضره و لا یقدر علیها إلّا بالعبور إلیها عبر فإذا صارت تلک القطعه فوق الماء طافیه صارت للزحف الثانی الّذی یرید الخضره کالأرض، و ربّما نقل لها خواصّ اخرى لا تعلّق لها بما نحن بصدده.
و قوله: و خلقها کلّه لا یکون إصبعا مستدقّه. الواو للحال: أى أنّه تعالى خلقها على ما وصفت و أودعها من عجایب الصنع ما ذکرت بحیث یخاف منها الزرّاع مع أنّ خلقها کلّه دون الإصبع المستدقّه، و هذه الکلمه مستلزمه لتمام التعجّب من خلق اللّه فیها الامور الموصوفه حتّى لو قدّرنا أنّها وصفت لمن لم یرها فربّما اعتقد أنّ لها خلقا عظیما تستند إلیه هذه الأوصاف و لم یکن عنده تعجّب حتّى نتبیّن مقدار خلقها و صغر صورتها ثمّ لما بیّن بعض مبدعاته و مکوّناته نوّه بزیاده عظمته تعالى و برکته باعتبار کونه معبودا لمن فی السماوات و من فی الأرض فله یسجدون طوعا و کرها کلّ بعباده تخصّه و سجود لا یمکن من غیره مع اشتراک الکلّ فی الدخول تحت ذلّ الحاجه إلى کمال قدرته و خضوع الإمکان بین یدی رحمته. و إلیه الإشاره بقوله تعالى وَ لِلَّهِ یَسْجُدُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ کَرْهاً«» و کذلک قوله: و یعفّر له خدّا و وجها. فما کان ذا وجه و خدّ حقیقه فلفظ التعفیر صادق علیه حقیقه، و ما لم یکن السجود صادق علیه استعاره لخضوعه الخاصّ به، و لفظ التعفیر و الخدّ و الوجه ترشیحات على أنّ موضوع السجود فی اللغه هو الخضوع و کذلک إطلاق إعطاء القیاد و وصف الرهبه و الخوف، و نصبهما على المفعول له. و قول ه: فالطیر مسخّره لأمره. کقوله تعالى أَ لَمْ یَرَوْا إِلَى الطَّیْرِ مُسَخَّراتٍ فِی جَوِّ السَّماءِ ما یُمْسِکُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ«» و کونها مسخّره یعود إلى دخولها تحت حکم تصرّفه العامّ فیها قدره و علما و الخاصّ تخصیصا و تعیینا، و إحصاء الریش منها و النفس باعتبار تسخیرها تحت تصرّفه العامّ بعلمه تعالى.
و إرساؤها: أى تثبّتها على قوائمها فی الندى کطیرالماء و الیبس کطیر البرّ باعتبار دخولها تحت قدرته و خلقها کذلک، و تقدیره لأقواتها و ما یصلح منها و ما یکفیه باعتبار دخولها تحت قدرته و علمه معها. إذ کان التقدیر هو إنزال تلک المقادیر و إعدادها على وفق العلم الإلهىّ، و إحصاء أجناسها باعتبار علمه تعالى. و قوله: فهذا غراب. إلى قوله: نعام. تفصیل لأنواعها. و لم یرد الجنس بالاصطلاح الخاصّ بل اللغوىّ و هو النوع فی المصطلح العلمىّ، و راعى فی کلّ قرینتین من الأربع السجع المتوازى. و قوله: دعا کلّ طایر باسمه. فالدعاء استعاره فی أمر کلّ نوع بالدخول فی الوجود، و قد عرفت أنّ ذلک الأمر یعود إلى حکم القدره الإلهیّه العظیمه علیه بالدخول فی الوجود، و وجه الاستعاره ما یشترک فیه معنى الدعاء، و الأمر من طلب دخول مهیه المطلوب بالدعاء و الأمر فی الوجود و هو کقوله تعالى فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِیا طَوْعاً أَوْ کَرْهاً قالَتا أَتَیْنا طائِعِینَ فَقَضاهُنَّ«» الآیه، و لما استعار لفظ الدعا رشّح بذکر الاسم لأنّ الشی‏ء إنّما یدعى باسمه، و یحتمل أن یرید الاسم اللغوىّ و هو العلامه فإنّ لکلّ نوع من الطیر خاصّه و سمه لیست للآخر، و یکون المعنى أنّه تعالى أجرى علیها حکم القدره بمالها من السمات و الخواصّ فی العلم الإلهىّ و اللوح المحفوظ، و قال بعض الشارحین: أراد أسماء الأجناس، و ذلک أنّ اللّه تعالى کتب فی اللوح المحفوظ کلّ لغه تواضع علیها العباد فی المستقبل، و ذکر الأسماء الّتی یتواضعون علیها، و ذکر لکلّ اسم مسمّاه فعند إراده خلقها نادى کلّ نوع باسمه فأجاب دعواه و أسرع فی إجابته، و اعلم أنّک إذا تأمّلت حکمه الصانع فی خلق الطائر شاهدت عجبا. حین اقتضت الحکمه الإلهیّه أن یکون طائرا فی الجوّ خفّف جسمه و أدمج خلقه فاقتصر من القوائم على اثنتین و من الأصابع على أربع من منفذین للزبل و البول على منفذ. ثمّ خلقه تعالى على جؤجؤ محدّب‏ لیسهل علیه خرق الهواء کما یجعل صدر السفینه بهذه الهیئه لیشقّ الماء، و خلق فی جناحیه و ذنبه ریشات طوال لینهض بها إلى الطیران، و کسى جسمه کلّه ریشا لیتداخله الهواء فیقیله، و لمّا کان طعامه الحبّ أو اللحم یبلعه بلعا من غیر مضغ نقص من خلقه الأسنان و خلق له منقارا صلبا، و أعانه بفضل حرارته فی جوفه یستغنى بها عن المضغ. ثمّ خلقه تعالى یبیض بیضا و لا یلد لکیلا یثقل بکون الفراخ فی جوفه عن الطیران، و جعل عوض استعداد الولد فی البطن استعداده فی البیضه بحراره الحضن بمشارکه من الذکر و الانثى فی ذلک، و من العنایه اللإلهیّه بدوام نسله و بقائه أن ألهمه العطف على فراخه فیلتقط الحبّ فیغذو به فراخه بعد استقراره فی حوصلته لیلین، و إذا فکّرت فی الحوصله وجدتها کالمخلاه المعلّقه أمامه فهو یعبّى فیها ما أراد من الطعم بسرعه ثمّ ینفذ إلى القانصه على مهل، و ذلک أنّ مسلک الطعم إلى القانصه ضیّق لا ینفذ فیه الطعم إلّا قلیلا فلو کان هذا الطائر لا یلتقط حبّه ثانیه حتّى تصیر الاولى إلى القانصه لطال ذلک علیه فخلق تعالى له الحوصله لذلک. ثمّ انظر إلى الریش الّذی تراه فی الطواویس و الدراریج و غیرها عن استواء و مقابله على نحو ما یخطّ بالأقلام، و کذلک انظر إلى العمود الجامع للریشه الّذی یجرى مجرى الجدول الممدّ للریشه و المغذّى لها، و خلق عصبیّ الجوهر صلبا متینا لیحفظ الریش و یمسکه لصلابته. فسبحان الّذی خلق الأزواج کلّها، و أحصى کلّ شی‏ء عددا، و أحاط بکلّ شی‏ء علما.
و قوله: و أنشأ السحاب. إلى آخره. إشاره إلى کمال قدرته باعتبار خلقه السحاب الثقال بالماء، و إرسال دیمها و هی أمطارها، و تعدید قسمها و هو ما یصیب کلّ بلد و أرض منها من القسم.
و ظاهر أنّه تعالى یعدّ الأرض بتلک البلّه بعد الجفاف لأن یخرج منها النبات بعد الجدب و إلیه الإشاره بقوله تعالى أَ وَ لَمْ یَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْکُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا یُبْصِرُونَ«»و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۲۱

بازدیدها: ۲

خطبه ۲۲۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام و هو یلی غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و تجهیزه
بِأَبِی أَنْتَ وَ أُمِّی یَا رَسُولَ اللَّهِ- لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِکَ مَا لَمْ یَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَیْرِکَ- مِنَ النُّبُوَّهِ وَ الْإِنْبَاءِ وَ أَخْبَارِ السَّمَاءِ- خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّیاً عَمَّنْ سِوَاکَ- وَ عَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِیکَ سَوَاءً- وَ لَوْ لَا أَنَّکَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ وَ نَهَیْتَ عَنِ الْجَزَعِ- لَأَنْفَدْنَا عَلَیْکَ مَاءَ الشُّئُونِ- وَ لَکَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلًا وَ الْکَمَدُ مُحَالِفاً- وَ قَلَّا لَکَ وَ لَکِنَّهُ مَا لَا یُمْلَکُ رَدُّهُ- وَ لَا یُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ- بِأَبِی أَنْتَ وَ أُمِّی اذْکُرْنَا عِنْدَ رَبِّکَ وَ اجْعَلْنَا مِنْ بَالِکَ

اللغه
أقول:

روى عوض الأنباء الأنبیاء، و هى الأخبار.

و الشئون: مواصل قطع الرأس المشعوب بعضها مع بعض، و ملتقاها.

و العرب تقول: إنّ الدموع یجی‏ء منها.

و قال ابن السکّیت: الشأنان: عرقان ینحدران من الرأس إلى الحاجبین ثمّ إلى العینین.

و الکمد: الحزن المکتوم.

و المحالف: الملازم.

و البال. القلب.

المعنى
و قوله:

بأبی أنت و امّى یتعلّق بمحذوف تقدیره أفدیک. و إنّما قال له: لقد انقطع بموتک. إلى قوله: السماء لأنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم خاتم الأنبیاء، و أراد بأخبار السماء الوحى، قال أهل التأویل: و لفظ السماء مستعار لما علا فی المعنى من سماء عالم الغیب و مقامات الملأ الأعلى. و قوله: خصصت. إلى قوله: سواء.
أى خصصت فی مصیبتک من حیث إنّها مصیبه خاصّه عظیمه لا یصاب الناس فی الحقیقه بمثلها فلذلک کانت مسلّیه لهم عن المصائب بمن سواک و عمّتهم بمصیبتک حتّى استووا فیها. و أضاف الخصوص و العموم إلیه و إن کانا للمصیبه لکونها بسببه. و قوله: و لولا. إلى قوله: و قلّالک. إشاره إلى العذر فی ترک البکاء الکثیر و مماطله الداء و ملازمه الحزن، و هو أمره صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالصبر فی مواطن المکروه و النهى عن الجزع عند نزول الشدائد. و کنّى عن کثره البکاء بإنفاد ماء الشئون، و بالداء عن ألم الحزن بفقده صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و استعار له لفظ المماطله کأنّ الحزن و ألمه لثباته و تمکّنه لا یکاد یفرق مع أنّ من عادته أن یفارق فهو کالمماطل بالمفارقه، و الضمیر فی قوله: و قلّالک یعود إلى إنفاد ماء الشئون الّذی دلّ علیه أنفدنا، و إلى الکمد المخالف. و لمّا کان هو الداء المماطل أتى بضمیر الإثنین، و یحتمل أن یعود إلى الداء المماطل و الحزن الملازم‏ ترجیحا للقرب، و الضمیر فی قوله: و لکنّه ما لا یملک. یعود إلى الموت فی قوله: بموتک، و تقدیره و لکنّ الموت الّذی لأجله البکاء و الحزن ما لا یملک ردّه و لا یستطاع دفعه فلم یکن فی البکاء و الجزع فایده و کان لزوم الصبر أولى. ثمّ عاد إلى التفدیه و هى کلمه معتاده للعرب تقال لمن یعزّ علیهم.
فإن قلت: کیف تحسن التفدیه هنا بعد الموت و هى غیر ممکنه.
قلت: إنّه لا یشترط فی إطلاقها فی عرفهم إمکان الفدیه. إذ لیس الغرض منها تحقیق الفدیه بل تخییل الفدیه و إیهامها للاسترقاق و تخییل المقول له أنّه عزیز فی نفس القائل إلى غایه أنّه أرجح من أبیه و امّه بحیث یفدیه بهما، و ظاهر أنّها ممّا یعقل [أنّها ممّا یفعل خ‏] فی الطبع میلا من المقول. ثمّ سأله أن یذکره عند ربّه و أن یجعله من باله. إذ هو السابق إلیه مع کونه رئیس الخلق و مقدّمهم فکان أولى من سئل ذلک منه، و أراد: اذکرنا عنده بما نحن علیه من طاعته. فهو کأمیر بعثه الملک إلى أهل مدینه لیصلح حالهم و ینظّمهم فی سلک طاعه الملک بالترهیب من وعیده و الترغیب فیما عنده من الکرامه فلا بدّ أن یعلمه طاعه المطیع و عصیان العاصى إذا حان رجوعه إلى خدمه الملک، أحبّ عقلاؤهم و أهل الطاعه منهم أن یذکر طاعتهم عند الملک بین یدیه فیتقرّبون إلى قلب أمیرهم و یسألونه أن یجعلهم من باله: أى من مهمّاته. یقال: هذا من بال فلان: أى مما یبالیه و یهتمّ به، و یحتمل أن یرید من مهمّات بالک فحذف المضاف. و قبض صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بعد الهجره بعشر سنین، و کان مولده عام الفیل، و بعث و هو ابن أربعین سنه بعد بنیان الکعبه، و هاجر إلى المدینه و هو ابن ثلاث و خمسین سنه، و کان سنّه یوم قبض ثلاث و ستّین سنه، و یقال: إنّه ولد یوم الإثنین، و دخل المدینه یوم الإثنین، و قبض یوم الإثنین، و دفن لیله الأربعا بحجره عایشه و فیها قبض، و تولّى تغسیله علىّ علیه السّلام و العبّاس بن عبد- المطّلب و ولده الفضل. و قد أشرنا إلى ذلک فی کیفیّه دفنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی قوله: و لقد علم المستحفظون، و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏ا لبلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۱۹

 

بازدیدها: ۲

خطبه ۲۲۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام
روى ابو محمد الیمانى عن أحمد بن قتیبه عن عبد اللّه بن یزید عن مالک بن دحیه قال: کنا عند أمیر المؤمنین علیه السّلام و قد ذکر عنده اختلاف الناس فقال إِنَّمَا فَرَّقَ بَیْنَهُمْ مَبَادِئُ طِینِهِمْ- وَ ذَلِکَ أَنَّهُمْ کَانُوا فِلْقَهً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ‏ وَ عَذْبِهَا- وَ حَزْنِ تُرْبَهٍ وَ سَهْلِهَا- فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ یَتَقَارَبُونَ- وَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا یَتَفَاوَتُونَ- فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ- وَ مَادُّ الْقَامَهِ قَصِیرُ الْهِمَّهِ- وَ زَاکِی الْعَمَلِ قَبِیحُ الْمَنْظَرِ- وَ قَرِیبُ الْقَعْرِ بَعِیدُ السَّبْرِ- وَ مَعْرُوفُ الضَّرِیبَهِ مُنْکَرُ الْجَلِیبَهِ- وَ تَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ- وَ طَلِیقُ اللِّسَانِ حَدِیدُ الْجَنَانِ أبو محمّد ذعلب الیمانىّ و أحمد و عبد اللّه و مالک من رجال الشیعه و محدّثیهم.

اللغه
و الفلقه: القطعه، و الشقّ من الشی‏ء.

و الرواء: المنظر الجمیل.

و سبرت الرجل أسبره: اختبرت باطنه و غوره.

و الضریبه: الخلق و الطبیعه.

و الجلیبه: ما یجلبه الإنسان و یتکلّفه.

و الکلام إشاره إلى السبب المادىّ لاختلاف الناس فی الصور و الأخلاق.
فقوله: إنّما فرّق بینهم. إلى قوله: یتفاوتون. فطینهم إشاره إلى التربه الّتی أشار إلى جمع اللّه لها فی قوله: فی الخطبه الاولى: ثمّ جمع سبحانه من سهل الأرض و حزنها و سبخها و عذبها تربه. إلى قوله: و أصلدها حتّى استمسکت. و المعنى أنّ تقاربهم فی الصور و الأخلاق تابع لتقارب طینهم و تقارب مبادیه و هى السهل و الحزن و السبخ و العذب، و تفاوتهم فیها تابع لتفاوت طینهم و مبادیه المذکوره. قال أهل التأویل: إضافه المبادى هنا إلى الطین إضافه بمعنى اللام: أى المبادى لطینهم، و الإشاره بطینهم إلى اصولهم، و هى الممتزجات المنتقله فی أطوار الخلقه کالنطفه و ما قبلها من موادّها و ما بعدها من العلقه و المضغه و العظم، و المزاج الإنسانىّ القابل للنفس المدبّره. قالوا: و لمّا کانت مبادى ذلک الطین فی ظاهر کلامه علیه السّلام هى السبخ و العذب و السهل و الحزن کان ذلک کنایه عن الأجزاء العنصریّه الّتی هى مبادی الممتزجات ذوات الأمزجه کالنبات و الغذاء و النطفه و ما بعدها. إذ کلّ ممتزج منها لا بدّ فیه من أجزاء متفاعل فیحصل بواسطتها استعداداتها، و تفاعلها ذو مزاج هو نطفه و غیرها فتلک الأجزاء المتفاعله المستعدّه لمزاج مزاج هى مبادى تلک الأمزجه و الممتزجات و لمّا کانت السبخیّه و العذوبه و السهوله و الحزونه امورا تلحق الممتزجات الأرضیّه الّتی هى مبادئ الطین و لها أثر فی اختلاف مزاجه و سایر الأمزجه المرکّبه منه، و کان اختلاف استعدادات تلک الامور الممتزجه لقبول الأمزجه الّتی هى السبب فی اختلاف الأمزجه و استعداداتها لقبول الأخلاق و الصور هو السبب فی اختلاف الأخلاق و الصور لا جرم کان السبب فی تفرّق الناس فی أخلاقهم و خلقهم إنّما هو اختلاف مبادئ طینهم، و قد علمت ممّا سلف فی الخطبه الاولى لمیّه تخصیصه علیه السّلام بعض الأجزاء العنصریّه بالترکّب عنها، و یحتمل أن یشیر بالسبخ و العذب و السهل و الحزن إلى الأجزاء الأرضیّه من حیث هى ذوات أمزجه متعادله الکیفیّات. فالسبخ کنایه عن الحارّ الیابس منها، و العذب کنایه عن الحارّ الرطب، و السهل کنایه عن البارد الرطب، و الحزن کنایه عن البارد الیابس قالوا: و على هذا حمل قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّ اللّه سبحانه لمّا أراد خلق آدم أمر أن یؤخذ قبضه من کلّ أرض فجاء بنو آدم على قدر طینها الأحمر و الأبیض و السهل و الحزن و الطیّب و الخبیث. فالقبضه من کلّ أرض إشاره إلى الأجزاء الأرضیّه المذکوره، و کون الناس مختلفین عنها بالأبیض و الأحمر إشاره إلى اختلاف خلقهم، و کونهم مختلفین بالسهوله و الحزونه و الطیّب و الخبیث إشاره إلى اختلاف تلک الاستعدادات السابقه على کلّ مزاج فی أطوار خلقهم قالوا: و قد بان بذلک معنى قوله: فهم على حسب قرب أرضهم یتقاربون: أى على حسب قرب مبادى طینهم المذکوره و تشابهها فی استعداداتها و إعدادها یتقاربون و یتشابهون فی الصور و الأخلاق، و على قدر اختلاف تلک المبادی و تباینها فی ذلک یتفاوتون و تتضادّ أخلاقهم و تتباین خلقهم. قالوا: و یجب التأویل هنا لأنّا لو حملنا الکلام على ظاهره لاقتضى أنّ کلّا منهم قد خلق من الطین. قوله: فتامّ الرواء. إلى آخره.

تفصیل لهم فی تفاوتهم. و ذکر أقساما سبعه فبدء بالأقسام الّتی تضادّ خلقها لأخلاقها أو بعض أخلاقها لبعض و هى خمسه: الأوّل: من استعدّ مزاجه لقبول صوره کامله حسنه و عقل ناقص فهو داخل فی رذیله الغباوه. الثانی: المستعدّ لامتداد القامه و حسنها أیضا لکنّه ناقص فی همّته فهو داخل فی رذیله الجبن، و کلاهما یشترکان فی مخالفه ظاهرهما لباطنهما، و یتفاوتان فی الاستعداد الباطن. الثالث: المستعدّ لقبح صورته الظاهره و حسن باطنه باعتدال مزاج ذهنه المستلزم للأعمال الذاکیه. الرابع: قریب القعر: أى قصیر بعید السبر: أى داهیه ببعد اختیار باطنه و الوقوف على أسراره، و مخالفه ظاهر هذین القسمین لباطنهما ظاهر. الخامس. معروف الضریبه منکر الجلیبه: أى یکون له خلق معروف یتکلّف ضدّه فیستنکر منه، و یظهر علیه تکلّفه کأن یکون مستعدّا للجبن فیتکلّف الشجاعه أو بخیلا فیتکلّف السخاوه فیستنکر منه ما لم یکن معروفا منه. فهذه هى الأقسام الخمسه، و القسم الأوّل و الثالث قلیلان فإنّ الأغلب على المستعدّ لحسن الصوره و جمالها و اعتدال الخلقه أن یکون فطنا ذکیّا لدلاله تلک العوارض على استواء الترکیب و اعتدال المزاج، و الأغلب على المستعدّ لقبح الصوره عکس ذلک، و أما القسم الثانی و الرابع فهو أکثر فإنّ الأغلب على طویل القامه نقصان العقل و البلاده و یتبع ذلک فتور العزم و قصور الهمه، و على القصیر الفطنه و الذکاء و حسن الآراء و التدابیر، و قد نبّه بعض الحکماء على علّه ذلک فقال حین سئل ما بال القصار من الناس أدهى و أحذق: لقرب قلوبهم من أدمغتهم. و مراده أنّ القلب لمّا کان مبدء للحار الغریزىّ و کان الأعراض النفسانیّه من الفطنه و الفهم و الإقدام و الوقاحه و حسن الظنّ و جوده الرأى و الرجاء و النشاط و رجولیّه الأخلاق و قلّه الکسل و قلّه الانفعال عن الأشیاء کلّ ذلک یدلّ على الحراره و توفّرها، و أضداد هذه الامور یدلّ على البروده لا جرم کان قرب القلب من الدماغ فی القصیر لکونه سببا لتوفّر الحراره فی الدماغ وجوده استعداد القوى النفسانیّه فیه للأعراض المذکوره، و کان بعده منه فی الطویل سببا لقلّه الحراره فیه و ضعف استعداد القوى النفسانیّه فیه للأعراض المذکوره، و استعدادها لأضدادها و إن کانت الحراره لیست هى کمال السبب المادىّ، و القسم الخامس أکثرى و ذلک لمحبّه النفوس للکمالات فترى البخیل یحبّ أن یعدّ کریما فیتکلّف الکرم، و الجبان یحبّ أن یعدّ شجاعا فیتکلّف الشجاعه، و قد راعى فی هذه القرائن المطابقه فالتامّ بإزاء الناقص، و مادّ القامه بإزاء القصیر، و الذکىّ بإزاء القبیح، و القریب بإزاء البعید، و المعروف بإزاء المنکر، و أمّا القسمان الباقیان فأحدهما: تائه القلب متفرّق اللبّ، و هم العوامّ. و العامّه أتباع کل ناعق التائهون فی تیه الجهل المتفرّقه أهواؤهم بحسب کلّ سانح من المطالب الدنیویّه و الخواطر الشیطانیّه، و الثانی: طلیق اللسان حدید الجنان، و هو اللسن الزکىّ، و هذان القسمان مخالفان للأقسام الاولى فی مناسبه ظاهرهما لباطنهما، و راعى فی کلّ قرینتین من هذین القسمین السجع المتوازى. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۱۵

 

بازدیدها: ۲